HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٨٤

حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «من نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا. لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ». قَالَ قَتَادَةُ: وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لذكري.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص142
ج ١ ص ٤٧٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٦١١
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٦٦] (٦٨٤) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ»، قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) ويقال له: هُدَبَةُ بن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥١. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كلاحقه، وهو (٩٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد هو والبخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً) زاد في رواية سعيد، عن قتادة التالية:»أو نام عنها«(فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) قال في»الفتح«: وقد تمسك بدليل الخطاب من قوله:»من نسي«القائلُ: إن العامد لا يقضي الصلاة؛ لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم يَنْسَ لا يصلي، وقال من قال: يقضي العامدُ: إن ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب، فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا وجب القضاء على الناسي، مع سقوط الإثم، ورفع الحرج عنه، فالعامد أولى. وادَّعَى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله:«نَسِيَ»؛ لأن النسيان يُطلق على الترك، سواءٌ كان عن ذُهُول أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، قال: ويُقَوِّي ذلك قوله:«لا كفّارة لها»، والنائم والناسي لا إثم عليه. قال الحافظ: وهو بحث ضعيفٌ؛ لأن الخبر بذكر النائم ثابتٌ، وقد قال فيه:«لا كفارة لها»، والكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد، والقائل بأن العامد لا يقضي لم يُرِدْ أنه أخفّ حالًا من الناسي، بل يقول: إنه لو شُرِع له القضاء لكان هو والناسي سواءً، والناسي غير مأثوم، بخلاف العامد، فالعامد أسوأ حالًا من الناسي، فكيف يستويان؟. ويمكن أن يقال: إن إثم العامد بإخراجه الصلاة عن وقتها باقٍ عليه، ولو قضاها، بخلاف الناسي، فإنه لا إثم عليه مطلقًا، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول؛ لأنه قد خوطب بالصلاة، وترتبت في ذمته، فصارت دينًا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه، فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها، وَيسْقُط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر في رمضان عامدًا، فإنه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم تحقيق الخلاف في وجوب القضاء على من ترك الصلاة متعمّدًا، وأن القول الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من وجوب القضاء عليه، وأقوى حجة على ذلك الحديث المتّفق عليه من حديث ابن عبّاس -﵄-، مرفوعًا: «اقضوا اللَّه الذي له، فإن اللَّه أحقّ بالوفاء»، قاله لمّا سئل عن قضاء الحجّ عن الميت، وفي لفظ آخر: «فدَينُ اللَّه أحقُّ بالقضاء»، قاله لَمّا سئل عن قضاء الصوم عن الميت، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. والحاصل أن هذا العامد عليه حقّ اللَّه ﷿ مطالب به، آثم بسببه، يعاقب عليه، فيجب قضاؤه؛ لأن اللَّه تعالى أحقّ بالقضاء من قضاء حقّ الناس، واللَّه تعالى أعلم. (لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ) قال النوويّ -﵀-: معناه: لا يُجزئه إلا الصلاة مثلها، ولا يلزمه مع ذلك شيء آخر. انتهى. وحَمَل الخطابيّ -﵀- قوله: «لا كفارة لها إلا ذلك» على وجهين: أحدهما: أن المعنى أنه لا يجوز له تركها إلى بدل، ولا يكفِّرها غير قضائها. والثاني: أن المعنى أنه لا يلزمه في نسيانها