HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٣٨

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. عَنْ أَخِيهِ هَمَّامٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ؛ قَالَ: قال رسول الله ﷺ «لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ. فَوَاللَّهِ! لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أعطيته».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص95
ج ٢ ص ٧١٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن الدارمي, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص٦٠٨
عمر -﵁-؛ لأن الناس كانوا معتنين بالحديث في أيامه؛ لأنه كان يخوّفهم بالله، ويشدّد عليهم في العناية بالحديث. ٢ - (ومنها): بيان فيه فضيلة العلم، والتفقه في الدين، والحثّ عليه؛ لأنه قائد إلى تقوى الله تعالى، والتزام طاعته، كما قال ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ٣ - (ومنها): بيان أنه -ﷺ- خازنٌ لما أوحي إليه من أمر الدين، وكذا لمال الله الذي آتاه له، وإنما المعطي هو الله تعالى، فتفاوت عطاياه للناس إنما كان بأمر الله ﷿، لا من عند نفسه -ﷺ-. ٤ - (ومنها): بيان المال الذي أصابه الإنسان بالعطاء يكون مباركًا إذا كان عن طيب نفس المعطي. ٥ - (ومنها): بيان أن ما حصل للإنسان من المال عن مسألته، وشرهه، فلا يبارك له فيه، بل كان كالذي يأكل ولا يَشْبَع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا وتعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٩٠] (١٠٣٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ هَمَّام، عَنْ مُعَاوِيةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار الْجُمَحيّ، أبو محمد الأثرم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٤ - (وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل بن سيح بن ذي كناز اليمانيّ الصنعانيّ الذِّمَاريّ، أبو عبد الله الأَبْنَاويّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وأبى سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وأنس، وعمرو بن شعيب، وأبي خليفة البصريّ، وأخيه همام بن منبه، وغيرهم. ورَوى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وابنا أخيه عبد الصمد وعقيل ابنا معقل بن منبه، وسبطه إدريس بن سنان، وعمرو بن دينار، وروى هو أيضًا عنه، وسماك بن الفضل، وإسرائيل أبو موسى، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: كان من أبناء فارس، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وكان على قضاء صنعاء، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال عمرو بن عليّ الفلاس: كان ضعيفًا . وقال أحمد بن محمد بن الأزهر: سمعت مسلمة بن هَمّام بن مسلمة بن هَمّام بن مُنَبِّه يذكر عن آبائه، قال: أصل منبه من خراسان، من أهل هَرَاة، أخرجه كسرى من هَرَاة؛ يعني إلى اليمن، فأسلم في عهد النبيّ -ﷺ-، فحسن إسلامه، فسكن ولده باليمن، وكان وهب بن منبه يختلف إلى هراة، ويتفقد أمرها، وجاء من وجهين ضعيفين عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: «سيكون رجلان في أمتي أحدهما يقال له: وهب يؤتيه الله تعالى الحكمة، والآخر يقال له: غيلان هو أضرّ على أمتي من إبليس». قال إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الهرويّ: وُلد سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، وقال ابن سعد وجماعة: مات سنة عشر ومائة، وقيل: مات سنة ثلاث عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة، وقيل: سنة ست عشرة. أخرج له البخاريّ ، والمصنّف وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه في «التفسير». ٥ - (هَمَّامُ) بن منبّه بن كامل، أبو عقبة الصنعانيّ، أخو وهب الراوي عنه، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. و«مُعَاوَيةُ» هو: ابن أبي سفيان -﵁- ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى وهب، فأخرج له ابن ماجه في «التفسير». ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض، ورواية الراوي عن أخيه. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان -﵄- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تُلْحِفُوا) بضم حرف المضارعة، من ألحف رباعيًّا، وذكر السنديّ أنه من ألحف، أو لحّف بالتشديد، ولم أر في كتب اللغة التشديد، فليُنظر. قال في«اللسان»: الإلحاف: شدّة الإلحاح في المسألة، وألحف السائلُ: ألحّ، قال ابن بَرّيّ: ومنه قول بشّار بن بُرْد [من الرجز]: الْحُرُّ يُلْحِي والْعَصَا لِلْعَبْدِ … وَلَيْسَ لِلْمُلْحِفِ مِثْلُ الرَّدِّ ونقل الأزهريّ، عن الزجّاج أن معنى ألحف شَمِلَ بالمسألة، وهو مستغنٍ عنها، قال: واللِّحَاف من هذا اشتقاقه؛ لأنه يَشمَل الإنسان في التغطية، قال: والمعنى في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي ليس منهم سؤالٌ، فيكون إلحاح، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]: عَلَى لَا حِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ المعنى: ليس به منارٌ، فيُهتَدَى به. انتهى بتصرّف ، وسيأتي في الباب التالي معنى الآية المذكورة -إن شاء الله تعالى-. (في الْمَسْأَلَةِ) مصدر بمعنى السؤال؛ أي لا تبالغوا، ولا تُلِحّوا في السؤال. وقال النوويّ ﵀: قوله: «ولا تُلحفوا في المسألة» هكذا هو في بعض الأصول «في المسألة» بـ «في»، وفي بعضها بالباء، وكلاهما صحيح، والإلحاف: الإلحاح. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «لا تلحفوا في المسألة» هكذا صحيح الرواية، ومعناه: لا تُنزلوا بي المسألة الملْحَفَ فيها؛ أي لا تُلحّوا عليّ في السؤال، والإلحاف: الإلحاح، وإنما نهى عن الإلحاح؛ لما يؤدّي إليه من الإبرام، واستثقال السائل، وإخجال المسؤول، حتى إنه إن أخرج شيئًا أخرجه عن غير طيب نفس، بل عن كراهة وتبرّم، وما استُخرج كذلك لم يُبارك فيه؛ لأنه مأخوذ على غير وجهه، ولذلك قال: «فتُخرِج له المسألة شيئًا، وأنا كارهٌ له»، ثم قد كان المنافقون يُكثرون سؤال رسول الله -ﷺ-؛ ليبخّلوه، فكان يُعطي العطايا الكثيرة بحسب ما يُسأل؛ لئلا يتمّ لهم غرضهم من نسبته إلى البخل، كما قال -ﷺ-: «إنهم خيّروني بين أن يسألوني بالفحش، أو يُبَخّلوني، ولست بباخل»، رواه مسلم. انتهى . (فَوَاللهِ لَا يَسْأَلُنِي) أي بالإلحاف (أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) أي من المال (فَتُخْرِجَ) قال القاري ﵀: بالتأنيث، والتذكير ، منصوبًا ومرفوعًا، وبالنسبة مجازيةً سببية في الإخراج. انتهى . (لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ) أي لذلك الشيء؛ يعني لإعطائه، أو لذلك الإخراج الدالّ عليه «تخرج» (كَارِهٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَيُبَارَكَ لَهُ) بالبناء للمفعول، والنصب بـ «أن» مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب النفي، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ وقال الأشرف ﵀: قوله: «فيبارك له» بالنصب بعد الفاء على معنى الجمعية؛ أي لا يجتمع إعطائي أحدًا شيئًا، وأنا كارهٌ في ذلك الإعطاء، ويُباركَ الله في ذلك الذي أعطيته إياه، ونظيره قوله -ﷺ-: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، فيلجَ النار …» الحديث بنصب «يَلِجَ». وقال القرطبيّ ﵀ بعد كلام الأشرف هذا: هذا الحديث نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢] في وجه الإعراب، لا في المعنى؛ لأن المعنى في الآية: الطرد المسبّب عن الحساب منفيّ عنك، فكيف تطردهم؟ فالمنفيّ الفعل المعلّل، وفي الحديث المعلّل هو المنفيّ؛ أي عدمُ السؤال الملحّ المخرج سببُ البركة، فيُفهم منه أن السؤال الملحّ سبب لعدم البركة، قال: ولو رُوي بالرفع لم يفتقر إلى هذا التكلّف، وجعله سببًا ومسبّبًا، بل يكون رفعًا على الاشتراك، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٦]. انتهى . (فِيمَا أَعْطَيْتُهُ») أي في المال الذي أعطاه -ﷺ- له، وهو كاره لعطائه، وفيه تحريم الإلحاح في السؤال؛ لأنه ورد بصيغة النهي، وهي للتحريم ما لم يصرفها صارف، ولا صارف هنا، وأن ما أُخذ عن إلحاح لا بركة فيه. وقال الغزاليّ: من أخذ شيئًا مع العلم بأن باعث المعطي الحياء منه، أو من الحاضرين، ولولا ذلك لما أعطاه، فهو حرام إجماعًا، ويلزمه ردّه، أو رد بدله إليه أو إلى ورثته . وقال النوويّ: اتَّفَقَ العلماءُ على النهي عن السؤال لغير ضرورة، واختَلَف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحهما أنها حرام؛ لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلِحّ في السؤال، ولا يكلف بالمسؤول، فإن فُقِد أحد الشروط فحرام بالاتفاق. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حديث معاوية -﵁- هذا أخرجه من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٩٠ و٢٣٩١] (١٠٣٨)، و(النسائيّ) في «الزكا ة» (٢٥٩٣) و«الكبرى» (٢٣٧٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٢٧٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١٠١)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٦٤٤) (٤/ ٩٨)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٧١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٠٦ - ١٠٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨/ ١٨٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٩/ ٣٤٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم الإلحاف، وهو النهي عنه، والظاهر أنه للتحريم؛ إذ لا صارف له. ٢ - (ومنها): بيان نزع البركة عما أُخِذ بالإلحاف. ٣ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن ما أُخذ بدون إلحاف يبارك الله تعالى فيه، وذلك كأن يسأل لحاجة، بدون إلحاح، أو يُعطَى بغير سؤال، ويوضّح ذلك حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه المتقدّم: «فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه …» الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٩١] (…) - (حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ بِصَنْعَاءَ، فَأَطْعَمَنِي مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوَيةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعدنيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) هذا كلام عمرو بن دينار، والجملة حاليّة من الفاعل، أو المفعول. وقوله: (بِصَنْعَاءَ) قال الفيّوميّ ﵀: صنعاء: بلدة من قواعد اليمن، والأكثر فيها المدّ، والنسبة إليها صَنْعانيّ بالنون، والقياس صنعاويّ بالواو. انتهى . وقوله: (مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ) «الْجَوزة» بفتح الجيم، وسكون الواو: ثمر يؤكلٌ معربُ كَوْزة بالكاف . وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) الضمير لابن أبي عمر. [تنبيه]: رواية ابن أبي عمر، عن سفيان هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في «مستخرجه» (٣/ ١٠٦) من رواية الحميديّ، عن سفيان، فقال: (٢٣١٤) - حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عمرو، سمعت وهب بن منبه، في داره بصنعاء، قال: وأطعمني من جَوْزَه في داره، يحدّث عن أخيه، عن معاوية، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تُلْحِفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا، فتخرجه له مني المسألة، فأعطيه إياه، وأنا كاره، فيبارك له في الذي أعطيته». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٩٢] (١٠٣٧) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَخْطُبُ، يَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي اللهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم قريبًا. و«معاوية بن أبي سفيان» -﵁-، ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. وقوله: (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حالية من المفعول. وقوله: (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) في محلّ نصب مقول «يقول». وقوله: (يَقُولُ) الثاني في محلّ نصب على الحال من رسول الله -ﷺ-. وقوله: (مَنْ) موصولة تضمنت معنى الشرط، فلذلك جُزِم بها «يَرِدْ»، و«يُفَقِّهْه»؛ لأنهما فعل الشرط والجزاء. وقوله: (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) «إنما» من أدوات الحصر، و«أنا» مبتدأ، و«قاسم» خبره. وقوله: «والله» أيضًا مبتدأ، و«يُعط» خبره، والجملة يصحّ أن تكون حالًا. وقوله: «والله يُعطي» فيه تقديم لفظة «الله»؛ لإفادة التقوية عند السكاكيّ، ولا يَحْتَمِل التخصيص؛ أي الله يعطي لا محالةَ، وأما عند الزمخشريّ فيحتمله أيضًا، وحينئذٍ يكون معناه: الله يعطي لا غيره. [فإن قلت]: إذا كانت جملة: «والله يعطي» حاليّةً، فما يكون معنى الحصر حينئذ؟. [أجيب]: بأنّ الحصر بـ «إنما» دائمًا في الجزء الأخير، فيكون معناه: ما أنا بقاسم إلَّا في حال إعطاء الله، لا في حال غيره، وفيه حذف مفعول «يعطي»؛ لأنه جعله كاللازم إعلامًا بأن المقصود منه بيان هذه الحقيقة؛ أي حقيقة الإعطاء، لا بيان المفعول؛ أي الْمُعْطَى، أفاده في «العمدة» ، وتمام شرح الحديث قد سبق في شرح حديث معاوية -﵁- المذكور أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاوية بن أبي سفيان -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٩٢] (١٠٣٧)، و(البخاريّ) في «العلم» (٧١) و«فرض الخمس» (٣١١٩) و«الاعتصام»، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (٢٢١)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١٠١)، و(الدا رميّ) في «سننه» (١/ ٧٣ - ٧٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٢٣٨)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٤٠٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١/ ٢٩١)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٩/ ٧٢٩ و٧٨٢ و٧٨٣ و٧٨٤ و٧٨٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٠٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٣١)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٥)

