HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٩٢

حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لشيء، ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص192
ج ١ ص ٥٤٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٢٤١
(مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا») تقدّم عن القرطبيُّ -﵀- أن«في»هنا بمعنى«من»، و«العُقُل»بضمتين، أو بضمّ، فسكون: جمع عقال، وهو الحبل الذي تربط به الدابّة. وقوله: (وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِابْنِ بَرَّادٍ) يعني: أن سياق متن الحديث هذا لشيخه عبد اللَّه بن بَرّاد، وأما شيخه أبو كُريب، فرواه بمعناه، وقد ساقه الإمام البخاريُّ -﵀- في«صحيحه»، فقال: (٥٠٣٣) حدّثنا محمد بن العلاء، حدّثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبيّ -ﷺ- قال:«تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشدّ تفصِّيًا من الإبل في عقلها». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٨٤٤] (٧٩١)، و(البخاريّ) في«فضائل القرآن»(٥٠٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١٠/ ٤٧٧)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ٣٩٧ و٤١١)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٨١٠ و٣٨١١)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه» (١٧٩٥)، واللَّه تعالى أعلم. وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث ابن مسعود -﵁- الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٥] (٧٩٢) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم أيضًا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في كيفيّة التحمل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وشيخاه بغداديّان، وسفيان مكي. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: الزهريّ، عن أبي سلمة. ٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ-) هكذا وقعت عند المصنّف رواية سفيان، عن الزهريّ، بلفظ: «يبلُغ»، ووقعت عند البخاريّ عن شيخه عليّ ابن المدينيّ، عن سفيان بلفظ: «عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-» والظاهر أن سفيان نسي اللفظ الذي قاله الزهريّ حين حدّث به عمرًا الناقد وزُهيرًا، مع أنه رواه مرفوعًا، فَأَتَى بصيغة تَشْمَل جميع صيغ الرفع، وتذكّره حينما حدّث به ابن المدينيّ، واللَّه تعالى أعلم. وفي الرواية الآتية من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة «أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول. . .» (قَالَ) أي: النبيّ -ﷺ- («مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ) -بكسر الذال المعجمة-؛ أي: ما استمع اللَّه -﷿- لشيء مما يُسمَع، (مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ) أي: كاستماعه لنبيّ، فـ»ما«الأولى نافية، والثانية مصدرية، ونَكَّرَ»نبيًّا«؛ لأن المراد به الجنس، ووقع في رواية أبي ذرّ لـ»صحيح البخاريّ«:»للنبيّ«بالتعريف، قال في»الفتح«: فإن كانت محفوظة فهي للجنس، ووَهِمَ من ظنها للعهد، وتوهم أن المراد نبينا محمد -ﷺ-، فقال: ما أذن للنبيّ -ﷺ-، وشرحه على ذلك. انتهى. زاد في رواية محمد بن إبراهيم الآتية:«حسن الصوت»، وهو بالجر صفة و«نبي». وقوله: (يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ») جملة فعلية في محل نصب حال من «نبي»؛ أي: يحسّن صوته به حال قراءته، أو هو بمعنى الجهر، فيكون قوله في الرواية الآتية: «يَجْهَر به» تفسيرًا له، أو بمعنى يُلَيّن، ويُرَقّق صوته؛ ليجلب به إلى نفسه وإلى السامعين الحزن والبكاء، وينقطع به عن الخلق إلى الخالق -﷿-، أفاده السنديُّ -﵀-. وقال الإمام أبو حاتم بن حبّان -﵀- في «صحيحه»: معنى: «يتغنى بالقرآن» يريد يتحزَّن به، وليس هذا من الْغُنْية، ولو كان ذلك من الغنية لقال: يتغانى به، ولم يقل: يتغنى به، وليس التحزُّن بالقرآن نقاء الْجِرْم ، وطيب الصوت، وطاعة اللهوات بأنواع النغم بوفاق الوقاع، ولكن التحزُّن بالقرآن، هو أن يقارنه شيئان: الأَسَفُ والتلهُّفُ، الأسف على ما وقع من التقصير، والتلهف على ما يُؤَمَّل من التوقير، فإذا تألم القلب، وتوجع، وتحزّن الصوت، ورَجَّعَ، بَدَرَ الْجَفْنُ بالدموع، والقلب باللموع، فحينئذ يستلذ المتهجّد بالمناجاة، وَيفِرُّ من الخلق إلى وَكْرِ الخلوات، رَجَاءَ غُفْران السالف من الذنوب، والتجاوز عن الجنايات والعيوب، فنسأل اللَّه التوفيق له. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تمام البحث بذكر اختلاف العلماء في معنى التغني في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. ووقع في رواية عند البخاريّ من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة: «أن يتغنى» بزيادة «أن». قال في الفتح: وزعم ابن الجوزيّ أن الصواب حذف «أن»، وأن إثباتها وَهَمٌ من بعض الرواة؛ لأنهم كانوا يروون بالمعنى، فربما ظن بعضهم المساواة، فوقع الخطأ؛ لأن الحديث لو كان بلفظ «أن» لكان من الإذن بكسر الهمزة، وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مرادًا هنا، وإنما هو من الأَذَن بفتحتين، وهو الاستماع. وقوله: «أَذِنَ»؛ أي: استمع. والحاصل أن لفظ «أَذِنَ» بفتحة، ثم كسرة في الماضي، من باب تَعِبَ: مشترك بين الإطلاق والاستماع، تقول: أَذِنْتُ آذَنُ بالمدّ، فإن أردت الإطلاق، فالمصدر بكسرة، ثم سكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين، قال عديّ بن زيد [من الرمل]: أَيُّهَا الْقَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ … إِنَّ هَمّي فِي سَمَاعٍ وَأَذَنْ أي: في سماع، واستماع. وقال القرطبيّ: أصل الأَذَنِ -بفتحتين- أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حقّ اللَّه تعالى لا يراد به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حقّ اللَّه تعالى إكرام القارئ، وإجزال ثوابه؛ لأن ذلك ثمرة الإصغاء. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ في المعنى المراد بالأذَن هنا أنه بمعنى الإكرام، وإجزال الثواب أراد به أن الكلام من باب المجاز، لا من باب الحقيقة، وهذا غير صحيح؛ لأنه يستلزم عدم إثبات صفة الأَذَن للَّه -﷾-، وقد أثبتها له النبيّ -ﷺ- في هذا النصّ الصحيح، فالصواب إثباتها على حقيقتها اللائقة بجلاله -﷾-، ولا يلزم من ذلك تشبيهه بمخلوقاته؛ لأن صفاته -﷾- لا تشبه صفات المخلوقين، فلو لزم من إثباتها التشبيه للزم أيضًا في الإكرام، وإجزال المثوبة، اللذين أوّل بهما القرطبيّ؛ لأنهما يوصف بهما المخلوق أيضًا، فيقال: إن فلانًا لَمّا استحسن قراءة فلان أكرمه، وأجزل له العطاء، ونحو ذلك. والحاصل أن إثبات الصفات الواردة في القرآن، والأحاديث الصحيحة بمعناها الحقيقيّ، لا المجازيّ، على ما يليق بجلاله -﷾- هو الحق الذي كان عليه سلف هذه الأمة، الذين أثنى عليهم النبيّ -ﷺ- بقوله: «خير القرون قرني». . . الحديث، متّفقٌ عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٥/ ١٨٤٥ و١٨٤٦ و١٨٤٧ و١٨٤٨ و١٨٤٩ و١٨٥٠] (٧٩٢)، و(البخاريّ) في «فضائل القرآن» (٥٠٢٣ و٥٠٢٤) و«التوحيد» (٧٥٤٤) وفي «خلق أفعال العباد» ص ٣٢، و(أبو داود) في «سننه» (١٤٧٣)، و(النسائيّ) في «الافتتاح» (١٠١٧ و١٠١٨) و«الكبرى» (١٠٩٠ و١٠٩١) وفي «فضائل القرآن» (٨٠٥٢ و٨٠٤٨ و٨٠٥٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤١٦٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩٤٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ٤٦٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٧١ و٢٨٥ و٤٥٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٥٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٥١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٨٦٥ و٣٨٦٧ و٣٨٦٨ و٣٨٦٩ و٣٨٧٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٩٧ و١٧٩٨ و١٧٩٩ و١٨٠٠ و١٨٠١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب تزيين القرآن بالصوت الحسن، قال القرطبي -﵀-: فائدة هذا الخبر حثّ القارئ على إعطاء القراءة حقّها من ترتيلها، وتحسينها، وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن. ٢ - (ومنها): استحباب الاستماع لقراءة قارئ حَسَن الصوت، وسيأتي نقل الإجماع على ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. وقد أخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة، قال: «كان عمر -﵁- يُقَدِّم الشاب الحسن الصوت؛ لحسن صوته بين يدي القوم». ٣ - (ومنها): إثبات صفة الأذَن -بفتحتين- بمعنى الاستماع للَّه -﷾- ما يليق بجلاله، وأما ما قاله السنديّ وغيره من أنه لما كان الاستماع على اللَّه تعالى محالًا؛ لأنه شأن من يختلف سماعه بكثرة التوجه، وقلّته، وسماعُهُ تعالى لا يختلف قالوا: هذا كناية عن تقريب القارئ، وإجزال مثوبته. انتهى، فغير صحيح؛ لأن قولهم هذا مبني على معنى الاستماع الذي ينسب إلى المخلوق؛ لأنهم لم يفهموا معنى الاستماع إلا بالمعنى الذي ذكروه، وهذا خطأ، فإن الاستماع الذي يكون للَّه -﷾- غير الاستماع الذي يكون للمخلوق، وإننا إذ نثبت للَّه تعالى صفاته العلية لا نثبتها بمعناها الذي يكون للمخلوق، وإنما نثبتها بالمعنى الذي يليق بجلاله -﷾-، فتبصر، ولا تتهوّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٤ - (ومنها): استحباب التغني بقراءة القرآن، لكن بشرط أن لا يُخِلّ بقوانين الأداء، كما قرره أهل القراءة. قال القرطبيّ -﵀-: تمسّك بهذا الحديث من يُجوّز قراءة القرآن بالألحان، وهو أبو حنيفة، وجماعة من السلف، وقال به الشافعيّ في التحزين، وكرهه مالك وأكثر العلماء، ولا أشكّ أن موضع الخلاف في هذه المسألة إنما هو إذا لم يُغيِّر لفظ القرآن بزيادة أو نقصان، أو يُبْهِم معناه بترديد الأصوات، فلا يُفهم معنى القرآن، فإن هذا مما لا شكّ في تحريمه، فأما إذا سلم من ذلك، وحَذَى به حَذْوَ أساليب الغناء والتطريب والتحزين فقط، فقد قال مالك: ينبغي أن نُنزِّه أذكار اللَّه، وقراءة القرآن عن التشبيه بأحوال المجون والباطل، فإنها حقّ وجِدّ وصدقٌ، والغناء هزلٌ ولهو ولَعِبٌ، وهذا الذي قاله مالك وجمهور العلماء هو الصحيح؛ بدليل ما ذُكر، وبأدلّة أخرى. انتهى ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه -﷾- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تفسير قوله -ﷺ-: «يتغنى بالقرآن»: قال سفيان بن عيينة -﵀-: تفسيره يستغني به، وإليه ميل البخاريُّ -﵀-، قال الحافظ -﵀-: ويمكن أن يُستأنس له بما أخرجه أبو داود، وابن الضُّريس، وصححه أبو عوانة عن ابن أبي مليكة، عن عبيد اللَّه بن أبي نَهيك، قال: لقيني سعد بن أبي وقّاص -﵁-، وأنا في السوق، فقال: تجار كسبة، سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن»، وقد ارتضى أبو عبيد تفسير «يتغنى» بيستغني، وقال: إنه جائز في كلام العرب، وأنشد الأعشى [من المتقارب]: وَكُنْتُ امْرَءًا زَمَنًا بِالْعِرَاقِ … خَفِيفَ الْمُنَاخِ طَوِيلَ التَّغَنِّي أي: كثير الاستغناء. وقال المغيرة بن حَبْنَاء [من الطويل]: كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ … وَنَحْنُ إِذَا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيَا قال: فعلى هذا يكون المعنى: من لم يستغن بالقرآن عن الإكثار من الدنيا، فليس منّا؛ أي: ليس على طريقتنا. واحتَجَّ أبو عبيد أيضًا بقول