كفارة ولا غرامة. قال: إنما عليه أن يصلي ما فاته. وقد روي عن أبي هريرة -مرفوعًا-: «من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها»، أخرجه الطبراني والدارقطنيّ والبيهقيّ من رواية حفص بن أبي العطاف، واختلف عليه في إسناده إلى أبي هريرة. وحفص هذا، قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال يحيى بن يحيى: كذاب، ولا يلتفت إلى ما تفرد به . (قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]) أي بلام واحدة، وكسر الراء، وهي القراءة المشهورة. وقد اختُلِف في ذكر هذه الآية، هل هي من كلام قتادة، أو هي من قول النبيّ -ﷺ-؟ فرواية هدّاب هذه بقوله: «قال قتادة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾»، ظاهرة على أنها من كلام قتادة، ورواية المثنى بن سعيد، عن قتادة الثالثة بقوله: «عن قتادة، قال رسول اللَّه -ﷺ-:»إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن اللَّه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ «، ظاهرة أن الجميع من كلام النبيّ -ﷺ-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر في«الفتح»، ولم يذكر وجهًا للجمع بينهما، وعندي أنه لا تعارض، فهو في الأصل مرفوع، لكن قتادة أحيانًا يذكر الآية دون أن ينسب ذلك إلى النبيّ -ﷺ-، فلا اختلاف بينهما، واللَّه تعالى أعلم. واختُلِف في المراد بقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾، فقيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بالمدح، وقيل: إذا ذكرتها، أي لتذكيري لك إيا ها، وهذا يَعْضِدُ قراءة مَن قرأ (للذكرى) بلامين. وقال النخعيّ: اللام للظرف، أي إذا ذكرتني، أي إذا ذكرت أمري بَعْدَ ما نَسِيت، وقيل،: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكرًا لذكري، وقيل: المراد بقوله: «ذكري» ذكر أمري، وقيل: المعنى: إذا ذكرت الصلاة، فقد ذكرتني، فإن الصلاة عبادة اللَّه، فمتى ذكرها ذكر المعبود، فكأنه أراد لذكر الصلاة. وقال التُّورِبْشتيّ: الأولى أن يْقَصد إلى وجه يوافق الآية والحديث، وكأن المعنى: أقم الصلاة لذكرها؛ لأنه إذا ذكرها ذكر اللَّه تعالى، أو يقدَّر مضاف، أي لذكر صلاتي، أو ذُكِرَ الضميرُ فيه موضع الصلاة؛ لشرفها، ذكره في «الفتح» . قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما تلاوته قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وقد رواه قتادة -مرة-، فقال: (للذِّكْرى) ومرة، قال: ﴿لِذِكْرِي﴾، كما هي القراءة المتواترة، وكان الزهري -أيضًا- يقرؤها: (للذِكْرِي). وهذه القراءة أظهر في الدلالة على الفور؛ لأن المعنى: أدّ الصلاة حين الذكرى، والمعنى: أنه يصلي الصلاة إذا ذكرها، وبذلك فسرها أبو العالية والشعبي والنخعي، وقال مجاهد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾: أي تذكرني. قال: فإذا صلى عبد ذكر ربه، ومعنى قوله: إن قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ - أي: لأجل ذكري بها، والصلاة إنما فُرضت ليذكر اللَّه بها، كما في حديث عائشة -﵂- المرفوع: «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر اللَّه»، أخرجه الترمذيّ، وأبو داود. فأوجب اللَّه تعالى على خلقه كل يوم وليلة أن يذكروه خمس مرار بالصلاة المكتوبة، فمن ترك شيئًا من ذكر اللَّه الواجب عليه سهوًا فليعد إليه إذا ذكره، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، فقد أمره إذا نسي ربه أن يذكره بعد ذلك، فمن نسي الصلاة فقد نسي ذكر ربه، فإذا ذكر أنه نسي فليعد إلى ذكر ربه بعد نسيانه. