HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٦١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ. فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ. ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ. فَكَثُرَ النَّاسُ. ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ. فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ». قَالَ: وَذَلِكَ فِي رمضان.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص177
ج ١ ص ٥٢٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٦٧٩
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ١٧٨١ و١٧٨٢] (٧٦٠)، و(البخاريّ) في «الإيمان» (٣٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٣٢ و١٧٣٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٨٣] (٧٦١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»، قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٢ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵁-، تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. والباقون ذُكروا في الباب، وكذا لطائف الإسناد تقدّم في شرح حديث أول الباب. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى فِي الْمَسْجدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلةً من الليالي، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة -﵂-: «أنه صلى في حجرته»، قال في «الفتح»: وليس المراد بها بيته، وإنما المراد الحصير التي كان يحتجرها بالليل في المسجد، فيجعلها على باب بيت عائشة -﵂-، فيصلي فيه، ويجلس عليه بالنهار. وقد ورد ذلك مبينًا من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة -﵂-، وهو عند البخاريّ، في «كتاب اللباس»، ولفظه: «كان يحتجر حَصِيرًا بالليل، فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار، فيجلس عليه». ولأحمد من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة -﵂-: «فأمرني أن أَنْصِبَ له حصيرًا على باب حُجْرتي ففعلت، فخرج. . .» فذكر الحديث. قال النوويُّ -﵀-: معنى يَحْتَجِر يحوط موضعًا من المسجد بحصير يستره؛ ليصلي فيه، ولا يَمُرّ بين يديه مارّ؛ ليتوفّر خشوعه، ويتفرغ قلبه. وتعقبه الكرمانيّ بأن لفظ الحديث لا يدلّ على أن احتجاره كان في المسجد، قال: ولو كان كذلك للزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال: «فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». ثم أجاب بأنه إن صحّ أنه كان في المسجد، فهو إذا احتجر صار كأنه بيتٌ بخصوصيته، أو أن السبب في كون صلاة التطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرياء غالبًا، والنبيّ -ﷺ- منزه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته. انتهى . (فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ) أي: صلّى بعض الصحابة -﵃- مقتدين بصلاة النبيّ -ﷺ- (ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ) أي: من الليلة المقبلة، وهو لفظ معمر، عن ابن شهاب، عند أحمد، وللبخاريّ في رواية المستملي: «ثم صلى من القابل» أي: الوقت القابل، قال في «القاموس»: والقابلة: الليلة المقبلةُ، وقد قَبَلَتْ، وأقبلت. انتهى . (فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ) كذا رواه مالك بالشكّ، وفي رواية يونس، عن ابن شهاب التالية: «فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك»، ونحوه في رواية عمرة، عن عائشة عند البخاريّ، ولأحمد من رواية ابن جريج، عن ابن شهاب: «فلما أصبح تحدثوا أن النبيّ -ﷺ- صلى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم»، زاد يونس: «فخرج النبيّ -ﷺ- في الليلة الثانية، فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج، فصلَّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عَجَزَ المسجدُ عن أهله»، ولابن جريج: «حتى كان المسجد يَعْجِز عن أهله»، ولأحمد من رواية معمر، عن ابن شهاب: «امتلأ المسجد حتى اغتَصَّ بأهله» ، وله من رواية سفيان بن حسين، عنه: «فلما كانت الليلة الرابعة غُصَّ المسجدُ بأهله»، أفاده في «الفتح» . (فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) زاد أحمد في رواية ابن جريج: «حتى سَمِعتُ ناسًا منهم يقولون: الصلاة»، وفي رواية سفيان بن حسين: «فقالوا: ما شأنه؟»، وفي حديث زيد بن ثابت عند البخاريّ في «كتاب الاعتصام»: «ففقدوا صوته، وظنُّوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح؛ ليخرج إليهم»، وفي حديثه في «كتاب الأدب»، وسيأتي لمسلم أيضًا : «فرفعوا أصواتهم، وحَصبُوا الباب». (فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ) وفي رواية يونس التالية:»فلم يخرج إليهم رسول اللَّه -ﷺ-، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قَضَى الفجر، أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: أما بعدُ، فإنه لم يَخْفَ عليّ شأنكم الليلة«، وزاد في رواية أبي سلمة:»اكلَفُوا من العمل ما تطيقون«، وفي رواية معمر: أن الذي سأله عن ذلك بعد أن أصبح عمر بن الخطاب -﵁-. قال الحافظ -﵀-: ولم أَرَ في شيء من طرقه بيان عدد صلاته في تلك الليالي، لكن رَوَى ابن خزيمة، وابن حبان، من حديث جابر -﵁- قال:«صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- في رمضان ثمان ركعات، ثم أوتر، فلما كانت القابلةُ اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا، فقلنا: يا رسول اللَّه. . . »الحديث، فإن كانت القصةُ واحدةً احتَمَلَ أن يكون جابر ممن جاء في الليلة الثالثة، فلذلك اقتصر على وصف ليلتين، وكذا ما وقع عند مسلم من حديث أنس -﵁-:«كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي في رمضان، فجئت، فقمت إلى