HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٥١

وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ. ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا. فَآمُرَ بِهِمْ فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ، بِحُزَمِ الْحَطَبِ، بُيُوتَهُمْ. وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا» يعني صلاة العشاء.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص123
ج ١ ص ٤٥١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٢١٨
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٢] (٦٥١) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا ، فَآمُرَ بِهِمْ، فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَبِ بُيُوتَهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا»، يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- ذُكر في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من أبي الزناد، وسفيان مكيّ، وعمرو بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، كما نقله أبو عبد اللَّه الحاكم عن البخاري . ٦ - (ومنها): ٧ - (ومنها): أنه مسلسل الفقهاء. ٨ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهر كلٌّ منهما باللقب، وأحدهما لقبه بصورة الكنية، وهما الأعرج، وأبو الزناد، فأبو الزناد لَقَبٌ لُقِّب به لذكائه، وليس بكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن. ٩ - (ومنها): أنّ أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز، وفي رواية السراج من طريق شعيب، عن أبي الزناد، سمع الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لقَدَ) قال الفيّوميّ: فَقَدتُهُ فَقْدًا، من باب ضَرَبَ، وفِقْدَانًا: عَدِمتُهُ، فهو مفقودٌ، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثلُهُ، وتفقّدته: طلبته عند غيبته. انتهى . (نَاسًا) تقدّم أن ناسًا اسم وُضِع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده إنسان، من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلَّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ثُمَّ فسّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. انتهى . (فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ) رواية المصنّف -﵀- هذه بيّنت سبب هذا الحديث، فإن قوله: «فقد ناسًا. . . إلخ» فيه إيضاح سبب قوله -ﷺ-: «لقد هممت. . . إلخ». قال العراقيّ -﵀-: وعند أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث أُبَيّ بن كعب -﵁- ما يقتضي أن الصلاة المبهمة عند مسلم هي الصبح، فقال: صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- يومًا الصبح، فقال: «أشاهد فلانٌ؟»، قالوا: لا، قال: «أشاهد فلان؟»، قالوا: لا، قال: «أشاهد فلان؟»، قالوا: لا، قال: «إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين». انتهى . (فَقَالَ) -ﷺ- («لَقَدْ هَمَمْتُ) وفي رواية البخاريّ:»والذي نفسي بيده، لقد هممت«، وهو قسم كان النبيّ -ﷺ- كثيرًا ما يُقْسِم به، وفيه إثبات اليد للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، وجواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهًا على عظم شأنه، وفيه الردّ على من كره الحلف باللَّه مطلقًا. فقوله:«لقد هممت»جواب القسم، أكَّده باللام، وكلمة«قد». ومعنى«هممت»: أي قصدت، من الهم، وهو العزم، وقيل: دونه. (أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ) أي يؤمّ الناس في الصلاة، وفيه دليلٌ لجواز استخلاف الإمام، وانصرافه لعذر (ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) أي آتيهم من خلفهم، قال الجوهريّ: خالف إلى فلان: أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أخالف المشتغلين بالصلاة قاصدًا إلى بيوت الذين لَمْ يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرّقها عليهم، وقيل: معناه: أذهب إليهم، وقيل: المعنى: أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة، فأتركه، وأسير إليهم، أو أخالف ظنّهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، والتقييد