HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٦٩

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ (وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ) سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ. فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كِخْ كِخْ. ارْمِ بِهَا. أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نأكل الصدقة؟».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص117
ج ٢ ص ٧٥١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٢٩٦
أو الحاجة، وأما هؤلاء فقد جعلوا الحلق شعارهم، ويَحْتَمِل أن يراد به حلق الرأس واللحية، وجميع شعورهم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾. (٤٨) - (بَابُ تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَعَلَى آلِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﷺ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٧٣] (١٠٦٩) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ زِيادٍ، سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»). رجال هذا الإاسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنٌ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م دس) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الْجِهْبِذ الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٠. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ - ﵁ -، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤). شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ) أنه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَقُولُ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) - ﵄ -، وفي رواية معمر، عن محمد بن زياد، أنه سمع أبا هريرة، قال: «كنا عند رسول الله - ﷺ -، وهو يقسم تمرًا من تمر الصدقة، والحسن في حجره»، أخرجه أحمد. و«الحسن» هو: ابن عليّ بن أبي طالب، سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، رَوَى عن جدّه رسول الله - ﷺ -، وأبيه علي، وأخيه حسين، وخالة هند بن أبي هالة. وروى عنه ابنه الحسن، وعائشة أم المؤمنين، وأبو الجوزاء ربيعة بن شيبان، وعبد الله وأبو جعفر ابنا علي بن الحسين، وجبير بن نُفير، وجماعة. قال خليفة وغير واحد: وُلِد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وقال قتادة: وَلَدت فاطمة الحسن لأربع سنين وتسعة أشهر ونصف من الهجرة، وقال إسرائيل عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليّ: لَمّا وُلد الحسن جاء رسول الله - ﷺ -، فقال: «أروني ابني، ما سميتموه؟» قلت: سميته حربًا، قال: «بل هو حسن …» الحديث، وبه عن عليّ قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله - ﷺ - من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك، وقال ابن أبي مليكة: أخبرني عقبة بن الحارث، قال: خرجت مع أبي بكر من صلاة العصر، بعد وفاة النبيّ - ﷺ - بليال، وعلي يمشي إلى جنبه، فَمَرّ بحسن بن علي يلعب مع غلمان، فاحتمله على رقبته، وهو يقول: بأبي شبه النبيّ - ﷺ -، ليس شبيهًا بعلي، قال: وعلي يضحك، وقال ابن الزبير: أشبه الناس برسول الله - ﷺ - الحسن بن عليّ، قد رأيته يأتي النبيّ - ﷺ -، وهو ساجد، فيركب ظهره، فما ينزل حتى يكون هو الذي ينزل، ويأتي وهو راكع، فيفرج له بين رجليه، حتى يخرج من الجانب الآخر، وقال معمر عن الزهريّ، عن أنس، كان الحسن بن عليّ أشبههم وجهًا برسول الله - ﷺ -، وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي جحيفة: رأيت النبيّ - ﷺ -، وكان الحسن بن عليّ يشبهه. وقال معروف بن خَرَّبوذ، عن أبي جعفر: مات