جنبه، فجاء رجل، فقام حتى كنا رهطًا، فلما أحسّ بنا تجوّز، ثم دخل رحله. . . »الحديث ، والظاهر أن هذا كان في قصة أخرى. (فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ) هذا ظاهرٌ في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلين. (أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ») بالبناء للمفعول، ونائب فعله ضمير صلاة الليل، توضّحه رواية يونس التالية، ولفظها: «ولكني خشيتُ أن تُفرض عليكم صلاة الليل، فتَعْجَزوا عنها»، وكذا هو عند البخاريّ من رواية عمرة، عن عائشة: «خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل». وقوله: «فتعجزوا عنها»؛ أي: تشق عليكم، فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكليّ؛ لأنه يُسقط التكليف من أصله. ثم إن ظاهر هذا الحديث أنه -ﷺ- توقع تَرَتُّب افتراض الصلاة بالليل جماعةً على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع مُلْزِمٌ، وفيه نظرٌ . وأجاب المحبّ الطبريّ بأنه يَحْتَمِل أن يكون اللَّه ﷿ أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحبَّ التخفيف عنهم، فترك المواظبة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع في نفسه، كما اتَّفَقَ في بعض القُرَب التي داوم عليها، فافتُرِضَت. وقيل: خَشِيَ أن يَظُنّ أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، وإلى هذا الأخير نحا القرطبيّ، فقال: قوله: «فتُفْرَض عليكم»؛ أي: تظنونه فرضًا، فيَجِب على من ظنّ ذلك، كما إذا ظنّ المجتهد حِلَّ شيء أو تحريمه، فإنه يجب عليه العمل به، قال: وقيل: كان حكم النبيّ -ﷺ- أنه إذا واظب على شيء من أعمال البرّ، واقتَدَى الناسُ به فيه أنه يُفْرَصْ عليهم انتهى. ولا يخفى بُعْدُ هذا الأخير، فقد واظب النبيّ -ﷺ- على رواتب الفرائض، وتابعه أصحابه، ولم تُفْرَض. وقال ابن بطال -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون هذا القول صدر منه -ﷺ- لَمّا كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمته، فخَشِي إن خرج إليهم، والتزموا معه قيام الليل أن يُسَوِّي اللَّه بينه وبينهم في حكمه؛ لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبيّ -ﷺ- وبين أمته في العبادة. قال: ويَحْتَمِل أن يكون خَشِي من مواظبتهم عليها أن يَضْعُفُوا عنها، فيَعْصِي مَن تركها بترك اتّباعه -ﷺ-. وقد استَشْكَل الخطابيُّ -﵀- أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن اللَّه تعالى قال: «هُنَّ خمسٌ، وهنّ خمسون، لا يبدل القول لديّ»، فإذا أُمِنَ التبديلُ، فكيف يقع الخوف من الزيادة؟، وهذا يَدْفَع في صدور الأجوبة التي تقدمت. وقد أجاب عنه الخطابيُّ -﵀- بأن صلاة الليل كانت واجبةً عليه -ﷺ- وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، يعني عند المواظبة، فترك الخروج إليهم؛ لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فوض جديد، زائذٍ على الخمس، وهذا كما يوجب المرءُ على نفسه صلاةَ نذرٍ، فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادةُ فرض في أصل الشرع. قال: وفيه احتمالٌ آخرُ، وهو أن اللَّه فَرَضَ الصلاة خمسين، ثم حَطَّ معظمها بشفاعة نبيّه -ﷺ-، فإذا عادت الأمة فيما استَوْهَب لها، والتزمت ما استَعْفَى لهم نبيهم -ﷺ- منه لم يُستَنكَر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم، كما التَزَم ناس الرهبانية في قِبَل أنفسهم، ثم عاب اللَّه عليهم التقصير فيها، فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، فخشي -ﷺ- أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقَطَعَ العمل شفقةً عليهم من ذلك. قال الحافظ -﵀-: وقد تلقى هذين الجوابين من الخطابيّ -﵀- جماعة من الشراح، كابن الجوزيّ، وهو مبنيّ على أن قيام الليل كان واجبًا عليه -ﷺ-، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كلٍّ من الأمرين نزاع. وأجاب الكرمانيُّ -﵀- بأن حديث الإسراء يدلّ على أن المراد بقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] الأمن من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة. انتهى. لكن في ذكر التضعيف بقوله: «هنّ خمسٌ، وهُنّ خمسون»، إشارة إلى عدم الزيادة أيضًا؛ لأن التضعيف لا ينقص عن العشر. ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلًا للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض، وفيه نظر؛ لأن قوله: «لا يبدل القول لديّ» خبرٌ، والنسخ لا يدخله على الراجح، وليس هو كقوله مثلًا لهم: صوموا الدهرَ أبدًا، فإنه يجوز فيه النسخ. قال الحافظ -﵀-: وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى: [أحدها]: يَحْتَمِل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعةً شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت -﵁-: «حتى خَشِيت أن يكتب عليكم، ولو كُتب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم»، فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقًا عَليهم من اشتراطه، وَأَمِنَ مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم. [ثانيها]: يَحْتَمِل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية، لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذَهَب إليه قوم في العيد ونحوها. [ثالثها]: يَحْتَمِل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصةً، فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان بن حسين: «خَشِيت أن يُفْرَض عليكم قيام هذا الشهر»، فعلى هذا يرتفع الإشكال؛ لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس، وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول، واللَّه ﷾ أعلم بالصواب. انتهى. كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ -﵀- من