HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٠٥

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ. فَقُمْنَا فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ. قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، ذَكَرَ فَانْصَرَفَ. وَقَالَ لَنَا «مَكَانَكُمْ» فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا. وَقَدِ اغْتَسَلَ. يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً. فَكَبَّرَ فصلى بنا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص101
ج ١ ص ٤٢٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٣٣٠
خَرَجْتُ») يعني أن زيادة قوله:«حتى تروني قد خرجت»إنما رواها إسحاق من حديث معمر، وشيبان. ثم إن الزيادة هي قوله:«قد خرجت»، وأما«حتى تروني»، فمذكور عند الجميع، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٠] (٦٠٥) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقُمْنَا، فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ذَكَرَ، فَانْصَرَفَ، وَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ»، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، وَقَدِ أَغْتَسَلَ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ، فَصَلَّى بِنَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) عن (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٣ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ذُكر قبل حديث. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول انفرد هو به، والبخاريّ، وأبو داود، والثاني انفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم بغداديّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) أنه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) المراد من الإقامة ذكر الألفاظ المخصوصة المشهورة الْمُشْعِرة بالشروع في الصلاة، وهي أخت الأذان، كذا قاله الكرمانيّ، وقال العينيّ: معناه إذا نادى المؤذن بالإقامة، فأقيم المسبب مقام السبب. انتهى . (فَقُمْنَا، فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ) أي سوّيناها، وتعديلُ الشيء: تقويمه، يقال: عدّلته، فاعتدل: أي قوّمته، فاستقام (قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) «قبل» ظرف تنازعه «قُمنا»، و«فعدّلنا». وفي رواية البخاريّ: «أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج، وقد أقيمت الصلاة»، فقال في «الفتح»: قوله: «خرج، وقد أقيمت الصلاة» يَحْتَمِل أن يكون المعنى خرج في حال الإقامة، ويَحْتَمِل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه، وهو ظاهر قوله: «فسَوَّى الناس صفوفهم، فخرج. . .» لتعقيب الإقامة بالتسوية، وتعقيب التسوية بخروجه بالفاء. ويحتمل أن يُجْمَع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتا حالًا، أي خرج، والحال أن الصلاة أقيمت، والصفوف عدلت. وقال الكرمانيّ: لفظ «قد» تُقَرِّب الماضي من الحال، وكأنه خرج في حالة الإقامة، وفي حال التعديل، ويَحْتَمِل أن يكونوا إنما شرعوا في ذلك بإذن منه، أو قرينة تدلّ عليه. انتهى . (فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي إلى مصلّاه؛ ليصلّي بالناس (حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ) -بضم الميم- أي موضع صلاته (قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ) هذا صريح في أنه -ﷺ- لم يكن كبر، ودخل في الصلاة، ومثله في رواية البخاريّ: «وانتظرنا تكبيره»، وفي رواية له: «حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، انصرف. . .». [فإن قيل]: يعارض هذا ما أخرجه أبو داود، وابن حبان، عن أبي بكرة -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- دخل في صلاة الفجر، فكبر، فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلّى بهم». وأخرج مالك عن عطاء بن يسار مرسلًا: «أنه -ﷺ- كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب، ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء». [أجيب]: -كما قال في «الفتح»- بإمكان الجمع بينهما بحمل قوله: «كبر» على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، كما أبداه عياض، والقرطبيّ احتمالًا، وقال النوويّ: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبّان كعادته، فإن ثبت، وإلا فما في الصحيح أصح، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: ادَّعَى ابن بطال أن الشافعيّ احتَجّ بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام، قال: فناقض أصله، فاحتَجَّ بالمرسل. وتُعُقِّب بأن الشافعيّ -﵀- لا يرد المراسيل مطلقًا، بل يحتجّ منها بما يَعْتَضِد، والأمر هنا كذلك؛ لحديث أبي بكرة -﵁- المذكور، قاله في «الفتح» . وقوله: (ذَكرَ) حذف مفعوله في هذه الرواية، وقد ذُكر في رواية البخاريّ، ولفظه: «فلما قام في مصلّاه ذكر أنه جُنُبٌ». [تنبيه]: «ذَكَرَ» من باب نصر، مبنيًّا للفاعل: ضدّ نَسِيَ، قال الفيّوميّ: ذَكَرته بلساني، وبقلبي ذِكْرَى بالتأنيث، وكسر الذال، والاسم: ذُكْرٌ بالضمّ والكسر، نصّ عليه جماعة، منهم أبو عُبيدة، وابن قُتيبة، وأنكر الفرّاء الكسر في القلب، وقال: اجعلني على ذُكر منك بالضمّ لا غير، ولهذا اقتصر جماعة عليه، ويتعدّى بالألف والتضعيف، فيقال: أذكرته، وذَكَّرته ما كان، فتذكّر. انتهى . (فَانْصَرَفَ) أي رجع إلى حجرته (وَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ») بالنصب: اسم فعل، فسّره النحويون بـ «اثبتوا»، فيتحمل ضميرًا، ومنه قول الشاعر: وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ … مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي أي اثبتي، ويدلّ على ذلك جزم جوابه، وهو «تُحْمَدي». وفسره الزمخشري بـ «الزموا»، واعترض عليه أبو حيان بأنه ليس بجيّد؛ إذ لو كان كذلك لتعدى كما يتعدى ما ناب هذا عنه، فإن اسم الفعل يعامَلُ معاملة مسماه. وقال الحوفيّ: «مكانكم» نُصِب بإضمار فعل، أي الزموا مكانكم، أو اثبتوا. وقال السمين الحلبيّ: إن مَن فسر بذلك قصد تفسير المعنى . ثم إن الظاهر أنه قال لهم: «مكانكم» نُطْقًا، ويَحْتَمِل أنه أشار إليهم بذلك، كما صرح به في حديث أبي بكرة -﵁- المذكور، ففيه إطلاق القول على الإشارة، ويَحْتَمِل أنه جمع بين القول والإشارة، واللَّه تعالى أعلم. (فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا) جمع قائم كتِجَار بكسر التاء، جمع تاجر، ويجوز أن يكون مصدرًا جاريًا على حقيقته، وقال الكرمانيّ: فهو تمييزٌ، أو محمول على اسم الفاعل، فهو حال. وقال في «العمدة»: إذا كان لفظ قيامًا مصدرًا يكون منصوبًا على التمييز؛ لأن في قوله: «فَعَدَّلنا الصفوفَ» فيه إبهام، فيفسِّره قوله: «قِيامًا»، أي من حيث القيام، وإذا كان جمعًا لـ «قائم» يكون انتصابه على الحالية، وذو الحال محذوف تقديره: وعدّلنا الصفوفَ حال كوننا قائمين. انتهى بتصرّف . [فإن قيل]: إن حديث الباب يدلّ على أنهم انتظروه قيامًا، وحديث أبي قتادة -﵁- المذكور قبل هذا: «إذا أُقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت»، يدلّ على النهي عن انتظاره قيامًا، فكيف يوفق بينهما؟. [قلت]: تقدّم الجواب عن هذا بأن حديث أبي هريرة -﵁- وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم هذا كان سببًا لنهيه -ﷺ- لهم في حديث أبي قتادة -﵁-، واللَّه تعالى أعلم. (نَنْتَظِرُهُ) أي ننتظر مجيئه (حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، وَقَدِ أَغْتَسَلَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً) -بكسر الطاء، وضمها- لغتان مشهورتان: أي يقطُر، وفي رواية للبخاريّ من طريق محمد بن يوسف، عن الأوزاعي: «ثم خرج ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم». وعند الدارقطنيّ من وجه آخر عن أبي هريرة -﵁-، فقال: «إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل». (فَكَبَّرَ، فَصَلَّى بِنَا) قال النوويّ -﵀-: وظاهر هذه الأحاديث أنه لَمّا اغتسل وخرج لم يجددوا إقامة الصلاة، وهذا محمول على قرب الزمان، فإن طال فلا بدّ من إعادة الإقامة، ويدلّ على قرب الزمان في هذا الحديث قوله -ﷺ -: «مكانكم»، وقوله: «خرج إلينا، ورأسه ينطف ماء». انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في قوله: «فإن طال، فلا بد من إعادة الإقامة» نظر؛ إذ لا دليل على ذلك، بل يردّه أنهم انتظروه طويلًا حين كان يناجي رجلًا بعد الإقامة للصلاة، ثم صلى، ولم تُعَدِ الإقامة ، كما تقدم تحقيقه ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ١٣٧٠ و١٣٧١ و١٣٧٢] (٦٠٥)، و(البخاريّ) في «الغسل» (٢٧٥) و«الأذان» (٦٣٩ و٦٤٠)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٣٥)، و(النسائيّ) في «الإمامة» (٧٩٢ و٨٠٩)، و«الكبرى» (٨٦٧ و٨٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٥٩، ٢٨٣، ٤٤٨، ٥١٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٦٢٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٢٣٦)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٣٤٢ و١٣٤٣ و١٣٤٤ و١٣٤٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٤٣ و١٣٤٤ و١٣٤٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٣٩٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الإمام إذا تذكر بعد القيام للصلاة أنه على غير طهارة يُنتَظَر حتى يتطهر، ويرجع. ٢ - (ومنها): بيان جواز النسيان على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في أمر العبادة؛ لأجل التشريع. ٣ - (ومنها): بيان طهارة الماء المستعمل. ٤ - (ومنها): جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ إذ قوله: «فصلى» ظاهر في أن الإقامة لم تعد. ٥ - (ومنها): أنه لا حياء في أمر الدين. ٦ - (ومنها): جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قيامًا عند الضرورة، = يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم. وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة -﵁-، كما أسلفنا وجه التوفيق بينهما. ٧ - (ومنها): بيان أنه لا يجب على من احتلم في المسجد، فأراد الخروج منه أن يتيمم، خلافًا لمن قال ذلك. ٨ - (ومنها): جواز الكلام بين الإقامة والصلاة. ٩ - (ومنها): جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث. ١٠ - (ومنها): العناية بإقامة الصفوف. ١١ - (ومنها): شدة عناية الصحابة -﵃- بامتثال أمره -ﷺ-، حيث انتظروه قيامًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس، وهو جنب: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: قد اختلفوا في الإمام يصلي بالناس وهو جنب؛ فقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون، فعل ذلك عمر بن الخطاب، فأعاد الصلاة، ولم يُعِد من خلفه صلاتهم. وروي هذا القول عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن عمر -﵃-. أخرج ابن المنذر بسنده عن الشريد الثقفي: أن عمر بن الخطاب -﵁- صلّى بالناس الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الْجُرُف، فذهب يَغتسل، فرأى في فخذيه احتلامًا، فقال: ما أراني إلا قد صلّيت بالناس وأنا جنب، فاغتسل، ثم أعاد الصلاة. وأخرج أيضًا عن الأسود بن يزيد، قال: كنت مع عمر بن الخطاب بين مكة والمدينة، فصلّى بنا، ثم انصرف، فرأى في ثوبه احتلامًا، فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، وأعاد صلاته، ولم نُعِد صلاتنا. وأخرج أيضًا عن محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق أن عثمان -﵁- صلّى بالناس صلاة الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه، فقال: كَبِرت، واللَّه كَبِرت، واللَّه أجنبت، ولا أعلم، فاغتسل، وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا. وأخرج أيضًا عن الحارث الأعور، عن عليّ -﵁-، قال: إذا صلّى الجنب بالقوم، فأتمّ بهم الصلاة آمره أن يغتسل، ويعيد، ولا آمرهم أن يعيدوا. وأخرج أيضًا عن سالم بن عبد اللَّه: أن ابن عمر -﵁- صلّى بأصحابه صلاة العصر، وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يعد أصحابه. وهو قول النخعيّ، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وبه قال مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، والمزنيّ، وحُكي ذلك عن عبيد اللَّه بن الحسن. وقالت طائفة: يعيد ويعيدون، وممن روي عنه هذا القول علي بن أبي طالب -﵁- خلاف الرواية الأولى، وبالروايتين جميعًا مقال ، وهو قول ابن سيرين، والشعبيّ، وحماد بن أبي سليمان، وقال الثوريّ: أحب إلينا أن يعيد، ويعيدون، وقال النعمان، وأصحابه: يعيد ويعيدون. وفيه قول ثالث، قاله عطاء: إن صلّى إمام قوم غير متوضئ، فذكر حين فرغ، قال: يعيد ويعيدون، فإن لم يذكر حتى فاتت الصلاة فإنه يعيد هو، ولا يعيدون، قيل له: فصلّى بهم جنبًا، فلم يعلموا، ولم يعلم حتى فاتت تلك الصلاة، قال: فليعيدوا، فليست الجنابة كالوضوء. واختُلِف على مالك، والشافعيّ في الإمام تعمد أن يصلي بهم، وهو جنب، فكان مالك يقول: صلاة القوم فاسدة، وكان الشافعيّ يقول: عَمْدُ الإمام ونسيانه سواء، ولا إعادة على القوم، إلا أن الإمام يأثم بالعمد، ولا يأثم بالنسيان. قال ابن المنذر -﵀-: ومن حجة بعض من رأى أن لا إعادة على من صلّى خلف جنب خبر أبي هريرة، وخبر أبي بكرة -﵄-، قال: وفي خبر أبي بكرة أن رسول اللَّه -ﷺ- دخل في صلاة الفجر، وفي ذلك دليلٌ على أن لا إعادة على المأموم؛ لأن حكم القليل من الصلاة كحكم الكثير فيمن صلّى