HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٨٠

حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب. أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن سعيد بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ، حين قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ. سَارَ لَيْلَهُ. حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ. وَقَالَ لِبِلَالٍ: «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ» فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ. وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ. فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ. فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا. فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «أَيْ بِلَالُ!» فَقَالَ بِلَالٌ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! يَا رَسُولَ اللَّهِ!) بِنَفْسِكَ. قَالَ «اقْتَادُوا» فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا. ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ. فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا. فَإِنَّ اللَّهَ قال: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [٢٠/طه/الآية-١٤]. قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا: لِلذِّكْرَى.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص138
ج ١ ص ٤٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٥٢٧
(٥٧) - (بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٦٠] (٦٨٠) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ»، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، مُوَاجِهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «أَيْ بِلَالُ»، فَقَالَ بِلَالٌ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِكَ ، قَالَ: «اقْتَادُوا»، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾»، قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا لِلذِّكْرَى). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد اللَّه، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٣] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحافظ الفقيه الحجة، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، وبزيد نزل مصر، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ فقيه، عن تابعيّ فقيه: ابن شهاب، عن ابن المسيّب. ٥ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة. ٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁- على الإطلاق عند بعضهم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ قَفَلَ) أي رجع، يقال: قفل من سفره قُفُولًا، من باب قَعَدَ: رجع، والاسم قَفَلٌ بفتحتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أقفلته، والفاعل من الثلاثيّ قافلٌ، والجمع قافلة، وجمع القافلة قَوَافل، قاله في «المصباح» . وقوله: (مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ) «الْغَزْوَة» بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي: المرّة من الغَزْو، والجمع: غَزَوات، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات، ويقال فيها: «الْغَزَاة» بالفتح أيضًا، قال في «القاموس»: فَغَزاه غَزْوًا: أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه، والعدُوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم . قال النوويّ -﵀-: «وخيبر» بالخاء المعجمة، هذا هو الصواب، وكذا ضبطناه، وكذا هو في أصول بلادنا من نسخ مسلم، قال الباجيّ، وأبو عمر بن عبد البرّ، وغيرهما: هذا هو الصواب، وقال القاضي عياض: هذا قول أهل السير، وهو الصحيح، قال: وقال الأصيليّ: إنما هو «حُنَين» بالحاء المهملة والنون، وهذا غريبٌ ضعيفٌ . وقال ابن عبد البرّ في «التمهيد»: وقولُ ابن شهاب في هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه -ﷺ- حين قَفَلَ من خيبر أصحُّ من قول من قال: إن ذلك كان مرجعه من حُنَين؛ لأن ابن شهاب أعلم الناس بالسِّيَرِ والمغازي، وكذلك سعيد بن المسيِّب، ولا يقاس بهما المخالف لهما في ذلك، وكذلك ذَكَرَ ابنُ إسحاق وأهلُ السير أن نومه عن الصلاة في سفره كان في حين قُفُوله من خيبر، وقد اختُلِف عن مالك في ذلك، فرُوي عنه في هذا الحديث حين قَفَلَ من خيبر. انتهى . [تنبيه]: قال في «التمهيد» : كانت خيبر في سنة ست من الهجرة، هكذا قال، والذي ذهب إليه الجمهور أن غزوة خيبر كانت في المحرَّم سنة سبع من الهجرة، أقام -ﷺ- يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتح اللَّه عليه وهي من المدينة على ثلاثة برود . [تنبيه آخر]: أخرج أبو حاتم بن حبّان في «صحيحه» هذا الحديث، ثم قال: أخبرنا ابن قتيبة بهذا الخبر، وقال فيه: «خيبر»، وأبو هريرة لم يشهد خيبر، إنما أسلم، وقدم المدينة، والنبيّ -ﷺ- بخيبر، وعلى المدينة سِبَاع بن عُرْفُطة، فإن صحّ ذكر خيبر في الخبر، فقد سمعه أبو هريرة من صحابي غيرِهِ، فأرسله كما يفعل ذلك الصحابة كثيرًا، وإن كان ذلك «حُنَين»، لا «خيبر»، وأبو هريرة شَهِدَها، وشهوده القصة التي حكاها شهود صحيحٌ، والنفس إلى أنه «حُنَين» أميل. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن حبّان: من أن أبا هريرة -﵁- سمعه من صحابيّ آخر فيه نظر لا يخفى؛ لأن أبا هريرة -﵁- قد حضر آخر خيبر، فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» فقال: (٨٣٤٧) حدّثنا عفّان، حدّثنا وُهيب، حدّثنا خثيم -يعني ابن عراك- عن أبيه، أن أبا هريرة قَدِمَ المدينة في رهط من قومه، والنبيّ -ﷺ- بخيبر، وقد استَخْلَف سِبَاع بن عُرْفُطة على المدينة، قال: فانتهيت إليه، وهو يقرأ في صلاة الصبح، في الركعة الأولى، بـ ﴿كهيعص﴾، وفي الثانية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، قال: فقلت لنفسي: وَيْلٌ لفلان، إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص، قال: فلما صلى زَوَّدنا شيئًا، حتى أتينا خيبر، وقد افتَتَحَ النبيّ -ﷺ- خيبر، قال: فكَلَّم رسول اللَّه -ﷺ- المسلمين، فأشركونا في سهامهم. انتهى ، وهو حديث صحيح. فقد تبيّن بهذا أنه حضر خيبر، ورجع منها مع النبيّ -ﷺ-، وقد صرّح في هذا الحديث أن هذه القصّة وقعت حين قفوله -ﷺ- منها، فليس فيه إرسال، بل هو إخبار بما شاهده بنفسه، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (سَارَ لَيْلَهُ) بالإضافة إلى الضمير، وفي نسخة: «ليلةً»، يقال: سار يسير سَيْرًا ومَسِيرًا، يكون بالليل والنهار، ويُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، فيقال: سار البعيرُ، وسِرْتُهُ، فهو مَسِيرٌ، وسيَّرتُ الرجل بالتثقيل، فسار . (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ) غاية للسير، وفي رواية الطبرانيّ عن ابن عمر: «حتى إذا كان مع السحر». و«الْكَرَى» بفتح الكاف: النُّعاس، وقيل: النوم، يقال منه: كَرِيَ الرجلُ -بفتح الكاف، وكسر الراء- يَكْرَى، وِزانُ رَضِي كَرًى: إذا نَعِسَ، فهو كَرٍ، وكَرْيَانُ، وكَرِيٌّ، وامرأةٌ كَرِيَةٌ بتخفيف الياء . و«التَّعْرِيس»: نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة، هكذا قاله الخليل، والجمهور، وقال أبو زيد: هو النزول أَيَّ وقتٍ كان، من ليلٍ، أو نهار، وفي الحديث: «مُعَرِّسُون في نَحْرِ الظهيرة». وفي رواية البخاريّ أنهم الذين سألوا التعريس، فقال -ﷺ-: «أخاف أن تناموا»، فقال بلالٌ: أنا أُوقظكم، فأخذ، فأخذ لهم النبيّ -ﷺ- ابتداءً بالأحوط، فلما رأى شدّة حاجتهم أباح لهم التعريس. قال النوويّ: واختلفوا، هل كان هذا النوم مرة أو مرتين؟ وظاهر الأحاديث مرتان. انتهى. (وَقَالَ لِبِلَالٍ) بن رَبَاح مؤذّن رسول اللَّه -ﷺ-، المتوفّى سنة (١٧ أو ١٨ أو ٢٠) بالشام -﵁- («اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ») أي ارْقُبْ لأجلنا الليلَ، واحفظه، واحرُسْهُ، وهو بهمزة الوصل، وفتح اللام، آخره همزة: فِعْلُ أمر من كَلأ يَكْلأُ، يقال: كلأه اللَّه يكلؤه مهموزًا كِلاءةً بالكسر والمدّ: حَفِظَهُ، ويجوز التخفيف، فيقال: كلَيْتُهُ أكلأه، وكَلِيتُهُ أكلاهُ، من باب تَعِبَ لغة لقريش، لكنّهم قالوا: مكلُوّ بالواو أكثرَ من مَكْليّ بالياء . وقال في «التمهيد» : معناه: ارْقُبْ لنا الصبح، واحفظ علينا وقت صلاتنا، وأصل الكِلاءة: الحفظُ والرعاية، والمنعُ وهي كلمة مهموزة، ومنه قوله -﷿-: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]، ومنه قول ابن هرمة: إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلَؤُهَا … ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا (فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، أي ما يسّر اللَّه تعالى له من الصلاة (وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ) -﵃- (فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ) أي طلوعه، وظهوره (اسْتَنَدَ بِلَالٌ) ببناء الفعل للفاعل، أي اعتمد، يقال: سند إلى الشيء سُنُودًا، من باب قَعَدَ، وسَنِدتُ أسنَدُ، من باب تَعِبَ لغةٌ، واستندت إليه، بمعنًى، ويتعدّى بالهمزة . (إِلَى رَاحِلَتِهِ) أىِ هي المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلُحُ أن تُرْحَلَ، وجمعها: رَوَاحل . (مُوَاجِهَ الْفَجْرِ) منصوب على الحال من «بلال»، أي حال كونه مستقبلًا مكان طُلُوع الفجر؛ لِيَرْقُبه حتى يوقظهم عقب طلوعه. (فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ) قال الطيبيّ -﵀-: هذا عبارة عن النوم، كأنّ عينيه غالبتاه، فغلبتاه على النوم. انتهى. وحاصله أنه نام من غير اختياره. (وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ) جملة حاليّة تُفيد كون نوم بلال -﵁- عن غلبةٍ، لا عن تفريطه في الحِرَاسة (فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ) أي أصابهم حرّها، وهو غاية لعدم استيقاظهم. [فإن قيل]: كيف نام النبيّ -ﷺ- عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، مع قوله -ﷺ-: «إن عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي»؟. [أجيب] بجوابين: أصحهما وأشهرهما أنه لا منافاة بينهما؛ لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحدث، والألم، ونحوهما، ولا يُدْرِك طلوعَ الفجر وغيره مما يتعلق بالعين، وإنما يُدْرَك ذلك بالعين، والعين نائمة، وإن كان القلب يقظان. [والثاني]: أنه -ﷺ- كان له حالان: أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع، والثاني لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله، قال النووّي -﵀-: وهذا التأويل ضعيفٌ، والصحيح المعتمد هو الأول. انتهى . وقال في «الفتح»: وقد تكلم العلماء في الجمع بين حديث النوم هذا، وبين قوله -ﷺ-: «إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي»، قال النوويّ: له جوابان، ثم ذكر كلامه المذكور آنفًا، ثم علّق على قوله: والصحيح المعتمد هو الأول والثاني ضعيف، ما نصّه: وهو كما قال، ولا يقال: القلب وإن كان لا يُدْرِك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلًا، لكنه يدرك إذا كان يقظان مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حَمِيَت الشمس مدةً طويلةً لا تخفى على مَن لم يكن مستغرقًا؛ لأنا نقول: يَحْتَمِل أن يقال: كان قلبه -ﷺ- إذ ذاك مستغرقًا بالوحي، ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم، كما كان -ﷺ- يستغرق حالة إلقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيانَ التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، كما في قضية سهوه في الصلاة. قال: وقريبٌ من هذا جواب ابن الْمُنَيِّر: أن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة؛ لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى، أو على السواء. وقد أُجيب على أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة. منها: أن معنى قوله: «لا ينام قلبي» أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه. ومنها: أن معناه لا يستغرق بالنوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذي قبله. قال ابن دقيق العيد: كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد، وذلك أن قوله -﵄-: «إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي» خرج جوابًا عن قول عائشة -﵂-: أتنام قبل أن توتر؟، وهذا كلام، لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فَتُحْمَل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرن بين مَن شرع في النوم مطمئنَّ القلب به، وبين من شرع فيه متعلقًا باليقظة، قال: فعلى هذا فلا تعارض، ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس؛ لأنه يُحْمَل على أنه اطمأنّ في نومه لِمَا أوجبه تعب السير معتمدًا على مَن وكله بكلاءة الفجر. انتهى. ومُحَصّلهُ تخصيص اليقظة المفهومة من قوله: «ولا ينام قلبي» بإدراكه وقت الوتر إدراكًا معنويًّا لتعلقه به، وأن نومه في حديث الباب كان نومًا مستغرقًا، ويؤيده قول بلال له: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، كما في حديث أبي هريرة هذا، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا. وقد اعتُرِضَ عليه بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب، وأجاب بأنه يُعْتَبَرُ إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليه السياق، وهو هنا كذلك. ومن الأجوبة الضعيفة أيضًا: قول من قال: كان قلبه يقظان، وعَلِمَ بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك عمدًا لمصلحة التشريع، وقول من قال: المراد بنفي النوم عن قلبه أنه لا يطرأ عليه أضغاث أحلام، كما يطرأ على غيره، بل كل ما يراه في نومه حَقّ ووحي، فهذه عدّة أجوبة، أقربها إلى الصواب الأولُ على الوجه الذي قرّرناه، واللَّه المستعان. انتهى ما ذكره في «الفتح» ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا) [فإن قيل]: هذا يعارضه حديث عمران بن حصين -﵄- الآتي، ففيه: «فكان أول من استيقظ منّا أبو بكر. . .» الحديث. وأجيب: بأنه لا تنافي بينهما لتعدّد القصّة، كما سيأتي تحقيق ذلك. (فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) بكسر الزاي، يقال: فَزعَ منه فَزَعًا، فهو فَزعٌ، من باب تَعِبَ: إذا خاف، وأفزعته، وفَزَّعته، ففزعَ، والمراد به هنا انتبه، وقام من نومه. وقال القرطبيّ -﵀-: اختُلف في هذا الفَزَع، وفي سببه، فقال الأصيليّ: كان لأجل عدوّهم أن يكون اتّبعهم، فيجدهم على غِرّة، وقال غيره: لِمَا فاتهم من أمر الصلاة، ولم يكن عندهم حُكْمٌ من ذلك، وقد دلّ على هذا قولهم: «ما كفّارة ما صنعنا بتفريطنا؟»