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٥٧/ ١٥٦٦ و١٥٦٧ و١٥٦٨ و١٥٦٩] (٦٨٤)، و(البخاريّ) في «مواقيت الصلاة» (٥٩٧)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤٤٢)، و(الترمذيّ) فيها (١٧٨)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٦١٣ و٦١٤) وفي «الكبرى» (١٥٨٦)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (٦٩٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٦٣ و٦٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٠ و٢٤٣ و٢٦٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٨٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٩٩١ و٩٩٢ و٩٩٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٥٥٥ و١٥٥٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٦٦) و«مشكل الآثار» (١/ ١٨٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١١٤٢ و١١٤٣ و١١٤٤ و٢٠٩٤ و٢٠٩٥ و٢١٠٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٣٦ و١٥٣٧ و١٥٣٨ و١٥٣٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٥٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٩٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه يدلّ على وجوب القضاء على النائم إذا استيقظ، والناسي إذا ذكر، وقد حَكَى الإجماع على ذلك غير واحد. وذكر ابن عبد البر أن محمد بن رستم رَوَى عن محمد بن الحسن، أن النائم إذا فاته في نومه أكثر من خمس صلوات لا قضاء عليه، إلحاقًا للنوم الطويل إذا زاد على يوم وليلة بالإغماء، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده، ويكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد، وهو ما تفوت فيه صلاة أو صلاتان أو دون خمس أو أكثر . قال الجامع عفا اللَّه عنه: أظنّ هذا القول لا يصحّ عن محمد بن الحسن، فإن صحّ فهو باطلٌ، يردّ الإجماع، وهذا النصّ الصحيح الصريح المطلق: «من نسي صلاةً، أو نام عنها فليُصلّها إذا ذكرها»، فتبصّر. ٢ - (ومنها): أنه استدل به من يقول بوجوب قضاء الصلوات على الفور؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك. وأحمدُ يوجبه بكل حال، قَلَّت الصلوات أو كثرت، واستدلوا -أيضًا-: بقوله: «لا كفارة لها إلا ذلك». وذهب الشافعي إلى أن القضاء على التراخي، كقضاء صيام رمضان، وليس الصوم كالصلاة عندهم، فإن الصيام لا يجوز تأخيره حتى يدخل نظيره من العام القابل والصلاة عندهم بخلاف ذلك، واستدلوا -أيضًا-: بتأخير النبي -ﷺ- الصلاة حتى خرج من الوادي. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ -﵁- هو الأرجح عندي، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن شَرْعَ من قبلنا شرعٌ لنا؛ لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى -﵊- وهو الصحيح في الأصول، ما لم يَرِد ناسخ، وقد تقدّم ترجيحه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٦٧] (. . .) - (وَحَدَّثنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَلَمْ يَذْكُرْ : «لَا كَفارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ) يعني أن الثلاثة: يحيى بن يحيى، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد رووا هذا الحديث عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس -﵁-. [تنبيه]: رواية أبي عوانة هذه ساقها الترمذيّ -﵀-، فقال: (١٦٣) حدّثنا قتيبة، وبشر بن معاذ، قالا: حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (سَعِيد) بن أبي عروبة تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث مضى شرحه، ومسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٦. ٣ - (الْمُثَنَّى) بن سعيد الضُّبَعيّ -بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة- أبو سعيد البصريّ القَسّام الذّارع القصير، ثقةٌ [٦]. رَأَى أنسًا، ورَوَى عن أبي المتوكل الناجيّ، وأبي جَمْرة الضُّبَعيّ، وأبي مِجْلَز، وأبي التّيّاح، وقتادة، وأبي سفيان طلحة بن نافع، وأبي حُرّة بن عبد اللَّه الضُّبَعيّ، وجماعة. وروى عنه ابن المبارك، ووكيع، والقطان، ويزيد بن زُريع، وابن مهديّ، وأبو قتيبة، وابن عُلية، وأزهر بن قاسم، وبهز بن أسد، وعلي بن نصر الجهضميّ الكبير، وغيرهم. قال أبو طالب، عن أحمد: ثقةٌ، وكذا قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والعجليّ، زاد أبو حاتم: أوثق من أبي