الحسن وهو ابن سبع أربعين سنةً، وقال: كذا قال خليفة بن خياط، وجماعة، زادوا: وكانت وفاته في سنة (٤٩) وقيل: مات سنة ٥٠ وقيل: سنة ٥١، وقيل: سنة ٥٦، وقيل: سنة ٥٨، وقيل: سنة ٥٩. روى له البخاريّ، في التعاليق، والأربعة، وليس عند المصنّف إلا ذكر. (تَمْرَةً) منصوب على أنه مفعول «أَخَذَ» (مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) زاد أبو مسلم الكجيّ، من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد: «فلم يَفْطَن له النبيّ - ﷺ - حتى قام، ولعابه يسيل، فضرب النبيّ - ﷺ - شِدْقه»، وفي رواية معمر: «فلما فرغ حمله على عاتقه، فسال لعابه، فرفع رأسه، فإذا تمرة في فيه». (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كِخْ كِخْ) بفتحٍ الكاف، وكسرها، وسكون المعجمة، مُثَقَّلًا، ومُخَفَّفًا، وبكسر الخاء منونةً، وغير منونة، فيخرج من ذلك ست لغات، والثانية توكيد للأولى، وهي كلمةٌ تقال لِرَدْع الصبيّ عند تناوله ما يُستقذَر، قيل: عربيةٌ، وقيل: أعجميةٌ، وزعم الداوديّ أنها مُعَرَّبة، وقد أوردها البخاريّ في»بابُ من تكلم بالفارسية«، والمعنى هنا: اتركه، وارمِ به، كما قال: (ارْمِ بِهَا) أي بالتمرة (أَمَا عَلِمْتَ) وفي رواية البخاريّ:»أما شَعَرت«، قال في»العمدة«: هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم، ونحوه، وإن لم يكن المخاطَب عالِمًا به؛ أي كيف خَفِيَ عليك مع ظهور تحريمه؟ وهذا أبلغ في الزجر عنه بقوله: لا تفعله. [فإن قلت]: رَوَى أحمد من رواية حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد:«فنظر إليه، فإذا هو يلوك تمرةً، فحرك خَدَّه، وقال: ألقها يا بُنَيّ، ألقها يا بُنَيّ»، فما التوفيق بينه وبين قوله:«كخ كخ»؟. [قلت]: هو أنه كلّمه أوّلًا بهذا، فلما تمادى قال:«كخ كخ»إشارةً إلى استقذار ذلك، ويَحْتَمِل العكس بأن يكون كلَّمه أوّلًا بذلك، فلما تمادى نَزَعها من فيه . قال: والحكمة في تحريمها عليهم، أنها مُطَهِّرة للْمُلّاك، ولأموالهم، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فهي كغسالة الأوساخ، وأن آل محمد - ﷺ - منزهون عن أوساخ الناس، وغسالاتهم، وثبت عن النبيّ - ﷺ -:«إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس»، رواه مسلم. وإما أن أخذها مَذَلَّة، ويد الآخذ هي اليد السفلى، ولا يليق بهم الذلّ والافتقار إلى غير الله تعالى، ولهم اليد العليا. وإما لأنها لو أخذوها، لطال لسان الأعداء بأن محمدًا يدعونا إلى ما يدعونا إليه؛ ليأخذ أموالنا، ويعطيها لأهل بيته، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الآية [الأنعام: ٩]، و[الشورى: ٢٣]، ولهذا أمر أن تُصْرَف إلى فقرائهم في بلدهم. انتهى . (أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ») بفتح همزة«أنّا»لسدّها مسدّ معمولي«عَلِمتَ»، وفي الرواية التالية:«إنا لا تحل لنا الصدقة»، وفي رواية معمر:«إن الصدقة لا تحل لآل محمد»، وكذا عند أحمد، والطحاويّ، من حديث الحسن بن عليّ نفسه، قال:«كنت مع النبيّ - ﷺ -، فَمَرَّ على جَرِين من تمر الصدقة، فأخذتُ منه تمرةً، فألقيتها في فيّ، فأخذها بلعابها، فقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة»، وإسناده قويّ، وللطبرانيّ، والطحاويّ من حديث أبي ليلى الأنصاريّ نحوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٢٤٧٣ و٢٤٧٤ و٢٤٧٥، (١٠٦٩)، و(البخاريّ) في«الزكاة»(١٤٨٥ و١٤٩٢) و«الجهاد»(٣٠٧٢)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٦٩٤٠)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(٢٤٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٣/ ٢١٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٢٧٩ و٤٠٦ و٤٠٩ و٤١٠ و٤٤٤ و٤٧٦)، و(الدارميّ) في«سننه»(١/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٥/ ١٩٤)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣٢٩٤)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢/ ١٤٣)، و(ابن رأهويه) في«مسنده»(١/ ١٢٩)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ١٣٥)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٧/ ٢٩)، و(البغويّ) في (شرح السنّة« (١٦٠٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم الصدقة على النبيّ - ﷺ -، وعلى آله. ٢ - (ومنها): دفع الصدقات إلى الإمام، والانتفاع بالمسجد في الأمور العامّة. ٣ - (ومنها): جواز إدخال الأطفال المساجد، وتأديبهم بما ينفعهم، ومنعهم مما يضرّهم، ومن تناول المحرمات، وإن كانوا غير مكلفين؛ ليتدربوا بذلك. ٤ - (ومنها): أن بعضهم استنبط منه منع وليّ الصغيرة إذا اعتَدَّت من الزينة. ٥ - (ومنها): أن فيه الإعلامَ بسبب النهي، ومخاطبة من لا يُمَيِّز لقصد إسماع من يميز؛ لأن الحسن إذ ذاك كان طفلًا، وأما قوله: «أما عَلِمتَ؟»، وفي رواية البخاريّ في «الزكاة»: «أما شَعَرتَ؟»، وفي رواية له في «الجهاد»: «أما تعرف»، فهو شيء يقال عند الأمر الواضح، وإن لم يكن المخاطب بذلك عالِمًا؛ أي كيف خفي عليك هذا مع ظهوره؟ وهو أبلغ في الزجر من قوله: «لا تفعل»، أفاده في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بآل النبيّ - ﷺ - الذين تحرم عليهم الصدقة: قال النوويّ - ﵀ -: مذهب الشافعيّ وموافقيه أن آله - ﷺ - هم بنو هاشم، وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية. وقال أبو حنيفة، ومالك: هم بنو هاشم خاصّة، قال القاضي عياض: وقال بعض العلماء: هم قريش كلُّها، وقال أصبغ المالكيّ: هم بنو قُصَيّ. دليل الشافعيّ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد»، وقسم بينهم سهم ذوى القربى. انتهى . قال: وأما صدقة التطوع: فللشافعيّ فيها ثلاثة أقوال: أصحها أنها تحرم على رسول الله - ﷺ -، وتحل لآله. والثاني: تحرم عليه وعليهم. والثالث: تحلّ له ولهم. وأما موالي بني هاشم، وبني المطلب، فهل تحرم عليهم الزكاة؟ فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما تحرم؛ للحديث الذي ذكره مسلم بعدَ هذا، حديثِ أبي رافع، والثاني: تحلّ، وبالتحريم قال أبو حنيفة، وسائر الكوفيين، وبعض المالكية، وبالإباحة قال مالك، وادَّعَى ابن بطال المالكيّ أن الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم، وأما موالي غيرهم فتباح لهم بالإجماع، وليس كما قال، بل الأصح عند أصحابنا تحريمها على موالي بني هاشم وبني المطلب، ولا فرق بينهما، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: المراد بالآل هنا بنو هاشم وبنو المطلب على الأرجح من أقوال العلماء، قال الشافعيّ: أشركهم النبيّ - ﷺ - في سهم ذوي القربى، ولم يعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عِوَض عُوِّضُوه بدلًا عما حُرِموه من الصدقة، وعن أبي حنيفة، ومالك: بنو هاشم فقط، وعن أحمد في بني المطلب روايتان، وعن المالكية فيما بين هاشم، وغالب بن فهر قولان، فعن أصبغ منهم هم بنو قُصَيّ، وعن غيره بنو غالب بن فهر. وقال الأمير الصنعانيّ - ﵀ -: الأقرب في المراد بالآل ما فسّرهم زيد بن أرقم عند مسلم في «المناقب» في قصّة طويلة بأنهم آل عليّ، وآل العبّاس، وآل جعفر، وآل عَقِيل، قال: ويُزاد آل الحارث بن عبد المطّلب؛ لحديث عبد المطّلب بن ربيعة الذي يأتي بعد هذا، فهذا تفسير الراوي، وهو مقدّم على تفسير غيره، فالرجوع إليه في تفسير آل محمد - ﷺ - هنا هو الظاهر؛ لأن لفظ الآل مشترك، وتفسير راويه دليل على المراد منه، وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطّلب بن عبد مناف، كما يدخلون معهم في قسمة الخمس، كما يفيده حديث جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفّان إلى النبيّ - ﷺ -، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطّلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما بنو المطّلب وبنو هاشم شيء واحد»، أخرجه البخاريّ، قال الأمير: هذا الحديث دليلٌ على أن بني المطّلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي القربى، وتحريم الزكاة أيضًا دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواءً، وعلّله - ﷺ - باستمرارهم على الموالاة، «فإنهم لم يفارقونا في جاهليّة، ولا إسلام»، فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام، وهو دليلٌ واضح، وإليه ذهب الشافعيّ - ﵀ -. وخالفه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، فقالوا: إنه - ﷺ - أعطى بني المطّلب على جهة التفضيل، لا الاستحقاف، وهو خلاف الظاهر، بل قوله: «شيء واحد» دليل على أنهم يشاركونهم في استحقاق الخمس، وتحريم الزكاة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من سوق الأقوال وأدلتها أن ما ذهب إليه الشافعيّ - ﵀ - من أن المراد بالآل الذين تحرم عليهم الزكاة هم بنو هاشم، وبنو المطّلب هو الراجح؛ لقوة حجّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ظاهر قوله - ﷺ -: «لا تحلّ لنا الصدقة» يعمّ صدقة الفرض والتطوّع، وهو الحقّ. قال في «الفتح»: كان يحرم على النبيّ - ﷺ - صدقة الفرض والتطوع، كما نَقَل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع، لكن حَكَى غير واحد عن الشافعيّ في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد، ولفظه في رواية الميمونيّ: لا يحل للنبيّ - ﷺ -، وأهل بيته صدقة الفطر، وزكاة الأموال، والصدقة يصرفها الرجل على محتاج، يريد بها وجه الله، فأما غير ذلك فلا، أليس يقال: كلُّ معروف صدقة؟، قال ابن قدامة: ليس ما نُقِل عنه من ذلك بواضح الدلالة، وإنما أراد أن ما ليس من صدقة الأموال، كالقرض، والهدية، وفعل المعروف، كان غير محرَّم. وقال الماورديّ: يحرم عليه كل ما كان من الأموال متقوَّمًا، وقال غيره: لا تحرم عليه الصدقة العامّة، كمياه الآبار، وكالمساجد. واختُلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه - ﷺ - دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو كلّهم سواء في ذلك؟ . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أنهم في ذلك مثله - ﷺ -؛ لأنه - ﷺ - علّل تحريمها بكونها أوساخ الناس، وظاهر هذا يقتضي دخولهم في التحريم، فتأمله. وقال الإمام ابن خزيمة - ﵀ - في «صحيحه» (٤/ ٦٠ - ٦١): (٧٥) «باب ذكر الدليل على أن الصدقة المحرمة على النبيّ - ﷺ - هي الصدقة المفروضة التي أوجبها الله في أموال الأغنياء لأهل سهمان الصدقة، دون صدقة التطوع، والدليل على أن النبيّ - ﷺ - إنما قال:»إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة«أي الصدقة التي هاج هذا الجوابَ، ومن أجلها قال النبيّ - ﷺ - هذه المقالة. (٢٣٥٠) - قال أبو بكر في خبر أبي رافع: بعث النبيّ - ﷺ - رجلًا من مخزوم على الصدقة، قال: اصحبني، قال النبيّ - ﷺ -: إنما بعثت المخزوميّ على أخذ الصدقة الفريضة، فقول النبيّ - ﷺ - لأبي رافع:«إنا لا تحل لنا الصدقة» كان جوابًا على الصدقة التي كان الجواب من أجلها. (٢٣٥١) - وفي خبر الحسن بن عليّ: أخذت تمرة من تمر الصدقة، إنما كان ذلك التمر من العشر، أو من نصف العشر الصدقة التي يجب في التمر. (٢٣٥٢) - وفي خبر عبد المطلب بن ربيعة، ومصيره مع الفضل بن عباس إلى النبيّ - ﷺ -، ومسألتهما إياه استعمالهما على الصدقة، وإعلام النبيّ - ﷺ - إياهما