HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨١١

وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟» قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ القرآن؟ قال «قل هو الله أحد، يعدل ثلث القرآن».
ج ١ ص ٥٥٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٤٠٠
الأعظم الكبير الأكبر»، و«لقد دعا اللَّه باسمه العظيم الذي إذا دُعِي به أجاب، وإذا سئل به أعطى»، وأمثال ذلك، فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور البينات. [والثاني]: أن الصفة الواحدة قد تتفاضل، فالأمر بمأمور يكون أكمل من الأمر بمأمور آخر، والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم، والرحمة لهم أكمل من الرحمة لغيرهم، وتكليم اللَّه لبعض عباده أكمل من تكليمه لبعض، وكذلك سائر هذا الباب، وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة، فهي أيضًا متفاضلة، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع العقل، وإنما شُبْهة من منع تفاضلها من جنس شبهة من منع تعددها، وذلك يرجع إلى نفي الصفات، كما يقوله الجهمية؛ لِمَا ادَّعَوه من التركيب، وقد بيّنا فساد هذا مبسوطًا في موضعه. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد شيخ الإسلام -﵀- في هذا البحث، وأفاد، وخلاصته ترجيح قول من قال: إن بعض الآيات والسور تكون أفضل من غيرها، كما هو ظواهر النصوص التي سبقت، فلا داعي إلى دعوى تأويل قوله: «أيّ آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟» بأن معناه: أكثر ثوابًا، لا أنها أعظم من غيرها، فهذا التأويل خلاف الظاهر، فلا ينبغي الالتفات إليه، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٦) - (بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٦١٨٨] (٨١١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟» قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس -﵁-، وقد سبق الخلاف في اسمه واسم أبيه في الباب الماضي (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ) بكسر الجيم، ويقال: بفتحها، قال في»القاموس«: عَجِزَ، كضَرَبَ، وسَمِعَ ، وذكر في»المصباح«أنه من باب ضرب، ثم ذكر أنه كونه من باب تَعِبَ لغة لبعض قَيْس عَيلان، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وذكر عن ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر إلا إذا عَظُمت عَجِيزته . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأفصح هنا كسر الجيم، لا فتحها، واللَّه تعالى أعلم. والهمزة فيه للاستفهام الاستخباريّ (أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟» قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لهذا الخطاب (وَكَيْفَ يَقْرَأْ) أي أحدنا (ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟) أي لأنه صعب على الدوام عادةً، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- عند البخاريّ: «فَشَقّ ذلك عليهم، وقالوا: أيّنا يُطيق ذلك يا رسول اللَّه؟» (قَالَ) -ﷺ- («﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾) أي إلى آخر السورة، أو ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ اسم للسورة (تَعْدِلُ) بكسر الدال، يقال: عَدَلهُ، كضربه، وعادله: إذا وازنه وساواه، وأنّثه باعتبار السورة، ويجوز التذكير باعتبار الكلام، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ مبتدأ محكيّ؛ لقصد لفظه، وخبره قوله: (ثُلُثَ الْقُرْآنِ») و«الثلث» بضمتين، ويجوز تسكين اللام، قال الفيّوميُّ: «الثلُثُ»: جزءٌ من ثلاثة أجزاء، وتُضمّ اللام للإتباع، وتُسكّن، والجمع أَثْلاث، مثلُ عُنُق وأعناق، والثَّلِيثُ مثلُ كَرِيم لغة فيه. انتهى . وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، وأبان العطّار كلاهما عن قتادة: «إن اللَّه جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جزءًا من أجزاء القرآن». [تنبيه]: ظاهر حديث الباب يدلّ على أنه يحصل لمن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ من الثواب مثلُ ثواب من قرأ ثلث القرآن، وأصرح منه حديث أبي أيوب عند أحمد والترمذيّ بلفظ: «من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فقد قرأ ثلث القرآن»، وحديث أُبَيّ بن كعب -﵁- عند أبي عُبيد: «من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فكأنما قرأ ثلث القرآن»، فكلٌّ منهما صريح في