، وهذا بَيِّنٌ في حقّهم. وقد يكون الفَزَع بمعنى مبادرتهم إلى الصلاة، كما قال: «فافزعوا إلى الصلاة»، أي بادروا إليها. وقد يكون فَزَعُ النبيّ -ﷺ- إجابةَ الفَزِعين من أصحابه، وإغاثتهم لِمَا نَزَلَ بهم، يقال: فَزِعتُ: استغثتُ، وفَزَعتُ: أغثتُ. انتهى . وقال في «المنهل»: معنى «فَزِعَ»: أي هَبَّ، وانتبه مذعورًا؛ لِمَا رأى من فوات الوقت، وما قاله الأصيليّ من أن فَزَعَهُ لأجل المشركين الذين رجع من غزوهم؛ لئلا يتبعوه، ويطلبوا أثره، فيجدوه، وجميع أصحابه نِيَامًا، غير مُسَلَّم؛ لأنه -ﷺ- لم يتبعه عدوّ حين انصرافه من خيبر، وحُنين، ولا ذَكَرَ ذلك أحدٌ من أهل المغازي، بل انصَرَفَ منهما ظافرًا. انتهى . وقال في «التمهيد»: وفي فَزَع رسول اللَّه -ﷺ- دليلٌ على أن ذلك لم يكن من عادته منذ بُعِثَ -واللَّه أعلم- ولا معنى لقول من قال: إن فَزَع رسول اللَّه -ﷺ- كان من أجل العدوّ الذي يتبعهم؛ لأن رسول اللَّه -ﷺ- لم يتبعه عدوّ في انصرافه من خيبر، ولا في انصرافه من حُنين، ولا ذَكَر ذلك أحد من أهل المغازي، بل وإن منصرفه في كلتا الغزوتين غانمًا ظافرًا، قد هَزَمَ عدوّه، وظَفِر به، وقَمَعَهُ، والحمد للَّه. وأما فَزَعُ أصحابه -ﷺ- في هذا الحديث، فَلِمَا رأوا من فَزَعه -ﷺ-، ويَحْتَمِل أن يكون فزعهم شفقةً، وتأسفًا على ما فاتهم من وقت الصلاة، ولعلهم حَسِبُوا أن الصلاة قد فاتتهم أصلًا، فلحقهم الفزع والحزن؛ لفوت الأجر والفضل، ولم يعرفوا أن خروج الوقت لا يُسقِط فرض الصلاة، حتى قال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها، إذا ذكرها كما كان يصليها لوقتها»، فأخبرهم أنها غير ساقطة عنهم، وإذا لم تسقط عنهم صلوها، وإذا صلوها أدركوا أجرها إن شاء اللَّه، وأعلمهم -ﷺ- في حديث أبي قتادة -﵁- أن الإثم عنهم في ذلك ساقط بقوله: «ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة»، وفي بعض ألفاظ حديث أبي قتادة: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إن الصلاة لا تفوت النائم، إنما تفوت اليقظان، ثم توضأ، وصلى بهم». انتهى بتصرّف . (فَقَالَ) -ﷺ- («أَيْ بِلَالُ)»أي«بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة: حرف نداء للبعيد، قال في»الخلاصة«: وَللْمُنَادَى النَّائِي أَوْ كَالنَّائِي«يَا»… وَ«أَيْ»وَ«آ»كَذَا«أَيَا»ثُمَّ«هَيَا»وَالْهَمْزُ لِلدَّانِي وَ«وَا»لِمَنْ نُدِبْ … أَوْ«يَا»وَغَيْرُ«وَا»لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ والمعنى هنا: يا بلال لِمَ نِمْتَ؟ حتى خرج الوقت، فالعتاب محذوف، كما قدّمناه، وفي رواية ابن إسحاق:«ماذا صنعتَ بنا يا بلالُ؟ »، وفي حديث أبي قتادة -﵁-:«قال النبيّ -ﷺ-: يا بلالُ أين ما قلت؟، قال: ما أُلْقِيت عليّ نومةٌ مثلها قطّ». وإنما قال له -ﷺ- ذلك؛ تنبيهًا له على اجتناب الدعوى والثقة بالنفس، وحُسن الظنّ بها، ولا سيّما في مظانّ الغلبة، وسلب الاختيار، فإن بلالًا -﵁- قد ألزم نفسه بحفظ الوقت بقوله:«أنا أوقظكم»، كما تقدّم من رواية البخاريّ . وقال النوويّ -﵀-: قوله:«أي بلال»هكذا هو في روايتنا، ونُسَخ بلادنا، وحَكَى القاضي عياض عن جماعة أنهم ضَبَطوه:«أين بلال؟ »بزيادة نون. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-:«أي بلال»كذا عند أكثر الرواة بأي التي للنداء، وعند العذريّ والسمرقنديّ:«أين بلال»بـ«أين»الظرفيّة. انتهى . (فَقَالَ بِلَالٌ) -﵁- معتذرًا (أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِكَ) متعلّق بـ«أخذ»، وقوله:«بأبي أنت. . . إلخ»متعلّق بخبر محذوف، و«أنت مبتدأ»، أي أنت مفديّ بأبي وأمي، أو متعلّق بفعل مقدّر، أي أَفْديك بأبي وأمي، والجملة معترضة بين العامل، وهو«أخذ»، ومعموله، وهو«بنفسك»، ووقع في بعض النسخ:«أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه»، وهو واضح. والمعنى: أن اللَّه تعالى قبض بنفسي بالنوم، كما قبض نفسك به، فلا قدرة على أداء ما التزمته من كِلاءة وقت الصلاة. وقال القرطبي -﵀-: قول بلال -﵁-:«أخذ بنفسي. . . إلخ»على طريق العُذر مما كان تكفّل به، كما قدّمناه من رواية البخاريّ. وقال ابن عبد البرّ -﵀-: أما قول بلال -﵁- في هذا الحديث:«أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك»، فمعناه: قَبَضَ نفسي الذي قَبَضَ نفسك، والباء زائدة، أي تَوَفَّى نفسي مُتَوَفِّي نفسك، والتوفي: هو القبض نفسه، يعني أن اللَّه -﷿- قبض نفسه، وهذا قول مَن جَعَلَ النفس والروح شيئًا واحدًا، وهو الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في«المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. (قَالَ) -ﷺ- («اقْتَادُوا») أي قُودوا رواحلكم، وهو افتعال من قاد، يقال: قاد الرجلُ الفرسَ قَوْدًا، من باب قال، وقِيَادًا بالكسر، وقِيادةً، قال الخليل: الْقَوْدُ أن يكون الرجل أمام الدابّة آخذًا بقيادها، والسوقُ أن يكون خلفها، فإن قادها لنفسه قيل: اقتادها. انتهى . وقيل: معنى «اقتادوا»: أي قُودُوا رواحلكم لأنفسكم، آخذين بمقاودها، والْقَوْدُ: خلاف السَّوْقِ، ففي الْقَوْد يكون الرجل أمام الدّابّة، وفي السَّوْق يكون خلفها، فإن قادها لنفسه يقال: اقتادها، وقد جاء ما يوضّح هذا المعنى في الرواية الثانية، حيث قال: «ليأخذ كلُّ رجل برأس راحلته». (فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ) أي اقتاد كل واحد راحلته لنفسه؛ انتقالًا من ذلك المنزل الذي فاتهم فيه أداء صلاة الصبح. وقوله: (شَيْئًا) منصوب على الظرفيّة، أي وقتًا يسيرًا، أو مفعول مطلق على النيابة، أي اقتيادًا قليلًا بعد أن أمرهم النبيّ -ﷺ- بذلك، وقد بيّن لهم سبب الأمر باقتياد رواحلهم من ذلك المكان في رواية أبي حازم التالية: «ليأخذ كلُّ رجل برأس راحلته، فان هذا منزل حضرنا فيه الشيطان»، وفي رواية أبي داود: «تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة». قال في «المنهل»: وأما قول بعضهم: إنما أمرهم النبيّ -ﷺ- بالاقتياد؛ لأنه انتبه حين طلوع الشمس، والصلاةُ منهيّ عنها في