HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٥٨

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ. قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا، حتى تخلفكم أو توضع».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص56
ج ٢ ص ٦٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٤٨٤
إلا أربعًا، وهذا دليل على أنهم أجمعوا بعد زيد بن أرقم، والأصح أن الإجماع بعد الخلاف يصح. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الصواب أنه لا نسخ لهذا الحديث، وأن دعوى الإجماع على نسخه غير صحيحة، فإن الخلاف في ذلك معروف بين الصحابة، ومن بعدهم، وقد استوعب ذلك ابن المنذر في «الأوسط»، وابن حزم في «المحلَّى»، فلتراجعهما. والحاصل أن التكبير خمسًا ثابتٌ صحيح، لكن الأولى أن يكبّر أربعًا، لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك، فلو بلغ خمسًا لا يُنكر عليه؛ لصحّة حديث زيد بن أرقم - ﵁ - هذا، وإن أردت تحقيق المسألة على وجهها فلتراجع المسألة الثامنة من المسائل المذكورة في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصّة نعي النجاشيّ - ﵁ -، تستفد علمًا جمّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٣) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢١٧] (٩٥٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا، حَتى تُخَلِّفَكُمْ، أَوْ تُوضَعَ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَمِى شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا. ٥ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا أيضًا. ٦ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب. ٧ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر العدويّ، أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في«الإيمان»١٤/ ١٦٢. ٨ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب - ﵄ -، مات سنة (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في«الإيمان»١/ ١٠٢. ٩ - (عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن كعب بن مالك الْعَنْزيّ -بسكون النون- حليف آل الخطّاب صحابيّ مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر، وشهِد بدرًا، ومات ليالي قتل عثمان - ﵁ - (ع) تقدم في«صلاة المسافرين» ٥/ ١٦١٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة الأولين، فأبو بكر، وزهير ما أخرج لهما الترمذيّ، وعمرو ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، فأبو بكر، وابن نمير كوفيّان، وعمرو، وزهير بغداديّان، وسفيان كوفيّ مكيّ. ٤ - (ومنها): رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب - ﵄ - (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الْعَنْزيّ - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ) تقدّم ضبطه بالفتح والكسر، وفي رواية نافع الآتية:»إذا رأى أحدكم الجنازة، فإن لم يكن ماشيًا معها، فليَقُم حتى تُخَلِّفه، أو توضع من قبل أن تُخلّفه«، وفي رواية له:»فليقُم حين يراها حتى تُخلّفه إذا كان غير متّبعها«. (فَقُومُوا لَهَا) فيه الأمر بالقيام للجنازة؛ إذا رآها الشخص، وإن لم يقصد تشييعها، والمراد عموم كلّ جنازة، من مؤمن وغيره، كما سيأتي أن النبيّ - ﷺ - قام لجنازة يهوديّ مرّت به، وعلّل ذلك بأنها نفس، وفي رواية بأن الموت فَزَعٌ، وقوله: (حَتى تُخَلِّفَكُمْ) بتشديد اللام المكسورة، من التخليف؛ أي: تترككم وراءها، ونسبة ذلك إلى الجنازة على سبيل المجاز؛ لأن المراد حاملها، وقوله: (أَوْ تُوضَعَ)«أو»هنا ليست للشكّ، وإنما هي للتنويع، فإن من رأى الجنازة، إما أن لا يتبعها، فهذا يقوم حتى تتجاوزه، ويكون وراءها، أو توضع عنده، بأن كان في المصلَّى، وإما أن يتبعها، فهذا لا يجلس حتى توضع. [تنبيه]: قوله:«أَوْ تُوضَعَ»يَحْتَمِل أن يكون المراد حتى توضع على الأرض، أو توضع في اللحد. وقد رُوي عن أبي هريرة - ﵁ - باللفظين، إلا أن