خلف جنب، قال: ولو لم يكن في ذلك عن النبيّ -ﷺ- حديث لكان فيما روي عن الخلفاء الراشدين -﵃- في هذا الباب كفاية، وقد ثبتٌ عن ابن عمر مثل قولهم، ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبيّ -ﷺ- خلافَ قولهم. فأما ما حَدَث عن عليّ -﵁- ففي الإسنادين جميعًا مقال، فكأن عليًا لم ياتنا عنه في هذا الباب شيء؛ لضعف الروايتين، وتضادهما، واللازم لمن يرى اتباع أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أن لا يخالف ما رويناه عن عمر، وعثمان، وابن عمر -﵃- في هذا الباب، والنظر مع ذلك دالّ على ذلك؛ لأن القوم لما صَلَّوا كما أُمِروا، وأدَّوا فرضهم، ثم اختُلِف في وجوب الإعادة عليهم لم يجز أن يُلْزَموا إعادةَ ما صَلَّوا على ظاهر ما أمروا به بغير حجة. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- ببعض تصرف . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن المنذر -﵀- من ترجيح مذهب من يقول: إنّ من صلى خلف جنب أو نحوه لا إعادة عليه، هو الصواب عندي؛ لقوة دليله، كما تقدّم تحقيقه في كلامه -﵀-. وقد ذكرت البحث بأطول وأتمّ مما هنا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَامَ مَقَامَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ، أَنْ مَكَانَكُمْ، فَخَرَجَ، وَقَدِ اغْتَسَلَ، وَرَأْسُهُ يَنْطُفُ الْمَاءَ، فَصَلَّى بِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبّاس الدمشقيّ، تقدّم قبل حديث. ٣ - (أَبُو عَمْرِو الْأَوْزَّاعِيَّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو الفقيه، ثقةٌ إمام جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ) «صَفّ» يُستَعمَل لازمًا، ومتعديًا، يقال: صففتُ القومَ، فاصطفوا، وصَفَفتهم، فصَفُّوا هم، والمراد هنا أنهم عَدَّلوا صفوفهم، وفي رواية البخاريّ: «فسوّى الناس صفوفهم». (وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَامَ مَقَامَهُ) وفي رواية البخاريّ: «فخرج» بالفاء. وقوله: (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ) أي أشار إليهم. وقوله: (أَنْ مَكَانَكُمْ) «أن» تفسيريّة، أي الزموا مكانكم. وقوله: (فَخَرَجَ) عطف على محذوف، كما تبيّنه الروايات الأخرى، أي فرجع إلى بيته، فخرج منه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَقَامَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، يُلقّب بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠] مات بعد (٢٢٠) (ع) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢١. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَقَامَهُ) قال الحافظ ابن رجب -﵀-: هذه الرواية تصرّح بأن الصفوف كانت تُعدّل قبل أن يبلغ النبيّ -ﷺ- إلى مصلّاه، ولكنّه قد خرج من بيته، ورآه من كان بقرب بيته. قال: وقد ذكر الدارقطنيّ وغير واحد من الحفّاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد بن مسلم من الحديث الذي قبله، فأتى به بهذا اللفظ. انتهى . [تنبيه]: هذا الحديث مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار -﵀- في «علله»، ودونك نصّه: (١١) - ووجدت فيه عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: «كانت الصلاة تُقام لرسول اللَّه -ﷺ-، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يأخذ النبيّ -ﷺ- مقامه». قال أبو الفضل: وهذا اختصار عندنا من الوليد بن مسلم، اختصر الحديث، والحديث حديث الزُّبيديّ، ومعمر، ويونس، والأوزاعيّ، وأصحاب الزهريّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- قال: «أقيمت الصلاة، وصُفّت الصفوف، ثم خرج رسول اللَّه -ﷺ-، فلما أخذ مقامه، أشار إليهم أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه يقطر»، فالحديث هو الذي رواه الزهريّ. انتهى كلام أبي الفضل -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي عزاه أبو الفضل إلى «صحيح مسلم» من رواية داود بن رُشيد، لم نجده في النسخ الموجودة عندنا، وإنما رواه مسلم عن إبراهيم بن موسى، عن الوليد، لا عن داود بن رُشيد، ولعلّه وجد نسخة فيها روايته عن داود. وأما رواية داود، عن الوليد فهي عند أبي داود في «سننه»، ودونك نصّه: (٥٤١) حدّثنا محمود بن خالد، حدّثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو (ح) وحدّثنا داود بن رُشيد، حدّثنا الوليد، وهذا لفظه، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أن الصلاة كانت تقام لرسول اللَّه -ﷺ-
مصادر المؤلف (١٤)

