HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٠٠

وحَدَّثَنَا أَبُو بكر بن أبي شيبة. حدثنا غندر عن شعبة. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة عن الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ قَالَ: «نصرت بالصبا. وأهلكت عاد بالدبور».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص27
ج ٢ ص ٦١٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٥٨٤
قال الجامع عفا الله عنه: لا يبعد أن يكون التخصيص واقعًا عند هبوبها لئصره - ﷺ - عند مواجهة العدوّ، فحينئذ يستبشر بها؛ لكونها مجرّد رحمة، حيث هبّت للنصر، فلا إشكال، فتأمل، والله تعالى أعلم. وبالسند المتَّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٨٧] (٩٠٠) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «نُصِرْتُ يِالصَّبَا»، وَأُهْلِكَتْ عَاد بِالدَّبُورِ«). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٢. ٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف ببندار، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٢. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) الْهُذليّ، ربيب شعبة، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُئدر، ثقةٌ صحيح الكتابَ [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٢. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ -، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٨١. ٦ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (١١٣) أو بعدها، عن نيّف وستين سنةً (ع) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٧ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٤/ ٢١. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر - ﵄ -، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في«الإيمان»٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرّق بينهم بالتحويل؛ لاختلاف صيغ الأداء، فأبو بكر قال:«حدّثنا غندر، عن شعبة»، فذكر شيخه بلقبه، وعنعن في شعبة، وابن المثنّى، وابن بشّار قالا:«حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة»، ذكرا شيخهما باسمه، وصرّح هو بتحديث شعبة له، وهذه من دقائق الإسناد ينبغي العناية بها، فكن منتبهًا. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنى، وابن بشار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن مجاهد. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، كما سبق غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا) - بفتح الصاد المهملة، بعدها موحَّدة مخفّفةٌ مقصورة - يقال لها: القَبُول - بفتح القاف -؛ لأنها تقابل باب الكعبة؛ إذ مهبها من مشرق الشمس (وَأُهْلِكَتْ عَاد بِالدَّبُورِ») - بفتح الدال المهملة، وتخفيف الموحّدة المضمومة -: مقابل الصبَا، وهي التي أهلكت بها قوم عاد، ويشير - ﷺ - بهذا إلى قوله تعالى في قصة الأحزاب: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، ورَوَى الشافعيّ بإسناد فيه انقطاع أن النبيّ - ﷺ - قال: «نصرت بالصبا، وكانت عذابًا على من كان قبلنا»، وقيل: إن الصبا هي التي حَمَلت ريح قميص يوسف إلى يعقوب - ﵇ - قبل أن يصل إليه . قال الحافظ -﵀-: ومن لطيف المناسبة كون القَبُول نَصَرت أهل القبول، وكون الدَّبُور أهلكت أهل الإدبار، وأن الدبور أشدّ من الصبا؛ لأنها لما أهلكت عادًا لم يخرج منها إلا قدر يسير، ومع ذلك استأصلتهم، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]، ولَمّا عَلِم الله تعالى رأفة نبيه - ﷺ - بقومه رجاء أن يسلموا سَلَّط عليهم الصبا، فكانت سبب رحيلهم عن المسلمين؛ لِمَا أصابهم بسببها من الشدّة، ومع ذلك فلم تُهلك منهم أحدًا، ولم تستأصلهم. ومن الرياح أيضًا الْجَنُوب والشمال، فهذه الأربع تَهُبّ من الجهات الأربع، وأيّ ريح هَبّت من بين جهتين منها، يقال لها: النَّكباء - بفتح النون، وسكون الكاف، بعدها موحّدة، ومدّ -. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: الريح أربع: الشمال، وتأتي من ناحية الشام، وهي حارّة في الصيف، بارح ، والجنوب تقابلها، وهي الريح اليمانية، والثالثة: الصبا، وتأتي من مطلع الشمس، وهي القَبُول أيضًا، والرابعة: الدَّبُور، وتأتي من ناحية المغرب. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٠٨٧ و٢٠٨٨] (٩٠٠)، و(البخاريّ) في «الاستسقاء» (١٠٣٥) و«بدء الخلق» (٣٢٠٥) و«الأنبياء» (٣٣٤٢) و«المغازي» (٤١٠٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٦٤١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١١/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٢٨ و٣٢٤ و٣٤١ و٣٥٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٥٦٣ و٢٦٨٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١١٠٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٥١٢ و٢٥١٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠٢٦ و٢٠٢٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٤٢١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣٦٤) و«دلائل النبوة» (٣/ ٤٤٨)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١١٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما أكرم الله -﷾- نبيّه - ﷺ - حيث نصره على أعدائه بريح الصبا، وكان ذلك يوم الخندق، ويقال له: غزوة الأحزاب، وكان زهاء اثني عشر ألفًا، أو أكثر حين حاصروا المدينة، فأرسل الله تعالى عليهم ريح الصبا باردة، في ليلة شاتية شديدة البرد، فسفّت التراب والحصى في وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقطّعت خيامهم، فانهزموا من غير قتال، كما قصّ الله تعالى ذلك في القرآن العظيم. ٢ - (ومنها): تفضيل بعض المخلوقات على بعض، مع كونه من جنسه، حيث فُضّلت الصبا على الدبور من جهة إضافة النصر إليها، والهلاك إلى الدبور. ٣ - (ومنها): أن فيه ردًّا على الطبائعيين والفلاسفة الذين ينسبون الأشياء إلى الطبيعة، ففي هذا الحديث إثبات أن الرياح مسخّرة بأمر الله تعالى تارة يُسخّرها لنصر أوليائه، وتارةً يسخّرها لإهلاك أعدائه، فسبحان من بيده ملكوت كلّ شيء، وإليه يرجع الأمر كلّه، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾. ٤ - (ومنها): أن فيه إخبار المرء عن نفسه بما فضّله الله -﷾- به على سبيل التحدث بالنعمة، لا على سبيل الفخر. ٥ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ عن الأمم الماضية، وإهلاكها؛ ليكون عبرةً، ويتّعظ بها من أراد الله به الخير والصلاح، اللهم اهدنا فيمن هديت، ولا تجعلنا من الغافلين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٨٨] (…) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ - يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ - كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار [٩] (ت ١١٩٥) ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١١٧. ٣ - (عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ) هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح بن عمير الأمويّ مولاهم، يقال له: الجعفيّ نسبة إلى خالة حسين بن عليّ الجعفيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، لقبه مُشْكُدانة - بضم الميم والكاف، بينهما معجمة ساكنة، وبعد الألف نون - وهو وعاء المسك بالفارسية، صدوق، فيه تشيعٌ [١٠]. رَوَى عن خالة حسين المذكور، وأبي الأحوص، وابن المبارك، وعبدة بن سليمان، وابن نمير، والمحاربيّ، وأسباط بن محمد، وعبد الرحيم بن سليمان، ومحمد بن فضيل، وجماعة. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له النسائي في «خصائص عليّ» بواسطة أبي بكر أحمد بن علي المروزي، وزكرياء بن يحيى خياط السنة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن بشير الطيالسيّ، وابن أبي الدنيا، ومحمد بن إسحاق السَّرّاج، والبغويّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: سمعت محمد بن إسحاق الثقفيّ يقول: سمعته يقول: إنما لَقّبني مُشْكُدانة أبو نعيم، كنت إذا أتيته تطيبت وتلبست، فإذا رآني قال: قد جاء مشكدانة، وقال أبو بكر بن منجويه: مشكدأنة بلغه أهل خراسان وعاء المسك. وقال صالح جزرة: كان غاليًا في التشيع، فكان يمتحن كلَّ من يجيئه من أهل الحديث. قال السرّاج: مات سنة ثمان، أو تسع وثلاثين ومائتين، وجزم سنة تسع البغوي وابن قانع وابن عساكر ومن قبلهم البخاريّ في «التاريخ الأوسط». أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ في «خصائص عليّ»، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط . ٤ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٦ - (مَسْعُودُ بْنُ مَالِكِ) بن مَعْبَد الأسديّ الكوفيّ مولى سعيد بن جُبير، ثقةٌ [٦]. روى عن مولاه سعيد بن جبير، والربيع بن خُثيم، وعليّ بن الحسين. وروى عنه الأعمش، والثوريّ، وصالح بن حيّان. قال النسائيّ: مسعود بن مالك كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في «الثقات». تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٧ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لأبي معاوية، وعبدة بن سليمان. [تنبيه]: رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس - ﵄ - ريمما هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٩٥٦) حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن مسعود بن مالك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني نُصِرت بالصبا، وإن عادًا أُهلكت بالدبور». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء السابع عشر من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الاثنين المبارك (٢٩/ ١٠/ ٤٢٧ اهـ) الموافق (٢٠ نوفمبر - تشرين الثاني ٢٠٠٦ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثامن عشر مفتتحًا بـ ١٠ - (كتاب الكسوف)، (١) - (بَابُ بَيَانِ كيْفِيَّةِ صَلَاةِ الكُسُوف، وَمَا جَاء من الأمرِ بالصَّلَاةِ، والذِّكْرِ، والدعاءِ، وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ الكُسُوفِ) رقم الحديث [٢٠٨٩] (٩٠١). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يوم الثلاثاء المبارك وقت أذان صلاة الفجر ٣٠/ ١٠/ ١٤٢٧ هـ أول الجزء الثامن عشر من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالى. ١٠ - (كِتَابُ الْكسُوفِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: «الكسوف» لغةً: التغيُّر إلى سواد، ومنه كَسَفَ وجهُهُ وحالُهُ، وكَسَفَت الشمسُ: اسودّت، وذهب شُعاعها. قال الفيوميّ -﵀-: كَسَفَت الشمسُ، من باب ضرب، كُسُوفًا، وكذلك القمر، قاله ابن فارس، والأزهريّ، وقال ابن الْقُوطيّة أيضًا: كَسَفَ القمرُ، والشمسُ، والوجهُ: تَغَيَّرَ، وكسَفَها الله، كَسْفًا، من باب ضرب أيضًا، يتعدى، ولا يتعدّى، والمصدر فارق، ونُقل: انكسفت الشمسُ، فبعضهم يجعله مطاوِعًا، مثل كسرته، فانكسَرَ، وعليه حديث: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -»، وبعضهم يجعله غَلَطًا، ويقول: كَسَفتُها، فكَسَفَتْ هي، لا غيرُ، وقيل: الكُسُوف ذَهَاب البعض، والخسوف ذَهَاب الكلّ، وإذا عَدَّيتَ الفعلَ، نصبتَ عنه المفعول باسم الفاعل، كما تنصبه بالفعل، قال جَرير [من البسيط]: الشَّمْسُ طَالِعَةً لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ … تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا في البيت تقديم وتأخيرٌ، والتقديرُ: الشمسُ في حال طُلوعها، وبكائها عليك ليست تَكسف النجومَ والقمرَ، لعدم ضوئها. وقال أبو زيد: كَسَفت الشمسُ كُسُوفًا: اسودّت بالنهار، وكسفت الشمسُ النجومَ: غَلَبَ ضوءها على النجوم، فلم يبدُ منها شيء. انتهى. وقال في مادة «خَسَفَ»: وخَسَفَه اللهُ -﷾-: - أي: من باب ضرب - يتعدَّى، ولا يتعدَّى، وخَسَفَ القمرُ: ذهب ضوءه، أو نقص، وهو الكسوف أيضًا، وقال ثَعْلَبٌ: أجود الكلام: خَسَف القمرُ، وكَسَفت الشمسُ، وقال أبو حاتم في الفَرْق: إذا ذهب بعض الشمس، فهو الكُسُوف، وإذا ذهب جميعه، فهو الخُسُوفُ. انتهى. وقال الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»؟ «باب هل يقول: كَسَفَت الشمسُ، أو خَسَفَت؟»، وقال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ٨]. انتهى. قال الزين ابن الْمُنَيِّر -﵀-: أَتَى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء. قال الحافظ -﵀-: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عُيينة، عن الزهريّ، عن عروة، قال: «لا تقولوا: كَسَفت الشمسُ، ولكن قولوا: خَسَفت»، وهذا موقوف صحيح، رواه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه؛ لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهريّ أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحَكَى عياض عن بعضهم عكسه، وغلّطه؛ لثبوته بالخاء في القمر في القرآن، وكأن هذا هو السرّ في استشهاد البخاريّ به في الترجمة، وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شكّ أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغيُّر إلى سواد، والخسوف النقصان، أو الذلّ، فإذا قيل في الشمس: كَسَفت، أو خَسَفت؛ لأنها تتغير، ويلحقها النقص، ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان. وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخَّص مما ذُكر أن الراجح جواز إطلاق الكسوف، والخسوف لكل من الشمس، والقمر؛ لورود النصوص الكثيرة بذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٦)

١. «الفتح» ٧/ ٥٠٩ «كتاب بدء الخلق» رقم (٣٢٠٥).

٢. «الفتح» ٣/ ٣٩١ «كتاب الاستسقاء» رقم (١٠٣٥).

٣. أي: حاملة للتراب.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٤.

٥. وفي«الزهرة»: روى عنه مسلم اثني عشر حديثًا.

٦. وأما قوله في«التقريب»: مقبول، فهو غير مقبول، فاقرأ ترجمته في«تهذيب التهذيب».