HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٦٤

وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار. قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة عن مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ قَالَ: دَخَلَ المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا. فقال: انْظُرُوا إِلَى هذا الخبث يَخْطُبُ قَاعِدًا. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. بَاب التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص10
ج ٢ ص ٥٩١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن النسائي
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٢١١
والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) ضمير التثنية لخالد بن مَخْلَد، ويحيى بن حَسّان. وقوله: (إِلَى جِمَالِنَا) بكسر الجيم: جمع جَمَل، ويُجمع أيضًا على أجمال، وأَجْمُل، وجمالة بالهاء، وجمع الجمال: جمالات، و«الْجَمَل» من الإبل بمنزلة الرجل يَختصّ بالذكر، قالوا: ولا يُسمّى بذلك إلا إذا بَزَلَ؛ أي: فَطَر نابه بدخوله في السنة التاسعة، فهو بازل، يستوي فيه الذكر والأنثى، قاله في «المصباح» . وقوله: (زَادَ عَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ) يعني: شيخه عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ. وقوله: (يَعْنِي النَّوَاضِحَ) أي: يريد بقوله: «إلى جمالنا» الإبل التي يُستقى بها الماء. والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد سبق تمام شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩١] (٨٥٩) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَدَّى، إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، زَادَ ابنُ حُجْرٍ: في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدةً، ثقةٌ عابدٌ كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدمان عليه في «الموطأ» أحدًا، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ) -بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن إياس السَّعْديّ المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (١٨٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٥/ ٢٩٠. ٥ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج الأفزر التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] مات في خلافة المنصور (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. ٦ - (سَهْلُ) بن سَعْد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: بعدها، وقد جاز المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (١٢٦) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المعمّرين، وهو آخر من مات بالمدينة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ) بن سعد الساعديّ -﵄- أنه (قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ) بفتح النون، مضارع قال، يقال: قال يَقِيلُ قَيْلًا، وقَيْلُولَةً: إذا نام نصف النهار، والقائلة وقت الْقَيْلُولة، وقد تُطلق على الْقَيْلُولة، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «نقيل» من القيلولة، قال الأزهريّ: القيلولة والْمَقِيل عند العرب: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن مع ذلك نومٌ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والجنّة لا نوم فيها. انتهى . (وَلَا نَتَغَدَّى) أي: لا نأكل الغداء -بالمدّ-، وهو الطعام الذي يؤكل أول النهار. [فائدة]: قال الفيّوميّ -﵀-: إذا قيل: تَغَدَّ، أو تَعَشَّ، فالجواب: ما بي من تَغَدٍّ، ولا تَعَشٍّ، قال ثعلبٌ: ولا يقال: ما بي غداءٌ ولا عشاءٌ؛ لأن الغداء نفس الطعام، وإذا قيل: كُل، فالجواب: ما بي أَكْلٌ بالفتح. انتهى . وقوله: (إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ) أي: إلا بعد أداء صلاتها، وهذا كناية عن اهتمامهم بالتبكير إلى الجمعة، يعني: أنهم في ذلك اليوم لا يتغدَّون، ولا يستريحون، ولا يشتغلون، ولا يهتمّون بأمر سوى التهيّؤ، والذهاب مبكّرين إلى المسجد. قال في «الفتح»: واستُدِلّ بهذا الحديث لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، وترجم عليه ابن أبي شيبة: «بابُ من كان يقول: الجمعة أول النهار»، وأورد فيه حديث سهل -﵁- هذا، وحديث أنس -﵁-: كنّا نُبكّر إلى الجمعة، ثم نَقِيل، وعن ابن عمر مثله، وعن عمر، وعثمان، وسعد، وابن مسعود -﵃- مثله من قولهم. وتُعُقُّب بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلّون الجمعة قبل الزوال، بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة، ثم بالصلاة، ثم ينصرفون، فيتداركون ذلك، بل ادَّعَى الزين ابن الْمُنَيِّر أنه يؤخذ منه أن الجمعة تكون بعد الزوال؛ لأن العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال، فأَخْبَر الصحابيّ أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عن القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى أن كثيرًا من أدلّة المجوّزين للجمعة قبل الزوال قويٌّ، يكون الجواب عنها تكلّفًا، فالظاهر أن هذا القول هو الأرجح، وقد تقدّم تحقيق هذا أولَ «كتاب الجمعة»، فارجع إليه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (زَادَ ابْنُ حُجْرٍ) يعني: أن شيخه الثالث، وهو عليّ بن حُجر زاد في روايته على رواية القعنبي، ويحيى بن يحيى قوله: (فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-) أي: أن تأخيرهم القيلولة والغداء كان في زمنه -ﷺ-، وفيه أن الصحابيّ إذا قال: «كنا نفعل كذا» يكون حكمه حكم المرفوع، وإن لم يسنده إلى زمنه -ﷺ- هذا الحديث رووه دون الإضافة إلى زمنه، وقد أخرجه البخاريّ كذلك عن القعنيّ، وأورده مورد الاحتجاج به، وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح، وإليه أشار السيوطيّ -﵀- في «ألفيّة الحديث» بقوله: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوِ «مِنَ السُّنَّةِ» مِنْ صَحَابِي كَذَا «أُمِرْنَا» وَكَذَا «كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ» أَوْ عَنْ إِضَافَة عَرَا واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ١٩٩١] (٨٥٩)، و(البخاريّ) في «الجمعة» (٩٣٨ و٩٣٩ و٩٤١ و٢٣٤٩ و٥٤٠٣ و٦٢٤٨ و٦٢٧٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٠٨٦)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٥٢٥)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٠٩٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٨٧٥ و١٨٧٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٣٥)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ١٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٦/ ١٧٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٢] (٨٦٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ، نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيُّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] مات في آخر سنة ستّ، وأول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (يَعْلَى بْنُ الحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ) هو: يعلى بن الحارث بن حرب بن جرير بن الحارث المحاربيّ، أبو حرب، ويقال: أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن إياس بن سلمة بن الأكوع، وإسماعيل بن أبي خالد، وأشعث بن أبي الشعثاء، وسليمان بن حبيب المحاربيّ، وعُبيدة بن مُعَتِّب، وغيرهم. وروى عنه ابنه يحيى، وابن مهديّ، ووكيع، ويحيى بن آدم، وأبو الوليد الطيالسيّ، وأحمد بن عبد اللَّه بن يونس، ويحيى الْحِمَّانيّ، وغيرهم. قال أبو قُدامة، عن ابن مهديّ: يعلى بن الحارث من ثقات مشيخة الكوفيين، وقال ابن معين، وابن المدينيّ، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال البخاريّ: يقال: مات سنة ثمان وستين ومائة، وبه جزم ابن حبان. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. ٣ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١١٩) وهو ابن سبع وسبعين سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٤/ ٢٨٨. ٤ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، وأبو إياس الصحابيّ الشهير، شهد بيعة الرضوان، ومات -﵁- بالمدينة سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٤/ ٢٨٨. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيّفية التحمّل والأداء منه، ومنهما أيضًا. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ) سلمة بن عمرو بن الأكوع، نسبه في السند إلى جدّه، أنه (قَالَ: كُنَّا نُجَمِّعُ) أي: نصلّي الجمعة (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) هذا صريح في أنه -ﷺ- كان يصلي الجمعة بعد الزوال (ثُمَّ نَرْجِعُ، نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ) -بفتح، فسكون- يقال: فاء الظلّ يفيء فَيْئًا: رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، والجمع فُيُوءٌ، وأَفْيَاءٌ، مثل بيت، وبُيُوت، وأَبْيَات، وتقدّم أنه لا يكون إلا بعد الزوال. قال النوويّ -﵀-: هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يُخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل، وإسحاق، فجوّزاها قبل الزوال. قال القاضي عياضٌ -﵀-: وروي في هذا أشياء عن الصحابة، لا يصحّ منها شيء إلا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجليها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء، والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم نُدبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها، أو فوت التبكير إليها. وقوله: «نتتبع الفيء» إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانهم. وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير. وقوله: «وليس للحيطان فيء يُستظلّ به» موافق لهذا، فإنه لم يَنفِ الفيء من أصله، وإنما نفى ما يُستظلّ به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد عرفت فيما تقدّم أن أكثر هذه التأويلات فيها تكلّف ظاهر، لا حاجة إليه، فبعض الأحاديث يدلّ على صحة الجمعة قبل الزوال. وأما ما قاله القاضي عياض، من أنه لم يصحّ عن الصحابة شيء، فغير صحيح، فقد تقدم في المسألة التاسعة من المسائل المذكورة أول «كتاب الجمعة» إثباته عن كثير من السلف، فتنبّه. والحاصل أن الراجح صحتها قبل الزوال، وإن كان الأولى كونها بعده؛ لأنه أكثر أفعال النبيّ -ﷺ-، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ١٩٩٢ و١٩٩٣] (٨٦٠)، و(البخاريّ) في «الجمعة» (٤١٦٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٠٨٥)، و(النسائيّ) في «الجمعة» (١٣٩١) و«الكبرى» (١٦٩٨)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١١٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٦ و٥٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٥٥٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٨٣٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٣٧ و١٩٣٨ و١٩٣٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْجُمُعَةَ، فَنَرْجِعُ، وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الباهليّ مولاهم، أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٢٧) وله أربع وتسعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَنَرْجِعُ) أي: إلى منازلهم. وقوله: (وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ) بالكسر: جمع حائط، والجملة في محلّ نصب حال من فاعل «نرجع». وقوله: (نَسْتَظِلُّ بِهِ) وفي رواية النسائيّ: «يُستظلّ به» ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب صفة لـ «فيئًا»، وإنما وصفه به إشارة إلى أنّ هناك ظلًّا، لكن لا يمكن الاستظلال به؛ لقصره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابُ ذِكْرِ الْخُطْبَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْجَلْسَةِ بَيْنَهُمَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٤] (٨٦١) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) ابن مَيْسَرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصح، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضَيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنة (خت م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٣ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قذمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٥ - (نَافِعٌ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، وهو السماع من لفظهما مع غيره، ثم فرّق بينهما؛ لاختلافهما في الكيفيّة، فقد صرّح أبو كامل بكونه سمعه من خالد مع غيره، بخلاف عبيد اللَّه، فتنبّه. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما نبّهت عليه آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه، وما قبله كلهم بصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ -﵄-، وُلد بعد المبعث بيسير، واستُصغِر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة -﵃-، وأحد العبادلة الأربعة منهم، وكان من أشدّ الناس اتباعًا للأثر، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا) أي: على المنبر (ثُمَّ يَجْلِسُ) وفي رواية البخاريّ: «كان يخطب قائمًا، ثم يقعد، ثم يقوم»، وللنسائيّ، والدارقطنيّ من هذا الوجه: «كان يخطب خطبتين قائمًا، يفصل بينهما بجلوس»، قال في «الفتح»: وغفل صاحب «العمدة»، فعزا هذا اللفظ لـ «الصحيحين»، ورواه أبو داود بلفظ: «كان يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صَعِد المنبر، حتى يفرغ المؤذِّن، ثم يقوم، فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم، فيخطب». واستُفِيد من هذا أن حال الجلوس بين الخطبتين لا كلام فيه، لكن ليس فيه نفيُ أن يذكر اللَّه، أو يدعوه سرًّا. انتهى . أي: جلسة خفيفة، ولم يَرِد في الحديث ما يُبيّن مقدارها، قال العلامة المباركفوريّ -﵀-: لم يرد تصريح بمقدار الجلوس بين الخطبتين في حديث الباب، وما رأيته في حديث غيره، وذكر ابن التين أن مقداره كالجلسة بين السجدتين، وعزاه لابن القاسم، وجزم الرافعيّ وغيره أن يكون بقدر سورة الإخلاص. انتهى . (ثُمَّ يَقُومُ) أي: للخطبة الثانية (قَالَ) الظاهر أن القائل هو ابن عمر -﵄-، ويَحْتَمِل أن يكون مَن دونه، واللَّه تعالى أعلم. (كَمَا يَفْعَلُونَ) أي: الأئمة (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بما قبله؛ أي: في الوقت الذي حدّث فيه بهذا الحديث، وفي رواية البخاريّ: «كما تفعلون الآن»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ١٩٩٤] (٨٦١)، و(البخاريّ) في «الجمعة» (٩٢٠ و٩٢٨)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٥٠٦)، و(النسائيّ) في «الجمعة» (١٤١٦) و«الكبرى» (١٧٢١ و١٧٢٢)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١١٠٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٤٤٦ و١٧٨١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٤٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدد الخطبة التي تُشرع للجمعة، وهو أنهما خطبتان، وسيأتي بيان حكمهما في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): مشروعية القيام حال الخطبة، وأنه لا يجلس فيها، قال ابن المنذر -﵀-: هذا هو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار. انتهى. واختلف في وجوبه، فذهب الجمهور إلى وجوبه، ونقل عن أبي حنيفة أن القيام سنة، وليس بواجب، وقال به ابن حزم، وهو الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): مشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلا يَصل بينهما في قيام واحد، وسيأتي أيضًا تمام البحث فيه في المسألة السادسة -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): أن قوله: «كما يفعلون اليوم» يستفاد منه أن الناس في ذلك الوقت الذي حدّث فيه بهذا الحديث لم يغيّروا سنّة الخطبة، من كونها خطبتين، وفيهما قيامان بينهما جلوس، وإنما حدثت الخطبة جالسًا بعد ذلك، كما سيأتي بيانه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الخطبة للجمعة: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في الجمعة تُصلى، ولم يُخطَب لها، فقالت طائفة: تجزيهم جمعتهم، خطب الإمام، أو لم يخطب، هكذا قال الحسن البصريّ. قال ابن المنذر: ولعل من حجة قائل هذا القول حديث عمر -﵁-: «صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان النبيّ -ﷺ-». وقالت طائفة: إذا لم يخطب الإمام صلى أربعًا، كذلك قال عطاء، والنخعي، وقتادة، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد. وروينا عن سعيد بن جبير أنه قال: كانت الجمعة أربعًا، فجعلت الخطبة مكان الركعتين. انتهى كلام ابن المنذر -﵀-. وقال أبو محمد بن حزم -﵀- ردًّا على القائلين بالفرضية: فأما أبو حنيفة، ومالك فقالا: الخطبة فرض، لا تجزئ صلاة الجمعة إلا بها، والوقوف في الخطبة فرض، واحتجّا بفعل رسول اللَّه -ﷺ-، ثم تناقضا، فقالا: إن خطب جالسًا أجزأه، وإن خطب خطبة واحدة أجزأه، وإن لم يخطب لم يجزه. قال: من الباطل أن يكون بعض فعله -ﷺ- فرضًا، وبعضه غير فرض. وقال الشافعيّ: إن خطب خطبة واحدة لم تجزه الصلاة، ثم تناقض، فأجاز الجمعة لمن خطب قاعدًا، والقول عليه في ذلك كالقول على أبي حنيفة ومالك في إجازتهما الجمعة بخطبة واحدة، ولا فرق. قال: فإن ادَّعَوا إجماعًا أكذَبهم ما رويناه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصريّ: من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كلّ حال، وقد قاله أيضًا ابن سيرين. قال: فإن قالوا: لم يصلّها -ﷺ- قط إلا بخطبة. قلنا: ولا صلاها -ﷺ- قط إلا بخطبتين قائمًا يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضًا لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى -ﷺ- قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك. انتهى كلام ابن حزم -﵀- تعالى باختصار . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أنّ ما ذهب إليه من قال بعدم وجوب الخطبتين هو الحقّ؛ لأنه لا دليل على الوجوب إلا مجرّد فعل النبيّ -ﷺ-، وهو لا يكفي في إثبات الوجوب، كما هو مذهب المحقّقين، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم القيام للخطبة: قال ابن المنذر -﵀-: الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار ما يفعله الأئمة، وهو جلوس الإمام على المنبر أولَ ما يرقى إليه، ويؤذّن المؤذن، والإمام جالس، فإذا فرغ المؤذن من الأذان قام الإمام، فخطب خطبةً، ثم جلس، وهو في حال جلوسه غير خاطب، ولا يتكلم، ثم يقوم فيخطب الخطبة الثانية، ثم ينزل عند فراغه. انتهى كلام ابن المنذر -﵀-. ونقل غيره عن أبي حنيفة أن القيام في الخطبة سنة، وليس بواجب، وعن مالك رواية أنه واجب، فإن تركه أساء، وصحت الخطبة، وعند الباقين أن القيام في الخطبة يشترط للقادر كالصلاة. واستُدلّ للأول بحديث أبي سعيد -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله. . .» الحديث، متّفقٌ عليه، وبحديث سهل -﵁- أيضًا: «مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن. . .»، متّفقٌ عليه. وأجيب عن الأول بأنه كان في غير خطبة الجمعة، وعن الثاني باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين. واستُدلّ للجمهور بحديث جابر بن سمرة -﵁- الآتي بعد هذا: «أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا، فمن نبّأك أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب». وبحديث كعب بن عُجرة -﵁- الآتي في الباب التالي. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس: «خطب رسول اللَّه -ﷺ- على القيام، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية». وبمواظبة النبيّ -ﷺ- على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعًا في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس، ولأن الذي نُقل عنه القعود كان معذورًا. فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه. وروى سعيد بن منصور عن الحسن، قال: «أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيى جلس، ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسًا معاوية». وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: «أن النبيّ -ﷺ-، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قيامًا، حتى شقّ على عثمان القيام، فكان يخطب قائمًا، ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالسًا، والأخرى قائمًا». ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعدًا؛ لأنه تبيّن أن ذلك للضرورة. وأما من احتجّ بأنه لو كان شرطًا ما صلى من أنكر ذلك مع القاعد. فجوابه أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد باجتهاد، كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ابن مسعود، ثم إنه صلى خلفه، فأتمّ معه، واعتذر بأن الخلاف شرّ، ذكره في «الفتح». قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن القول بعدم وجوب القيام للخطبة هو الحقّ؛ لأن من أوجبه ما استدلّ إلا بفعل النبيّ -ﷺ-، وهو بمجرده لا يكفي في إثبات الوجوب، فالمستحب أن يخطب قائمًا، اقتداء برسول اللَّه -ﷺ-، والخلفاء الراشدين، إلا عثمان، فكان يخطب قائمًا، ثم جلس لَمّا شقّ عليه، وأما الاحتجاج بقوله -ﷺ-: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» فقد اتفقوا على عدم الاحتجاج به في بعض المواضع؛ كالجلوس على المنبر قبل الخطبة، والأذان بين يدي الخطيب، وقراءة سورة ﴿ق﴾، فكان يقرأ بها في كل جمعة، وغير ذلك، فلم يقولوا بوجوبها، فكذلك هنا، إذ لا فرق بينها، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم فيما يُجزئ من الخطبة: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلف أهل العلم فيما يجزئ من الخطبة للجمعة، فقالت طائفة: يجزئ ما يقع عليه اسم خطبة، روينا ذلك عن الشعبي، أنه كان يخطب يوم الجمعة ما قلّ، أو كثر، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ما جلس النبيّ -ﷺ- على منبر قطّ . وممن رأى أن خطبةً واحدة تجزئ: مالكٌ، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو ثور: يجزئ ما يكون كلامًا مجتمعًا، يقع عليه اسم خطبة. وفي هذا المسألة قولان آخران: أحدهما: قول الشافعيّ، وهو أن الإمام إن خطب خطبة واحدة، وصلى الجمعة عاد، فخطب ثانيةً، فإن لم يفعل حتى يذهب الوقت أعاد الظهر أربعًا. وقال: فإن جعلها خطبتين، ولم يفصل بينهما بجلوس أعاد خطبته، فإن لم يفعل صلى أربعًا، وأقلّ ما يقع عليه اسم خطبة من الخطبتين أن يحمد اللَّه، ويصلي على النبيّ -ﷺ-، ويوصي بتقوى اللَّه، ويقرأ شيئًا من القرآن في الأولى، ويحمد اللَّه، ويصلي على النبيّ -ﷺ-، ويوصي بتقوى اللَّه، ويدعو في الآخرة. والقول الآخر: قول النعمان، وهو أن الإمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه. قال ابن المنذر: فأما ما قال النعمان، فلا معنى له، ولا أعلم أحدًا سبقه إليه، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يُقال لمن قال: سبحان اللَّه، قد خطب، وإذا كان المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به. وأما الذي قاله الشافعيّ، فلست أجد دلالةً توجب ما قال. وقد عارض الشافعيَّ غيرُه من أصحابنا ، فقال: يقال لمن قال بقوله: من أين أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضًا أبطلت الجمعة بتركها؟ وقد أتى بالجمعة، والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة؛ لأن الجمعة فرضها ركعتان، كذلك في حديث عمر -﵁-، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا، ولو كانت الجلسة واجبة لم يجز أن تبطل الجمعة بتركها؛ لأنها غير هذا، فإن اعتلّ بجلوس النبيّ -ﷺ- بين الخطبتين، فالفعل عنده، وعند غيره لا يوجب فرضًا، ولو ثبت أنه فرض لم يدلّ على إبطال الجمعة. ويقال له: وما الفرق بين الجلسة الأولى، والجلسة بين الخطبتين؟ فإن اعتلّ بأن الجلسة بين الخطبتين من فعل النبيّ -ﷺ-، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبيّ -ﷺ-، وذكر كلامًا تركت ذكره ههنا كراهية التطويل. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إن أقل الخطبة ما يقع عليه اسم الخطبة، ومعلوم أنه لا يقع عليه ذلك إلا إذا اشتمل على الذكر، والموعظة، وذلك هو المقصود من الخطبة، كما يظهر ذلك ممن تتبّع خُطَب النبيّ -ﷺ-، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٥] (٨٦٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) البجليّ أبو عليّ الكوفيّ الْبُورانيّ -بضم الموحدة- ثقةٌ [١٠] (ت ٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٥ - (سِمَاكُ) -بكسر أوله، وتخفيف الميم- ابن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ وقد تغير بأَخَرَةٍ، فكان ربما تَلَقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. [فإن قيل]: كيف أخرج المصنّف رواية سماك مع أنه ممن يقبل التلقين؛ لتغيّره، كما مرّ آنفًا؟. [قلت]: قد روى هذا الحديث عن سماك شعبة، والثوريّ، وروايتهما عند النسائيّ ، وهما ممن أخذ عنه قبل تغيّره، فسلم من الاعتراض، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. ٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابي ابن الصحابي، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة سبعين (ع) تقدم في «الحيض» ٢٤/ ٨٠٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف -﵀-، كالسند التالي، وهو (١٢٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن له فيه ثلاثة شيُوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في كيفيّة التحمّل والأداء، كما سبق غير مرّة. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وسماكٌ علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه يحيى، فنيسابوريّ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) أي: بين الخطبتين، وقد فُسّر في الرواية التالية كيفيّة الخطبتين، حيث قال: «كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا، فمن حدّثك أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب»، قال النوويّ -﵀-: وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعيّ والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصحّ من القادر على القيام إلا قائمًا في الخطبتين، ولا يصحّ حتى يجلس بينهما، وأن الجمعة لا تصحّ إلا بخطبتين. وقال القاضي عياضٌ -﵀-: ذهب عامّة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة، وعن الحسن البصريّ، وأهل الظاهر، ورواية ابن الماجشون عن مالك، أنها تصحّ بلا خطبة. وحَكَى ابن عبد البرّ إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن أطاقه. وقال أبو حنيفة: تصح قاعدًا، وليس القيام بواجب، وقال مالك: هو واجب لو تركه أساء، وصحَّت الجمعة. وقال أبو حنيفة، ومالك، والجمهور: الجلوس بين الخطبتين سنة ليس بواجب، ولا شرط، ومذهب الشافعيّ أنه فرض، وشرطٌ لصحة الخطبة، قال الطحاويّ: لم يقل هذا غير الشافعيّ، ودليل الشافعيّ أنه ثبت هذا عن رسول اللَّه -ﷺ- مع قوله -ﷺ-: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلي». انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت في المسائل الماضية في شرح الحديث الماضي أن الأرجح مذهب من قال بعدم فرضيّة الخطبة، وأن القيام فيها ليس بواجب؛ لقوّة حجته، فلتُراجع التفاصيل حتى تكون على بصيرة، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. (يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ) بتشديد الكاف، من التذكير، وهو الوعظ، وفيه دليلٌ لمشروعيّة قراءة آيات من القرآن في الخطبة، وتذكير الناس، ولا خلاف في الاستحباب، وإنما الخلاف في الوجوب، فذهب الشافعيّ إلى وجوب ذلك، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وهو الراجح؛ لعدم دليل للوجوب، سوى مجرّد الفعل، وهو لا يكفي في ذلك، كما تقدّم قريبًا. وقال النوويّ -﵀-: فيه دليل للشافعيّ في أنه يُشْتَرط في الخطبة الوعظُ والقرآنُ، قال الشافعيّ: لا تصح الخطبتان إلا بحمد اللَّه تعالى، والصلاة على رسول اللَّه -ﷺ- فيهما، والوعظِ، وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور، وأن ما قاله الشافعيّ ليس عليه دليلٌ مقنع، فتبصّر. قال: وقال مالك، وأبو حنيفة، والجمهور: يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومالك في رواية عنه: يكفي تحميد، أو تسبيحة، أو تهليلة، وهذا ضعيف؛ لأنه لا يسمى خطبةً، ولا يحصل به مقصودها، مع مخالفته ما ثبت عن النبيّ -ﷺ-. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ضعف ما ذهب إليه من قال بالاكتفاء بتحميدة ونحوها في الخطبة، كما قال النوويّ؛ لأنه خلاف ما ثبت عنه -ﷺ-، وخلاف ما وُضعت له الخطبة، ولكن مع ذلك لا نقول بوجوب ذلك، كما قال به الشافعيّ؛ فإن ذلك يَحتاج إلى دليل يقتضي الوجوب، كما لا يخفى على من تأمّله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ١٩٩٥ و١٩٩٦] (٨٦٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٠١ و١١٠٧ و١٠٩٣ و١٠٩٤ و١٠٩٥)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٥٠٧)، و(النسائيّ) في «الجمعة» (١٤١٥ و١٤١٧ و١٤١٨) و«الكبرى» (١٧٣٠)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١١٠٥ و١١٠٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٨٦ و٨٧ و٨٨ و٩٠ و٩٢ و٩٣ و٩٨ و١٠٠ و١٠٢ و١٠٦ و١٠٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٥٦٥ و١٥٦٧)، و(عبد اللَّه بن أحمد) في «زوائد المسند» (٥/ ٩٧ و١٠٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٤٤٧ و١٤٤٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٤١ و١٩٤٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: أَنْبَأَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ -وَاللَّهِ- صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُدَيج، الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (١٢٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (فَمَنْ نَبَّأَكَ) بتشديد الموحّدة؛ أي: أخبرك، وفي رواية أبي داود: «فمن حدّثك». وقوله: (فَقَدْ -وَاللَّهِ- صَلَّيْتُ مَعَهُ) قال الطيبيّ -﵀-: «واللَّه» قَسَمٌ اعترض بين «قد» ومتعلَّقه، وهو دالّ على جواب القسم، والفاء في «فمن» جواب شرط محذوف، وفي «فقد كَذَبَ» جواب «مَنْ»، وفي «فقد واللَّه» سببيّة، والمعنى: أنه كاذبٌ، ظاهر الكذب بسبب أني صلّيتُ، إلى آخره. انتهى . وقوله: (أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ) أي: من الجمعة وغيرها، أو أراد التكثير، لا التحديد؛ لأنه -ﷺ- لم يُقم بالمدينة إلا عشر سنين، وأول جمعة صلّاها هي الجمعة التي تلي قُدومه المدينة، فلم يُصلّ ألفي جمعة، بل نحو خمسمائة، قاله القاريّ -﵀-. وقال السنديّ -﵀- في «فتح الودود»: ظاهر المقام يفيد أنه أراد صلاة الجمعة، فالعدد مشكلٌ، إلا أن يراد به الكثرة والمبالغة، فإن حُمل على مطلق الصلاة، فالأمر سهل. انتهى. والحديث يدلّ على مواظبته -ﷺ- على القيام حال الخطبتين، واستَدَلّ به الشافعيّ، ومالك، ومن وافقهما على وجوب القيام في خطبة الجمعة، وفيه أنه -ﷺ- قد يواظب على الشيء الفاضل مع جواز تركه، ونحن نقول به ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ الآية) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٧] (٨٦٣) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأُنزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ، وله أوهامٌ، [١٠] (ت ٢٣٩) وله ثلاث وثمانون سنة (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٦. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السَّلَميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله ثلاث وتسعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. ٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ وكان يرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ٩٨) وقيل: سنة مائة، أو بعد ذلك، ولم يثبت أنه جاوز المائة (ع) تقدم في «الحيض» ٨/ ٧٢٨. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄-، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله، ثم فصل؛ لاختلافهما فيه، كما مرّ قريبًا. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) مدار هذا الحديث في «الصحيحين» عليه، وقد رواه تارة عن سالم بن أبي الجعد وحده، كما هنا، وهي رواية أكثر أصحابه، وتارة عن أبي سفيان طلحة بن نافع وحده، وهي رواية قيس بن الرّبيع وإسرائيل عند ابن مردويه، وتارةً جمع بينهما عن جابر، وهي رواية خالد بن عبد اللَّه الطحّان، وهُشيم الآتية هنا، ورواية الطحّان عند البخاريّ أيضًا، كما أفاده في «الفتح» . (عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) واسمه رافع الغَطَفانيّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) هذا صريح في كونه -ﷺ- لم يدخل في الصلاة، لكن وقع عند البخاريّ بلفظ: «بينما نحن نصلي مع النبيّ -ﷺ-»، وعند أبي نعيم في «المستخرج»: «بينما نحن مع رسول اللَّه -ﷺ- في الصلاة»، وهو ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة. ويمكن الجمع بأن يُحمَل قوله: «نصلي»؛ أي: ننتظر الصلاة، وقوله: «في الصلاة» أي: في الخطبة مثلًا، وهو من تسمية الشيء بما قاربه. ويؤيّد هذا الجمع ويؤيده استدلال ابن مسعود -﵁- على القيام في الخطبة بالآية المذكورة، كما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وكذا استدلّ به كعب بن عجرة -﵁- في الحديث الآتي بعد حديثين. وحمل ابن الجوزيّ -﵀- قوله: «يخطب قائمًا» على أنه خبر آخرُ، غيرُ خبر كونهم كانوا معه في الصلاة، فقال: التقدير صلينا مع رسول اللَّه -ﷺ- وكان يخطب قائمًا. . . الحديث، قال الحافظ -﵀-: ولا يخفى تكلّفه. انتهى . (فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ) وفي رواية خالد الطحّان التالية: «فقدّمت سُوَيقةٌ»، وفي رواية هُشيم: «إذ قَدِمت عِيرٌ إلى المدينة»، وفي رواية البخاريّ: «إذ أقبلت عيرٌ تَحْمِل طعامًا». و«العِيرُ» بكسر المهملة: هي الإبل التي تَحْمِل التجارة طعامًا كانت أو غيره، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. ونقل ابن عبد الحقّ في «جمعه» أن البخاريّ لم يخرج قوله: «إذ أقبلت عِيرٌ تَحْمِل طعامًا»، قال الحافظ: وهو ذُهُول منه، نعم سقط ذلك في «التفسير»، وثبت هنا، وفي أوائل «البيوع»، وزاد فيه أنها أقبلت من الشام، ومثله لمسلم من طريق جرير، عن حُصين. ووقع عند الطبريّ من طريق السُّدّيّ، عن أبي مالك، وقرَّة ، فرّقهما أن الذي قَدِمَ بها من الشام دِحْية بن خَلِيفة الكلبيّ، ونحوه في حديث ابن عباس، عند البزار، ولابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس: «جاءت عِير لعبد الرحمن بن عوف». ويُجمع بين هاتين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان دِحية السَّفِيرَ فيها، أو كان مُقارِضًا. ووقع في رواية ابن وهب، عن الليث أنها كانت لِوَبَرَة الكلبيّ، ويُجمع بأنه كان رَفِيق دحية، قاله في «الفتح» . (فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا) وفي رواية خالد الطحّان: «فخرج الناس إليها»، وفي رواية «هُشيم»: «فابتدرها أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-»، وفي رواية البخاريّ: «فالتفتوا إليها»، وفي رواية له: «فانفضّ الناس»، وهو موافق للفظ القرآن، ودالّ على أن المراد بالالتفات الانصراف، قال في «الفتح»: وفيه رَدّ على مَن حمل الالتفات على ظاهره، فقال: لا يُفْهَم من هذا الانصراف عن الصلاة وقطعُها، وإنما يُفهَم منه التفاتهم بوجوههم، أو بقلوبهم، وأما هيئة الصلاة المجزئة فباقية، ثم هو مبنيّ على أن الانفضاض وقع في الصلاة، وقد ترجح فيما مضى أنه إنما كان في الخطبة، فلو كان كما قيل لَمَا وقع هذا الإنكار الشديد، فإن الالتفات فيها لا ينافي الاستماع، وقد غَفَل قائله عن بقية ألفاظ الخبر. وفي قوله: «فانفتل الناس»، وكذا «فالتفتوا» التفاتٌ ؛ لأن السياق يقتضي أن يقول: فالتفتنا، وكأن الحكمة في عدول جابر -﵁- عن ذلك أنه هو لم يكن ممن التفتَ، كما سيأتي . (حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) قال الكرمانيّ -﵀-: ليس هذا الاستثناء مُفَرَّغًا، فيجبَ رفعه، بل هو من ضمير «يبقَ» الذي يعود إلى المصلي، فيجوز فيه الرفع والنصب، قال: وقد ثبت الرفع في بعض الروايات. انتهى. ووقع في «تفسير الطبري»، وابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى قتادة، قال: قال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: «كم أنتم؟»، فعَدّوا أنفسهم، فإذا هم اثنا عشر رجلًا وامرأةً، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشاميّ: «وامرأتان»، ولابن مردويه من حديث ابن عباس: «وسبع نسوة»، لكن إسناده ضعيف، واتفقت هذه الروايات كلها على اثني عشر رجلًا، إلا ما رواه عليّ بن عاصم، عن حُصين بالإسناد المذكور، فقال: «إلا أربعين رجلًا»، أخرجه الدارقطنيّ، وقال: تفرّد به عليّ بن عاصم، وهو ضعيف الحفظ، وخالفه أصحاب حُصين كلهم. وأما تسمية هؤلاء الباقين، فوقع في رواية خالد الطحّان التالية أن جابرًا قال: أنا فيهم، وفي رواية هشيم الآتية: «فيهم أبو بكر، وعمر». وفي الترمذيّ أن هذه الزيادة في رواية حُصين، عن أبي سفيان، دون سالم، وله شاهد عند عبد بن حميد، عن الحسن مرسلًا، ورجال إسناده ثقات. وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشاميّ أن سالِمًا مولى أبي حُذيفة منهم. وروى العُقيليّ، عن ابن عباس أن منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأُناسًا من الأنصار. وحَكَى السهيليّ أن أسد بن عمرو رَوَى بسند منقطع أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة، وبلال، وابن مسعود، قال: وفي روايةٍ: عمارٌ، بدل ابن مسعود. انتهى. قال الحافظ: ورواية العقيليّ أقوى، وأشبه بالصواب، قال: ثم وجدت رواية أسد بن عمرو عند العقيليّ بسند متصل، لا كما قال السهيليّ: إنه منقطع، أخرجه من رواية أسد، عن حُصين، عن سالم. انتهى. (فَأُنْزِلَتْ هَذه الآية الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ) هذا ظاهرٌ في أنها نزلت بسبب قدوم العِير المذكورة، والمراد باللهو على هذا ما يَنشأ من رؤية القادمين، وما معهم. ووقع عند الشافعيّ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، مرسلًا: «كان النبيّ -ﷺ- يخطب يوم الجمعة، وكانت لهم سوق، كانت بنو سُليم يَجْلُبون إليها الخيل، والإبل، والسَّمن، فقَدِموا، فخرج إليهم الناس، وتركوه، وكان لهم لهو يضربونه، فنزلت»، ووصله أبو عوانة في «صحيحه»، والطبريّ بذكر جابر فيه: «أنهم كانوا إذا نَكَحُوا تضرب الجواري بالمزامير، فيشتدّ الناس إليهم، ويَدَعُون رسول اللَّه -ﷺ- قائمًا»، فنزلت هذه الآية. وفي مرسل مجاهد، عند عبد بن حميد: «كان رجال يقومون إلى نواضحهم، وإلى السفر يقدمون، يبتغون التجارة واللهو، فنزلت». قال الحافظ -﵀-: ولا بُعْدَ في أن تنزل في الأمرين