البخاريّ أشار إلى ترجيح رواية:«حتى توضع بالأرض»، حيث قال:«بابٌ مَن تَبعَ جنازة، فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال»، وصرّح أبو داود بترجيحها، حيث قال بعد رواية حديث أبي سعيد - ﵁ - الآتي من طريق سهيل بن أبي صالح، بلفظ:«إذا تبعتم الجنازة، فلا تجلسوا حتى توضع»ما نصّه: ورَوَى الثوريّ هذا الحديث، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال فيه:«حتى توضع بالأرض»، ورواه أبو معاوية، عن سهيل، قال:«حتى توضع في اللحد»، وسفيان أحفظ من أبي معاوية. انتهى. وكذا قال الأثرم، قال الحافظ ﵀: ورواه جرير، عن سهيل؛ أي عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فقال:«حتى توضع»حسبُ، وزاد سهيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال، أخرجه أبو نعيم في«المستخرج»بهذه الزيادة، والبيهقيّ (٤/ ٢٦) وهو في مسلم بدونها. قال الحافظ: ورَجَحَتْ روايةُ«حتى توضع بالأرض»عند البخاريّ بفعل أبي صالح؛ لأنه رواي الخبر، وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة، كما قال أبو داود. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عامر بن ربيعة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٢١٧ و٢٢١٨ و٢٢١٩] (٩٥٨)، و(البخاريّ) في«الجنائز»(١٣٠٧ و١٣٠٨ و١٣١٥)، و(أبو داود) في«الجنائز»(٣١٧٢)، و(الترمذيّ) في«الجنائز»(١٠٤٢)، و(النسائيّ) في«الجنائز»(٤/ ٤٤)، و(ابن ماجه) في«الجنائز»(١٥٤٢)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٦٣٠٥ و٦٣٠٦ و٦٣٠٧)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٤٤٥ و٤٤٦ و٤٤٧)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ٣٩ - ٤٠)، (ابن الجارود) في«المنتقى»(١/ ١٣٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه »(٧/ ٣٢٣ و٣٢٤) و(الطحاويّ) (١/ ٤٨٦)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (٤/ ٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بالقيام للجنازة. ٢ - (ومنها): أن هذا الأمر للاستحباب على الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف، هل هو للوجوب، أم للاستحباب، أم هو منسوخ؟ في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): أن ظاهر هذا الأمر يعمّ كل جنازة، سواء كانت لمسلم، أو لكافر، كما تدلّ عليه أحاديث الباب التالي. ٤ - (ومنها): أن القيام للجنازة قد جاء تعليله في الحديث الآتي بقوله: «إن الموت فَزَعٌ»، فدلّ على أن القيام لتذكر الموت، وإعظامه، وجَعْلِهِ من أهمّ ما يَخْطُر بالإنسان، ولذا استوى فيه جنازة المؤمن والكافر، ويأتي أيضًا تعليله بقوله: «أليست نفسًا»، وثبت في رواية أحمد، وابن حبان تعليله بقوله: «إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس»، وفي رواية الحاكم بقوله: «إنما قمنا للملائكة»، ولا تنافي بين هذه الروايات، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى-. ٥ - (ومنها): ما قاله في «الفتح» من أن حديث أبي سعيد الآتي أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة هذا، وهو يوضّح أن المراد بالغاية المذكورة مَن كان معها، أو مشاهدًا لها، وأما من مرّت به، فليس عليه القيام إلا قدر ما تمرّ عليه، أو توضع عنده بأن يكون بالمصلَّى مثلًا. وروى أحمد من طريق سعيد ابن مَرْجَانة، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «من صلى على جنازة، فلم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها، فلا يجلس حتى توضع». وفي هذا السياق بيان لغاية القيام، وأنه لا يختصّ بمن مرّت به، ولفظ القيام يتناول من كان قاعدًا، فأما من كان راكبًا، فيَحْتَمِل أن يقال: ينبغي له أن يَقِفَ، ويكون الوقوف في حقّه كالقيام في حقّ القاعد. انتهى . ٦ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله في هذا الحديث: «فإن لم يكن ماشيًا معها … إلخ»، وكذا في حديث أبي سعيد - ﵁ - لآتي: «فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع» على