ابن مسعود -﵁-: «من قرأ سورة آل عمران، فهو غني»، ونحو ذلك. وقال ابن الجوزيُّ -﵀-: اختلفوا في معنى قوله: «يتغنى» على أربعة أقوال: (أحدها): تحسين الصوت. (والثاني): الاستغناء. (والثالث): التحزُّن. قاله الشافعي. (والرابع): التشاغل به، تقول العرب: تغنى بالمكان أقام به. قال الحافظ: وفيه قول آخر، حكاه ابن الأنباريّ في «الزهر» قال: المراد به التلذذ، والاستحلاء له، كما يَسْتَلِذُّ أهل الطرب بالغناء، فأَطْلَق عليه تغنيًا من حيث إنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء، وهو كقول النابغة [من الوافر]: بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا … مُفَجَّعَةً عَلَى فَنَنٍ تُغَنِّي أَطْلق على صوتها غِنَاء؛ لأنه يُطْرِب كما يُطْرِب الغناء، وإن لم يكن غناءً حقيقةً، وهو كقولهم: «العمائم تيجان العرب»، لكونها تقوم مقام التيجان. وفيه قول آخر حسن، وهو أن يجعله هِجِّيرَاه، كما يجعل المسافر والفارغ هِجّيراه الغناءَ، قال ابن الأعرابي: كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى، وإذا جلست في أفنيتها، وفي أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبيّ -ﷺ- أن يكون هِجِّيراهم القراءةَ مكانَ التغني. ويؤيد القول الرابع بيت الأعشى المتقدِّم، فإنه أراد بقوله: «طويل التغني» طول الإقامة، لا الاستغناء؛ لأنه أليق بوصف الطول من الاستغناء؛ يعني: أنه كان ملازمًا لوطنه بين أهله، كانوا يتمدحون بذلك، كما قال حسان [من الكامل]: أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمُ … قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفَضَّلِ أراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتجاع، ولا يَبْرَحون من أوطانهم، فيكون معنى الحديث: الحثّ على ملازمة القرآن، وأن لا يُتَعَدَّى إلى غيره، وهو يؤول من حيث المعنى إلى ما اختاره البخاريّ من تخصيص الاستغناء، وأنه يُسْتَغنَى به عن غيره من الكتب. وقيل: المراد: من لم يغنه القرآن، وينفعه في إيمانه، ويُصَدِّق بما فيه من وعد ووعيد، وقيل: معناه: من لم يَرْتَحْ لقراءته وسماعه، وليس المراد ما اختاره أبو عبيد أنه يحصل به الغنى دون الفقر، لكن الذي اختاره أبو عبيد غير مدفوع، إذا أريد به الغنى المعنويّ، وهو غنى النفس، وهو القناعة، لا الغنى المحسوس الذي هو ضد الفقر؛ لأن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القراءة، إلا إذا كان ذلك بالخاصية، وسياق الحديث يأبى الحمل على ذلك، فإن فيه إشارة إلى الحثّ على تكلف ذلك، وفي توجيهه تكلف، كأنه قال: ليس منّا من لم يتطلب الغنى بملازمة تلاوته. قال الحافظ: وأما الذي نقله عن الشافعي، فلم أره صريحًا عنه في تفسير الخبر، وإنما قال في «مختصر المزنيّ»: وأحب أن يقرأ حَدْرًا وتحزينًا. انتهى. قال أهل اللغة: حَدَرْتُ القراءة: أدرجتها، ولم أُمْطِطها، وقرأ فلان تحزينًا: إذا رقق صوته، وصيّره كصوت الحزين. وقد رَوَى ابن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة -﵁-: «أنه قرأ سورة، فحزنها شبه الرَّثْي»، وأخرجه أبو عوانة عن الليث بن سعد، قال: «يتغنى به، يتحزَّن به، ويُرَقِّق به قلبه». وذكر الطبريّ عن الشافعيّ أنه سئل عن تأويل ابن عيينة التغني بالاستغناء، فلم يرتضه، وقال: لو أراد الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت. قال ابن بطال: وبذلك فسره ابن أبي مليكة، وعبد اللَّه بن المبارك، والنضر بن شُميل، ويؤيده رواية عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب في حديث الباب بلفظ: «ما أَذِنَ لنبي في الترنُّم في القرآن»، أخرجه الطبريّ، وعنده في رواية عبد الرزّاق، عن معمر: «ما أذن لنبيّ حسن الصوت»، وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، وعند أبي داود، والطحاويّ من رواية عمرو بن دينار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «حسن الترنّم بالقرآن»، قال الطبري: «والترنم» لا يكون إلا بالصوت، إذا حسّنه القارئ، وطَرَّب به، قال: ولو كان معناه: الاستغناء لما كان لذكر الصوت، ولا لذكر الجهر معنى. وأخرج ابن ماجه، والكجيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث فَضالة بن عبيد -﵁- مرفوعًا: «لَلَّهُ أشدُّ أَذَنًا -أي: استماعًا- للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَة إلى قينته»، و«القينة»: المغنية. وروى ابن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر -﵁- رفعه: «تعلموا القرآن، وغنُّوا به، وأفشوه»، كذا وقع عنده، والمشهور عند غيره في الحديث: «وتغنوا به»، والمعروف في كلام العرب أن التغني: الترجيع بالصوت، كما قال حسان [من البسيط]: تَغَنَّ بِالشِّعْرِ إِمَّا كُنْتَ قَائِلَهُ … إِنَّ الْغِنَاءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ قال: ولا نعلم في كلام العرب «تغنى» بمعنى استغنى، ولا في أشعارهم، وبيت الأعشى لا حجة فيه؛ لأنه أراد طول الإقامة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: ٦٨]. وقال: بيت المغيرة أيضًا لا حجة فيه؛ لأن التغاني تفاعل بين اثنين، وليس هو بمعنى «تغنى»، قال: وإنما يأتي «تغنى» من الغنى الذي هو ضد الفقر بمعنى تفعّل؛ أي: يظهر خلاف ما عنده، وهذا فاسد المعنى. قال الحافظ: ويمكن أن يكون بمعنى تكَلَّفه؛ أي: تطلّبه، وحمل نفسه عليه، ولو شقّ عليه، كما تقدم قريبًا، ويؤيده حديث: «فإن لم تَبْكُوا، فتباكَوْا». وهو في حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- عند أبي عوانة. وأما إنكاره أن يكون «تغنى» بمعنى «استغنى» في كلام العرب، فمردود، ومن حَفِظَ حجة على من لم يحفظ، وقد صحّ في حديث الخيل: «ورجلٌ ربطها تَعَفُّفًا وتَغَنِّيًا»، وهذا من الاستغناء بلا ريب، والمراد به: يطلب الغنى بها عن الناس بقرينة قوله: «تعفُّفًا». وممن أنكر تفسير «يتغنى» بيستغني أيضًا الإسماعيلي، فقال: الاستغناء إليه لا يحتاج إلى استماع؛ لأن الاستماع أمر خاصّ زائد على الاكتفاء به، وأيضًا فالاكتفاء به عن غيره أمر واجب على الجميع، ومن لم يفعل ذلك خرج عن الطاعة، ثم ساق من وجه آخر عن ابن عيينة، قال: يقولون: إذا رفع صوته، فقد تغنى. قال الحافظ: قلت: الذي نَقَلَ عنه أنه بمعنى استغنى أتقن لحديثه، وقد نقل أبو داود عنه مثله. ويمكن الجمع بينهما بأن تفسير «يستغني» من جهته، و«يرفع» عن غيره. وقال عمر بن شبة: ذكرت لأبي عاصم النبيل تفسير ابن عيينة، فقال: لم يصنع شيئًا، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، قال: «كان داود -﵇- يتغنى -يعني: حين يقرأ- ويَبكي، ويُبكي». وعن ابن عباس -﵄-: إن داود -﵇- كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، ويقرأ قراءة يَطرَب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في برّ، ولا بحر إلا أنصتت له، واستمعت، وبكت«. وفي الجملة ما فَسَّرَ به ابن عيينة ليس بمدفوع، وإن كانت ظواهر الأخبار تُرَجِّح أن المراد تحسين الصوت، ويؤيده قوله:«يجهر به»، فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة، وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره، ولا سيما إذا كان فقيهًا، وقد جزم الحَلِيميّ بأنها من قول أبي هريرة -﵁-، والعرب تقول: سمعت فلانًا يتغنى بكذا؛ أي: يجهر به. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابنُ جريج، فأوقفني على أشعب، فقال: غَنِّ ابنَ أخي ما بلغ من طمعك، فذكر قصة، فقوله: غنّ؛ أي: أخبرني جهرًا صريحًا، ومنه قول ذي الرُّمَّة [من الطويل]: أحِبُّ الْمَكَانَ الْقَفْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّنِي … بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْرَ مُعْجِمِ أي: أجهر، ولا أكني. والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة، وهو أنه يُحَسّن به صوته جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزّن، مستغنيًا به عن غيره من الأخبار، طالبًا به غنى النفس، راجيًا به غنى اليد، قال: وقد نظمت ذلك في بيتين: تَغَنَّ بِالْقُرْآنِ حَسِّنْ بِهِ الصَّوْ … تَ حَزِينًا جَاهِرًا رَنِّمِ وَاسْتَغْنِ عَنْ كُتُبِ الأُلَى طَالِبا … غِنَى يَدٍ وَالنَّفْسِ ثُمَّ الْزَمِ انتهى ما في «الفتح» بتصرف يسير. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أرجح الأقوال في معنى: «يتغنى به» في هذا الحديث هو قول من فسّره بتحسين الصوت؛ لكون ظواهر الأخبار تؤيده. والحاصل أن ما دلت عليه ظواهر الأخبار، وكان واضحًا في استعمال العرب بدون خلاف، وهو كون «يتغنى» بمعنى يحسن صوته، أولى ما يُفَسَّر به هذا الحديث، واللَّه -﷾- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان اختلاف أهل العلم في القراءة بالألحان: قال في «الفتح»: كان بين السلف اختلاف في جواز قراءة القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت، وتقديم حسن الصوت على غيره، فلا نزاع في ذلك. فَحَكَى عبدُ الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيب الطبريّ، والماورديّ، وابن حمدان الحنبليّ عن جماعة من أهل العلم، وحَكَى ابن بطال، وعياض، والقرطبيّ من المالكية، والماورديّ، والبندنيجيّ، والغزاليّ من الشافعية، وصاحب «الذخيرة» من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى، وابن عقيل من الحنابلة. وحَكَى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص للشافعيّ، ونقله الطحاويّ عن الحنفية. وقال الفورانيّ من الشافعية في «الإبانة»: يجوز، بل يستحب، ومحل هذا الاختلاف إذا لم يَخْتَلّ شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير قال النوويّ -﵀- في «التبيان»: أجمعوا على تحريمه، ولفظه: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفًا، أو أخفاه حَرُمَ، قال: وأما القراءة بالألحان، فقد نصّ الشافعيّ في موضع على كراهته، وقال في موضع آخر: لا بأس به، فقال أصحابه: ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان عن المنهج القويم جاز، وإلا حرم. وحَكَى الماورديّ عن الشافعيّ أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخرجها حَرُمَ، وكذا حَكَى ابن حمدان الحنبليّ في «الرعاية». وقال الغزاليّ، والبندنيجيّ، وصاحب «الذخيرة» من الحنفية: إن لم يُفرِط في التمطيط الذي يشوش النظم استُحِبَّ، وإلا فلا. وأغرب الرافعيّ، فَحَكَى عن «أمالي السرخسي» أنه لا يضرّ التمطيط مطلقًا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا شذوذ، لا يعرّج عليه. والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا، فليحسّنه ما استطاع، كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النَّغَم، فإن الحَسَنَ الصوتِ يزداد حُسْنًا بذلك، وإن خرج عنها أَثَّرَ ذلك في حسنه، وغيرُ الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يَفِ تحسينُ الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وُجِد من يراعيهما معًا، فلا شك في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء، واللَّه أعلم. انتهى ما في «الفتح». قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التفصيل حسنٌ جدًّا، وحاصله أن القراءة بالألحان والأنغام الحسنة بشرط عدم الخروج عن قوانين القراءة مستحبّ؛ لأحاديث الباب، وغيرها، وإن اختلّ شرط من شروط الأداء، كأن يمد حرفًا لا يستحقّ المدّ، أو تجاوز في الممدود من المقدار الذي وضعه القراء، أو زاد حرفًا، أو نقص، أو أخفى ما يُظْهَر، أو عكس، أو أدغم ما لا يدغم، أو عكس، أو نحو ذلك فحرام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسنَادِ، قَالَ: «كَمَا يَأْذَنُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في «الإيمان» ٧٥/ ٣٩٣. ٢ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. والباقون تقدّموا قبل باب، ويونس هو: ابن يزيد الأيليّ، وابن شهاب ذُكر في السند الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الضمير ليونس، وعمرو بن الحارث. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد ابن شهاب الماضي. وقوله: (قَالَ: كَمَا يَأْذَنُ. . . إلخ) أي: بصيغة المضارع، لكن الذي يأتي في «مستخرج أبي نعيم» بصيغة الماضي، والظاهر أن المصنّف وقع له بلفظ المضارع، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية يونس وعمرو بن الحارث هذه ساقها أبو نعيم -﵀- في «مستخرجه» (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣) فقال: (١٧٩٨) حدّثنا محمد بن الحسن بن عليّ، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن سالم المقدسيّ، ثنا حرملة، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «ما أَذِن اللَّه لشيء كما أذن لنبي يتغنى بالقرآن». انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَم) بن حبيب بن مِهْرَان الْعَبْديّ النيسابوريّ، أبو عبد الرحمن، ثقةٌ زاهدٌ فقيهٌ [١٠] (ت ٧ أو ٢٣٨) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٧. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عُبيد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ له أفرادٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ٥٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ) قال الإمام ابن حبّان -﵀-: يريد ما استمع اللَّه لشيء كأَذَنه؛ كاستماعه للذي يتغنى بالقرآن يجهر به، يريد: يتحزَّن بالقراءة على حسب ما وصفنا نعته. انتهى . وقوله: (حَسَنِ الصَّوْتِ) بالجرّ صفة لـ «نبيّ». وقوله: (يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) جملة فعليّة في محلّ نصب على الحال من «نبيّ»؛ أي: يُحسّن صوته به حال قراءته. وقوله: (يَجْهَرُ بِهِ) جملة فعلية في محلّ نصب على الحال أيضًا، فتكون الحالان إما متداخلتين، أو مترادفتين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَقَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ) هو: أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم، أبو عبد اللَّه المصريّ، لقبه بَحْشَلٌ، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١] (ت ٢٦٤) (م) تقدم في «المساجد» ١٩/ ١٢٧٧. ٢ - (عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ) الشَّرْعَبيّ -بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، وفتح العين المهملة، بعدها موحّدة- الْمَعَافريّ المصريّ، فقيهٌ لا بأس به [٧]. رَوَى عن يزيد بن الهاد، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، وصفوان بن سليم، وخالد بن أبي عمران. ورَوَى عنه حَيْوَة بن شُرَيح، وضِمَام بن إسماعيل، وعبد الرحمن بن شُريح الإسكندرانيّ، ومغيرة بن الحسن. قال أبو حاتم: لا بأس به، ليس بالمعروف، وقال ابن شاهين: وَثَّقَه أحمد بن صالح؛ يعني: المصريّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن يونس: كان فقيهًا، وقال ضِمَام: سألت عُمَر بن مالك، وكان فقيهًا. أخرجه أبي داود والنسائي، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث مقرونًا بحَيْوَة بن شُريح. ٣ - (حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ) بن صَفْوان التُّجيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه زاهد [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٨. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (عَنِ ابْنِ الْهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني: أن كلًّا من عمر بن مالك، وحَيْوة بن شُريح رويا هذا الحديث عن يزيد بن الهاد بسنده الماضي، وهو: عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-. وقوله: (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث الماضي. وقوله: (سَوَاءً) منصوب على الحال؛ أي: حال كون الحديثين مستويين في السياق، إلا ما أشار إلى استثنائه بقوله: «وقال:. . . إلخ». وقوله: (وَقَالَ. . . إلخ) الظاهر أن الفاعل ضمير شيخه ابن أخي ابن وهب؛ يعني: أنه لم يقل في روايته: «أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول. . . إلخ»، وإنما قال: «عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال. . .» إلخ، واللَّه أعلم. وقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) وقع في النسخ مضبوطًا بالقلم بكسر همزة «إِنَّ»، والظاهر أنه بفتحها، كما يدلّ عليه ظاهر السياق، وكما تدلّ عليه رواية أبي داود الآتية، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عمر بن مالك، وحَيْوَة بن شُريح كلاهما عن يزيد بن الهاد هذه ساقها أبو داود -﵀- في «سننه» (٢/ ٧٥) فقال: (١٤٧٣) حدّثنا سليمان بن داود الْمَهْريّ، أخبرنا ابن وهب، حدّثني عُمَر بن مالك، وحَيْوَة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «ما أَذِنَ اللَّهُ لشيء، ما أَذِنَ لنبيٍّ حسنِ الصوت، يتغنى بالقرآن، يجهر به». انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٤. ٢ - (هِقْلُ) بن زياد السَّكْسَكيّ الدمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد اللَّه، وهِقْلٌ لقبه، ثقةٌ متقنٌ، وكان كاتب الأوزاعيّ [٩] (١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٤/ ١٠٩٩. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الفقيه المشهور، ثقةٌ ثبت فاضل [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ) قال القرطبي -﵀-: أي: ما استمع اللَّه، وأصغى، وأصله أن المستمع يَميل بأذنه إلى جهة الْمُسْتَمَع، تقول العرب: أَذِنَ بكسر الذال يَأْذَن بفتحها في المستقبل أَذَنًا بفتح الهمزة والذال في المصدر: إذا أصغى واستمع. انتهى . وقوله: (كَأَذَنِهِ) بفتحتين: أي: كاستماعه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ أَيُّوبَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: «كَإِذْنِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيل بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو) بن عَلْقَمَة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦] (ت ١٤٥) على الصحيح (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٥. [تنبيه]: وقع في «برنامج الحديث» هنا غلط، وهو أنه تُرجم فيه لمحمد بن عمرو بن حَلْحَلة، والصواب أنه محمد بن عمرو بن علقمة، كما هو في «تحفة الأشراف» (١٠/ ٣٧١). ومن العجيب أنه ليس لمحمد بن عمرو بن حَلْحَلة رواية عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في الكتب الستّة أصلًا، بل كلّها لمحمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-، كما يظهر من «تحفة الأشراف» (١٠/ ٣٧١ - ٤٠٤) فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
مصادر المؤلف (٧)

١. بكسر الجيم: الحلق.

٢. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان» ٣/ ٢٩.

٣. «المفهم» ٢/ ٤٢١.

٤. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان» ٣/ ٣٠.

٥. وفي نسخة: «حدّثنا».

٦. قال في «التقريب»: صدوقٌ، والحقّ أنه ثقةٌ، كما يظهر من ترجمته في «تهذيب التهذيب».

٧. «المفهم» ٢/ ٤٢١.