معًا، وأكثر. (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾) أي: إلى التجارة، والانفضاض: هو التفرّق، يقال: فَضضت القوم، فانفضّوا: فرّقتهم، فتفرّقوا، قاله في «العمدة» . قال في «الفتح»: والنكتة في قوله: «انفضوا إليها» دون قوله: إليهما، أو إليه، أن اللهو لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما كان تبعًا للتجارة، أو حُذِف لدلالة أحدهما على الآخر. وقال الزجاج: أُعيد الضمير إلى المعنى؛ أي: انفضوا إلى الرؤية؛ أي: ليروا ما سمعوه. انتهى . وقال في «العمدة»: قال الزمخشريّ: كيف قال: «إليها»، وقد ذكر شيئين؟. قلت: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوًا نفضوا إليه، فحُذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ: «انفضوا إليه»، وقراءة من قرأ: «لهوًا، أو تجارة انفضوا إليها»، وقُرئ: «إليهما». انتهى. وقيل: أعيد الضمير إلى التجارة فقط؛ لأنها كانت أهمَّ إليهم، وقال الزجاج: يجوز في الكلام: انفضوا إليه، وإليها، وإليهما، ولأن العطف إذا كان ضميرًا، فقياسه عوده إلى أحدهما، لا إليهما، وأن الضمير أعيد إلى المعنى دون اللفظ؛ أي: انفضوا إلى الرؤية التي رأوها؛ أي: مالوا إلى طلب ما رأوه. انتهى . [فائدة]: ذَكَر الحميديّ في «الجمع» أن أبا مسعود الدمشقيّ ذكر في آخر هذا الحديث أنه -ﷺ- قال: «لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحدٌ لسال بكم الوادي نارًا»، قال: وهذا لم أجده في الكتابين، ولا في مستخرجي الإسماعيليّ والْبَرْقانيّ، قال: وهي فائدة من أبي مسعود، ولعلنا نجدها بالإسناد فيما بَعْدُ. انتهى. قال الحافظ: ولم أر هذه الزيادة في «الأطراف» لأبي مسعود، ولا هي في شيء من طُرُق حديث جابر -﵁- المذكورة، وإنما وقعت في مرسلي الحسن وقتادة المتقدم ذكرهما، وكذا في حديث ابن عباس عند ابن مردويه، وفي حديث أنس عند إسماعيل بن أبي زياد، وسنده ساقط. انتهى . (﴿وَتَركُوكَ﴾) حال كونك (﴿قَائِمًا﴾) على المنبر تخطب فيه، وفيه دليلٌ على أن الخطيب ينبغي له أن يخطب قائمًا على المنبر. قال الإمام الطبريّ -﵀-: وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ [لجمعة: ١١] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد -ﷺ-: قل لهم يا محمد: الذي عند اللَّه من الثواب لمن جلس مستمعًا خطبةَ رسول اللَّه -ﷺ-، وموعظته يوم الجمعة إلى أن يفرُغ رسول اللَّه -ﷺ- منها خير له من اللهو ومن التجارة التي ينفضون إليها، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] يقول: واللَّه خير رازق فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإياه فأسألوا أن يوسع عليكم من فضله، دون غيره. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ للذين آمنوا ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي: خير مَن رَزَق، وأَعْطَى، فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده، من خيري الدنيا والآخرة ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٩٩٧ و١٩٩٨ و١٩٩٩ و٢٠٠٠] (٨٦٣)، و(البخاريّ) في «الجمعة» (٩٣٦) و«البيوع» (٢٠٥٨ و٢٠٦٤) و«التفسير» (٤٨٩٩)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٢٣١١)، و(النسائيّ) في «التفسير» من «الكبرى» (١١٥٩٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٣ و٣٧٠)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١١١٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٨٢٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٤٣ و١٩٤٤ و١٩٤٥ و١٩٤٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الخطبة تكون عن قيام كما تقدم، وأن بعضهم جعله شرطًا، وفيه نظرٌ، وقد تقدّم تحقيقه. ٢ - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة. ٣ - (ومنها): أن فيه كراهيةَ ترك سماع الخطبة بعد الشروع فيها. ٤ - (ومنها): بيان فضيلة أبي بكر وعمر، وجابر -﵃-، ومن ثبت معهم، حيث ثبتوا مع النبيّ -ﷺ-. ٥ - (ومنها): ما قيل: إن البيع وقت الجمعة ينعقد، ترجم عليه سعيد بن منصور، وكأنه أخذه من كونه -ﷺ- لم يأمرهم بفسخ ما تبايعوا فيه من الْعِير المذكورة، ولا يخفى ما فيه. ٦ - (ومنها): ما قيل: أنه يُستدلّ به على جواز انعقاد الجمعة باثني عشر نفسًا، وهو قول ربيعة، ويجيء أيضًا على قول مالك، ووجه الدلالة منه أن العدد المعتبر في الابتداء يُعتبر في الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على الاثني عشر دَلّ على أنه كافٍ. وتُعُقِّب بأنه يَحْتَمِل أنه تمادى حتى عادُوا، أو عاد من تُجزئ بهم؛ إذ لم يَرِد في الخبر أنه أتم الصلاة، ويَحْتَمِل أيضًا أن يكون أتمها ظهرًا، وأيضًا فقد فرّق كثير من العلماء بين الابتداء والدوام في هذا، فقيل: إذا انعقدت لم يضرّ ما طرأ بعد ذلك، ولو بقي الإمام وحده، وقيل: يُشترط بقاء واحد معه، وقيل: اثنين، وقيل: يفرق بين ما إذا انفضّوا بعد تمام الركعة الأولى فلا يضر، بخلاف ما قبل ذلك، وإلى ظاهر هذا الحديث صار إسحاق ابن راهويه، فقال: إذا تفرقوا بعد الانعقاد، فيشترط بقاء اثني عشر رجلًا. وتُعُقِّب بأنها واقعة عين لا عموم فيها، قال الحافظ: ظاهر ترجمة البخاريّ تقتضي أن لا يتقيد الجمع الذي يبقى مع الإمام بعدد معين. قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن القول الراجح في عدد من تنعقد بهم ليس له حدّ محدود، فراجع المسألة السادسة من المسائل المذكورة في أول «كتاب الجمعة»، وخلاصته أن الجمعة تنعقد باثنين، فما فوق؛ لحديث طارق بن شهاب مرفوعًا: «الجمعة حقّ واجب على كل مسلم في جماعة. . .» الحديث، وهو حديث صحيح، وقد أجمعوا على أن أقل الجماعة في سائر الصلوات اثنان، فوجب كون أقل عدد الجماعة في الجمعة اثنين أيضًا؛ إذ لا فرق بينها وبين غيرها من الصلوات في هذا، واللَّه تعالى أعلم. قال: وتقدم ترجيح كون الانفضاض وقع في الخطبة، لا في الصلاة، وهو اللائق بالصحابة؛ تحسينًا للظن بهم، وعلى تقدير أن يكون في الصلاة حُمِل على أن ذلك وقع قبل النهي، كآية ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة. وقال أيضًا: إن الجميع لو انفضّوا في الركعة الأولى، ولم يبق إلا الإمام وحده أنه لا تصحّ له الجمعة عند الجمهور، وقيل: تصح إن بقي واحد، وقيل: إن بقي اثنان، وقيل: ثلاثة، وقيل: إن كان صلى بهم الركعة الأولى صحَّت لمن بقي، وقيل يتمها ظهرًا مطلقًا، قال: وهذا الخلاف كله أقوال مخرَّجة في مذهب الشافعي إلا الأخير، فهو قوله في الجديد. قال: وإن ثبت قول مقاتل بن حيان الذي أخرجه أبو داود في «المراسيل» أن الصلاة كانت حينئذ قبل الخطبة زال الإشكال، لكنه مع شذوذه مُعْضَلٌ. قال: وقد استَشْكَل الأصيليّ حديث الباب، فقال: إن اللَّه تعالى قد وَصَف أصحاب محمد -ﷺ- بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه. ثم أجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث كان قبل نزول الآية. انتهى. وهذا الذي يتعين المصير إليه، مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك، فلم يكن تقدّم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفَهِمُوا منها ذمَّ ذلك اجتنبوه، فوُصِفُوا بعد ذلك بما في آية النور، واللَّه أعلم. انتهى. وهو بحث نفيسٌ، إلا قوله: «ليس في آية النور. . . إلخ»؛ لأن الصحابة إذا لم يدخلوا فيها دخولًا أوّليًّا، فمن يدخل؟، بل الكلام الأخير هو الصواب في الجواب. وحاصله أن الصحابة -﵃- ما كانوا يعرفون الذمّ في التفرّق قبل ذلك، فحصل منهم تساهل، فلما عرفوا ذلك تركوه، وحسُنت أحوالهم، فوُصفوا بقوله -﷿-: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [النور: ٣٧]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٨] (. . .) - (وَحَدَّثنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ : وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ، وَلَمْ يَقُلْ: قَائِمًا). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. و«حُصين» ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي: بإسناد حصين بن عبد الرحمن السابق، وهو عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه -﵄-. [تنبيه]: رواية عبد اللَّه بن إدريس، عن حُصين هذه ساقها أبو نعيم -﵀- في «مستخرجه» (٢/ ٤٥٢) فقال: (١٩٤٤) حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا ابن إدريس، عن حُصين، عن سالم، عن جابر، قال: أقبلت عِيرٌ بتجارة يوم جمعة، ورسول اللَّه -ﷺ- يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي رسول اللَّه -ﷺ- في اثني عشر رجلًا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، قال: رواه مسلم عن أبي بكر. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي الطَّحَّانَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَنَا فِيهِمْ، قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) رفاعة بن الهيثم بن الحكم، أبو سعيد الواسطيّ، مقبول [١٠]. رَوَى عن خالد بن عبد اللَّه الواسطيُّ وهشيم، وروى عنه مسلم، وأسلم بن سهل وعبد اللَّه بن محمد بن شيرويه، وإبراهيم بن محمد الصَّيدلانيّ. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث ، برقم (٨٦٣) و(١٨٢١) و(١٨٥٦) و(٢١٣٣) و(٢٤٩٤). ٢ - (خَالِدٌ الطَّحَّانَ) هو: خالد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٣ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ، أبو سفيان الإسكاف، نزيل مكة، صدوق [٤] (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَقَدِمَتْ سُويقَةٌ) هو تصغير سُوق، والمراد: العير المذكورة في الرواية الأولى، وهي الإبل التي تَحْمل الطعام، أو التجارة، لا تُسَمَّى عِيرًا إلا هكذا، وسُمِّيت سُوقًا؛ لأن البضائع تساق إليها، وقيل: لقيام الناس فيها على سُوقهم، قاله النوويّ -﵀- . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في الحديث السابق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ- قَائِمٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ) الصائغ البغداديّ، نزيلُ مكة، ثقةٌ [١٠] من أفراد المصنّف -﵀- تقدم في «الحيض» ١٠/ ٧٤٨. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم بمعجمتين الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠١] (٨٦٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ، يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارِ) بن عثمان الْعَبْديّ البصريّ، أبو بكر المعروف ببندار، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله بضع وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغُنْدَر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الْوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السّلميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان لا يدلّس [٦] (١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٦ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورُمِي بالإرجاء [٥] (١١٨) وقيل: قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٥/ ٤٥٢. ٧ - (أَبُو عُبَيْدَةَ) بن عبد اللَّه بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] مات بعد سنة ثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٥/ ٤٥٢. ٨ - (كعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ أبو محمد الصحابي المشهور، مات -﵁- بعد الخمسين، وله نيف وسبعون سنةً (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٣/ ٦٤٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفية الأخذ والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنهما كفَرَسي رهان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة. ٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون. ٦ - (ومنها): أن شعبة الإمام المشهور، كان الثوريّ يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وكان هو أول مَن فَتَّش بالعراق عن الرجال، وذَبّ عن السنة. ٧ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من يقول: إن منصورًا تابعيّ، كما ذكره في «الفتح». ٨ - (ومنها): أن أبا عبيدة ممن اشتهر بكنية، والمشهور أنه لا اسم له غيرها، وقيل غير ذلك. ٩ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، نزلت فيه آية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، كما سيأتي في «كتاب الحجّ» -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) بن عبد اللَّه بن مسعود (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) أي: عن قصّته -﵁- (قَالَ) الفاعل ضمير أبي عبيدة، وليس ضميرَ كعب -﵁- أي: قال أبو عبيدة (دَخَلَ الْمَسْجِدَ) الفاعل ضمير كعب -﵁-، يعني: أن كعب بن عُجرة -﵁- دخل المسجد؛ أي: مسجد الكوفة (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ) -بفتح المهملة، والكاف- هكذا هو عند المصنف، و«سنن النسائيّ»: «ابن ام الحكم»، ووقع في «السنن الكبرى» للبيهقيّ: «ابن الحكم» بدون «أم». وعبد الرحمن ابن أمّ الحكم هذا: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عثمان الثقفيّ، المعروف بابن أمّ الحكم، وهو ابن أخت معاوية بن أبي سفيان بن حَرْب، استعمله معاوية -﵁- أميرًا على الكوفة في سنة (٥٨)، وبعد سنة، أو أكثر عُزِل عنها، توفي بعد معاوية سنة (٨٣) . فـ «عبد الرحمن» مبتدأ، خبره جملة (يَخْطُبُ) وقوله (قَاعِدًا) حال من فاعل «يخطب»، وجملة المبتدأ والخبر في محلّ نصب على الحال من فاعل «دَخَل»، فالحالان متداخلان. يعني: أن كعب بن عجرة -﵁- دخل المسجد، والحال أن عبد الرحمن ابن أم الحكم يخطب الناس قاعدًا، مخالفًا للسنة. (فَقَالَ) أي: كعب -﵁- منكرًا عليه (انْظُرُوا إلَى هَذَا الْخَبِيثِ) وهذا من غاية غضب هذا الصحابيّ الجليل -﵁- على من خالف سنة رسول اللَّه -ﷺ- (يَخْطُبُ قَاعدًا) مع كون السنة أن يخطب قائمًا، وفي رواية ابن خزيمة : «ما رأيت كاليوم قطّ إمامًا يؤم المسلمين يخطب، وهو جالس، يقول ذلك مرتين». (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) جملة في محل نصب على الحال من فاعل «يخطب»، والرابط الواو (﴿وَإِذَا رَأَوْا﴾) أي: أبصروا، أو عَرَفوا (﴿تِجَارَةً﴾) أي: بيعًا وشراءً (﴿أَوْ لَهْوًا﴾) قيل: المراد الطبل الذي كان يُضْرَب عند قدوم التُّجَّار (﴿انْفَضُّوا﴾) أي: تفرّقوا (﴿إِلَيْهَا﴾) أي: إلى تلك التجارة، وما ذكر معها، فيكون من باب الاكتفاء، ومراعاة أقرب المذكورَين، أو اختصّت التجارة بالذكر؛ لأنها المقصود الأعظم من الأمرين، فإن الطبل كان لإعلام مجيء أسباب التجارة (﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) أي: حال كونك قائمًا على المنبر، تخطب الناس. وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «وقد قال اللَّه» حال مُقَرِّرة لجهة الإنكار؛ أي: كيف يخطب قاعدًا، ورسول اللَّه -ﷺ- كان يخطب قائمًا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، وذلك أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء، فقَدِمَت تجارة من زيت الشام، والنبيّ -ﷺ- يخطب يوم الجمعة، فتركوه قائمًا، وما بقي معه إلا نفر يسير. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: هذا الكلام يتضمن إنكار المنكر، والإنكارَ على ولاة الأمور، إذا خالفوا السنّة. ووجه استدلاله بالآية أن اللَّه أخبر أن النبيّ -ﷺ- كان يخطب قائمًا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، مع قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، مع قوله -ﷺ-: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي». انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث كعب بن عُجرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
مصادر المؤلف (٤٦)