أن شهود الجنازة لا يجب على الأعيان، ووجه ذلك أنه يدلّ على أن من لم يتبعها لا يقوم إلى أن توضع، بل حتى تخلّفه، فدلّ على أنه إن شاء اتبعها، ولا يجلس حتى توضع، وإن شاء لم يتبعها، ولكن يقوم حتى تخلّفه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم القيام للجنازة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختلفوا في القيام للجنائز إذا مرّت، فقالت طائفة: يقوم لها، فعل ذلك أبو مسعود البدريّ، وأبو سعيد الخدريّ، وقيس بن سعد، وسهل بن حُنيف، وسالم بن عبد الله. ورأت طائفة أن لا يقوم المرء للجنازة تمرّ به، مُرَّ على سعيد بن المسيّب بجنازة، فلم يقم لها، وكان عروة بن الزبير يَعيب من يفعل ذلك، وقال مالك: ليس على الرجل أن يقوم للجنازة إذا رآها، ولا يقعد حتى تجاوزه، مسلمًا كان، أو كافرًا، وقال الشافعيّ: لا يقوم للجنازة من لا يشهدها، والقيام لها منسوخ، وقال أحمد: إن قام لم يقعد، وإن قعد فلا بأس، وكذلك قال إسحاق، وقال أحمد: قوله: «فليقم» إنما ذا على القاعد يقوم، وقال أحمد: من قام للجنازة فذاك، ومن لم يقم ذهب إلى حديث عليّ - ﵁ -: «قام رسول الله - ﷺ -، فقمنا، وقعد، فقعدنا»، قال أبو عبد الله: أما أنا فلا أقوم. قال ابن المنذر ﵀: مذهب أحمد، وإسحاق حسن في الوجهين. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قال القاضي عياض: اختلف الناس في هذه المسألة، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ: القيام منسوخ، وقال أحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الماجشون: هو مخيّر، قال: واختلفوا في قيام من يشيّعها عند القبر، فقال جماعة من الصحابة والسلف: لا يقعد حتى توضع، قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرّت به، وبهذا قال الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، قال: واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن، فكرهه قوم، وعمل به آخرون، روي ذلك عن عثمان، وعليّ، وابن عمر، وغيرهم - ﵃ -، هذا كلام القاضي. قال النوويّ: والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبًّا، وقالوا: هو منسوخ بحديث عليّ، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحبّ، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعودُ بيانًا للجواز، ولا يصحّ دعوى النسخ في مثل هذا؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذّر الجمع بين الأحاديث، ولم يتعذر، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو تحقيق نفيسٌ. وقال في «الفتح»: وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أكثر الصحابة، والتابعين باستحبابه، كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ورَوَى البيهقيّ من طريق أبي حازم الأشجعيّ، عن أبي هريرة، وابن عمر، وغيرهما أن القائم مثل الحامل -يعني في الأجر- وقال الشعبيّ، والنخعيّ: يكره القعود قبل أن توضع، وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتجّ له برواية سعيد، عن أبي هريرة، وأبي سعيد - ﵄ - . انتهى . وفي سنده عنعنة ابن جريج، وهو مدلّس، ومحمد بن عجلان اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -، وفي متنه نكارة، كما بيّنته في «شرح النسائيّ» (١٩/ ٩٥). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عليّ - ﵁ - الذي استدلّوا به على النسخ هو الآتي للمصنّف ﵀ في الباب التالي أن عليّا - ﵁ - لَمّا ذُكر له القيامُ على الجنازة حتى توضع، قال: قام رسول الله - ﷺ -، ثم قعد. ورواه أحمد، وابن حبان، وغيرهما بلفظ: «كان رسول اللهﷺ - أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس»، ولفظ البيهقيّ: «ثم قعد بعد ذلك، وأمرهم بالقعود». ثم إن حديث علي باللفظ الأول لا يدلّ على النسخ، وإنما غايته أن يدلّ على أن الأمر ليس للوجوب، وأما حديثه باللفظ الثاني، فلو صحّ لكان دالًّا على النسخ؛ لقوله فيه: «وأمرنا بالجلوس»، لكنه بهذا اللفظ لا يصحّ؛ لمخالفة محمد بن عمرو بن علقمة لمن