أن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن. وكذا يدلّ عليه حديث أبي هريرة -﵁- الآتي عند المصنّف: «احشدوا، فسأقرأ عليكم ثلث القرآن»، وفيه: فخرج عليهم، فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم قال: «أَلَا إنها تعدل ثلث القرآن». فقوله -ﷺ-: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن» يُحْمَل على أن قراءتها تعدل قراءة ثلث القرآن، ويحصُل لقارئها ثواب من قرأ ثلث القرآن، فالروايات يفسّر بعضها بعضًا، فيكون من قرأها ثلاثًا كمن قرأ ختمةً كاملةً، وللَّه ﷿ أن يُجازي عبده على اليسير بأفضل مما يُجازي به على الكثير. وبالجملة فالواجب علينا أن نقول بما ثبت عن النبيّ -ﷺ-، ولا نستشكل ما صحّ عنه، ولا نقول: كيف؟، ولا لِمَ؟، بل نكل ما جَهِلنا وجهه وتعليله إلى العالم الخبير، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. قال الشوكانيُّ: قد عُلِّلَ كونها تعدل ثلث القرآن بعلل ضعيفة واهية، والأحسن أن يقال: إن ذلك لسرّ لم نطّلع عليه، وليس لنا الكشف عن وجهه. انتهى، وهو نفيسٌ جدًّا، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. [تنبيه]: هذا الحديث أخرجه البخاريُّ في «صحيحه» من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، فقال: (٥٠١٥) حدّثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا إبراهيم، والضحاك الْمِشْرَقيّ، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: قال النبيّ -ﷺ- لأصحابه -﵀-: أَيَعْجِز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ «، فَشَقّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ فقال:»اللَّه الواحد الصمد ثلث القرآن«. انتهى. وأخرجه أيضًا أبو داود في«سننه»(١٤٦١)، و(النسائيّ) في«المجتبى»(٩٩٥). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١٨٨٦ و١٨٨٧] (٨١١)، و(النسائيّ) في«عمل اليوم والليلة»(٧٠١)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ١٩٥ و٦/ ٤٤٢ و٤٤٣ و٤٤٧)، و(عبد بن حُميد) في«مسنده»(٢١١)، و(الدارميّ) في«سننه»(٣٤٣١)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٩٤٢ و٣٩٤٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه» (١٨٣٧ و١٨٣٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وقد قال بعض العلماء: إنها تضاهي كلمة التوحيد؛ لما اشتَمَلَت عليه من الجمل المثبتة والنافية، مع زيادة تعليل، ومعنى النفي فيها أنه الخالق الرزاق المعبود؛ لأنه ليس فوقه من يمنعه كالوالد، ولا من يساويه في ذلك كالكفء، ولا من يعينه على ذلك كالولد. ٢ - (ومنها): أن فيه إلقاءَ العالم المسائل على أصحابه، وإن لم يبدءوه بسؤالها؛ لأهمّيّتها، وحاجتهم إليها. ٣ - (ومنها): جواز استعمال اللفظ في غير ما يَتبادَر للفهم؛ لأن المتبادِر من إطلاق ثلث القرآن أن المراد ثلث حجمه المكتوب مثلًا، وقد ظهر أن ذلك غير مراد هنا. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- في شدّة اهتمامه في تعليم أصحابه ما ينفعهم، وإن لم يسألوه، فهو مصداق قوله ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بقوله -ﷺ-: «إنها ثلث القرآن»: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فحمله بعضهم على ظاهره، فقال: هي ثلث باعتبار معاني القرآن؛ لأنه أحكام، وأخبار، وتوحيد، وقد اشتَمَلت هي على القسم الثالث، فكانت ثلثًا بهذا الاعتبار. ويُسْتَأنس لهذا بالحديث التالي: «إن اللَّه جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جزءًا من أجزاء القرآن». وقال القرطبيُّ: اشتَمَلت هذه السورة على اسمين من أسماء اللَّه تعالى، يتضمنان جميع أصناف الكمال لم يوجدا في غيرها من السُّوَر، وهما «الأحد الصمد»؛ لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال. وبيان ذلك أن الأحد يُشْعِر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يُشعر بجميع أوصاف الكمال؛ لأنه الذي انتهى إليه سؤدده، فكان مرجع الطلب منه وإليه، ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز جميع خصال الكمال، وذلك لا يصلح إلا للَّه تعالى، فلَمّا اشتَمَلت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة، كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات، وصفات الفعل ثلُثًا. انتهى. وقال غيره: تضمنت هذه السورة توجيه الاعتقاد، وصدق المعرفة، وما يجب إثباته للَّه تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص، ونفي الولد