بالرجال يُخرج النساء والصبيان، وهو منصوص عليه في رواية أحمد بلفظ: «لولا ما في البيوت من النساء والذرّيّة. . .» الحديث . وقال في «العمدة»: قوله: «ثم أخالف» من باب المفاعلة، قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا غاب عنه، وقال الزمخشريّ: يقال: خالفني إلى كذا: إذا قصدك، وأنت مُوَلٍّ عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] الآية. والمعنى هنا: أخالف المشتغلين بالصلاة، قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرقها عليهم، ويقال: معنى أخالف إلى رجال: أذهب إليهم. انتهى . (يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا) أي يتأخّرون عن حضور الصلاة، وفي رواية أبي صالح الآتية: «إلى قوم لا يشهدون الصلاة»، وفي رواية لأبي داود: «ثم آتي قومًا يصلّون في بيوتهم، ليست بهم علّة»، فتبيّن بها أن الوعيد على ترك الجماعة بغير عذر، لا على ترك الصلاة، فدلالة الحديث على وجوب الجماعة واضحة، كما أسلفنا تحقيقه، ويدلّ أيضًا على أن الأعذار تبيح التخلّف عن الجماعة، وإن كانت واجبةً (فَآمُرَ) بالمدّ، وضم الميم (بِهِمْ) أي بهؤلاء المتخلّفين (فَيُحَرِّقُوا) بالبناء للفاعل، وهو بتشديد الراء، وفيه إشعار بالتكثير والمبالغة في التحريق، ويَحْتَمل أن يكون من الإحراق. [تنبيه]: الواو في «يُحرّقوا» يعود إلى محذوف، كما بيّنته الرواية الأخرى، والأصل: ثم أخالف برجال معهم حُزم حطب، فيُحرّقوا. . . إلخ، واللَّه تعالى أعلم. (عَلَيْهِمْ) أي على المتخلّفين عن الجماعة، وهو يُشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبعًا للقاطنين بها، وفي رواية أبي صالح الآتية: «فأحرق بيوتًا على من فيها»، قاله في «الفتح». (بِحُزَمِ الْحَطَبِ) متعلّق بـ «يحرّقوا»، و«الْحُزَم» بضم الحاء المهملة، وفتح الزاي: جمع حُزْمة، بضمّ، فسكون، كغُرْفة وغُرَف، قاله في «المصباح» ، وفي «اللسان»: وحَزَمَ الشيءَ حَزْمًا -من باب ضرب-: شدّه، والْحُزْمة: ما حُزِمَ . انتهى . و«الحطب»: كلُّ ما جَفّ من زرع، وشجر، توقد به النار، وشوكُ العِضَاه، وإضافة «حُزَم» إلى«الحطب» بمعنى: «من»، وقوله: (بُيُوتَهُمْ) منصوب على المفعوليّة لـ «يُحرّقوا». (وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ) وفي رواية البخاريّ: «والذي نفسي بيده، لو يعلم. . . إلخ» بإعادة القسم للتأكيد (أَنَّهُ يَجِدُ) أي في المسجد (عَظْمًا سَمِينًا) وفي رواية البخاريّ: «عرقًا سمينًا»، وهو بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها قاف، قال الخليل: العُرَاق: العظم بلا لحم وإن كان عليه لحم، فهو عَرْقٌ، وفي «المحكم» عن الأصمعي: العَرْق بسكون الراء: قطعة لحم، وقال الأزهري: العَرْق واحد العُرَاق، وهي العظام التي يؤخذ منها هَبْر اللحم ، ويبقى عليها لحم رَقِيق، فيكسر، ويطبخ، ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عَرَقْتُ اللحمَ، واعترقته، وتعرقته: إذا أخذت اللحم منه نَهْشًا، وفي «المحكم»: جَمْعُ العَرْق على عُراق بالضم عزيز، أي نادر، وقول الأصمعي هو اللائق هنا. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: «أو مرماتين حسنتين»، وهو: تثنية مِرْماة -بكسر الميم، وحكي فتحها- قال الخليل: هي ما بين ظِلْفي الشاة، وحكاه أبو عبيد، وقال: لا أدري ما وجهه، ونقله المستملي في روايته في «كتاب الإحكام» عن الفربريّ، قال: قال يونس، عن محمد بن سليمان، عن البخاريّ: المرماة بكسر الميم، مثل مِسناة، ومِيضاة: ما بين ظلفي الشاة من اللحم، قال عياض: فالميم على هذا أصلية. وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محددة، يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة، والمدحاة. قال الحافظ: ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية، وحكى العربي عن الأصمعي أن المرماة سهم الهدف، قال: ويؤيده ما حدثني. . . ثم ساق من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة -﵁- نحو الحديث، بلفظ: «لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة، أو سهمان لفعل»، وقيل: المرماة سهم يتعلم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مُسْتَوٍ غير محدد. قال