أن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، ولا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، وإنما كانت مسألتهما استعمالهما على الصدقات المفروضات، فقوله - ﷺ - في إجابته إياهما: «إن هذه الصدقة - أي التي سألتهماني أستعملكما عليها -إنما هي أوساخ الناس، ولا تحل لمحمد، ولا لآل محمد». (٧٦) «باب ذكر الدلائل الأخرى على أن النبيّ - ﷺ - إنما أراد بقوله:»إن الصدقة لا تحل لآل محمد«صدقة الفريضة دون صدقة التطوع». (٢٣٥٣) - قال أبو بكر: في خبر عروة، عن عائشة، أن النبيّ - ﷺ - قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال»، فالنبيّ - ﷺ - قد خبّر أن لآله أن يأكلوا من صدقته؛ إذ كانت صدقته ليست من الصدقة المفروضة. وفي خبر حُذيفة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن يزيد الخطميّ - ﵃ - عن النبيّ - ﷺ -: «كل معروف صدقة»، فلو كان المصطفى - ﷺ - أراد بقوله: «إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة» تطوعًا وفريضةً، لم تحل أن تصطنع إلى أحد من آل محمد النبيّ - ﷺ - معروفًا؛ إذ المعروف كله صدقة بحكم النبيّ - ﷺ -، ولو كان كما توهّم بعض الجهال، لَمَا حَلّ لأحد أن يُفرخ من إنائه في إناء أحد، من آل النبيّ - ﷺ - ماء؛ إذ النبيّ - ﷺ - قد أعلم أن إفراغ المرء من دلوه في إناء المستسقي صدقةٌ، ولَمَا حَلّ لأحد من آل النبيّ - ﷺ - أن ينفق على أحد من عياله إذا كانوا من آله؛ لأن النبيّ - ﷺ - قد خبّر أن نفقة المرء على عياله صدقة. (٢٣٥٤) - حدّثنا الحسين بن الحسن، أخبرنا المقفيّ عبد الوهاب، حدّثنا أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميريّ، قال: حدّثني ثلاثة من بني سعد بن أبي وقاص، كلهم يحدّثه عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - دخل على سعد، يعوده بمكة، قال: فبكى سعد، فقال النبيّ - ﷺ -: «ما يبكيك؟» قال: خشيت أن أموت بأرضي التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خَوْلة، فقال النبيّ - ﷺ -: «اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا»، فقال: يا رسول الله إن لي مالًا كثيرًا، وإنما ترثني بنت، أفأوصي بمالي كلِّه؟ قال: «لا» قال: فالثلثين؟ قال: «لا»، قال: فالنصف؟ قال: «لا»، قال: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك لك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من طعامك لك صدقة، وإنك إن تَدَع أهلك بخير، أو قال بعيش، خيرٌ لك من أن تَدَعهم عالةً، يتكففون»، وقال بيده. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الإمام ابن خزيمة - ﵀ - بما ساقه من الأدلّة، وأفاد، وحاصله أن الصدقة المحرّمة على آل النبيّ - ﷺ - وعلى آله هي صدقة الفريضة، دون التطوّع؛ للأدلة المذكورة، فتبصّر، با لإنصاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): هل يَلتحق بالنبيّ - ﷺ - آله في تحريم الصدقة مطلقًا أم لا؟: قال ابن قُدامة - ﵀ -: لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم أنه لا تحل لهم الصدقة المفروضة، كذا قال، وقد نقل الطبريّ الجواز أيضًا عن أبي حنيفة، وقيل عنه: يجوز لهم إذا حُرِمُوا سهم ذوي القربى، حكاه الطحاويّ، ونقله بعض المالكية عن الأبهريّ منهم، وهو وجه لبعض الشافعية، وعن أبي يوسف: يَحل من بعضهم لبعض، لا من غيرهم، وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، عكسه، وأدلة المنع ظاهرةٌ من حديث الباب، ومن غيره، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الآية [الفرقان: ٥٧]، ولو أحلّها لآله لأوشك أن يَطعنوا فيه، ولقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]. وثبت عن النبيّ - ﷺ -: «إنما هذه الصدقة أوساخ الناس»، كما رواه مسلم، ويؤخذ من هذا جواز التطوع دون الفرض، وهو قول أكثر الحنفية، والمصحح عند الشافعية، والحنابلة. وأما عكسه، فقالوا: إن الواجب حقّ لازمٌ، لا يَلحق بأخذه ذِلَّةٌ، بخلاف التطوع. ووجه التفرقة بين بني هاشم وغيرهم، أن موجب المنع رفع يد الأدنى على الأعلى، فأما الأعلى على مثله فلا. قال الحافظ - ﵀ -: ولم أر لمن أجاز مطلقًا دليلًا، إلا ما تقدم عن أبي حنيفة - ﵀ -. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في المسألة السابقة ترجيح القول بأن صدقة التطوّع لا تحرم على النبيّ - ﷺ -، ولا على آله، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٧٤] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميمي النيسابوري، ثقة ثبت إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (وَكِيعُ) بن الجًرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. وشُعْبَةُ«ذُكر قبله. وقوله: (وَقَالَ:«إِنَّا لَا تَحِلُّ … إلخ) فاعل »قال« ضمير وكيع. [تنبيه]: رواية وكيع، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» (٢/ ٤٧٦) فقال: (١٠١٧٦) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا وَكِيعٌ، ثنا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدِ بن زِيَادٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، أن النبيّ - ﷺ - رَأَى الْحَسَنَ بن عليّ، أَخَذَ تَمْرَةً من تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَلَاكَهَا في فيه، فقال له النبيّ - ﷺ -: «كِخْ كِخْ - ثَلَاثًا- إنا لَا تَحِلُّ لنا الصَّدَقَةُ». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٧٥] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: «أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيًّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. و«شعبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: أما رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، فقد ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ -، في «صحيحه» (٣/ ١١١٨) فقال: (٢٩٠٧) - حدّثنا محمد بن بَشَّارٍ، حدّثنا غُنْدَرٌ، حدّثنا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدِ بن زَيادٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ الْحَسَنَ بن عَلِيٍّ، أَخَذَ تَمْرَةً من تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا في فيه فقال النبيّ - ﷺ - بِالْفَارِسِيَّةِ: «كِخْ كِخْ، أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». انتهى. وأما رواية ابن أبي عديّ، عن شعبة، فلم أر من ساقها، فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٩)

١. «عمدة القاري» ٢٥/ ٢٠١.

٢. وقد ترجم النووي - ﵀ - بقوله: «بَاب تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَعَلَى آلِهِ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِب، دُونَ غَيْرِهِمْ»، فقوله: «وهم بنو هاشم إلخ» هذا زاده مما فهمه من مذهبه، وليسَ في حديث الباب تفسير آله - ﷺ - بهذا، وإن كان هو الصحيح من أقوال العلماء، كما سيأتي، إلا أنه لا ينبغي أن يُترجم به؛ لأن الترجمة لا بدّ أن تكون بما يطابق ظواهر الأحاديث التي يوردها المصنّف في الباب، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٣. «عمدة القاري»٩/ ٨٦، و«الفتح»٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧.

٤. «عمدة القاري»٩/ ٨٦.

٥. «الفتح» ٤/ ٣٤٧ كتاب «الزكاة» رقم (١٤٩١).

٦. «شرح النوويّ» ٧/ ١٧٦.

٧. «شرح النوويّ» ٧/ ١٧٦.

٨. «الفتح»٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦ كتاب«الزكاة»رقم (١٤٩١).

٩. «الفتح» ٤/ ٣٤٦.