والوالد المقرِّر لكمال المعنى، ونفي الكفء المتضمِّن لنفي الشبيه والنظير، وهذه مجامع التوحيد الاعتقاديّ، ولذلك عادلت ثلث القرآن؛ لأن القرآن خبر وإنشاء، والانشاء أمر ونهي وإباحة، والخبر خبر عن الخالق، وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة الإخلاص الخبر عن اللَّه، وخلَّصت قارئها من الشرك الاعتقاديّ. ومنهم من حمل المثلية على تحصيل الثواب، فقال: معنى كونها ثلث القرآن أن ثواب قراءتها يُحَصِّل للقارئ مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن، وقيل: مثله بغير تضعيف، وهي دعوى بغير دليل. ويُؤَيِّد الإطلاق قوله -ﷺ-: «قل هو اللَّه أحد تعدل ثلث القرآن»، وقوله في حديث أبي هريرة -﵁-: «ألا إنها تعدل ثلث القرآن»، ولأبي عبيد من حديث أُبَيّ بن كعب -﵁-: «من قرأ قل هو اللَّه أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن». وإذا حُمِل ذلك على ظاهره، فهل ذلك لثلث من القرآن مُعَيَّن، أو لأي ثلث فُرِض منه؟ فيه نظرٌ، ويلزم على الثاني أن من قرأها ثلاثًا كان كمن قرأ ختمة كاملة. وقيل: المراد مَنْ عَمِل بما تضمنته من الإخلاص والتوحيد، كان كمن قرأ ثلث القرآن. وادَّعَى بعضهم أن قوله: «تَعْدِل ثلث القرآن» يختص بصاحب الواقعة؛ لأنه لَمّا ردَّدها في ليلته كان كمن قرأ ثلث القرآن بغير ترديد، قال القابسيّ: ولعل الرجل الذي جرى له ذلك لم يكن يحفظ غيرها، فلذلك استقَلَّ عمله، فقال له النبيّ -ﷺ- ذلك ترغيبًا له في عمل الخير، وإن قَلّ. ولا يخفى ما في هذه الدعوى من البطلان، فتبصّر. وقال ابن عبد البرّ: من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن أجاب فيه بالرأي. انتهى. وقال السيوطيُّ: إنه من المتشابه الذي لا يُدرى معناه، وإياه أختار. انتهى. وقال الزرقانيُّ: السكوت في هذه المسألة وشبهها أفضل من الكلام فيها وأسلم. انتهى. وقد مال شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- إلى، ترجيح القول الأول، ودونك ما قاله: قال: الأحاديث المأثورة عن النبيّ -ﷺ- في فضل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وأنها تعدل ثلث القرآن من أصح الأحاديث وأشهرها، حتى قال طائفة من الحفاظ، كالدارقطنيّ: لم يصح عن النبيّ -ﷺ- في فضل سورة من القرآن أكثر مما صحّ عنه في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وجاءت الأحاديث بالألفاظ، كقوله: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن»، وقوله: «من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ مرةَّ فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثًا فكأنما قرأ القرآن كله»، وقوله للناس: «احتشدوا حتى أقرأ عليكم ثلث القرآن»، فحشدوا حتى قرأ عليهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ قال: «والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن». وأما توجيه ذلك، فقد قالت طائفة من أهل العلم: «إن القرآن باعتبار معانيه ثلاثة أثلاث: ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، هي صفة الرحمن ونسبه، وهي متضمنة ثلث القرآن، وذلك لأن القرآن كلام اللَّه تعالى، والكلام إما إنشاء وإما إخبار، فالإنشاء هو الأمر والنهي، وما يتبع ذلك، كالإباحة ونحوها، وهو الأحكام، والإخبار إما إخبار عن الخالق، وإما إخبار عن المخلوق، فالإخبار عن الخالق هو التوحيد، وما يتضمنه من أسماء اللَّه وصفاته، والإخبار عن المخلوق، هو القصص، وهو الخبر عما كان وعما يكون، ويدخل فيه الخبر عن الأنبياء وأممهم، ومن كذّبهم، والإخبار عن الجنة والنار والثواب والعقاب. قالوا: فبهذا الاعتبار تكون ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن، لما فيها من التوحيد الذي هو ثلث معاني القرآن. بقي أن يقال: فإذا كانت تعدل ثلث القرآن مع قلة حروفها، كان للرجل أن يكتفي بها عن سائر القرآن. فيقال في جواب ذلك: إن النبيّ -ﷺ- قال: «إنها تعدل ثلث القرآن»، وعَدْلُ الشيء بالفتح يقال على ما ليس من جنسه، كما قال تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فجعل الصيام عَدْل كفارة، وهما جنسان، ولا ريب أن الثواب أنواع مختلفة في الجنة، فإن كل ما يَنتفع به العبدُ ويَلتذُّ به من مأكول ومشروب ومنكوح ومشموم هو من الثواب، وأعلاه النظر إلى وجه اللَّه تعالى، وإذا كانت أحوال الدنيا لاختلاف منافعها يُحتاج إليها كلِّها، وإن كان بعضها يَعْدِل ما هو أكبر منه في الصورة، كما أن ألف دينار تعدل من الفضة والطعام والثياب وغير ذلك ما هو أكبر منها، ثم مَن مَلَك الذهب فقد ملك ما يعدل مقدار ألف دينار من ذلك، وإن كان لا يستغني بذلك عن سائر أنواع المال التي ينتفع بها؛ لأن المساواة وقعت في القدر، لا في النوع والصفة، فكذلك ثواب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وإن كان يعدل ثواب ثلث القرآن في القدر، فلا يجب أن يكون مثله في النوع والصفة، وأما سائر القرآن ففيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد ما يَحتاج إليه العبادُ، فلهذا كان الناس محتاجين لسائر القرآن ومنتفعين به منفعة لا تغني عنها هذه السورة، وإن كانت تعدل ثلث القرآن. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀- . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ: قد ثبت عن النبيّ -ﷺ- قوله: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن»، ونحن نقول بما ثبت عنه، ولا نَعْدُوه، ونَكِل ما جَهِلنا من معناه إليه -ﷺ-، فبه عَلِمنا ما عَلِمنا، وهو الْمُبِّين عن اللَّه مراده، والقرآن عندنا مع هذا كله كلام اللَّه، وصفة من صفاته، ليس بمخلوق، ولا ندري لِمَ تعدل ثلث القرآن، واللَّه يتفضل بما يشاء على عباده، وقد قيل: إن ذلك الرجل مخصوص وحده بأنها تعدل ذلك له، وهذه دعوى لا برهان عليها، وقيل: إنها لما تضمنت التوحيد والإخلاص، كانت كذلك، فلو كان هذا الاعتلال، وهذا المعنى صحيحًا لكانت كل آية تضمنت هذا المعنى يحكم لها بحكمها، وهذا ما لا يُقْدِم العلماءُ عليه من القياس، وكلهم يأباه، ويقف عند ما رواه. وأخرج بسنده عن إسحاق بن منصور، قال: قلت لأحمد بن حنبل: حديث النبيّ -ﷺ-: «من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فكأنما قرأ ثلث القرآن»، فلم يَقُم لي على أمر بَيِّنٍ، قال: وقال لي إسحاق ابن راهويه: إنما معنى ذلك أن اللَّه جحل لكلامه فضلًا على سائر الكلام، ثم فَضّل بعض كلامه على بعض، فجعل لبعضه ثوابًا أضعاف ما جعل لغيره من كلامه؛ تحريضًا من النبيّ -ﷺ- أمته على تعليمه، وكثرة قراءته، وليس معناه أن لو قرأ القرآن كله كانت قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ذلك إذا قرأها ثلاث مرات، لا ولو قرأها أكثر من مائتي مرة. قال أبو عمر: من لم يُجِب في هذا أخلص ممن أجاب فيه، واللَّه أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي، ويميل إليه قلبي ترجيح القول بتفويض حقيقة المعنى المراد بثلث القرآن إلى اللَّه تعالى، كما يشير إليه كلام ابن عبد البرّ المذكور آنفًا؛ لأن هذه التوجيهات التي ذكروها، والتأويلات التي أوردها لا تطمئنّ إليها النفس، ولا ينشرح لها الصدر، فتأملها بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أخرج الترمذيّ، والحاكم، وأبو الشيخ من حديث ابن عباس -﵁- رفعه: «﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل نصف القرآن، و﴿الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن»، وأخرج الترمذيّ أيضًا، وابن أبي شيبة، وأبو الشيخ من طريق سلمة بن وَرْدان، عن أنس -﵁- أن «﴿الْكَافِرُونَ﴾ والنصر تعدل كل منهما ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن»، زاد ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ: «وآية الكرسي تعدل ربع القرآن»، وهو حديث ضعيف؛ لضعف سلمة، وإن حسّنه الترمذيّ، فلعله تساهل فيه؛ لكونه من فضائل الأعمال، وكذا صحح الحاكم حديث ابن عباس -﵄-، وفي سنده يمان بن المغيرة، وهو ضعيف عندهم، قاله في «الفتح» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٨٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) وله (٧٢) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (مُحَمَّد بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس واختَلَط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد اللَّه الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (٢٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٦ - (أَبَانُ الْعَطَّارُ) هو: أبان بن يزيد العطّار البصريّ، أبو يزيد، ثقةٌ له أفرادٌ [٩] مات في (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠.
مصادر المؤلف (٦)

١. «مجموع الفتاوى» ١٧/ ٢٠٨ - ٢١٢.

٢. راجع: «القاموس» ٢/ ١٨٠.

٣. راجع: «المصباح» ٢/ ٣٩٣.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٨٣.

٥. «مجموع الفتاوى» ١٧/ ٢٠٦ - ٢٠٨.

٦. «الفتح» ٨/ ٦٧٨ «كتاب فضائل القرآن» رقم (٥٠١٥).