١. «المصباح المنير» ١/ ٤٨ و١١٠.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢١.

٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٢٨١.

٤. «المصباح» ٢/ ٤٤٣.

٥. «الفتح» ٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩.

٦. وفي نسخة: «حدّثنا».

٧. «الفتح» ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤.

٨. «تحفة الأحوذيّ» ٣/ ١٩ - ٢٠.

٩. «المحلّى» ٥/ ٥٧ - ٦٠.

١٠. هذا القول تردّه الأحاديث الصحيحة أنه -ﷺ- كان يجلس بين الخطبتين، فتنبّه.

١١. قوله: «غيره من أصحابنا» أراد به المحقّقيق من أهل العلم الذين جمعوا بين النقل والدراية، وفيه إبطال لزعم من يزعم أن ابن المنذر شافعيّ المذهب، مقلّد للشافعيّ، وقد أوضحت بطلان هذا القول في «مقدّمة شرح النسائيّ» عند الكلام على مذهب النسائيّ بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

١٢. هذا من جملة كلام ابن المنذر، أي: ذكر ذلك الذي عارض الشافعيّ.

١٣. «الأوسط» ٤/ ٦٢ - ٦٣.

١٤. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٥. رواية شعبة عند النسائيّ برقم (١٥٧٤)، ورواية سفيان عنده برقم (١٤١٨).

١٦. بضم الجيم، بعدها نون.

١٧. بضم المهملة والمدّ.

١٨. «شرح النوويّ» ٦/ ١٤٩ - ١٥٠.

١٩. «شرح النوويّ» ٦/ ١٥٠.

٢٠. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢١. وفي نسخة: «نبّأني».

٢٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٢٨٦.

٢٣. راجع: «المراعاة» ٤/ ٥٠٨.

٢٤. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢٥. راجع: «الفتح» ٣/ ٢٣٠.

٢٦. «الفتح» ٣/ ٢٣١.

٢٧. وقع في نسخة «الفتح» بلفظ: «ومرة»، وهو تصحيف، والصواب: «قُرّة» كما في «تفسير الطبري» ٢٣/ ٣٨٦.

٢٨. «الفتح» ٣/ ٢٣١.

٢٩. تعقّب العينيّ هذا الالتفات على الحافظ، ولكنه لم يُنصِفْ في ذلك، فتنبّه.

٣٠. راجع: «الفتح» ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢.

٣١. من بابي ضرب، وقتل. «المصباح».

٣٢. «عمدة القاري» ٦/ ٣٥٨.

٣٣. «الفتح» ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣.

٣٤. «عمدة القاري» ٦/ ٣٥٨.

٣٥. «الفتح» ٣/ ٢٣٣.

٣٦. «تفسير الطبريّ» ٢٣/ ٣٨٩.

٣٧. «تفسير القرطبيّ» ١٨/ ١٢٠.

٣٨. وفي نسخة: «وقال».

٣٩. قال في «تهذيب التهذيب»: ذكر بعضهم أن مسلمًا روى عنه ثلاثة أحاديث. انتهى. وهذا فيه نظر، والصواب ما ذكرته هنا.

٤٠. «شرح النوويّ» ٦/ ١٥١.

٤١. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد انتهيت -بحمد اللَّه تعالى وتوفيقه- من الألف الثاني بعد صلاة المغرب ليلة الأربعاء ٨/ ٢٤/ ١٤٢٧ هـ الموافق ٢٢/ سبتمبر ٢٠٠٦ م، وكانت المدّة التي بين نهاية الألف الأول، ونهاية الألف الثاني سنة كاملة إلا نحو ستة أيام، وذلك لأني انتهيت من الألف الأول، ودخلت في الثاني ٢٩/ ٨/ ١٤٢٦ هـ وهذا من عظيم فضل اللَّه تعالى عليّ، وحسن توفيقه، الحمد للَّه ربّ العالمين، الحمد للَّه حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك.

٤٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

٤٣. راجع ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٥/ ٢٢٩)، و«مشاهير علماء الأنصار» لابن حبّان (ص ١٠٦)، و«الكامل» لابن الأثير (٣/ ٥١٥).

٤٤. هكذا عزاه في «الفتح» إلى ابن خزيمة، ولم أره في «صحيحه»، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.

٤٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٢٨٦.

٤٦. «شرح النوويّ» ٦/ ١٥٢.