١. هكذا ذكر في «تهذيب التهذيب» ولم يذكر سبب ضعفه، وهو محلّ نظر، والله تعالى أعلم.

٢. روى له البخاريّ حديثًا واحدًا من روايته عن أخيه، عن أبي هريرة: «ليس أحدٌ أكثر حديثًا مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب».

٣. راجع: «لسان العرب» في مادة لحف.

٤. «شرح النوويّ» ٧/ ١٢٩.

٥. «المفهم» ٣/ ٨٣.

٦. هذا بالنسبة لرواية «مشكاة المصابيح»، وأما بالنسبة لـ«صحيح مسلم» فليس فيه إلا التاء الفوقانيّة، فتنبّه.

٧. «مرقاة المفاتيح» ٤/ ٣٠٢.

٨. متّفقٌ عليه.

٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٥١٢.

١٠. راجع: «المرقاة» ٤/ ٣٠٢.

١١. وفي نسخة: «من جوزة كانت في داره».

١٢. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٨.

١٣. راجع: «المصباح» ١/ ١١٥ و«المعجم الوسيط» ١/ ١٤٧.

١٤. وقع في النسخة: «من جودة» بالدال بدل الزاي، فأصلحته من مسلم وغيره.

١٥. راجع: «عمدة القاري» ٢/ ٥٢.