HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٣٩

وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ. فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ. فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. فَقَالَ حِينَ خَرَجَ «إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ. وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ» ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص116
ج ١ ص ٤٤٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٨٠
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الأدلة الصحيحة قاضيةٌ بأنَّ ما بعد النصف ليس وقتًا لها، فلا بدّ من التأويل المذكور؛ جمعًا بين الأدلة، فتبصر، واللَّه أعلم. وقوله: («إِنَّهُ لَوَقْتُهَا) قال القرطبيّ -﵀-: يعني الأفضل، ولهذا وشبهه قال مالك: إن تأخير العشاء أفضل، وقيل عنه: تعجلها أفضل أخذًا بالتخفيف، ولأن التعجيل كان غالب أحوال رسول اللَّه -ﷺ-، وقد اختار بعض أصحابنا تقديمها إذا اجتمعوا، وتأخيرها إذا أبطئوا؛ أخذًا بحديث جابر -﵁- الآتي. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله هذا البعض هو الحقّ؛ لقوّة دليله، وسيأتي تحقيق ذلك -إن شاء اللَّه تعالى-. وقوله: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي») قال النوويّ -﵀-: معناه إنه لوقتها المختار، أو الأفضل، ففيه تفضيل تأخيرها، وأن الغالب كان تقديمها، وإنما قدَّمها للمشقة في تأخيرها، ومن قال بتفضيل التقديم، قال: لو كان التأخير أفضل لواظب عليه، ولو كان فيه مشقة، ومن قال بالتأخير قال: قد نَبَّه على تفضيل التأخير بهذا اللفظ، وصَرَّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، ومعناه -واللَّه أعلم- أنه خَشِي أن يواظبوا عليه، فيفرض عليهم، ويتوهموا إيجابه، فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح، وعَلَّل تركها بخشية افتراضها، والعجز عنها، وأجمع العلماء على استحبابها؛ لزوال العلة التي خيف منها، وهذا المعنى موجود في العشاء، قال الخطابيّ وغيره: إنما يستحب تأخيرها؛ لتطول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاة. انتهى . وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٧] (٦٣٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ، نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: «إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً، مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي، لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ»، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ذُكر في السند الماضي. ٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتَمِر بن عبد اللَّه السَّلَمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٥ - (الْحَكَمُ) بن عُتَيبَةَ، أبو محمد الكِنْدِي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] (ت ١١٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄-، مات (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنه اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن زهيرًا نسائيّ، ثم بغداديّ، وإسحاق مروزيّ، ثم نيسابوريّ، وجريرًا كوفيّ، ثم رازيّ، ومنصورًا والحكم كوفيان، ونافعًا وابن عمر مدنيان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) -﵄- أنه (قَالَ: مَكَثْنَا) -بفتح الكاف، وضمها- قال في «المصباح»: مَكَثَ مَكْثًا، من باب قَتَلَ: أقام، ولَبِثَ، فهو ماكِثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثل قَرُبَ قُرْبًا، فهو قريبٌ، لغة، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتَمَكَّث في أمره، إذا لم يَعْجَل فيه. انتهى: أي لَبِثنا في المسجد (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي (نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) جملة فعليّةٌ في محلّ نصب على الحال من فاعل «مَكَثَ». (لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) أي لأجل صلاة العشاء الآخرة، قال النوويّ -﵀-: فيه دليل على جواز وصف العشاء بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه؛ خلافًا لما حُكِيَ عن الأصمعيّ من كراهة هذا، وقد سبق بيان المسألة. انتهى . (فَخَرَجَ إِلَيْنَا) وفي نسخة: «فخرج علينا»، أي من الحجرة الشريفة (حِينَ ذَهَبَ) أي مضى (ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ) للشك من الراوي (بَعْدَهُ) أي بعد الثلث (فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ) أي لا نعلم سبب تأخّره إلى ذلك الوقت، هل شيء يتعلّق بأهله؟