غفار، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في «الثقات»، قال: وكان يخطئ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٦٨٤) و(١٩٩٦) و(٢٠٥٢) و(٢٣٤١) و(٢٤٧٤) و(٢٦١٢). والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: («إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ) أي نام، يقال: رَقَدَ يرقُدُ رَقْدًا، من باب نَصَرَ، ورُقُودًا، ورُقَادًا: نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخصّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]، قال المفسِّرون: إذا رأيتهم حسِبتهم أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتّحة، وهم نيامٌ، ورقدَ عن الأمر: بمعنى قعد، وتأخّر، أفاده في»المصباح«. وقوله: (أَوْ غَفَلَ عَنْهَا) هذا أعمّ من الرواية الأخرى:«أو نام عنها»؛ لأنه يَشمَل كل من غفل عن الصلاة بسبب من الأسباب، فإنه يقضيها إذا انتبه لها، وتذكّرها. وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديثين، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: انتهيتُ من كتابة الجزء الرابع عشر من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج»، وذلك بعد صلاة الصبح يوم الجمعة المبارك (٩/ ٣/ ١٤٢٧ هـ الموافق ٧ إبريل - نيسان ٢٠٠٦ م). أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته». ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الخامس عشر مفتتحًا بـ (٦) - كتاب صلاة المسافرين، وقصرها، (١) - (بَابُ قصر الصلاة في السفر) رقم الحديث [١٥٧٠] (٦٨٥). «سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليلة الخميس المبارك بعد صلاة العشاء ١٥/ ٣/ ١٤٢٧ هـ أول الجزء الخامس عشر من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه اللَّه تعالى. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: ٦ - (كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِها) مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في بيان ضبط السَّفَر، ومعناه: قال الفيّوميّ -﵀-: سَفَرَ الرجلُ سَفْرًا، من باب ضَرَبَ، فهو سافر، والجمع سَفْرٌ، مثلُ راكِبٍ ورَكْبٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وهو مصدر في الأصل، والاسم السَّفَرُ -بفتحتين- وهو قطع المسافة، يقال ذلك إذا خرج للارتحال، أو لقصد موضع فوق مسافة الْعَدْوَى؛ لأن العرب لا يُسَمّون مسافة الْعَدْوَى سَفَرًا، وقال بعض المصنفين: أقلُّ السفر يوم، كأنه أخذ من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، فإن في التفسير: كان أصل أسفارهم يومًا يقيلون في موضع، ويبيتون في موضع، ولا يتزودون لهذا، لكن استعمال الفعل، واسم الفاعل منه مَهْجُورٌ، وجمع الاسم أَسْفَارٌ، وقومٌ سافِرَةٌ، وسُفّارٌ، وسَافَرَ مُسَافرَةً كذلك، وكانت سَفْرَتُهُ قَرِيبةً، وقياس جمعها سَفَرَاتٌ، مثلُ سَجْدَةٍ وسَجَدَاتٍ، وسَفَرَتِ الشمسُ سَفْرًا، من باب ضَرَبَ: طَلَعَتْ، وسَفَرْتُ بين القوم أَسْفِرُ أيضًا سِفَارَةً -بالكسر-: أصلحتُ، فأنا سافِرٌ، وسَفِيرٌ، وقيل للوكيل ونحوه: سَفِيرٌ، والجمع سُفَرَاء، مثلُ شَرِيف وشُرَفاء، وكأنه مأخوذ من قولهم: سَفَرتُ الشيءَ سَفْرًا، من باب ضَرَبَ: إذا كشفته، وأوضحته؛ لأنه يُوَضِّح ما ينوب فيه، وَيكشفه، وسَفَرت المرأةُ سُفُورًا: كَشَفَت وجهها، فهي سافرٌ بغير هاء، وأسفر الصبحُ إسفارًا: أضاء، وأسفر الوجه من ذلك: إذا علاه جمالٌ، وأسفر الرجل بالصلاة: صلّاها في الإسفار، والسُّفْرَة: طعامٌ يُصْنَع للمسافر، والجمع سُفَرٌ، مثلْ غُرْفة وغُرَف، وسميت الجلدة التي يُوعَى فيها الطعامُ: سُفْرَةً مجازًا. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- ، وهو بحثٌ مفيدٌ. وقال في «المرعاة»: السّفر لغةً: قطع المسافة، وليس كلُّ قطع تتغيّر به الأحكام، من جواز الإفطار، وقصر الرباعيّة، وغيرهما، فاختلف العلماء فيه شرعًا كما ستعرفه، قال ابن رُشد في «البداية»: السفر له تأثيرٌ في القصر باتّفاق، فقد اتّفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر، إلا قول شاذّ أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية [النساء: ١٠١]. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان حِكْمَة القصر في السفر: قال العلّامة ابن القيّم -﵀-: لا ريب أن الفطر والقصر يَختص بالمسافر، ولا يفطر المقيم إلا لمرض، وهذا من كمال حكمة الشارع، فإن السفر في نفسه قطعةٌ من العذاب، وهو في نفسه مشقة وجَهْدٌ، ولو كان المسافر من أرفه الناس، فإنه في مشقة وجهد بحسبه، فكان من رحمة اللَّه بعباده وبرّه بهم، أن خَفَّف عنهم شطر الصلاة، واكتفى منهم بالشطر، وخَفّف عنهم أداء فرض الصوم في السفر، واكتفى منهم بأدائه في الحضر، كما شَرَع مثل ذلك في حق المريض والحائض، فلم يفوت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملةً، ولم يُلزمهم بها في السفر كإلزامهم في الحضر، وأما الإقامة فلا موجب لإسقاط بعض الواجب فيها، ولا تأخيره، وما يَعْرِض فيها من المشقة والشغل، فأمر لا يَنْضَبِط ولا ينحصر، فلو جاز لكل مشغول، وكل مشقوق عليه الترخص ضاع الواجب، واضمَحَلّ بالكلية، وإن جوّز للبعض دون البعض لم يَنضبط، فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز، بخلاف السفر، على أن المشقة قد عُلِّق بها من التخفيف ما يناسبها، فإن كانت مشقة مرض وألم يضر به جاز معها الفطر، والصلاة قاعدًا، أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد، وإن كانت مشقةَ تَعَب، فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة، فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها -بحمد اللَّه، ومَنِّهِ-. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، وهو بحثٌ قيّمٌ جدًّا. وقال الشيخ وليّ اللَّه الدهلويّ -﵀-: لَمّا كان من تمام التشريع أن يبين لهم الرُّخَص عند الأعذار؛ ليأتي المكلفون من الطاعة بما يستطيعون، ويكون قدر ذلك مُفَوَّضًا إلى الشارع؛ ليراعي فيه التوسط، لا إليهم، فيُفْرِطُوا أو يُفَرِّطوا، اعتنى رسول اللَّه -ﷺ- بضبط الرُّخَص والأعذار، ومن أصول الرُّخَص أن ينظر إلى أصل الطاعة، حسبما تأمر به حكمة الْبِرّ، فيُعَضّ عليها بالنواجذ على كل حال، ويُنظَر إلى حدود وضوابط شرعها الشارع؛ ليتيسر لهم الأخذ بالبرّ، فيصرف فيها إسقاطًا وإبدالًا حسبما تؤدي إليه الضرورة. فمن الأعذار السفر، وفيه من الحرج ما لا يحتاج إلى بيان، فشَرَع رسول اللَّه -ﷺ- له رُخَصًا منها القصر، فأبقى أصل أعداد الركعات، وهي إحدى عشرة ركعة، وأسقط ما زيد بشرط الطمأنينة والحضر، ولما كان هذا العدد فيه شائبة العزيمة، لم يكن من حقه أن يُقَدَّر بقدر الضرورة، ويضيّق في ترخيصه كل التضييق، فلذلك بَيَّن رسول اللَّه -ﷺ- أن شرط الخوف في الآية لبيان الفائدة، ولا مفهوم له، فقال: «صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، والصدقة لا يُضَيِّق فيها أهل المروءات، ولذلك أيضًا واظب رسول اللَّه -ﷺ- على القصر، وإن جوّز الإتمام في الجملة، فهو سنة مؤكدة. ولا اختلاف بين ما رُوي من جواز الإتمام، وأن الركعتين في السفر تمامٌ غيرُ قصر؛ لأنه يمكن أن يكون الواجب الأصليّ هو ركعتين، ومع ذلك يكون الإتمام مجزئًا بالأولى -كالمريض والعبد- يصليان الجمعة، فيسقط عنهم الظهر، أو كالذي وجب عليه بنت مخاض، فتصدق بالكلّ، ولذلك كان من حقه أنه إذا صحّ على المكلف إطلاق اسم المسافر، جاز له القصر إلى أن يزول عنه هذا الاسم بالكلية، لا يُنظر في ذلك إلى وجود الحرج، ولا إلى عدم القدرة على الإتمام؛ لأنه وظيفة مَنْ هذا شأنه ابتداءً، وهو قول ابن عمر -﵄-: «سنَّ رسول اللَّه -ﷺ- صلاة السفر ركعتين، وهما تمامٌ غير قصرٍ». (واعلم): أن السفر، والإقامة، والزنا، والسرقة، وسائر ما أدار الشارع عليه الحكمَ، أمورٌ يستعملها أهل العرف في مظانّها، ويعرفون معانيها، ولا يُنال حَدّه الجامع المانع إلا بضرب من الاجتهاد والتأمل، ومن المهمّ معرفة طريق الاجتهاد، فنحن نعلم