HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٨٨

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ. وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ. تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا. وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ. وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ. تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا. وَلَا صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا. إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ. وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ. تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا. لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا. وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ. إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ. يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ. فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ. فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ. فَأَنَا عنه غني. فإذا رأى أن لابد مِنْهُ. سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ. فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ». قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ. ثُمَّ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. وقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ. وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا. وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا. ومنيحتها. وحمل عليها في سبيل الله».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص73
ج ٢ ص ٦٨٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص١٣١
[١٠] وفي رواية جابر: (لَيسَ فِيهَا جَمَّاءُ) الجمَّاء: أي: التي لا قرن لها، و(الشُّجَاعُ): الحية الذَّكَر، و(الأَقرَعُ): الذي لا شعر على رأسه [لكثرة] السُّم فيه، (فَيَقضَمُهَا)؛ أي: يعضُّها، يقال: قضمت الدابة شعيرها تقضَمُه، (وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا)؛ أضاف الدلو إليها لأنه يستقي به لها، أي: يُعير الدلو الذي يستقي به الماء، ليستقي هو به أيضا؛ فيسقي إبله، (وَإِعَارَةُ فَحَلِهَا): لينزو على الأنثى، (وَمَنِيحَتُهَا): هو أن يعيرَ غيرَه ناقتَه ليحلُبَها مدة، وينتفعَ بلبنها ثم يردُّها، (وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله) أي يحمل عليها الغزاة في سبيل الله. وفي هذا الحديث تأكيد أمر الزكاة، وفيه: الإيعاد لمانع الزكاة، وقوله: (قَعَدَ لَهَا) المشهور: (أقعِدَ لَهَا) ، ويحتمل أن يكون قعد لازما ومتعديا، ويحتمل أن يُعَدَّى بالتشديد، إن كانت رواية تساعده.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص١٨٠
صالح ذكوان، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ - ﷺ - قال: «إذا لم يؤدِّ المرء حقّ الله، أو الصدقة في إبله بُطِح لها بصعيد قرقر، فوَطِأته بأخفافها، وعَضّته بأفواهها؛ إذا مر آخرها كَرَّ عليه أولها، حتى يَرَى مصدره إما من الجنة وإما من النار، والبقر إذا لم يؤدّ حقّ الله فيها بُطِح له بصعيد قرقر، فوطأته بأظلافها ونطحته بقرونها؛ إذا مَرّ عليه آخرها كَرّ عليه أولها، حتى يرى مصدره إما من الجنة وأما من النار، والغنم كذلك تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، ليس فيها عَقْصَاء، ولا جَمّاء، حتى يرى مصدره إما من الجنة وإما من النار، والخيل لثلاثة: أجر ووزر وستر، فمن اقتناها تعفّفًا وتغنيًا كانت له سترًا، ومن اقتناها عُدّةً للجهاد في سبيل الله، كانت له أجرًا، فإن طول لها شَرَفًا أو شَرَفين، كان له في ذلك أجر، ومن اقتناها فخرًا ورياءً ونواءً على المسلمين، كانت له وزرًا»، قال قائل: يا رسول الله أفرأيت الحمر؟ قال:«لم يأت في الحمر شيء، إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ ». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٦] (٩٨٨) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أنه سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأنصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاع قَرْقرٍ، تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا، وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاع قَرْقَرٍ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا، وَلَا صَاحِبِ غَنَم، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقرٍ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِأظْلَافِهَا، لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ، وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا، وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقرَعَ، يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا إتاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ، فَأنَا عَنْهُ غَنيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ»، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ سَألنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْل عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا حَق الإبِلِ؟ قَالَ:«حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في«المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدَّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَاقِ) بن همّام، تقدَّم أيضًا قبل باب. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدَّم أيضًا قبل باب. ٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدَّم قريبًا. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأنصَارِيُّ) - ﵄ -، تقدَّم أيضًا قريبًا. وقوله: (إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا) وكذلك في البقر والغنم، قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الأصول بالثاء المثلثة، وقَعَدَ بفتح القاف والعين. [تنبيه]: «قط» فيها لغاتٌ حكاهنّ الجوهريّ، والفصيحة المشهورة «قَطُّ» مفتوحة القاف، مشدّدة الطاء، قال الكسائيّ: كانت قَطُطُ، فلمَّا سُكّن الحرف الثاني للإدغام جُعِل الآخر متحرِّكًا، والثانية: «قُطُّ» بضم القاف؛ إتباعًا للضمة، كقولك: مُد يا هذا، والثالثة: «قَطُ» بفتح القاف، وتخفيف الطاء، والرابعة: «قُطُ» بضم القاف، والطاء المخففة، وهي قليلة، والخامسة: قَطِّ مكسورة مشدّدة، حكاها ابن الأعرابيّ . هذا إذا كانت بمعنى الدهر، فأمَّا التي بمعنى حسبُ، وهو الاكتفاء فمفتوحة ساكنة الطاء، تقول: ما رأيته إلا مرةَ واحدة فَقَطْ، فإن أضفت قلت: قَطْكَ هذا الشيءُ؛ أي: حسبك، وقَطْنِي، وقَطِي، وقَطْهُ، وقَطْهَا، أفاده في «الصحاح» . وإلى ما ذُكر أشرت بقولي: قَطُّ بِمَعْنَى الدَّهْرِ قُلْ خَمْسُ لُغَهْ … حَقَّقَهَا أَهْلُ اللُّغَاتِ النَّبَغَهْ بِالْفَتْحِ فَالضَّمِّ وَضَمَّتَيْنِ … خَفِّفْ وَشُدَّ الطَّاءَ دُونَ مَيْنِ خَامِسُهَا قَطِّ بِكَسْرِ شُدِّدَا … أَمَّا بِمَعْنَى حَسْبُ سَاكِناَ بَدَا فَقُلْ فَقَطْ فَإِنْ أَضَفْتَ قَطْكَ قُلْ … قَطِي وَقَطْنِي عَنْهُمْ أَيْضًا نَبُلْ وقوله: (وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ … إلخ) تقدَّم أن الأرجح في المراد بالكنز هنا هو كلّ ما وجبت فيه الزكاة، ولم يؤدّ. وقوله: (شُجَاعًا أَقْرَعَ) الشجاع: هو الحية الذكر، والأقرع الذي تَمَعطَ شعره؛ لكثرة سُمِّهِ، وقيل: الشجاع الذي يُواثب الراجل والفارس، ويقوم على ذَنَبِهِ، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحارى، قاله النوويّ -﵀- . وفي «كتاب أبي عُبيد»: سمي أقرع؛ لأن شعر رأسه يتمعّط لجمعه السمّ فيه. وتعقّبه القزّاز بأن الحيّة لا شعر برأسها، فلعله يذهب جلد رأسه. وفي «تهذيب الأزهريّ»: سمي أقرع؛ لأنه يَقرِي السمّ، ويجمعه في رأسه، حتى تتمعّط فروة رأسه، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]: قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَارَ فَرْوَةُ رَأسِهِ … عَنِ الْعَظْمِ صَلَّ قَاتِل اللَّسْعِ مَارِدُهْ وقال القرطبيّ: الأقرع من الحيّات الذي ابيضّ رأسه من السمّ، ومن الناس الذي لا شعر برأسه؛ لتقرّحه، قال: وفي غير كتاب مسلم من الزيادة: «له زبيبتان»، وهما الزبيبتان في جانبي فيه من السمّ، ويكون مثلهما في شِدْقي الإنسان عند كثرة الكلام، وقيل: نكتتان على عينيه، وما هو على هذه الصفة من الحيّات هوأشدّ أذى، قال الداوديّ: وقيل: نابان يخرجان من فيه. انتهى . وقوله: (خُذْ كَنْزَكَ الذِي خَبَأتهُ) قال في «الفتح»: وفائدة هذا القول الحسرة، والزيادة في التعذيب، حيث لا ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكّم. وقوله: (فَأنَا عَنْهُ غنِيٌّ) قال القرطبيّ -﵀-: كذا وقع لنا فيما رأيناه من النسخ، وفي الكلام خرمٌ يتلفّق بتقدير محذوف، وهو فيقول: فأنا عنه غنيّ، وحينئذ يلتئم الكلام، فتأمّله، وكثيرًا ما يُحذف القول الذي للحكاية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]؛ أي: يقولون: إنما … إلخ. انتهى . وقوله: (أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ) «أن» هنا مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف؛ أي: أنه لا بدّ من أخذه. وقوله: (سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ) أي: أدخل يده في فم ذلك الشجاع. وقوله: (فَيَقْضَمُهَا) بفتح الضاد، يقال: قَضِمَت الدابةُ شعيرها -بكسر الضاد- تَقْضَمه -بفتحها-، من باب تَعِبَ: إذا كسرته بأطراف أسنانها، وقَضَمَتْ قَضْمًا، من باب ضرب لغةٌ، ومنه يقال على الاستعارة: قَضَمْتُ يدهُ: إذا عَضِضْتَهَا، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: القضم بأطراف الأسنان، والخضم بالفم كلّه، وقيل: القضم أكل اليابس، والخضم أكل الرطب، ومنه قول عمر بن عبد العزيز -﵀-: تخضمون، ونقضم، والموعد الله. انتهى. وقوله: (قَضْمَ الْفَحْلِ) مفعول مطلقٌ لـ «يَقْضِمها»؛ أي: مثلما يقَضِمُ الإبل الفحل. وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ وُلد في عهد النَّبيّ - ﷺ -، قاله مسلم، وعدّه غيره في كبار التابعين، وكان قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته، ومات سنة (٦٨) (ع) تقدَّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٣. وقوله: (يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ … إلخ) أي: ما سبق من الحديث، والمعنى أن أبا الزبير سمع هذا الحديث من عُبيد بن عُمير مرسلًا؛ لأن عبيدًا تابعيّ، ثم لقي جابر بن عبد الله - ﵄ -، فسأله عنه، فأخبره به، فصار متّصلًا. وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ … إلخ) هذا ظاهر في أن هذا مما سمعه أبو الزبير عن عُبيد مرسلًا، وليس مما سمعه عن جابر - ﵁ -. وقوله: (مَا حَقُّ الإبِلِ؟ … إلخ) قال القرطبيّ -﵀-: ظاهر هذا السؤال الجواب أن هذا هو الحقّ المتوعَّد عليه فيما تقدَّم حين ذكر الإبل، وأنَّه كلُّ الحقّ، مع أنه لم يتعرَّض فيه لذكر الزكاة، وفي هذا الظاهر إشكالٌ تُزيله الرواية الأخرى التي ذُكر فيها «من» التي للتبعيض، بل وقد جاء في رواية أخرى مفسرًا: «ما من صاحب إبل لا يؤدّي زكاتها»، وكذلك في الغنم، وكأنّ بعض الرواة أسقط في هذه الرواية «من»، وهي مرادة ولا بُدّ. قال: ثم ظاهره أن هذه الخصال واجبةٌ، ولا قائل به مطلقًا، ولعلّ هذا الحديث خرج على وقت الحاجة، ووجوب المواساة، وحال الضرورة، كما كان في أول الإسلام، ويكون معنى الحديث أنه مهما تعيّنت هذه الحقوق ووجبت، فلم تُفْعَل تَعَلَّقَ بالممتنع من فعلها هذا الوعيد الشديد، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيس، وقد تقدَّم تحقيق هذا، وأن الصواب أن في المال حقّ سوى الزكاة، وذلك عند الحاجة والضرورة، مثل أن يتعيّن مواساة الفقراء والمحتاجين، ونحو ذلك، فإنه يجب على الأغنياء أن يقوموا بسدّ حاجتهم، فتفطّن لذلك، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ) قال القرطبيّ: -﵀-: هو بسكون اللام على المصدر، وهو الأصل في مصدر ما كان على فَعَلَ يَفْعُلُ، وقد جاء على فَعَلٍ بفتح العين في الْحَلَبِ، فأمَّا الْحَلَبُ اسمٌ للّبن، فبالفتح لا غير، وليس هذا موضعه، وخصّ حَلْب الإبل بموضع الماء؛ ليكون أقرب على المحتاج والجائع، فقد لا يقدر على الوصول لغير مواضع الماء. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: فأمَّا حَلْبُها يوم وِرْدها ففيه رِفْقٌ بالماشية، وبالمساكين؛ لأنه أهون على الماشية، وأرفق بها، وأوسع عليها من حلبها في المنازل، وهو أسهل على المساكين، وأمكن في وصولهم إلى موضع الحلب؛ لِيُوَاسَوْا، والله أعلم. انتهى . وقوله: (وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا) هو: إناء يُستقى به من البئر ، وتأنيثها أكثر، فيقال: هي الدلو، وفي التذكير يُصغّر على دُليّ، مثل فَلْسٍ وفُلَيْس، وثلاثة أدلٍ، وفي التأنيث دُليّةٌ بالهاء، وثلاثُ أدلٍ، وجمع الكثرة الدِّلاءُ، والدُّلِيّ، والأصل فُعُولٌ، مثلُ فُلُوسٍ . وقوله: (وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا) بفتح، فسكون، الذكر من الحيوان، وجمعه فُحُولٌ، وفُحُولةٌ، وفِحَالٌ . وقوله: (وَمَنِيحَتُهَا) بفتح الميم، وكسر النون: فَعِيلَة بمعنى مفعولة، قال الفيّوميّ -﵀-: الْمِنْحَةُ بالكسر في الأصل الشاة، أو الناقةُ يُعطيها صاحبها رجلًا يَشرَب لبنها، ثم يرُدّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومَنَحْتُ مَنْحًا، من بأبي نَفَعَ وضَرَبَ: أعطيته، والاسم الْمَنِيحة. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قال أهل اللغة: المنيحة ضربان: [أحدهما]: أن يُعْطي الانسانُ آخرَ شيئًا هِبَةً، وهذا النوع يكون في الحيوان، والأرض، والأَثَاث، وغير ذلك. [الثاني]: أن المنيحة ناقةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ يُنتَفَع بلبنها، ووَبَرها، وصوفها، وشعرها زمانًا، ثم يردها، ويقال: مَنَحَهُ يَمْنَحُهُ بفتح النون في المضارع وكسرها. انتهى . وقوله: (وَحَمْل عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ»)«حَمْلٌ»بفتح، فسكون: مصدر حَمَلَ، من باب ضرب، وهو مرفوع عطفًا على«حَلَبُهَا»، والجارّان متعلّقان به، وتمام شرح الحديث تقدَّم في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٢٢٩٦ و٢٢٩٧] (٩٨٨)، و(النسائيّ) في«الزكاة»(٢٤٥٤) و«الكبرى»(٢٢٣٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٢١)، و(الدارميّ) في«سننه»(١٥٦٥)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ٦٩ و٧٠)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٤/ ١٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٢/ ٤٢٨)، وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:«مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غنَم، لَا يُؤَدِّي حَقهَا، إِلَّا أقعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقرٍ، تَطَؤُهُ ذَاتُ الظَّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ، وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ:«إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَحَمْل عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا مِنْ صاحِبِ مَال ، لَا يُؤَدي زَكَاتَهُ، إِلا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أقرَعَ، يَتْبَعُ صاحِبَهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكَ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أنهُ لَا بُدَّ مِنْهُ ، أَدْخَلَ يَدَهُ في فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدَّم قبل باب. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدَّم أيضًا قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ، ثقة [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في«الإيمان»٨٣/ ٤٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (إِلَّا أقعِدَ لَهَا) بالبناء للمفعول. وقوله: (جَمَّاءُ) بفتح الجيم، وتشديد الميم: هي التي لا قرن لها. وقوله: (إِلَّا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ) معنى«تحوّل»أي: صار، وفي رواية أخرى:«إلا مُثِّل له»؛ أي: صُوِّر له، وقيل: نُصِب، وأُقيم، من قولهم: مَثَلَ قَائمًا، من باب قعد: أي: قام منتصبًا، أفاده القرطبيّ -﵀- . [تنبيه]: قوله: (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهَا؟ … إلخ) قال الحافظ العراقيّ -﵀-: الظاهر أن قوله: فقلنا: يا رسول الله وما حقّها؟ قال:«إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله»زيادة ليست متّصلةً، وقد بيّن ذلك أبو الزبير في بعض طرق مسلم -يعني: الحديث الماضي- فذكر الحديث دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال أبوالزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول الله ما حقّ الإبل؟ قال:«حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فَحْلها، ومَنِيحتها، وحَمْل عليها في سبيل الله». قال: فقد تبيّن بهذه الطريق أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من
مصادر المؤلف (١٩)