كون هذا الجواب هو الأقوى، هو الذي لا يظهر لي غيره، فهو أقوى الأجوبة المتقدّمة كلّها، وأما الثاني والثالث، فلا يخفى ضعفهما، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) يعني أن ما ذُكر من كونه -ﷺ- صلى في المسجد، وصلى الناس بصلاته تلك الليالي إنما وقع في شهر رمضان. والظاهر أنه من كلام عائشة -﵂-، وقد جزم به في «العمدة»، فقال: هو كلام عائشة -﵂- ذكرته إدراجًا؛ لتبيّن أن هذه القضيّة كانت في شهر رمضان. انتهى . ويَحْتَمِل أن يكون مدرجًا من كلام غيرها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ١٧٨٣ و١٧٨٤] (٧٦١)، (والبخاريّ) في «الجمعة» (٩٢٤) وفي «التهجّد» (١١٢٩) و«التراويح» (٢٠١٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٣٧٣)، و(النسائيّ) في «قيام الليل» (١٦٠٤)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٣٤)، و(أبو عوانة) في مسنده (٣٠٤٧ و٣٠٤٨ و٣٠٤٩ و٣٠٥٠ و٣٠٥١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٣٤ و١٧٣٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٢٠٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٥٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٩٢ و٤٩٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٩٨٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعةً؛ لأن الخشية المذكورة أُمِنت بعد النبيّ -ﷺ-، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب -﵄-. ٢ - (ومنها): ما قاله المهلّب -﵀-: فيه جوازُ الفوار من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه. ٣ - (ومنها): بيان أن الكبير إذا فَعَلَ شيئًا خلاف ما اعتاده أتباعه أن يَذكُر لهم عذره، وحكمه، والحكمةَ فيه؛ تطييبًا لقلوبهم، وإصلاحًا لذات البين؛ لئلا يظنّوا خلاف هذا، وربّما ظنّوا ظنّ السوء. ٤ - (ومنها): بيان ما كان النبيّ -ﷺ- عليه من الزَّهَادة في الدنيا، والاكتفاء بما قلَّ منها، والشفقة على أمته، والرأفة بهم. ٥ - (ومنها): تركُ بعض المصالح؛ لخوف المفسدة، وتقديم أهمّ المصلحتين؛ لأنه -ﷺ- كان رأى الصلاة في المسجد؛ لبيان الجواز، أو لكونه معتكفًا، فلما عَارضه خوف الافتراض عليهم تركه؛ لعظم المفسدة التي تُخاف من عجزهم، وتركهم الفرض. ٦ - (ومنها): ما قال النوويّ -﵀-: فيه جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، وهذا صحيح على من مذهبنا، ومذاهب العلماء، ولكن إن نوى الإمام إمامتهم بعد اقتدائهم حصلت فضيلة الجماعة له ولهم، وإن لم ينوها حَصَلت لهم فضيلة الجماعة، ولا تحصل للإمام على الأصحّ؛ لأنه لم ينوها، و«الأعمال بالخيات»، وأما المأمومون فقد نووها. قال وليّ الدين -﵀-: هذه واقعة محتملةٌ، فمن أين؟. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: اشتراط نيّة الإمامة محلّ نظرٌ؛ فإن ظواهر النصوص على خلافه، كهذا الحديث، وحديث مبيت ابن عبّاس -﵄- في بيت خالته، وغير ذلك، فتأمّل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صُلِّيت جماعةً. ٨ - (ومنها): جواز النافلة جماعةً، وإن كان الاختيار فيها الانفراد، إلا في نوافلَ مخصوصةٍ، وهي العيد، والكسوف، والاستسقاء، وكذا التراويح عند الجمهور، وذهب ابن حزم الظاهريّ إلى استحباب الجماعة في مطلق النوافل. ٩ - (ومنها): جواز النافلة في المسجد، وإن كان البيت أفضل، ولعل النبيّ -ﷺ- إنما فعلها في المسجد؛ لبيان الجواز، أو أنه كان معتكفًا. ١٠ - (ومنها): أنه استدلّ الجمهور به على استحباب الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، وقد قدّرنا أن الأفضل كونها في البيت على الراجح، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٨٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ مِن جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ، عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا، والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) «من» بمعنى «في»؛ أي: في جوف الليل. وقوله: (فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ) أي: بسبب صلاته، أو مع صلاته -ﷺ-. وقوله: (يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ) أي: بما وقع في الليل من صلاة الناس معه -ﷺ- في المسجد. وقوله: (مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ) وفي نسخة: «في الليلة»، وهو معنى «من» في النسخة الأولى. وقوله: (عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ) أي: ضاق المسجد النبويّ عن المصلّين. وقوله: (فَطَفِقَ) بكسر الفاء، وفتحها، قال في «القاموس»: طَفِقَ يفعل كذا، كفَرِحَ، وضَرَبَ طَفَقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصٌّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفِقَ، وبمراده ظَفِرَ، وأطفقه اللَّه به، وطَفِقَ الموضعَ، كفَرِحَ: لَزِمَهُ. انتهى . وقوله: (رِجَالٌ مِنْهُمْ) وفي نسخة: «فطفق منهم رجال». وقوله: (ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ. . . إلخ) فيه فوائد: ١ - (منها): استحباب التشهد في صدر الخطبة والموعظة، وقد أخرج أبو داود في «سننه» بسند صحيح أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «كلُّ خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء» . ٢ - (ومنها): استحباب قول «أما بعدُ» في الخطب، وقد جاءت به أحاديث كثيرة مشهورة في «الصحيحين» وغيرهما، وقد عقد الإمام البخاريّ في «صحيحه» بابًا في البداءة في الخطبة بـ «أما بعدُ»، وذكر فيه جملةً من الأحاديث. ٣ - (ومنها): أن السنة في الخطبة والموعظة استقبال الجماعة. ٤ - (ومنها): أنه يجوز أن يقال: جَرَى الليلة كذا، وإن كان بعد الصبح، وهكذا يقال: الليلة إلى زوال الشمس، وبعد الزوال يقال: البارحة، وقد سبقت
مصادر المؤلف (١٥)