نموذجًا منها في السفر، فنقول: هو معلوم بالقسمة والمثال، يَعلَم جميع أهل اللسان أن الخروج من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى خيبر سفر لا محالة، وقد ظهر من فعل الصحابة -﵃- وكلامهم أن الخروج من مكة إلى جُدّة وإلى الطائف وإلى عسفان وسائر ما يكون المقصد فيه على أربعة بُرُدٍ سفرٌ، ويعلمون أيضًا أن الخروج من الوطن على أقسام: تردّدٌ إلى المزارع والبساتين، وهَيَمَان بدون تعيين مقصد سفر، ويعلمون أن اسم أحد هذه لا يطلق على الآخر. وسبيل الاجتهاد أن يستقرئ الأمثلة التي يُطلق عليها الاسم عرفًا وشرعًا، وأن يُسْبَر الأوصاف التي بها يفارق أحدها قَسِيمهُ، فيجعل أعمّها في موضع الجنس، وأخصها في موضع الفصل. فعلمنا أن الانتقال من الوطن جزء نفسيّ؛ إذ من كان ثاويًا في محل إقامته، لا يقال له مسافرٌ، وأن الانتقال إلى موضع معيّن جزء نفسيّ، وإلا كان هَيَمَانًا لا سفرًا، وأن كون ذلك الموضع بحيث لا يمكن له الرجوع منه إلى محل إقامته في يومه وأوائل ليلته جزء نفسيّ، وإلا كان مثل التردد إلى البساتين والمزارع، ومن لازمه أن يكون مسيرة يوم تام -وبه قال سالم- لكن مسير أربعة بُرُد متيقنٌ، وما دونه مشكوكٌ، وصحة هذا الاسم يكون بالخروج من سُور البلد، أو حلة القرية أو بيوتها بقصد موضع، هو على أربعة بُرُدٍ، وزوال هذا الاسم إنما يكون بنيّة الإقامة مُدّة صالحة، يُعْتَدّ بها في بلدةٍ أو قريةٍ. ومنها الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والأصل فيه ما أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة: الفجر والظهر والمغرب، وإنما اشتُقّ العصر من الظهر، والعشاء من المغرب؛ لئلا تكون المدة الطويلة صلة بين الذكرين، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة فشَرَعَ لهم جمعَ التقديم والتأخير، لكنه لم يواظب عليه، ولم يَعْزِم عليه مثل ما فَعَل في القصر. ومنها تركُ السنن، فكان رسول اللَّه -ﷺ-، وأبو بكر، وعمر، وعثمان -﵃- لا يسبِّحون إلا سنة الفجر والوتر. ومنها الصلاة على الراحلة، حيث توجهت به يومئ إيماءً، وذلك في النوافل، وسنة الفجر، والوتر، لا الفرائض. انتهى كلام وليّ اللَّه الدهلويّ -﵀- ، وهو بحثٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ) قال الجامع عفا اللَّه عنه: معنى قصر الصلاة ردُّها من أربع إلى ركعتين، مأخوذ من قَصَرَ الشيءَ: إذا نقّصهُ، ويجوز أن يكون قصرُها حبسها عن إتمامها، مأخوذٌ من قَصَرَ الشيءَ: إذا حبسه. قال القاضي عياض -﵀-: يقال: قصرت من الشيء: إذا نقصت منه، وقال أيضًا: وكلُّ شيء حبسته، فقد قصرته، وحَكَى هذا المعنى غيره أيضًا، قال الجوهريّ: وأقصرت من الصلاة لغةٌ في قَصَرت. انتهى. وقال الفيّوميّ: قَصَرتُ الصلاة، ومنها قَصْرًا، من باب قَتَلَ، هذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، وقُصِرَت الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورة، وفي الحديث: «أَقُصِرَت الصلاةُ؟»، وفي لغة يتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أقصرتها، وقَصَّرتها. انتهى .
مصادر المؤلف (١٩)

١. «الفتح» ٢/ ٨٥ - ٨٦ «كتاب مواقيت الصلاة» رقم (٥٩٧).

٢. «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ١٣٢.

٣. «الفتح» ٢/ ٨٦.

٤. «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ١٣٢ - ١٣٣.

٥. «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ١٣١.

٦. وفي نسخة: «عن النبيّ -ﷺ- بمثله، ولم يذكر».

٧. وفي نسخة: «حدّثنا».

٨. وفي نسخة: «حدّثنا».

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.

١١. «المرعاة» ٤/ ٣٧٩.

١٢. «إعلام الموقعين» ٢/ ١٣٠ - ١٣١.

١٣. أي السفر.

١٤. أي من الرُّخَص التي شرعها النبيّ -ﷺ- في السفر.

١٥. هكذا النسخة، والظاهر أن صوابه: «فاصلةً»، فليُحرّر.

١٦. أي النبيّ -ﷺ-.

١٧. أي من الرُّخص.

١٨. «حجة اللَّه البالغة» ٢/ ٦٧٠ - ٦٧٣.

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٥.