هذا الوقت، فأمر بالاقتياد حتى ترتفع الشمس. فيردّه قوله في الحديث: «حتى ضربتهم الشمس»، فإنه يدلّ على أنها قد ارتفعت كثيرًا، فكيف يكون انتقالهم لارتفاعها؟. وفي حديث عمران بن حصين -﵄- الآتي: «فما أيقظنا إلا حرّ الشمس»، فإن هذا لا يكون إلا بعد ارتفاعها. ومما يُبيّن فساد هذا التأويل ما وقع عند مالك في «الموطّأ»، بلفظ: «فأمرهم رسول اللَّه -ﷺ- أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: إن هذا واد به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي»، فقد جعل ذلك علّةً في خروجهم عن الوادي، واقتيادهم رواحلهم شيئًا، ولو كان طلوع الشمس مانعًا من الصلاة، وموجبًا للاقتياد لعلّل به. انتهى . (ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَمَرَ بِلَالًا) أي أن يؤذّن، ثم يقيم (فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) قال أبو عمر -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون المعنى: فأقام، ولم يؤذِّن، ويَحْتَمِل أن يكون أقام الصلاة بما تُقام به من الأذان والإقامة والطهارة، وقد روي عن النبيّ -ﷺ- من وجوه أنه أمر بلالًا، فأذَّن، وأقام في حينِ نام عن الصلاة في السفر. قال: وقد رَوَى أبان بن يزيد العطار، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة -﵁- هذا الحديث، وذكر فيه أن النبيّ -ﷺ- صلى الركعتين قبل صلاة الفجر، ثم أمر بلالًا، فأقام، فصلى الفجر، وهذا ليس بمحفوظ في حديث الزهريّ، إلا من رواية أبان العطار، عن معمر، وأبان ليس بحجة، ولا تُقبل زيادته على عبد الرزاق؛ لأن عبد الرزاق أثبت الناس في معمر عندهم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اختلف العلماء في الأذان والإقامة للصلاة الفائتة، والأرجح مشروعيّتهما لها، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ) أي صلاة الصبح (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) أي انتهى منها بالسلام (قَالَ: «مَنْ) شرطيّة (نَسِيَ الصَّلَاةَ) أي أو نام عنها، ففي حديث أنس -﵁- الآتي آخر الباب:»من نسي صلاةً، أو نام عنها«، وفي لفظ:»إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غَفَلَ عنها، فليُصلّها إذا ذكرها«(فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) أي وقت ذكرها، وفيه أن جميع الأوقات وقت للصلاة الفائتة، فلو تذكّرها وقت الطلوع، أو الغروب قضاها، وليس عليه أن ينتظر خروج وقت النهي؛ لأن ذلك الوقت وقت أدائها، كما هو ظاهر هذا الحديث. قال الحافظ أبو عمر -﵀-: ليس في تخصيص الناسي والنائم بالذكر في قضاء الصلاة، ما يُسْقِط قضاءها عن العامد؛ لتركها حتى يَخْرُج وقتها، بل فيه أوضح الدلائل على أن العامد المأثوم أولى أن يؤمر بالقضاء من الناسي المتجاوَزِ عنه، والنائمِ المعذورِ، وإنما ذَكَر النائم والناسي؛ لئلا يَتَوَهَّم متوهم أنهما لما رُفِع عنهما الإثم سقط القضاء عنهما فيما وجب عليهما، فأبان -ﷺ- أن ذلك غير مسقط عنهما قضاء الصلاة، وأنها واجبة عليهما متى ما ذكراها، والعامدُ لا محالة ذاكرٌ لها، فوجب عليه قضاؤها، والاستغفار من تأخيرها؛ لعموم قوله -ﷺ-: «فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]»، وقد قضاها -ﷺ- بعد خروج وقتها يوم الخندق من غير نسيان، ولا نوم، إلا أنه شُغِل عنها، وأجاز من أدرك ركعة من العصر أن يصلي تمامها بعد خروج وقتها. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَإِنَّ اللَّهَ) الفاء للتعليل، أي إنما أمرته بصلاتها وقت ذكرها؛ لأن اللَّه تعالى (قَالَ) في كتابه الكريم (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ «) قراءة الجمهور بلام الأمر الجارّة للمصدر المضاف إلى ياء المتكلّم، ومعناه: لتذكرني فيها بلا رياء، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: إنه من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمعنى: لأذكُرك بالثناء، أو لأني ذكرتها في الكتاب، وأمرت بها، وليس في هذه القراءة دليل لمسألهَ قضاء النائم، والناسي، وإنما الدليل في القراءة الأخرى، وهي التي بيَّنها بقوله: (قَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ الراوي عن الزهريّ في هذا الإسناد، ومقول »قال« قوله: (وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ (يَقْرَؤُهَا) أي يقرأ الآية المذكورة في تلاوته للقرآن، وهي قراءة شاذّة، وهي قراءة ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وابن السميفع . وقيل: يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه كان يقرؤها في روايته للحديث، وفيه بُعدٌ (لِلذِّكْرَى) أي بلام الجرّ، وبعدها «أل» المعرّفة، وكسر الذال المعجمة، وسكون الكاف، مقصورًا، والمعنى عليه: أقم الصلاة في الوقت الذي تتذكّرها فيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. [تنبيه]: هذا الحديث رواه الإمام مالك -﵀- في «الموطّأ» مرسلًا، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: هكذا رَوَى هذا الحديث عن مالك مرسلًا جماعةُ رواة «الموطأ» عنه، لا خلاف بينهم في ذلك، وكذلك رواه سفيان بن عيينة، ومعمر في رواية عبد الرزاق عنه، عن الزهريّ مرسلًا، كما رواه مالك. وقد وصله أبان العطار، عن معمر، ووصله الأوزاعيّ أيضًا، ويونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وعبد الرزاق أثبت في معمر من أبان العطار، وقد وصله محمد بن إسحاق، عن الزهري، ثم أخرجه من طريقه. قال: ووصل من هذا الحديث ابنُ عيينة، ومعمرٌ، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قوله: «من نسي صلاةً، فليصلها إذا ذكرها، فإن اللَّه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾». وقد رُوِي عن النبيّ -ﷺ- في نومه عن الصلاة في السفر آثارٌ كثيرةٌ من وجوه شَتَّى، رواها عنه جماعة من أصحابه، منهم: ابنُ مسعود، وأبو مسعود، وأبو قتادة، وذو مِخْبَر الحبشيّ، وعمران بن حصين، وأبو هريرة، وقد ذكرها كلّها في «التمهيد» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: تبيّن مما سبق في كلام الحافظ أبي عمر: أن هذا الحديث صحيح موصولًا، كما هو رأي المصنّف -﵀-؛ حيث أخرجه هنا في الأصول؛ لأن الذين وصلوه جماعة حفّاظ، عندهم زيادة علم، فوجب قبولها. ومن الغريب أن الترمذيّ أخرج الحديث من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، ثم قال: هذا حديث غير محفوظ، رواه غير واحد من الحفّاظ، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن النبيّ -ﷺ-، ولم يذكروا فيه: عن أبي هريرة. وصالح بن أبي الأخضر، يُضَعَّف في الحديث، ضعّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه. وهذا شيء عجيب؛ لأن صالحًا لم يتفرد به، بل تابعه يونس، عند مسلم هنا، ومعمر عند أبي داود، والأوزاعيُّ، وابن إسحاق، عن ابن عبد البرّ، وصالح بن أبي الأخضر، وإن ضعّفوه، لكنه يُعتبر به، كما قاله في «التقريب». والحاصل أن الحديث محفوظ موصولًا، ولا يضرّه إرسال من أرسله، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ١٥٦٠ و١٥٦١] (٦٨٠)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤٣٥ و٤٣٦)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٦٣)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٦١٨ و٦١٩ و٦٢٠)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (٦٩٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٣ و١٤)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٥٣ و٥٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠٦٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٩٦ و٢٠٩٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٣١ و١٥٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢١٧)، و«دلائل النبوّة» (٤/ ٢٧٢ و٢٧٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٣٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب قضاء الفائتة. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن قضاء الفائتة بعذر ليس على الفور. ٣ - (ومنها): إثبات الإقامة للفائتة، وفيه إشارة إلى ترك الأذان لها، على ما قيل، وفي حديث أبي قتادة -﵁- الآتي إثبات الأذان للفائتة، وفي المسألهَ خلاف مشهور، والأصح ثبوت الأذان والإقامة لها؛ لحديث أبي قتادة وغيره من الأحاديث الصحيحة، وأما ترك ذكر الأذان في حديث أبي هريرة هذا وغيره فجوابه من وجهين: [أحدهما]: لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يُؤَذِّن، فلعله أَذَّن وأهمله الراوي، أو لم يَعْلَم به. [والثاني]: لعله ترك الأذان في هذه المرة؛ لبيان جواز تركه، وإشارةً إلى أنه ليس بواجب متحتم، لا سيما في السفر، وفيه بُعد، والصواب الجواب الأول؛ فقد تقدّم أمره -ﷺ- بالأذان والإقامة في السفر في حديث مالك بن الحويرث -﵁-، فتنبّه. ٤ - (ومنها): مشروعيّة الجماعة في الفائتة. ٥ - (ومنها): بيان وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر، كنوم، ونسيان، أم بغير عذر، وإنما قَيَّد في الحديث بالنسيان؛ لخروجه على سبب؛ لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، قاله النوويّ -﵀-، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا. ٦ - (ومنها): أن قوله -ﷺ-: «فليصلِّها إذا ذكرها»، فمحمول على الاستحباب، فإنه يجوز تأخير قضاء الفائتة بعذر على الصحيح. ٧ - (ومنها): وفيه استحباب قضاء السنن الراتبة إذا فاتت؛ لأنه -ﷺ- صلى ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح. ٨ - (ومنها): أن قوله -ﷺ-: «فإن هذا منزل حَضرَنا فيه الشيطان» فيه دليل على استحباب اجتناب مواضع الشيطان، وهو أظهر المعنيين في النهي عن الصلاة في الحمّام. ٩ - (ومنها): أن في قوله: «فصلى الغداة» جواز تسمية صلاة الصبح الغداة، وأنه لا يكره ذلك. ١٠ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: استدلّ بعض الحنفيّة بقوله: «اقتادوا رواحلكم» على أن الفرائض لا تُقضى في هذا الوقت؛ لأنه -ﷺ- إنما ارتحل عن ذلك الموضع ليخرُج الوقت المنهيّ عنه، وهذا تحكّم، بل كما يَحتمِلُ ما ذكروه يَحْتَمل أنه إنما كان ذلك ليعمّ النشاط جميعهم، وأبين من ذلك كلّه ما قد نصّ عليه من كراهية ذلك بقوله -ﷺ-: «ليأخذ كلُّ رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان»، وقد زاد أبو داود في هذا الحديث أن النبيّ -ﷺ- قال: «تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة». انتهى . ١١ - (ومنها): أن فيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات، وذلك سنةٌ، وكذلك إرساله السَّرَايا كلُّ ذلك سنةٌ مسنونة . ١٢ - (ومنها): إباحة الاستخدام الصاحب في السفر، وإن كان حُرًّا؛ لأن بلالًا -﵁- كان في ذلك الوقت حُرًّا، كان أبو بكر -﵁- اشتراه بمكة، فأعتقه، وله ولاؤه، وذلك قبل الهجرة . ١٣ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ -﵀-: وفيه أن رسول اللَّه -ﷺ- كان ينام أحيانًا نومًا يشبه نوم الآدميين، وذلك إنما كان منه غِبًّا لمعنى يريد اللَّه إحدائه، وليس لأمته سنةٌ تبقى بعده، يَدُلُّك على ذلك قوله -ﷺ-: «إني لأنسى، أو أُنَسَّى لأَسُنّ» ، وفي حديث العلاء بن خبّاب أن النبيّ -ﷺ- قال: «لو شاء اللَّه لأيقظنا، ولكن أراد أن تكون سنةً من بعدكم». وأما طبعه، وجبلّته وعادته المعروفة منه، ومن الأنبياء قبله، فَمَا حكاه عن نفسه -ﷺ-: «إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي»، فأطلق ذلك عن نفسه إطلاقًا غير مقيد بوقت. وفي حديث آخر: «إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا»، فأخبر أن كل الأنبياء كذلك، ومما يصحِّحُ ذلك قوله -ﷺ- لأصحابه: «تَرَاصُّوا في الصفّ، فإني أراكم من وراء ظهري»، متّفقٌ عليه. فهذه جبلته وخلقته، وعادته -ﷺ-، فأما نومه في السفر عن الصلاة، فكان خرق عادته؛ لِيَسُنّ لأمته، ويُعَرِّفهم بما يجب على من نام منهم عن صلاته حتى يخرج وقتها، وكيف العمل في ذلك، وجعل اللَّه نومه سببًا بما جرى له في ذلك النوم من تعليمه أمته، وتبصيرهم. قال: وبهذا تتّفق الآثار الواردة في هذا المعنى، وتأتلف، وغير جائز حمل أخباره -ﷺ- إذا صحت عنه على التناقض عند أهل الإسلام؛ لأنه لا يجوز فيها النسخ. قال: فإن قال قائل: إن في قوله -ﷺ-: «من يكلأ لنا الصبح» دليلًا على أن عادته النوم. قيل له: لم تُمْعِن النظر، ولو أمعنته لعلمت أن المعنى: مَنْ يَرْقُب لنا انفجار الصبح، فيُشْعِرنا به في أول طلوعه؛ لأن مَن نامت عيناه لم ير هذا في أوله، ونوم العين يمنع من مثل هذا، لا نوم القلب، وكان شأنه -ﷺ- التغليسَ بالصبح، وكان بلال من أعلم الناس بذلك، فلذلك أمره بمراقبة الفجر، لا أن عادته -ﷺ- كانت النوم المعروف من سائر الناس. انتهى. ١٤ - (ومنها): أن فيه تخصيصَ قوله -ﷺ-: «رُفِع القلم عن النائم حتى يستيقظ»، وبيان ذلك أن رفع القلم عنه ها هنا من جهة رفع المأثم، لا من جهة رفع الفرض عنه، وأن ذلك ليس من باب قوله: «وعن الصبيّ حتى يحتلم»، وإن كان ذلك جاء في أثر واحد، فقِفْ على هذا الأصل . ١٥ - (ومنها): أن في فزع الصحابة -﵃- حين انتبهوا لِمَا فاتهم من صلاتهم أوضحَ دليل على ما كان عليه القوم من الْوَجَل والإشفاق، والخوف لربّهم -﵃-. ١٦ - (ومنها): أن في قول بلال -﵁-: «أَخَذَ بنفسي الذي أخذ بنفسك»، أي إذا كنت أنت في منزلتك من اللَّه قد غلبتك عينُك، وقُبِضت نفسك، فأنا أحرى بذلك، دليلٌ على طَلَب الحجةِ، والإدلاء بها. ١٧ - (ومنها): أن قوله -ﷺ-: «من نسي صلاةً، أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها»، دليل على أن من تذكّر صلاة، أو انتبه من نومه يصلي صلاته التي تذكّرها أو انتبه إليها في أيّ وقت كان، على ظاهر الحديث، وقد اختلف العلماء في ذلك، وسيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. ١٨ - (ومنها): أن في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] دليلًا من يقول: شريعةُ من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد في شرعنا خلافه، قال القاضي عياض -﵀-: فيه أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا؛ لأن الحكم أُخذ من الآية، وهي إنما خُوطب بها موسى -﵇-. وتعقّبه الأبيّ، فقال: ليس فيه ذلك؛ لأن ذلك إنما يكون في احتجاج غير المشرِّع به، أما المشرِّع فاحتجاجه به إدخال له في شريعته. انتهى . وتعقّب السنوسيّ الأبيّ، فقال: الحجة في جعله مُستندًا، فلو لم يكن شرعُ من قبلنا شرعًا لنا لم يكن لذكره فائدةٌ، بل بطرق جعله مستندًا، ودعوى أنه لم يجعله مستندًا خلاف الظاهر. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد السنوسيّ -﵀- في هذا التعقّب، فالحقّ أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد خلافه في شرعنا، وقد حقّقت المسألة في «التحفة المرضيّة» وشرحها في الأصول، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرإبعة): في اختلاف أهل العلم في قضاء الفائتة في أوقات النهي: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلفوا فيمن نسي الصلاة فذكرها في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها، فقالت طائفة: لا تقضى الفوائت في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وروي ذلك عن أبي بكرة، وكعب -قال ابن المنذر: أحسبه ابن عجرة -﵄-. وقد احتجّ بعضهم لهذا القول بالأخبار التي رويناها عن رسول اللَّه -ﷺ- في نهيه عن الصلاة في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وبأن النبيّ -ﷺ- لما استيقظ عند طلوع الشمس أخّر الصلاة حتى ترتفع الشمس، ثم صلاها. وقال آخرون: يقضي في تلك الأوقات الواجب من الصلاة، والنهيُ للتطوع فقط؛ لقول النبيّ -ﷺ-: «من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». ولقوله: «لا يتحرى أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، وعند غروبها»، وإنما نُهِي عن ذلك مَنْ قصد التطوع دون الفرض؛ لأن مَن نسي الفرض فلم يذكره إلا وقت طلوع الشمس أو وقت غروبها لم يتحرّ الصلاة في ذلك الوقت، إنما أدركه فرض الصلاة فيه. وأما من تأوّل ارتحال النبيّ -ﷺ- من المكان الذي انتبهوا فيه، فليس لهم فيه حجة؛ لأنهم لم ينتبهوا إلا بحرّ الشمس، وإنما ارتحل النبيّ -ﷺ- من ذلك المكان للعلة التي أخبر بها، قال: «إن هذا مكان حَضَرَنا فيه شيطان، فارتَحِلُوا منه». وقد ثبت أنه -ﷺ- قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها»، وتلا أيضًا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وممن رُوِي عنه أنه قال: «إذا نام عن صلاة أو نسيها صلاها متى استيقظ أو ذَكَرَ»، عليُّ بن أبي طالب -﵁-، وقال ابن عباس -﵄- في رجل نسي صلاة: يصليها إذا ذكرها، وتلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. ورُوي عن عمران بن الحصين، وسمرة أنهما قالا: يصليها إذا ذكرها، وهذا قول أبي العالية، والنخعي، والشعبي، والحَكَم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وفيه قولٌ ثالث: قاله أصحاب الرأي في رجل نَسِيَ صلاة، فذكرها حين طلعت الشمس أو حين انتصف النهار، أو ذكرها حين تغرب الشمس، فإنه لا يصليها في هذه الأوقات الثلاث، والوتر كذلك، ما خلا العصر، فإنه إذا ذكر العصر من يومه ذلك قبل غروب الشمس صلاها، وإن كانت العصر قد نسيها قبل ذلك بيوم أو بأيام لم يصلها في تلك الساعة، وكذلك سجدة التلاوة، والوتر، والصلاة على الجنازة، لا تقضى في شيء من هذه الساعات الثلاث. قال الإمام ابن المنذر -﵀-: إذا كان مذهب أهل الرأي أن يجعلوا نهي النبيّ -ﷺ- عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، واقعًا على التطوع دون الفرض، فاللازم أن يجعلوا نهي النبيّ -ﷺ- عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند انتصاف النهار، واقعًا على التطوع دون الفرض، ثم ليس بين عصرِ يَوْمِهِ وبين عصرٍ قد نسيها قبل ذلك فرق، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- . قال الجامع: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال أهل العلم، وأدلّتها أن الصحيح في هذه المسألة قول من قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكر مطلقًا، أي سواء ذكرها في الأوقات التي تباح فيها الصلاة، أم في الأوقات التي تنهى فيها؛ لظهور دليله، فإن قوله: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها»: أي وَقْتَ ذكرها نصّ ظاهرٌ في الموضوع، عامّ في كل وقت، واللَّه -تعالى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب القضاء على من فاتته الصلاة عامدًا: قال الشوكانيّ -﵀- عند قوله: «من نسي صلاة» ما حاصله: تمسّك بدليل الخطاب من قال: إن العامد لا يقضي الصلاة؛ لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي، وإلى هذا ذهب داود، وابن حزم، وبعض الشافعية. قال ابن تيمية -﵀-: والمنازعون لهم ليسس لهم حجةٌ قط يُرَدُّ إليها عند التنازع، وأكثرهم يقولون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد، وليس معهم هنا أمر، ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط، بل ننازع في قبول القضاء منه، وصحة الصلاة في غير وقتها، وأطال البحث في ذلك، واختار ما ذكره داود، ومن معه. قال الشوكاني: والأمر كما ذكره، فإني لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد، وهم من عدا من ذكرنا على دليل، يَنْفِقُ في سوق المناظرة، ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث: «فدين اللَّه أحق أن يُقْضَى» باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم، ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسًا. قال الجامع: لا ينقضي عجبي من مثل الشوكاني القائل بهذا الكلام! فأيَّ دليل يطلب بعد هذا النصّ العظيم؟! وعن أيِّ حجة يَبحث مع وضوح الحجة، واستنارة المَحَجَّة؟! فيا للعجب! إنه لم يستطع أن يرُدّ هذه الحجة النَّيِّرَة، بل تَحَيَّر، فإنه بعدما طوّل كلامه في الردّ على حجج القائلين بوجوب القضاء على العامد، قال: والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقًا من عموم حديث: «فدين اللَّه أحقّ أن يقضى»، ولا سيما على قول من قال: إن وجوب القضاء بدليل، هو الخطاب الأول الدالّ على وجوب الأداء، فليس عنده في وجوب القضاء على العامد فيما نحن بصدده تردّد؛ لأنه يقول: المتعمِّد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه تأديتها فصارت دينًا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه. وإذا عرفتَ هذا علمت أن المقام من المضائق. انتهى كلام الشوكانيّ . قال الجامع: وأنا أقول: هذا مبلغ ما نَصَرَ به الشوكانيّ قولَ من يقول بعدم وجوب القضاء على العامد، حيث تحيّر في دفع حجة الموجبين؛ لقوّته ووضوحه، واعترف بأن المقام من المضائق، ونحن -بحمد اللَّه تعالى- لا نقع في المضائق، بل نقول بالأسهل الذي لا تضايُق معه، وهو