الزين ابن الْمُنَيِّر: ويدل على ذلك التثنيةُ، فإنها مشعرة بتكرار الرمي بخلاف السهام المحددة الحربية، فإنها لا يتكرر رميها. وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العرق معه، ووجّهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين، وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين؛ لأنهما مما يُلْهَى به. انتهى. وإنما وصف العرق بالسمن، والمرماة بالحسن ليكون ثَم باعث نفساني على تحصيلهما. وقال الطيبي: «الحسنتين» بدل من المرماتين، إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران، فالحسنتان بمعنى الجيدتان صفة للمرماتين. انتهى. وفيه إشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم، أو ملعوب به، مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات، ومنازل الكرامات . وقال الحافظ ابن رجب -﵀- بعد ذكر الاختلافات المذكورة ما نصّه: والذي يظهر -واللَّه أعلم- أن النَّبِيّ -ﷺ- أخرج هَذَا الكلام مخرج تعظيم شهود العشاء فِي جماعة، والتنويه بفضله وشرفه ونفاسته، والنفوسُ مجبولة عَلَى محبة الأشياء الحسنة الشريفة النفيسة، والميل إليها، فوبَّخَ من لَوْ طمع فِي وجود قطعة من لحم سمينة أو مرماتين حسنتين، وهما من أدنى الأشياء الدنيوية لبادر إلى الخروج إليها، وشهد العشاء لذلك، وَهُوَ يتخلف عَن شهود العشاء فِي الجماعة مَعَ فضل الجماعة عِنْدَ اللَّه، وعظم فضل الجماعة مَا يدّخره لمن شهدها عنده من جميل الجزاء وجزيل العطاء، فيكون مَا يعجل لَهُ وإن كَانَ يسيرًا من أمور الدنيا المستحسنة عنده مِمَّا يأكله أو يلهو بِهِ أهم عنده من ثواب اللَّه الموعود بِهِ. قال: ويشبه هَذَا: قَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١]، فإنه توبيخ لمن ترك الجمعة، أو اشتغل عَنْهَا بالتجارة أو باللَّهو. انتهى . (لَشَهِدَهَا»، يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءَ) هكذا رواية المصنّف بزيادة لفظة«يعني»، وهي منه، أو من غيره، ممن دون أبي الزناد؛ لأنَّها ليست في روايته عند البخاريّ، ولفظه:«لشهد العشاء»، أي حضر صلاة العشاء، والمعنى أنه لو علم أنه لو حضر الصلاة لوجد نفعًا دنيويًّا، وإن كان خسيسًا حقيرًا لحضرها؛ لقصور همته على الدنيا، ولا يحضر لما لها من مثوبات العقبى ونعيمها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٤٨٢ و١٤٨٣ و١٤٨٤ و١٤٨٥] (٦٥١)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦٤٤ و٦٥٧) و«الخصومات» (٢٤٢٠) و«الأحكام» (٧٢٢٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٥٤٨ و٥٤٩)، و(الترمذيّ) فيها (٢١٧)، و(النسائيّ) في «الإمامة» (٨٤٨) وفي «الكبرى» (٩٢١)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (٧٩١)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ١٢٣ - ١٢٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٨٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩٥٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٤٤ و٣١٤ و٣٦٧ و٣٧٧ و٤١٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٩٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٣٠٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٤٨١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠٩٧ و٢٠٩٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢٥٧ و١٢٥٨ و١٢٥٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٥٢ و١٤٥٣ و١٤٥٤ و١٤٥٥ و١٤٥٦ و١٤٥٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٥٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧٩١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن صلاة الجماعة؛ لغير عذر. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن رجب -﵀-: وهذا الحَدِيْث ظاهر فِي وجوب شهود الجماعة فِي المساجد، وإجابة المنادي بالصلاة؛ فإن النَّبِيّ -ﷺ- أخبر أَنَّهُ همَّ بتحريق بيوت المتخلفين عَن الجماعة، ومثل هذه العقوبة الشديدة لا تكون إلا عَلَى ترك واجبٍ. وقد اعترض المخالفون فِي وجوب الجماعة عَلَى هَذَا الاستدلال، وأجابوا عَنْهُ بوجوهٍ، قد تقدّم تفنيدها في المسألة الخامسة من مسائل حديث أبي هريرة -﵁- الماضي، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسرّه أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتُفي به عن الأعلى من العقوبة، نَبّهَ عليه ابن دقيق العيد -﵀-. ٤ - (ومنها): أن في قوله: «والذي نفسي بيده» إثبات صفة اليد للَّه ﷿ على الوجه الذي يليق بجلاله، فهو كالقول في سائر الصفات، وهو ﷿ منزّه عن مشابهة الخلق في كل شيء، موصوف بصفات الكمال اللائقة به ﷿. ٥ - (ومنها): جواز العقوبة بالمال، كذا استدَلّ به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. قال في «الفتح»: وفيه نظر؛ لاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به؛ إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم، فلا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم. ٦ - (ومنها): جواز أخذ أهل الجرائم على غِرّة؛ لأنه -ﷺ- هَمّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يَبْغَتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد، وفي السياق إشعار بأنه تقدّم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، وترجم عليه الإمام البخاريّ -﵀- في «كتاب الإشخاص»، وفي «كتاب الأحكام»: «باب إخراج أهل المعاصي والرِّيَب من البيوت بعد المعرفة»، يريد أن من طُلِب منهم بحقّ، فاختَفَى، أو امتنع في بيته لَدَدًا، ومَطْلًا أُخرِج منه بكل طريق يتوصل إليها، كما أراد -ﷺ- إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم. ٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به ابن العربيّ وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها. ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي فيها أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تَعْكُر عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجه آخر، وهو أنهم إذا استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة خارجة عنها، سواء قلنا: واجبة، أو مندوبة كان من تركها أصلًا رأسًا أحق بذلك، لكن لا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل، لا دائمًا، ولا غالبًا؛ لأنه يمكن الفرار منه، أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والأرهاب. ٨ - (ومنها): أن في قوله في رواية أبي داود: «ليست بهم علّةٌ» دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا: إنها فرض، وكذا الجمعة، قاله في «الفتح» . ٩ - (ومنها): أن فيه الرخصةَ للإمام، أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بُعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذَكَرُوا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم، وأصحاب الجرائم في حقّ الإمام كالغرماء. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، إذا كان في ذلك مصلحة، قال ابن بزيزة: وفيه نظر؛ لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبًا، وهذا لا يختلف في جوازه. ١١ - (ومنها): أنه استَدَلّ ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك. وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد اعترض العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز فيما علّقه على «الفتح» على جزم الحافظ بالنسخ، وقال: إنه ليس بجيِّد، والصواب عدم النسخ؛ لأدلة كثيرة معروفة في محلها، منها: حديث الباب، وإنما المنسوخ التعذيب بالنار فقط ، واللَّه تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه استدُلّ بِهِ عَلَى قتل تارك الصلاة؛ فإنه إذا جازت عقوبة تارك الجماعة فِي ماله وإن تعدت إلى نفسه بالهلاك، فقتل من ترك الصلاة بالكلية أولى بالجواز، فلا جرم كَانَ قتله واجبًا عِنْدَ جمهور العلماء. ١٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا عَلَى أَنَّهُ إنما يعاقب تارك الصلاة، أو بعضِ واجباتها فِي حال إخلاله بِهَا، لا بعد ذَلِكَ؛ فإن النَّبِيّ -ﷺ- إنما أراد عقوبتهم فِي حال التخلّف، وقد كَانَ يمكنه أن يؤخر العقوبة حَتَّى يصلي وتنقضي صلاته. قال ابن رجب -﵀-: وهذا يَعْضِد قَوْلَ من قَالَ من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن تارك الصلاة لا يُقْتل حَتَّى يُدْعَى إلى الصلاة، ويُصِرّ عَلَى تركها حَتَّى يضيق وقت الأخرى؛ ليكون قتله عَلَى الترك المتلبِّس بِهِ فِي الحال. ١٤ - (ومنها): أن الإمام لَهُ أن يؤخِّر الصلاة عَن أول الوقت لمصلحة دينية، ولكنه يستخلف من يصلي بالناس فِي أول الوقت؛ لئلا تفوتهم فضيلة أول الوقت. ١٥ - (ومنها): أن إنكار المنكر فرض كفاية، وأنه إذا قام به بعض الناس اكتُفِي بذلك، ولا يلزم جميع النَّاس الاجتماع عَليهِ؛ فإنه لَوْ كَانَ كذلك لأخذ النَّبِيّ -ﷺ- مَعَهُ جميع النَّاس، ذكره ابن رجب -﵀- . ١٦ - (ومنها): أنه دليل على أن الجماعة لا تجب على النساء، ولا تتأكّد في حقّهنّ؛ لقوله: «ثم أخالف إلى رجال». ١٧ - (ومنها): ما قاله في «الطرح»: فيه حجة لأحد القولين في أنه يُقاتَل أهل بلد، تمالئوا على ترك السنن ظاهرًا؛ بناءً على القول بأن الجماعة سنةٌ، لا فرضٌ، قال القاضي عياض: والصحيح قتالهم؛ لأن في التمالؤ عليها إماتتها. انتهى. وقد اختَلَف أصحاب الشافعيّ -رحمهم اللَّه تعالى- في قتال أهل بلد اتفقوا على ترك الجماعة؛ بناءً على القول بأنها سنة، والصحيح عندهم أنهم لا يقاتلون على ذلك، إنما يقاتلون على القول بأنها فرض كفاية. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت أن الحقّ أن صلاة الجماعة واجبة على من لا عذر له، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه اختَلَفت الروايات والعلماء في تعيين الصلاة المتوعَّد على تركها بالتخويف، هل هي العشاء، أو هي الصبح، أو الجمعة؟ فظاهر رواية الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- هذه أن المراد بها العشاء لقوله: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء». وقد ورد التصريح به فيما رواه عبد اللَّه بن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان، مولى الْمُشْمَعِلّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء، أو لأحرقن حول بيوتهم». وحَكَى ابن بطال هذا القول عن سعيد بن المسيب، وقيل: هي العشاء والصبح معًا، ويدل له ما رواه الشيخان في بعض طرق هذا الحديث: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت. . .»، فذكره، وقيل: هي الجمعة، وبدل له رواية البيهقيّ: «فأحرِّق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة»، ويدل له أيضًا رواية مسلم من حديث ابن مسعود -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت. . .»، فذكره. وحَكَى ابن بطال هذا القول عن الحسن البصريّ، وعن ابن معين أيضًا أنه قال: إن هذا الحديث في الجمعة، لا في غيرها. انتهى. قال العراقيّ: وهذا مما يضعف قول من احتج بالحديث على أن الجماعة فرض عين؛ لأنه إذا كان المراد الجمعة، فالجماعة فيها شرط، فلا يبقى فيه دليل على الجماعة في غيرها من الصلوات. قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قاله العراقيّ نظر لا يخفى، كما يأتي قريبًا. قال ابن دقيق العيد -﵀-: ويحتاج أن يُنظَر في تلك الأحاديث التي ثبتت في تلك الصلاة أنها الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، فإن كانت أحاديث مختلفة قيل بكل واحد منها، وإن كان حديثًا واحدًا اختَلَف فيه بعض الطرق، وعُدِم الترجيح وُقِف الاستدلال. هذا حاصل كلامه. قال العراقيّ: رواية البيهقيّ في كونها الجمعة، ورواية كونها العشاء والصبح حديث واحدٌ، وحديث ابن مسعود في كونها الجمعة حديث آخر مستقلّ بنفسه، فعلى هذا لا يقدح حديث ابن مسعود في حديث أبي هريرة، وبنظر في اختلاف حديث أبي هريرة، وقد رجح البيهقيّ رواية الجماعة فيه على رواية الجمعة، فقال بعد رواية الجمعة فيه: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عَبّر بالجمعة عن الجماعة. وقال النوويّ في «الخلاصة» بعد حكاية كلام البيهقي: بل هما روايتان: رواية في الجمعة، ورواية في الجماعة في سائر الصلوات، وكلاهما صحيح. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: فتبيّن بهذا أن الصواب أن الحديث ورد في الجماعة مطلقًا، وفي الجمعة خاصّة، فدعوى العراقيّ تضعيف الاستدلال على فرضيّة الجماعة بالحديث غير صحيحة؛ لأن الراجح في حديث أبي هريرة لفظ الجماعة، كما قال البيهقيّ فالاستدلال بالحديث على الفرضيّة واضح، وأما حديث ابن مسعود -﵁- فمستقلّ دالّ على الجمعة، ولا يعارض رواية الجماعة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ، مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٧. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورعٌ، إلا أنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في«المقدمة» ٢/ ٤. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ) قال العراقيّ -﵀-: وإنما كانت هاتان الصلاتان ثقيلتين على المنافقين؛ لأمرين: [أحدهما]: للمشقة الموجودة في حضور المساجد فيهما من الظلمة، وكون وقتهما وقت راحة، أو غلبة نوم، أو خلوة بأهاليهم، فلا يتجشم تلك المشاقّ إلا من أيقن بثواب اللَّه تعالى، والمنافق إما شاكّ في ذلك، أو لا يصدِّق، فيشقّ عليه ذلك. [والمعنى الثاني]: أن المنافقين كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهاتان الصلاتان في ليل، فربما خَفِى من غاب عنهما، واستتر حاله، بخلاف باقي الصلوات، فإنها بحيث يراه الناس، ويتفقدون غيبته، فكان رياؤه يَحُضّه على حضورها؛ ليراه الناس. والمعنى الأول أظهر؛ لقوله تعالى في أول الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، ولا مانع أن يكون الأمران المذكوران في الآية كلاهما حاملًا لهم على ترك الجماعة في الصلاتين المذكورتين. انتهى كلام العراقيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) «الْحَبْوُ» حبوُ الصبيّ الصغير على يديه ورجليه، ومعناه لو يعلمون ما فيهما من الفضل والخير، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حَبْوًا لَحَبَوا إليهما، ولم يُفوِّتوا جماعتهما في المسجد، ففيه الحثّ البليغ على حضورهما، قاله النوويّ -﵀- . وقال في «الطرح»: قوله: «لأتوهما ولو حبوًا»: أي يزحفون على ألياتهم، من مرض، أو آفة، قاله صاحب «المفهم»، وفيه نظرٌ، والحبو غالبًا إنما يُطْلَق على الحبو على الرُّكَب، وإن كان قد يُطلَق أيضًا على الزحف، فالمراد هنا الزحف على الرُّكَب كما هو مصرَّح به عند أبي داود، من حديث أُبَيّ بن كعب -﵁-: «ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوًا على الرُّكَب». وفيه دليلٌ على استحباب حضور الجماعة لأصحاب الأعذار، من مريض، أو نحوه، وإن لم يتأكد في حقّه، وسيأتي وعند المصنّف أن ابن مسعود -﵁- قال: «ولقد كان الرجل يُؤْتَى به بين الرجلين، يُهادَى بين الرجلين، حتى يقام في الصفّ» . وقوله: (ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) فيه أن الإمام إذا عَرَضَ له شُغْل يَستَخلِف مَن يصلي بالناس، وإنما هَمّ بإتيانهم بعد إقامة الصلاة؛ لأن بذلك الوقت يتحقق مخالفتهم، وتخلُّفهم، فيتوجه اللوم عليهم، وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي، أَنْ يَسْتَعِدُّوا لِي بِحُزَمٍ مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ عَلَى مَنْ فِيهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فِتْيَانِي) -بكسر الفاء، وسكون التاء-: جمع فَتًى، قال في «المصباح»: الْفَتَى: العبد، وجمعه في القلّة: فِتْيَةٌ، وفي الكثرة: فِتْيَانٌ، والأمة: فتاةٌ، وجمعها: فَتَيَات، والأصل فيه أن يقال للشابّ الحَدَث: فَتًى، ثم استُعير للعبد، وإن كان شيخًا؛ مجازًا؛ تسميةً باسم ما كان عليه. انتهى . وفسّره بعضهم بأن المراد أقوياء أصحابه. وقوله: (أَنْ يَسْتَعِدُّوا) أي يتهيّأوا. وقوله: (ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ) ببناء الفعل للمفعول. وقوله: (عَلَى مَنْ فِيهَا) أي وهم الذين تخلّفوا عن صلاة الجماعة، وفيه العقوبة بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة ماليّة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٢ - (وكيعِ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. ٣ - (جَعْفرُ بْنُ بُرْقَانَ) -بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف- الكلابيّ، أبو عبد اللَّه الرقّيّ، ثقة، يَهِم في حديث الزهريّ [٧] (ت ١٥٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٧. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكائيّ، أبو
مصادر المؤلف (٢٧)