١. هكذا في النسخة، ولعلّه «لها»، فليُحرّر.

٢. راجع: «لسان العرب» ٧/ ٣٨١.

٣. راجع: «الصحاح» ٣/ ٩٦٥.

٤. «شرح النوويّ» ٧/ ٧١.

٥. «المفهم» ٣/ ٣١.

٦. «المفهم» ٣/ ٣١.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٧.

٨. «المفهم» ٣/ ٣١ - ٣٢.

٩. تقدَّم أن الرواية هنا بفتحتين، وبفتح، فسكون، فالوجهان جائزان، كما أشار إليه القرطبي -﵀- فتنبّه.

١٠. «المفهم» ٣/ ٣٣.

١١. «شرح النوويّ» ٧/ ٧٢.

١٢. «المعجم الوسيط» ١/ ٢٩٥.

١٣. «المصباح» ١/ ١٩٩.

١٤. «المصباح» ٢/ ٤٦٣.

١٥. «المصباح» ٢/ ٥٨٠.

١٦. «شرح النووي» ٧/ ٧١ - ٧٢.

١٧. وفي نسخة: «ولا صاحب مال».

١٨. وفي نسخة:«أنه لا بد له منه».

١٩. «المفهم»٣/ ٣٠، و«المصباح» ٢/ ٥٦٤.