وجوب القضاء. ولقد أحسن العلامة الصنعانيّ -﵀- في المسألة، وأجاد وأفاد، حيث قال في «حاشية إحكام الأحكام» ما نصُّهُ: وأقوى شيء عندي في الاستدلال من أوجب على العامد القضاء حديث: «فدينُ اللَّه أحقُّ أن يُقْضَى»؛ فإنه عامّ لكل دَين للَّه، ومعلوم أن التارك للصلاة هي دين في ذمته، وإلا لما عوقب عليها، ووجبت التوبة عن تركها بالاتفاق بين الفريقين، وكما أن دين الآدمي لا يُسقِطُهُ عن الذمة إلا قضاؤه، كذلك دين اللَّه، بل قد جعله النبيّ -ﷺ- أحق بالقضاء، وسواء قلنا: القضاء بأمر جديد، أو بالأمر الأول، إذ قد صارت ذمته مشغولة بها بالأمر الأول، وصارت بتركه أداءها في وقتها دينًا للَّه يعاقبه على عدم القضاء. انتهى كلامه -﵀- . أقول: هذا الذي قاله الصنعانيّ -﵀- هو التحقيق الحقيق بالقبول؛ لوضوح دليله المنقول. والحاصل أن المذهب الراجح هو القول بوجوب القضاء على من ترك الصلاة متعمدًا؛ لما ذكرناه من الدليل النيّر الواضح كالشمس في رابعة النهار: «اقضُوا اللَّه، فاللَّه أحقّ بالوفاء»، رواه البخاريّ، «فدَينُ اللَّه أحقّ بالقضاء»، متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في هل النفس والروح شيء واحدٌ أم لا؟: قال الحافظ أبو عمر -﵀-: اختلفوا في الروح والنفس، هل هما شيء واحد، أو شيئان؟ فقال جماعة أهل العلم: إنهما شيءٌ واحد، ومن حجتهم قوله -﷿-: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، فروي عن ابن عباس -﵄- وسعيد بن جبير أنهما قالا: تُقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، تتعارف ما شاء اللَّه أن تتعارف، فيُمسك التي قضى عليها الموت التي قد ماتت، ويُرسل الأخرى إلى أجل مسمى. وهذا يدلّ على أن النفس والروح شيء واحد؛ لأنهما فسّرا الآية بـ «تُقبض الأرواح»، وقد جاءت في الآية بلفظ الأنفس، ويشهد بصحّة ذلك قول رسول اللَّه -ﷺ- في الحديث: «إن اللَّه قَبَض أرواحنا»، فنَصَّ على أن المقبوض هو الروح، ولم يُنكر قول بلال -﵁-: «أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك»، فالقرآن والسنّة يشيران إلى معنى واحد، بلفظ النفس تارةً، وبلفظ الروح أخرى. وقال آخرون: النفس غير الروح، واحتجُّوا بأن النفس مخاطبةٌ، منهيّة مأمورة، واستدلّوا بقول اللَّه -﷿-: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ومثل هذا في القرآن كثير، قالوا: والروح لم تخاطب، ولم تؤمر، ولم تُنْهَ في شيء من القرآن، ولم يلحقها شيء من التوبيخ، كما لحِقَ النفس في غير آية من كتاب اللَّه -﷿-، وتأوّلوا قول بلال -﵁-: «أخذ بنفسي من النوم ما أخذ بنفسك منه». انتهى . وقال القرطبي -﵀-: قال: و«النفس» هنا هي التي تتوفَّى بالنوم وبالموت، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وهى التي تَخْرُج من البدن حالة الموت، كما قال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وهي المناداة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ إلى قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٩]، وقد عَبّر عنها في «الموطّأ» في هذا الحديث بالروح، فقال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن اللَّه قبض أرواحنا، ولو شاء لردّها إلينا في حينٍ غيرِ هذا»، فما سمّاه بلالٌ نفسًا سمّاه رسول اللَّه -ﷺ- رُوحًا، فهما إذًا عَبارتان عن مُعَبَّرٍ واحد، وهذا مذهب أئمّتنا. وقد اختَلَفَ الناس قديمًا وحديثًا في المعنى المراد بالنفس والروح، والذي يُفهم من مجموع ما في الكتاب والسنّة، وأقاويل علمائنا أن ذلك هو لطيفة مُودَعةٌ في الأجساد، مشاركة لجميع أجزائها التي تَحُلُّها الحياة، يتأتَّى إخراجها من الجسد وإدخالها فيه، وقبضها منه، أجرى اللَّه تعالى العادة بخلق الحياة في الجسد ما دامت فيه تلك اللطيفة، وهي القابلة للعلوم، والإنسانُ هو الجسد وتلك اللطيفة. وقد فرَّق الصوفيّة بين النفس والروح، فقالوا: النفس لطيفة مُودعةٌ في الجسم، محلٌّ للأخلاق المعلولة، والروح محلّ للأخلاق المحمودة، وهو اصطلاح من قِبَلهم، ولا مُشَاحّة في الاصطلاحات بعد فهم المعنى. والنفس في اللغة مُشترك يُطلق على ما ذكرنا، ويُطلق، ويُراد به وجود الشيء وذاته، ويُطلق ويراد به الدم، والروح يُطلق أيضًا على جبريل؛ إذ قد سمّاه اللَّه تعالى رُوحًا فِي قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]، وفي قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] على ما قاله ابن عبّاس -﵄- في قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾، وقد تقدّم أن الروح مشتقّ من الريح. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الأولون من أن الروح والنفس شيء واحد هو الأرجح؛ لقوّة حُججهم، كما تقدّم بيانها، واللَّه تعالى أعلم؛ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنًا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ»، قَالَ: فَفَعَلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاة ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢. ٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٢٤. و«أبو هريرة» -﵁- ذُكر قبله. وقوله: (قَالَ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-) التعريس: نزول المسافر آخر الليل. وقوله: (فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ) فيه دليلٌ على استحباب اجتناب مواضع الشيطان، وهو أظهر المعنيين في النهي عن الصلاة في الْحمّام، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبي -﵀-: ذهب بعض العلماء إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقال: إن من انتبه من نوم عن صلاة فاتته في سفر زال عن موضعه، وإن كان واديًا خرج عنه، واعتَضَدَ بقوله -ﷺ-: «تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة» ، وهذه الزيادة ذكرها أبو داود في حديث أبي هريرة -﵁-. وقال آخرون: إنما يلزم هذا في ذلك الوادي بعينه، إن عُلِم، ونزلت فيه مثل تلك النازلة، فيجب الخروج منه، كما فَعَل النبيّ -ﷺ-. وقال الجمهور: إن هذا غير مُرَاعَى، وإن من استيقظ عن صلاة فاتته صلّاها في ذلك الوقت، وحيثما كان؛ لقوله -ﷺ-: «فحيثما أدركتك الصلاة فصَلِّ» ، وهذا الحديث لا يصلح لتخصيصه في غير حقّ النبيّ -ﷺ-؛ إذ لا يَعْلَم غيرُ النبيّ -ﷺ- من حال ذلك الوادي، ولا من غيره من المواضع ما عَلِمَه النبيّ -ﷺ-، وبتقدير أن تقع النازلة في ذلك الوادي، فلا ندري، هل ذلك الشيطان باقٍ أم لا؟، وقوله: «تحوّلوا» خطاب لأصحابه الكائنين معه خاصّةً، لا يتعدّاه إلى غيرهم؛ لأنه كان لسبب عِلْمِهِ -ﷺ- بحضور الشيطان فيه، وغيرُهُ لا يعلم ذلك، فلا يتعدّى إليه ذلك الحَكم، وإلى معنى ما ذكرناه ذهب الداوديّ وغيره من أصحابنا في تأويل الحديث. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح ما قاله الأولون، فمن أدركته الغفلة، أو نام عن صلاة في موضع انتقل من ذلك الموضع إلى غيره؛ لأمره -ﷺ-
مصادر المؤلف (٤٨)