، كمرض، أو نحو ذلك. لكن بيّن سببه الإمام أحمد في روايته، فقد أخرج الحديث من رواية أفلح، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، أن رسول اللَّه -ﷺ- أخَّر ليلةً العشاء، حتى رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، وإنما حبسنا لوفد جاءه، ثم خرج، فذكر الحديث . فتبيّن بهذا أن سبب تأخّره هو اشتغاله بالوفد. وأخرج الإمام أحمد أيضًا من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر -﵁- قال: جهّز رسول اللَّه -ﷺ- جيشًا ليلةً حتى ذهب نصف الليل، أو بلغ ذلك، ثم خرج، فقال: «قد صَلَّى الناس، ورقدوا، وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها» . (أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟) كأن ينزل عليه وحي (فَقَالَ) -ﷺ- (حِينَ خَرَجَ) من الحجرة إلى المسجد («إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً، مَا) نافية (يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ) بالرفع على البدل لـ»أهلُ«، وبالنصب على الاستثناء، والأول المختار، قاله القاري -﵀-، قال في»الخلاصة«: وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًا بِغَيْرٍ مُعْرَبَا … بِمَا لِمُسْتَثْنًى بِإلا نُسِبَا وقد بَيَّن قبله حكم المستثنى بـ«إلا»بقوله: مَا اسْتَثْنَتِ«إلَّا» مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ … وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ إتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ … وَعَنْ تَمِيمٍ فِيه إبدَالٌ وَقَعْ يعني أن انتظار هذه الصلاة من بين سائر الأمم من خصوصياتكم التي اختصكم اللَّه بها، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل، مع أن الوقت يقتضي الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة، قاله القاري -﵀-. وفيه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يَظُنُّ أنه يشقّ عليهم أن يعتذر إليهم، ويقول: لكم في هذا مصلحة من جهة كذا، أو كان لي عذر، أو نحو هذا، قاله النوويّ -﵀- . (وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي) «يَثْقُلَ»: بالياء، وهكذا عند المصنّف، والنسائيّ، والضمير يعود إلى التأخير، أو الفعل، أي لولا أن يثقل التأخير، أو هذا الفعلُ، وعند أبي داود: «تثقل» بالتاء، أي الصلاة في هذه الساعة (لَصَلَّيْتُ بِهِمْ) أي دائمًا (هَذِهِ السَّاعَةَ«) قال الطيبيّ -﵀-: أي لَزِمت على صلاتها في مثل هذه الساعة. وفيه تصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقّة، والثقل على الأمة، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في الأفضل من التقديم والتأخير، وترجيح القول بأفضلية تأخير العشاء إذا لم تكن مشقة، قريبًا فراجعه. (ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) الظاهر أن الأذان تقدّم قبل خروجه، وهو الذي يدلّ عليه قول عمر -﵁-:«الصلاة»، في حديث عائشة -﵂- المتقدّم، ويَحْتَمِل أن يكون تقدير الكلام، فأمر المؤذن بالأذان، فأذّن، ثم بالإقامة، فأقام (وَصَلَّى) أي العشاء، ولفظ النسائيّ:«ثم صلّى»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٤٧ و١٤٤٨] (٦٣٩)، و(البخاريّ) في«المواقيت»(٥٧٠)، و(أبو داود) في«الصلاة»(٤٢٠)، و(النسائيّ) في«المواقيت»(٥٣٧)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٢١١٦)، (وابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١/ ٣٣١)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٨٨ و١٢٦)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٣٤٣ و٣٤٧)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٠٩٩ و١٥٣٦)، و(البزّار) في«مسنده»(٣٧٦)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١٠٨٣ و١٠٨٤ و١٠٨٥)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه» (١٤٢١ و١٤٢٢)، وفوائد الحديث، تعرف مما