HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦١٦

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ مُهَاجِرًا أَبَا الْحَسَنِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظُّهْرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَبْرِدْ أَبْرِدْ». أَوَ قَالَ «انْتَظِرِ انْتَظِرِ» وَقَالَ «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ». قَالَ أَبُو ذَرٍّ: حتى رأينا فيء التلول.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص108
ج ١ ص ٤٣١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٤٧١
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأَبْناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣، والحديث مضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٠٢] (٦١٦) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُهَاجِرًا أَبَا الْحَسَنِ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ زيدَ بْنَ وَهْبٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَبْرِدْ أَبْرِدْ»، أَوْ قَالَ: «انْتَظِرِ انْتَظِرْ»، وَقَالَ: «إِنَّ شِد الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ»، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ) التيميّ الكوفيّ الصائغ، مولى بني تيم اللَّه، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن البراء بن عازب، وابن عباس، ورجل من الحضرميين له صحبة، وعمرو بن ميمون الأوديّ، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وأبو معاوية النخعيّ، ومِسْعَرٌ، ومالك بن مِغْوَل، وإسرائيل، وشريك، وأبو عوانة، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال أبو زرعة: حدّثنا عبد اللَّه بن أبي بكر الْعَتَكيّ، حدّثنا شعبة، عن أبي الحسن، يعني مهاجرًا الصائغ، وأحسن شعبة عليه الثناء، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال يعقوب بن سفيان، والعجليّ: كوفيّ ثقةٌ. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. ٥ - (زيدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم، لم يُصب من قال: في حديثه خللٌ [٢١] مات بعد (٨٠) وقيل: سنة (٩٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٧/ ٣٧٤. ٦ - (أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ، جندب بن جُنادة، وقيل غيره، الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى مهاجر، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالكوفيين، سوى أبي ذرّ -﵁-، فرَبَذيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) -﵁-، ووقع عند البخاريّ من طريق أخرى عن شعبة بهذا الإسناد: «سمعت أبا ذرّ» . (قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن شبابة، ومسدد، عن أمية بن خالد، والترمذيّ من طريق أبي داود الطيالسيّ، وأبي عوانة، من طريق حفص بن عمر، ووهب بن جرير، والطحاويّ، والجوزقيّ من طريق وهب أيضًا كلهم عن شعبة التصريح بأنه بلال -﵁-. ولفظ أبي عوانة في «مسنده»: «كنّا مع النبيّ -ﷺ- في مسير فأراد بلال أن يؤذّن بالظهر، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: أبرد. . .»، وفي رواية: «كنّا مع رسول اللَّه -ﷺ- في سفر، فأذّن بلالٌ، فقال: مه يا بلال. . .» الحديث. (بِالظُّهْرِ) متعلّق بـ «أذّن»، أي أعلم الناس بدخول وقت الظهر (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَبْرِدْ أَبْرِدْ») أمر من الإبراد، مكرّرًا، وظاهر هذا أن الأمر بالإبراد وقع بعد تقدّم الأذان منه، ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «فأراد أن يؤذّن للظهر»، وظاهره أن ذلك وقع قبل الأذان، فيُجمع بينهما بأنه شَرَع في الأذان، فقيل له: أَبْرِدْ، فترك، فمعنى «أذّن»: شَرَع في الأذان، ومعنى «أراد أن يؤذّن»: أي يُتمّ الأذان، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأقرب في وجه الجمع -كما قاله في «العمدة» - أن يقال: إن معنى قوله: «أذّن» أراد الشروع في الأذان، فهذا أسهل وأوفق في الجمع، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ: «فأراد المؤذّن أن يؤذّن للظهر، فقال النبيّ -ﷺ-: أبرد، ثم أراد أن يؤذّن، فقال له: أبرد»، زاد أبو داود في روايته، عن أبي الوليد، عن شعبة: «مرتين أو ثلاثًا»، وجزم مسلم بن إبراهيم، عن شعبة بذكر الثالثة، وهو عند البخاريّ في «باب الأذان للمسافرين». [فإن قيل]: الإبراد للصلاة، فكيف أمر المؤذن به للأذان؟. [فالجواب]: أن ذلك مبنيّ على أن الأذان هل هو للوقت، أو للصلاة؟، وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يُقَوِّي القول بأنه للصلاة. وأجاب الكرمانيّ بأن عادتهم جرت بأنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان لغرض الإبراد بالعبادة، قال: ويَحْتَمِل أن المراد بالتأذين هنا الإقامة. قال الحافظ: ويشهد له رواية الترمذيّ من طريق أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، بلفظ: «فأراد بلال أن يقيم»، لكن رواه أبو عوانة من طريق حفص بن عمر، عن شعبة، بلفظ: «فأراد بلال أن يؤذن»، وفيه: «ثم أمره، فأذَّن وأقام». ويُجْمَع بينهما بأن إقامته كانت لا تتخلف عن الأذان؛ لمحافظته -ﷺ- على الصلاة في أول الوقت، فرواية: «فأراد بلال أن يقيم»، أي أن يؤذِّن ثم يقيم، ورواية: «فأراد أن يؤذِّن» أي ثم يقيم. انتهى . (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: «انْتَظِرِ انْتَظِرْ») وهو بمعنى «أبرد»؛ لأن المقصود بالانتظار هو الإبراد (وَقَالَ) -ﷺ- معلّلًا أمره بالإبراد، أو الانتظار («إِنَّ شِد الْحَرّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) -بفاء مفتوحة، ثم مثنّاة من تحتُ ساكنة، ثم حاء مهملة-: أي سُطُوع حرّها، وانتشاره، وغليانها، يقال: فاحت القِدْرُ تفيح، وتفوح: إذا هاجت وغَلَت (فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ،) قال القرطبيّ -﵀-: أي أخّروها عن ذلك الوقت، وادخلوا بها في وقت البرد، وهو الزمن الذي يَتَبَيَّن فيه انكسار شدّة الحرّ، وتوجد فيه برودةٌ ما، يقال: أبرد الرجل: أي صار في بَرْد النهار. قال: و«عن» بمعنى الباء، كما قد روي في بعض طرقه: «أبردوا بالصلاة»، و«عن» تأتي بمعنى الباء، كما يقال: رميت عن القوس، أي به، كما تأتي الباء بمعنى «عن»، كما قال الشاعر [من الطويل]: فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي … بَصِيرٌ بأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ أي عن النساء، وكما قيل في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي عنه، وقيل: إن «عن» زائدة، أي أبردوا الصلاةَ، يقال: أبرد الرجلُ كذا: إذا فعله في بَرْد النهار. انتهى . (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) -﵁- (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ) بالضمّ: جمع تَلّ، وهي الروابي، وظلّها لا يظهر إلا بعد تمكّن الفيء، واستطالته جدًّا، بخلاف الأشياء المنتصبة التي يظهر فيئها سريعًا في أسفلها؛ لاعتدال أعلاها وأسفلها، قاله القرطبيّ -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: معناه أنه أخّر تأخيرًا كثيرًا حتى صار للتُّلُول فيءٌ، والتُّلُول منبطحة غير منتصبة، ولا يصير لها فيء في العادة إلا بعد زوال الشمس بكثير، قاله النوويّ -﵀- . وقال في «الفتح»: قوله: «حتى رأينا. . . إلخ» هذه الغاية متعلقة بقوله: «فقال له: أَبْرِد» أي كان يقول له في الزمان الذي قبل الرؤية: أبرد، أو متعلقة بـ «أَبْرِد»، أي قال له: أبرد إلى أن ترى، أو متعلقة بمقدر: أي قال له: أبرد، فأبرد إلى أن رأينا. و«الفيء» -بفتح الفاء، وسكون الياء، بعدها همزة-: هو ما بعد الزوال من الظل. و«التُّلُول» جمع تَل -بفتح المثناة، وتشديد اللام-: كلُّ ما اجتمع على الأرض، من تراب، أو رمل، أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة، غير شاخصة، فلا يظهر لها ظلّ إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر. وقال ابن رجب -﵀-: قوله: «حتى رأينا فيء التُّلُول» يعني حتى مالت الشمس، وبَعُدت عن وسط السماء، حتى ظهر للتُّلول فيءٌ. و«الفيء»: هو الظلّ بعد زواله، فإن الشمس إذا طلعت كان للتلول ونحوها ظلّ مستطيلٌ، ثم يقصُر حتى يتناهى قِصَرُهُ وقت قيام الشمس بالظهيرة، ثم إذا زالت الشمس عاد الظلّ، وأخذ في الطول، فما كان قبل الزوال يُسمَّى ظلًّا، وما كان بعده يُسمّى فيئًا؛ لرجوع الظلّ بعد ذهابه، ومنه سُمّي الفيء فيئًا، كأنه عاد إلى المسلمين ما كانوا أحقّ به ممن كان في يده. انتهى . [تنبيه]: اختَلَفَ العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتى يصير الظل ذراعًا بعد ظل الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل غير ذلك. ونزّلها المازريّ على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنه يَخْتَلف باختلاف الأحوال، لكن يُشتَرط أن لا يمتد إلى آخر الوقت، وأما ما وقع عند البخاريّ في «الأذان» عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، بلفظ: «حتى ساوى الظلّ التُّلُول»، فظاهره يقتضي أنه أخَّرها إلى أن صار ظل كل شيء مثله. ويَحْتَمِل أن يراد بهذه المساواة ظهور الظل بجنب التَّلّ بعد أن لم يكن ظاهرًا، فساواه في الظهور، لا في المقدار، أو يقال: قد كان ذلك في السفر، فلعله أخّر الظهر حتى يجمعها مع العصر، قاله في «الفتح» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٤٠٢] (٦١٦)، و(البخاريّ) في «المواقيت» (٥٣٥ و٥٣٩)، و«الأذان» (٦٢٩)، و«بدء الخلق» (٣٢٥٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤٠١)، و(الترمذيّ) فيها (١٥٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٤٤٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٣٢٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٥٥ و١٦٢ و١٧٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٢٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٥٠٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠١٧ و١٠١٨ و١٠١٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٧٨)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٨٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٣٨)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٦٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الإبراد في الظهر في السفر، وفيه الردّ على ما نُقل عن الشافعيّ -﵀- حيث قيّد الإبراد بالحضر دون السفر، وقد عقد الإمام البخاريّ -﵀- عليه بابًا في «صحيحه»، فقال: «باب الإبراد بالظهر في السفر»، ثم أورد حديث أبي ذرّ -﵁- هذا، قال الحافظ ابن رجب -﵀-: مقصود البخاري بهذا الباب أن الإبراد بالظهر مشروع في الحضر والسفر، وسواء كان جماعةُ المصلّين مجتمعين في مكان الصلاة أو كانوا غائبين، وقد استدلّ الترمذيّ في «جامعه» بهذا الحديث على أن الإبراد لا يختصّ بالمصلّي في مسجدٍ ينتابه الناس من الْبُعْد، كما يقوله الشافعيّ، فإن النبيّ -ﷺ- كان هو وأصحابه مجتمعين في السفر، وقد أبرد بالظهر. انتهى. وعبارة الترمذيّ -﵀- قال: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحرّ، فهو أولى وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذرّ ما يدل على خلاف ما قاله الشافعيّ، قال أبو ذرّ -﵀-: كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في سفر، فأذَّن بلال بصلاة الظهر، فقال النبيّ -ﷺ-: «يا بلال أبرد، ثم أبرد»، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعيّ لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السفر، فكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البُعْد. انتهى. وأجاب الكرمانيّ، فقال: لا نسلم اجتماعهم؛ لأن العادة في القوافل سيما في العساكر الكثيرة تفرقهم في أطراف المنزل لمصالح، مع التخفيف على الأصحاب، وطلب المرعى وغيره خصوصًا إذا كان فيه سلطان جليل القدر، فإنهم يتباعدون عنه احترامًا وتعظيمًا له. وتعقّبه العينيّ، فقال: هذا ليس بردّ مُوَجَّهٍ لكلام الترمذيّ، فإن كلامه على الغالب، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضع واحد؛ لأن السفر مظنة الخوف، سيما إذا كان عسكر خرجوا لأجل الحرب مع الأعداء. وقال بعضهم -يريد الحافظ ابن حجر- عقيب كلام الكرمانيّ -﵀-: وأيضًا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر، ليس هناك كِنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعيّ، وغايته أنه استَنْبَط من النصّ العامّ معنى يخصه. انتهى. فقال العينيّ -﵀-: قلت: هذا أكثر بُعْدًا من كلام الكرمانيّ؛ لأن فيه إسقاط العمل بعموم النصوص الواردة في الإبراد بالظهر بأشياء مُلَفَّقة من الخارج، وقوله: فليس في سياق الحديث إلى آخره غير صحيح؛ لأن الخلاف لظاهر الحديث صريح لا يخفى؛ لأن ظاهره عامّ، والتقييد بالمسجد الذي ينتاب أهله من البعد خلاف ظاهر الحديث، والاستنباط من النصّ العامّ معنى يخصصه لا يجوز عند الأكثرين، ولئن سلّمنا فلا بد من دليل للتخصيص، ولا دليل لذلك ههنا. انتهى كلام العينيّ -﵀- ، وهو تعقّب وجيهٌ، واللَّه تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١١)

١. وفي نسخة: «حدّثنا»، وفي أخرى: «وحدّثنا».

٢. »الفتح«٢/ ٢٣.

٣. ٢/ ٢٣.

٤. راجع: «عمدة القاري» ٥/ ٣٣.

٥. «الفتح» ٢/ ٢٦.

٦. «المفهم» ٢/ ٢٤٤.

٧. «المفهم» ٢/ ٢٤٦.

٨. «شرح النوويّ» ٥/ ١١٩.

٩. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨.

١٠. ٢/ ٢٦.

١١. «عمدة القاري» ٥/ ٣٧.