١. وفي نسخة: «سار ليلة».

٢. وفي نسخة: «الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه».

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥١١.

٤. «القاموس المحيط» ٤/ ٣٦٩.

٥. «شرح النووي» ٥/ ١٨١.

٦. «التمهيد» ٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩.

٧. راجع: «التمهيد» ٦/ ٣٩٢.

٨. «المنهل العذب المورود» ٤/ ٢١، و«تحفة الأحوذيّ» ٨/ ٤٨٥.

٩. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥.

١٠. «المسند» ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦.

١١. «المصباح» ١/ ٢٩٩.

١٢. راجع: «القاموس» ٤/ ٣٨٢.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٤٠.

١٤. «التمهيد» ٦/ ٣٩١.

١٥. راجع: «المصباح» ١/ ٢٩١، و«القاموس» ١/ ٣٠٣.

١٦. «المصباح» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.

١٧. «شرح النووي» ٥/ ١٨٤.

١٨. «الفتح» ١/ ٥٣٦ - ٥٣٧ «كتاب التيمّم» رقم (٣٤٤).

١٩. «المفهم» ٢/ ٣٠٧.

٢٠. «المنهل» ٤/ ٢٢.

٢١. «التمهيد»٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧.

٢٢. «المنهل» ٤/ ٢٢.

٢٣. «شرح النوويّ» ٥/ ١٨٢.

٢٤. «المفهم» ٢/ ٣٠٧.

٢٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥١٨.

٢٦. راجع:«المنهل العذب المورود»٤/ ٢٣.

٢٧. «التمهيد» ٦/ ٤١٠.

٢٨. «التمهيد» ٦/ ٣٩٥ - ٣٩٦.

٢٩. راجع: «زاد المسير» لابن الجوزيّ (٥/ ٢٧٥).

٣٠. راجع: «التمهيد» ٦/ ٣٨٤ - ٣٨٨.

٣١. «المفهم» ٢/ ٣٥٨.

٣٢. «التمهيد» ٦/ ٣٨٩.

٣٣. «التمهيد» ٦/ ٣٩١.

٣٤. هذا ذكره مالك في «الموطّأ» من بلاغاته.

٣٥. «التمهيد» ٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧.

٣٦. «شرح الأبيّ» ٢/ ٣٣٩.

٣٧. «شرح السنوسيّ» ٢/ ٣٣٩.

٣٨. «الأوسط»، لابن المنذر باختصار ٢/ ٤٠٨ - ٤١٣.

٣٩. قال الجامع عفا اللَّه عنه: بلى لهم حجة واضحة، كما سيأتي: «اقضوا اللَّه، فاللَّه أحقّ بالوفاء»، وأي حجة أبين وأوضح من هذا؟، بل الذين ليس لهم حجة واضحة، هم القائلون بعدم وجوب القضاء، فتأمل بالإنصاف.

٤٠. «نيل الأوطار» ٢/ ٨٥ - ٨٦.

٤١. «العدة حاشية العمدة» ٢/ ٤٩٥.

٤٢. «التمهيد» ٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣ و٦/ ٣٩٩.

٤٣. «المفهم» ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨.

٤٤. وفي نسخة: «وأقيمت الصلاة».

٤٥. «شرح النوويّ» ٥/ ١٨٣.

٤٦. حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود في «سننه» (١/ ١١٩).

٤٧. حديث صحيح، أخرجه أحمد في «مسنده» (٣/ ٣٠٤)، والنسائيّ في «المجتبى» (١/ ٢١٠ - ٢١١) من حديث جابر -﵁-.

٤٨. «المفهم» ٢/ ٣١١ - ٣١٢.