سبق، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في استحباب تعجيل العشاء وتأخيرها: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في ذلك، فقالت طائفة: تأخيرها أفضل، كان ابن عباس يرى أن تأخيرها أفضل، ويقرأ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، ورَوَينا عن ابن مسعود أنه كان يؤخر العشاء، وقال مالك: أما العشاء فتؤخر بعد غيبوبة الشفق أحبّ إليّ. وكان الشافعيّ يقول: وأُحِبّ أن يؤخرها الإمام ساعةً لا يبلغ فيها المشقة على الناس. وقال أصحاب الرأي: أحب إلينا أن يؤخرها ما بينه وبين ثلث الليل. وقال أبو ثور كنحو قول الشافعي. ومن حجة من يقول بهذا القول الأخبار الثابتة عن النبيّ -ﷺ-، فمن ذلك حديث جابر بن سمرة -﵁- الآتي: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يؤخر العشاء الآخرة». وحديث أبي بَرْزَة الأسلميّ -﵁- مرفوعًا: «وكان يَستحبّ أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة»، متفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ. وحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، والسواك لكل صلاة»، رواه أحمد، وأصحاب السنن بإسناد صحيح. وقال آخرون: تعجيلها أفضل، وقال قائل ذلك بعد أن يغيب البياض؛ لأنهم مجمعون على دخول الوقت إذا غاب البياض. واحتَجّ من رأى تعجيل العشاء بعد دخول الوقت أفضل بالأخبار التي وردت في تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها، وبحديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- لما سئل عن صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر العشاء، قال: «كان إذا كثر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر»، متّفق عليه. وقال: إن الأخبار التي رُويت عن رسول اللَّه -ﷺ- في تأخير العشاء دالّة على أنه إنما فَعَل ذلك ليلة واحدة؛ لعارض عَرَض له، شَغَله ذلك عنه، فأخّر العشاء في تلك الليلة، وذكر أخبارًا تدل على ما قال، فمنها حديث ابن عمر -﵄- المذكور هنا: «أن النبيّ -ﷺ- شُغِل عنها ليلة، فأخّرها، حتى رقدنا. . .» الحديث . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي أن التأخير هو الأفضل إلا لأجل المشقة، بأن كان إمام جماعة يشُقّ عليهم التأخير، فيكون في حقه التقديم أفضل، وهو الذي كان عليه النبيّ -ﷺ-، حيث إنه بيّن أن تأخيرها هو الأولى، فقال في حديث عائشة -﵂-: «إنه لوقتها لولا أن أشُقّ على أمتي»، رواه مسلم، وقال في حديث جابر بن سمرة -﵁-: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يؤخر العشاء الآخرة»، رواه مسلم، وفي حديث أبي برزة -﵁-: «وكان يَستحبّ أن يؤخر العشاء»، متّفقٌ عليه، وقال: «لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء» الحديث، وهو حديث صحيح رواه أحمد، وأصحاب السنن، وفي حديث ابن عبّاس -﵄- الآتي: «لولا أن يشقّ على أمتي لأمرتهم أن يصلّوها هكذا»، متّفقٌ عليه. فهذه الأحاديث الصحيحة، نصوص صريحة، بيّنة المبنى، واضحة المعنى، لا تقبل التأويل، تدلّ دلالةً واضحة كالشمس في رابعة النهار على أن تأخير العشاء لمن لا يشقّ عليه هو الأفضل. وبهذا تجتمع الأدلة بدون إهمال لبعضها، وأما ما ورد من أفضلية أول الوقت على العموم، فأحاديث الباب خاصّة، فتقدم عليه، كما بيّنه العلامة الشوكانيّ -﵀- . والحاصل أن التأخير لمن لا يشُقّ عليه هو الأفضل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا، حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اللَّيْلَةَ، يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: كلّهم تقدّموا في السند الماضي، والذي قبله. وقوله: (شُغِلَ) بالبناء للمفعول، قال الجوهريّ: يقال: شُغِلتُ عنك بكذا، على ما لم يُسمّ فاعله. وقوله: (عَنْهَا لَيْلَةً) الضمير للعشاء، أي عن أدائها في أول وقتها. وقوله: (حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا) وفي رواية عائشة -﵂- المتقدّم: «نام أهل المسجد».
مصادر المؤلف (٩)

١. «شرح النووي» ٥/ ١٣٨.

٢. وفي نسخة: «علينا».

٣. «شرح النووي» ٥/ ١٣٨ - ١٣٩.

٤. راجع: «المسند» ٢/ ١٢٦.

٥. راجع:«المسند»٣/ ٣٦٧.

٦. «شرح النووي»٥/ ١٣٩.

٧. راجع: «الأوسط» ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٣.

٨. راجع: «نيل الأوطار» ٢/ ٦٤.

٩. وفي نسخة: «حدّثنا».