١. «عمدة القاري» ٣/ ٣٣٤.

٢. راجع: «الفتح» ٢/ ١٤٣.

٣. «الفتح» ٢/ ١٤٣ - ١٤٤.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩.

٥. راجع: تفسير السمين الحلبيّ المسمَّى «الدّرّ المصون في علوم الكتاب المكنون» ٤/ ٢٦ - ٢٧.

٦. راجع: «عمدة القاري» ٣/ ٣٣٢.

٧. «شرح النوويّ» ٥/ ٢٠٣.

٨. هو: ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك -﵁- قال: أقيمت الصلاة، والنبيّ -ﷺ- =

٩. تقدّم الحديث في «كتاب الحيض» برقم (٣٧٦) رقم محمد فؤاد -﵀-.

١٠. أما الرواية الأولى ففي سندها الحارث الأعور، متكلَّم فيه، وفي الثانية عمرو بن خالد الواسطيّ، وهو متروك، رماه الحفّاظ بالكذب، كما قاله البيهقيّ في «السنن الكبرى» ٢/ ٤٠١.

١١. «الأوسط» ٤/ ٢١١ - ٢١٥.

١٢. «فتح الباري»لابن رجب ٥/ ٤١٤.

١٣. أي«صحيح مسلم» «كتاب المساجد»رقم (٦٠٥).

١٤. راجع:«قرّة عين المحتاج» ١/ ١٤٦.