HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٢٤

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ. (وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ) قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ. قَالَ: قَدِمْنَا الشَّامَ. فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. أَنَا. قَالَ: فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ! هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا. وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ: وَمَا خَلَقَ. فَلَا أتابعهم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص206
ج ١ ص ٥٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٥٥٧
والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام شرحه، وتخريجه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩١٦] (٨٢٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمْنَا الشَّامَ، فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا، قَالَ: فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ، يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ «وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى»، قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَؤُهَا، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾، فَلَا أُتَابِعُهُمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقةٌ جليلٌ، إلَّا أنه يرسل كثيرًا [٥] (٩٦) وهو ابن خمسين أو نحوها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٢ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٣ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُوَيمر بن زيد بن قيمس الأنصاريّ الصحابيّ الجليل، أول مشاهده أُحُدٌ، وكان عابدًا، وقد اخْتُلِفَ في اسم أبيه، وأما هو فمشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامرٌ، وعُويمر لقب، مات في أواخر خلافة عثمان -﵄-، وقيل: عاش بعد ذلك (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٤/ ١٠٩٨. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلَّا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبو كريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس -﵀- أنه (قَالَ: قَدِمْنَا) بكسر الدال؛ أي: دخلنا (الشَّامَ) بالهمز ودونه: البلد المعروف (فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ) -﵁-، وفي الرواية التالية: «أتى علقمة الشام، فدخل مسجدًا، فصلى فيه، ثم قام إلى حلقة، فجلس فيها. . .»، وفي رواية للبخاريّ من طريق سفيان الثوريّ، عن الأعمش: «دخلت في نفر من أصحاب عبد اللَّه الشام، فسَمِع بنا أبو الدرداء، فأتانا، فقال: أفيكم من يقرأ؟. . .»، وفي رواية من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش: «قَدِمَ أصحاب عبد اللَّه على أبي الدرداء، فطلبهم، فوجدهم، فقال: أيّكم يقرأ على قراءة عبد اللَّه؟»، (فَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟) أي: ابن مسعود -﵁-، قال علقمة (فَقُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا) مبتدأ حُذف خبره؛ أي: أنا أقرأ قراءته، وفي رواية البخاريّ: «فقال: أيُّكم يقرأ على قراءة عبد اللَّه؟ قالوا: كلُّنا، قال: فأيكم أحفظ، وأشاروا إلى علقمة». (قَالَ: فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ، يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟ قَالَ) علقمة (سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ «وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى») كذا في هذه الرواية بحذف ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾، وفي رواية الشعبيُّ الآتية: «فقرأت: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾،»والذكر والأنثى»، فأثبتها، ولعلّ في هذه الرواية اختصارًا (قَالَ) أبو الدرداء -﵁- (وَأَنَا وَاللَّهِ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَؤُهَا) أي: بلفظ:«والذكر والأنثى»(وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ) أي: أهل الشام (يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾) أي: كقراءة الجماعة (فَلَا أُتَابِعُهُمْ) أي: على ترك القراءة التي سمعتها منه -ﷺ-. وفي رواية داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة في هذا الحديث:«وأن هؤلاء يريدونني أن أزول عما أقرأني رسول اللَّه -ﷺ-، ويقولون لي: اقرأ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾، وإني واللَّه لا أطيعهم». قال في«الفتح»: وفي هذا بيانٌ واضحٌ أن قراءة ابن مسعود -﵁- كانت كذلك، والذي وقع في غير هذه الطريق أنه قرأ:«والذي خلق الذكر والأنثى»، كذا