هوأحفظ منه، وهو يحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما أخرجه مسلم وغيره من طريقه، وتابعه شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن مسعود بن الحكم، باللفظ الأول، وليس عندهما زيادةُ: «وأمرنا بالجلوس»، وإنما هو حكاية فعله عدم، وهو يدلّ على الندب، كما ذكرنا، لا على النسخ. وأما ما أخرجه أبو داود والترمذيّ، وابن ماجه، والبزّار عن عبادة بن الصامت - ﵁ -، قال: كان رسول اللهﷺ - يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرّ حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس النبيّ - ﷺ -، وقال: «اجلسوا، خالفوهم». فإنه ضعيف؛ لأن في سنده بشر بن رافع، وقد ضعّفه غير واحد، وقال عنه في «التقريب»: فقيه ضعيف الحديث، من السابعة، وفيه أيضًا عبد الله بن سليمان، قال البخاريّ: فيه نظر، لا يتابع على حديثه، وأبوه سليمان، قال البخاريّ، وأبو حاتم: منكر الحديث. وأما ما أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ١٤٢)، والحازمي في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٢١) من طريق أبي معمر، قال: «كنا مع عليّ، فمر به جنازة، فقام لها ناس، فقال عليّ: من أفتاكم هذا؟ فقالوا: أبو موسى، قال: إنما فعل رسول الله - ﷺ - مرّة، فكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نُهِي انتهى». لفظ أحمد، ولفظ الحازميّ: «فلما نُسِخ ذلك، ونُهِي عنه انتهى». ففي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك. والحاصل أن دعوى النسخ، غير صحيحة؛ فإن أحاديث الأمر بالجلوس، لا تصحّ، وكذا حديث عليّ المذكور الدالّ على النسخ، لا يثبت، فلا ينبغي الالتفات إليها، في نسخ تلك السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من طرق جماعة من الصحابة، بل المتحتّم الأخذ بها، واعتقاد أنها مستحبّة، مَن فعلها، فقد أحسن، ومن لا، فلا لوم عليه؛ لأنه - ﷺ - قام، وقعد، وهذا هو الحق، كما تقدّم ترجيح النوويّ ﵀ له، مخالفًا لمشهور مذهبه، من دعوى النسخ، فجزاه الله تعالى خيرًا على اتباعه الدليلَ، وعدم تعصّبه لمشهور مذهبه، كما هو ديدن المتفقهة، ولا سيما المتأخرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢١٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ، أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ (ح) وَحَدَّثَنًَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُم الْجَنَازَةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ، حَتَّى تُخَلِّفَهُ، أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلَفَهُ»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن مهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قبل باب. ٤ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى، تقدّم قريبًا. ٥ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قريبًا أيضًا. ٦ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٧ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قريبًا أيضًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ) يعني أن كلًّا من الليث بن سعد، ويونس بن يزيد رويا هذا الحديث عن ابن شهاب بسنده الماضي، وهو: عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة - ﵄ -. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ) بيّن به أن في رواية يونس بن يزيد صرّح عامر بن ربيعة بأنه سمع النبيّ - ﷺ - يقول: «إذا رأيت الجنازة، فقوموا لها … إلخ». وقوله: (أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ) فيه بيان للمراد من رواية سالم الماضية بلفظ: «أو توضع»، وسيأتي من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ: «إذا رأى أحدكم الجنازة، فليقُم حين يراها حتى تُخلّفه إذا كان غير متّبعها». [تنبيه]: رواية الليث، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ، فقال: (١٩١٦) - أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة العدويّ، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، حتى تُخَلِّفكم، أو توضع». وأما رواية يونس، عن ابن شهاب، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢١٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّاد (ح) وَحَدثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدثنا إِسْمَاعِيلُ، جَمِيعًا عَنْ أَيُوبَ (ح) وَحَدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدثنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ (ح) وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيث ابْنِ جُرَيْجٍ، قَال النَّبِيُّ - ﷺ - «:»إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الْجَنَازَةَ فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا، حَتَى تُخَلِّفَهُ، إِذَا كَانَ غَيْرَ مُتَّبِعِهَا«). رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير الدورقيّ. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عليّة، تقدّم قبل باب. ٥ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب. ٨ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٩ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، تقدّم قريبًا. ١٠ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. ١١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ١٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين. ١٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب. ١٤ - (نَافِعٌ) ذُكر قبله. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ)؛ أي: أن كلًّا من حماد بن زيد، وإسماعيل بن عليّة رويا هذا الحديث عن أيوب السختياني. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: أيوب السختيانيّ، وعبيد الله العمريّ، وعبد الله بن عون، وابن جُريج رووا هذا الحديث عن نافع مولى ابن عمر بهذا الإسناد الماضي، وهو: عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، عن النبيّ - ﷺ -. وقوله: (فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا) ظاهره أنه يقوم بمجرّد رؤيتها قبل أن تصل إليه، قاله النوويّ ﵀ . وقوله: (حَتَّى تُخَلِّفَهُ) بضمّ التاء، وكسر اللام المشدّدة: أي: تصيِّره وراءها، غائبًا عنها. وقوله: (إِذَا كَانَ غَيْرَ مُتّبِعِهَا) فيه أن اتّباع الجنائز كفائيّ، وليس من الواجبات العينيّة. [تنبيه]: رواية أيوب، عن نافع هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٥٢٥٨) - حدّثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رأيت جنازةً، فإن لم تك ماشيًا معها، فقم لها حتى تُخَلِّفك، أو توضع»، قال: فكان ابن عمر ربما تقدّم الجنازة، فقعد حتى إذا رآها قد أشرفت قام، حتى توضع، وربما سترته. وأما رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، فساقها الإمام أحمد ﵀ أيضًا، فقال: (١٥٢٤٨) - حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا رأى أحدكم الجنازة، ولم يكن ماشيًا معها، فليقم حتى تجاوزه، أو توضع». وأما رواية ابن جريج، عن نافع، فساقها الإمام أحمد ﵀ أيضًا، فقال: (١٥٢٥٠) - حدّثنا عبد الرزاق، وابن بكر، قالا: حدّثنا ابن جريج،
مصادر المؤلف (١٤)

١. «شرح النووي»٧/ ٢٦.

٢. وفي نسخة:«حدّثنا».

٣. «الفتح»٣/ ٥٣٢.

٤. «الفتح» بتصرّف ٣/ ٥٣٣.

٥. «الأوسط» ٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥.

٦. «شرح مسلم» ٧/ ٣٢.

٧. هو ما أخرجه النسائيّ في «سننه» من طريق ابن جريج، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة وأبى سعيد، قالا: ما رأينا رسول الله - ﷺ - شَهِدَ جنازة قط، فجلس حتى توضع.

٨. «الفتح» ٣/ ٥٣٢.

٩. وفي نسخة: «وحدّثنا ابن رمح».

١٠. وفي نسخة: «حرملة بن يحيى».

١١. وفي نسخة: «حدّثني ابن وهب».

١٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٣. وفي نسخة: «قال: قال النبيّ - ﷺ -».

١٤. «شرح النوويّ» ٧/ ٢٩.