١. «الفتح»٣/ ١٦.

٢. «القاموس المحيط»٤/ ٣٤.

٣. قال وليّ الدين -﵀-: قوله:«اغتَصّ المسجد بأهله»: أي امتلأ بهم، وضاق عنهم، قال في«المشارق»: غَصَّ البيتُ: امتلأ، وقال في«الصحاح»: المنزل غاصّ بالقوم: أي ممتلئ بهم، وقال في«المحكم»: غَصَّ المكانُ بأهله: ضاق، واعلم أنا كنا ضبطنا هذه اللفظة، وهي قوله:«اغتص»عن شيخنا والدي -﵀- بضم التاء على البناء للمفعول، ثم لم أجد لذلك أصلًا في اللغة، ولم أر أحدًا ذكر ذلك من الأفعال التي لم تُستعمَل إلا مبنية للمفعول، فالصواب أنه بفتح التاء، على البناء للفاعل، واللَّه أعلم. انتهى.«طرح التثريب»٤/ ٩٨ - ٩٩.

٤. «الفتح»٣/ ١٦.

٥. سيأتي للمصنّف برقم (٧٨١).

٦. سيأتي للمصنّف -﵀- في «كتاب الصيام» برقم (١١٠٤) -إن شاء اللَّه تعالى-.

٧. المراد ببعض المالكيّة هو ابن المنيّر -﵀- كما بيّنه في «الفتح» (٤/ ٢٩٩) في «كتاب صلاة التراويح»، ونصّه: قال ابن الْمُنَيِّر في «الحاشية»: يؤخذ منه أن الشروع مُلزم؛ إذ لا تظهر مناسبة بين كونهم يفعلون ذلك، ويُفرَض عليهم إلا ذلك. انتهى. وفيه نظرٌ؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون السبب في ذلك ظهور اقتدارهم على ذلك من غير تكلّف، فيُفرض عليهم. انتهى.

٨. «الفتح» ٣/ ١٧ - ١٨.

٩. «عمدة القاري» ٧/ ٢٥٧.

١٠. وفي نسخهّ: «حدّثنا».

١١. وفي نسخة: «أخبرنا».

١٢. وفي نسخة: «في الليلة».

١٣. وفي نسخة: «فطفق منهم رجالٌ».

١٤. «القاموس المحيط» ٣/ ٢٥٨.

١٥. حديث صحيح، رواه أبو داود ٤/ ٢٦١.