١. وفي نسخة: «حدَّثني».

٢. وفي نسخة: «يتأخّرون عنها».

٣. راجع: «التدريب» ١/ ٨٣.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٨.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٠.

٦. «طرح التثريب» ٢/ ٣١٢.

٧. راجع:«الفتح»٢/ ١٥٢، و«المرعاة»٣/ ٤٨٣.

٨. «عمدة القاري»٥/ ١٦١.

٩. «المصباح المنير» ١/ ١٣٣ - ١٣٤.

١٠. وفسّر بعضهم الْحُزْمة بما يَحمِله إنسان، أو حيوان، من مجموع الحطب وغيره، انظر ما كتبه محمد ذهني في هامش النسخة التركيّة لـ «صحيح مسلم» ٢/ ١٢٣.

١١. «لسان العرب» ١٢/ ١٣١.

١٢. يقال: هَبَر له من اللحم هَبْرَةً: قَطَع له قطعةً، قاله في «القاموس».

١٣. «الفتح»٢/ ٣٤٤ بزيادة من«عمدة القاري»٥/ ١٦١.

١٤. «فتح الباري»لابن رجب ٥/ ٤٥٣.

١٥. «الفتح» ٢/ ١٥٣.

١٦. «الفتح» ٢/ ١٥٣.

١٧. وهذا الاعتراض نفسه تقدّم في كلام ابن رجب -﵀-.

١٨. «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ٤٦١.

١٩. «طرح التثريب» ٢/ ٣١٣.

٢٠. وفي نسخة:«إن أثقل الصلاة».

٢١. وفي نسخة: «إن أثقل الصلاة».

٢٢. «طرح التثريب» ٢/ ٣١٢.

٢٣. «شرح النوويّ» ٥/ ١٥٤.

٢٤. «طرح التثريب» ٢/ ٣١٣.

٢٥. وفي نسخة: «ثم نحرّق بيوتًا».

٢٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٢.

٢٧. وفي نسخة: «وحدّثني».