في كثير من كتب القراءات الشاذّة، وهذه القراءة لَمْ يذكرها أبو عبيد إلَّا عن الحسن البصريّ، وأما ابن مسعود فهذا الإسناد المذكور في«الصحيحين» عنه من أصح الأسانيد، يروي به الأحاديث. قال: ثم هذه القراءة لَمْ تُنقَل إلَّا عمن ذُكر هنا، ومن عداهم قرؤوا: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (٣)﴾، وعليها استقرّ الأمر مع قوة إسناد ذلك إلى أبي الدرداء، ومن ذكر معه، ولعل هذا مما نُسِخَت تلاوته، ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء، ومن ذكر معه، والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة، وعن ابن مسعود -﵁-، وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة، ثم لَمْ يقرأ بها أحد منهم، وكذا أهل الشام حَمَلُوا القراءة عن أبي الدرداء -﵁-، ولم يقرأ أحد منهم بهذا، فهذا مما يُقَوِّي أن التلاوة بها نُسخت. انتهى . وقال النوويُّ -﵀- في «شرحه»: قال القاضي: قال المازريّ: يجب أن يُعْتَقد في هذا الخبر، وما في معناه أن ذلك كان قرآنًا، ثم نُسِخ، ولم يَعْلَم من خالف النسخ، فبقي على النسخ. قال: ولعل هذا وقع من بعضهم قبل أن يبلغهم مصحف عثمان -﵁- المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ، وأما بعد ظهور مصحف عثمان، فلا يُظَنّ بأحد منهم أنه خالف فيه، وأما ابن مسعود، فرويت عنه روايات كثيرة، منها ما ليس بثابت عند أهل النقل، وما ثبت منها مخالفًا لما قلناه، فهو محمول على أنه كان يكتب في مصحفه بعض الإحكام والتفاسير، مما يعتقد أنه ليس بقرآن، وكان لا يعتقد تحريم ذلك، وكان يراه كصحيفة يُثْبِت فيها ما يشاء، وكان رأي عثمان والجماعة منع ذلك؛ لئلا يتطاول الزمان، ويُظَنّ ذلك قرآنًا. قال المازريّ: فعاد الخلاف إلى مسألة فقهية، وهي أنه هل يجوز إلحاق بعض التفاسير في أثناء المصحف؟. قال: ويَحْتَمِل ما رُوي من إسقاط المعوذتين من مصحف ابن مسعود -﵁- أنه اعتَقَد أنه لا يلزمه كتب كل القرآن، وكَتَبَ ما سواهما، وتركهما؛ لشهرتهما عنده وعند الناس، واللَّه أعلم. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٩١٦ و١٩١٧ و١٩١٨ و١٩١٩] (٨٢٤)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٢٨٧ و٣٧٤٢ و٣٧٤٣ و٣٧٦١) و«التفسير» (٤٩٤٣ و٤٩٤٤) و«الاستئذان» (٦٢٧٨)، و(الترمذيّ) في «القراءات» (٢٩٣٩)، و(النسائيّ) في «فضائل الصحابة» (١٩٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٩٥٩ و٣٩٦٠ و٣٩٦١ و٣٩٦٢ و٣٩٦٣ و٣٩٦٤ و٣٩٦٥ و٣٩٦٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٦٤ و١٨٦٥ و١٨٦٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٣٣٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵃- من شدّة التمسّك بما سمعوه من رسول اللَّه -ﷺ-، وإن خالفهم الناس جميعًا. ٢ - (ومنها): بيان ما كانوا عليه من شدّة الحرص على تثبيت ما عندهم من العلم بموافقة غيرهم ممن سمع من النبيّ -ﷺ- مثلهم. ٣ - (ومنها): بيان أنه لا ينبغي للإنسان الالتفات إلى من خالفه إذا تأكّد أن الذي عليه هو الحقّ، ولا سيّما إذا وجد من يوافقه عليه. ٤ - (ومنها): بيان أن الاعتماد في القرآن على التلقّي من النبيّ -ﷺ-، والأخذ عن حفّاظ أمته، ففي عهد النبيُّ -ﷺ- كان الصحابة -﵃- حريصين على التلقي من فِيه -ﷺ- بدون واسطة، ومن لم يستطع منهم ذلك أخذ عمن أخذه عنه -ﷺ-، وقد اشتَهَرَ في كل طبقة من طبقات الأمة جماعة بحفظهم القرآن، وتحفيظه، ولما كان الصحابة -﵃- قد اختَلَف أخذهم عن النبيّ -ﷺ-، ثم انتشَرُوا في الأمصار اختلف الآخذون عنهم من التابعين، ثم تصدّى في كل مصر قوم للقراءات، يضبطونها، ويعتنون بها، ويعلّمونها إلى أن أُلّفت في ذلك كتب القراءات المشهورة، فحُفظ بذلك القرآن الكريم، فكان ذلك مصداقًا للَّه -﷿-: ﴿إنا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَحَفِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَتَى عَلْقَمَةُ الشَّامَ، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى حَلْقَةٍ، فَجَلَسَ فِيهَا، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ، فَعَرَفْتُ فِيهِ تَحَوُّشَ الْقَوْمِ وَهَيْئَتَهُمْ، قَالَ: فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، ثُمَّ قَالَ: أَتَحْفَظُ كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ؟ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الرّيّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلَّا أنه كان يُدَلِّس، ولا سيما عن إبراهيم [٦] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَتَى عَلْقَمَةُ الشَّامَ. . . إلخ) لا يقال: هذا فيه إرسال؛ لأن إبراهيم ما حضر القصّة؛ لأنا نقول: إنه رواه عن علقمة، كما بيّنته الروايات الأخرى، وأيضًا قوله: «فعرفت فيه تحوّش القوم. . . إلخ» ظاهر في كونه أخذه عنه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَدَخَلَ مَسْجِدًا) أي: مسجد دمشق، ففي رواية أحمد: «عن علقمة، أنه قَدِمَ الشام، فدخل مسجد دمشق، فصلى فيه ركعتين، وقال: اللهم ارزقني جليسًا صالحًا. . .» الحديث. وقوله: (إِلَى حَلْقَةٍ) بإسكان اللام في اللغة المشهورة، قال الجوهريّ وغيره: ويقال في لغة رديئة بفتحها، قاله النوويّ . وقوله: (فَجَاءَ رَجُلٌ) هو أبو الدرداء -﵁-، كما بُيّن في الروايات الأخرى. وقوله: (تَحَوُّشَ الْقَوْمِ) بمثنّاة في أوّله مفتوحة، وحاء مهملة، وواو مشدّدة، وشين معجمة: أي: انقباضهم، قال القاضي عياض -﵀-: ويَحْتَمِل أن يريد الْفِطْنة والذكاء، يقال: رجلٌ حَوْشُ الفؤاد: أي: حديده. انتهى. وقال في «النهاية»: يقال: احتوش القومُ على فلان: إذا جعلوه وَسْطَهُم، وتحوَّشُوا عنه: إذا تنحَّوْا. انتهى . والمعنى المناسب هنا هو الانقباض، يعني: أن القوم منقبضون عنه، وذلك أنهم يريدونه أن يتابعهم على هذه القراءة، فلا يوافقهم، فهم يعتزلونه، ويبتعدون، وينقبضون عن مجالسته، ومتابعته، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (وَهَيْئَتَهُمْ) بالنصب عطفًا على «تحوّشَ القوم»؛ أي: ورأيت حالهم معه من المجانبة له. وقوله: (أَتَحْفَظُ كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ؟) يعني: عبد اللَّه بن مسعود -﵁-. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير مغيرة، أي: ذكر مغيرة الحديث عن إبراهيم، بمثل ما ذكره الأعمش عنه. [تنبيه]: رواية مغيرة، عن إبراهيم هذه ساقها الإمام البخاريُّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٣٧٤٢) حدّثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قَدِمُت الشأم، فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسِّر لي جليسًا صالحًا، فأتيت قومًا، فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء، فقلت: إني دعوت اللَّه أن ييسر لي جليسًا صالحًا، فيسّرك لي، قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أوَليس عندكم ابن أم عبد، صاحب النعلين والْوِسَاد والْمِطْهَرة، وفيكم الذي أجاره اللَّه من الشيطان؟؛ يعني: على لسان نبيه -ﷺ-، أوَليس فيكم صاحب سر النبيّ -ﷺ- «الذي لا يعلمه أحد غيره؟ ثم قال: كيف يقرأ عبد اللَّه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟، فقرأت عليه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾،»والذكر والأنثى»، قال: واللَّه لقد أقرأنيها رسول اللَّه -ﷺ- من فِيه إلى فِيَّ. وفي رواية: قال: ما زال بي هؤلاء حتى كادوا يستنزلوني عن شيء سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-. وفي رواية لأحمد:«فما زال هؤلاء حتى شَكَّكوني، ثم قال: ألم يكن فيكم صاحب الوِسَاد، وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان النبيّ -ﷺ-؟ صاحب الوساد ابن مسعود، وصاحب السر حذيفة، والذي أجير من الشيطان عمّار. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِي: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: مِنْ أَيِّهِمْ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاقْرَأْ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، قال: فقرأت: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾، «وَالذَّكَرِ وَالْأَنثَى»، قَالَ: فَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَؤُهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) بن إياس السَّعْدي المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ المعروف بابن علية، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) الْقُشَيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، كان يهم بأَخَرَة [٥] (ت ١٤٥) وقيل: قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَضَحِكَ) أي: تعجّبًا وفرحًا بموافقة ابن مسعود لقراءته التي سمعها، وحفظها من في رسول اللَّه -ﷺ-. والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩١٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ، فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصريّ الساميّ -بالمهملة- أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. والباقون ذُكروا في الباب، و«داود» هو ابن أبي هند المذكور في السند الماضي، و«عامر» هو الشعبيّ المذكور فيه أيضًا. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير عبد الأعلى. [تنبيه]: رواية عبد الأعلى، عن داود هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٦)

١. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢. «الفتح» ٨/ ٥٧٨ «كتاب التفسير» رقم (٤٩٤٤).

٣. «شرح النووي» ٦/ ١٠٩.

٤. «شرح مسلم» ٦/ ١٠٩.

٥. «النهاية»١/ ٤٦١.

٦. وفي نسخة: «وحدّثني».