HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٩٦

وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ. فَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ. إِذْ بَصُرْتُ بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا. فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ. فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي وَأَخَذْتُ رُمْحِي. ثُمَّ رَكِبْتُ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي. فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ! لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. فَنَزَلْتُ فَتَنَاوَلْتُهُ. ثُمَّ رَكِبْتُ. فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ. فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي فَعَقَرْتُهُ. فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَأْكُلُوهُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَنَا. فَحَرَّكْتُ فَرَسِي فَأَدْرَكْتُهُ. فَقَالَ «هُوَ حَلَالٌ. فكلوه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص14
ج ٢ ص ٨٥١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٢٥٨
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٨٥٠] (١١٩٥)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٥٠)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٨٤)، وفي «الكبرى» (٣٨٠٣ و٣٨٠٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤/ ٤٢٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٦٧ و٣٦٩ و٣٧١ و٣٧٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦٣٩)، و(الطبرانيّ) في «المعجم الكبير» (٥/ ١٦٤) و(٢٦٤٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٨٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٩٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥١] (١١٩٦) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ، فَمِنَّا الْمُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ، إِذْ بَصُرْتُ بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشِ، فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ، فَقَالُوا: وَاللهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَنَزَلْتُ، فَتَنَاوَلْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي، فَعَقَرْتُهُ، فَأَتيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَمَامَنَا، فَحَرَّكْتُ فَرَسِي، فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: «هُوَ حَلَالٌ، فَكُلُوهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٥ - (أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ) نافع بن عبّاس - بموحّدة، ومهملة، أو تحتانيّة، ومعجمة - الأقرع المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٧/ ٣٩٩. ٦ - (أَبُو قَتَادَةَ) الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في «الطهارة» ١٨/ ٦١٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه إسنادان فصل بينهما بكتابة (ح). ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن أبي عمر، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من صالح، وهو أيضًا مسلسلٌ بالتحديث والسماع. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن أبا محمد قيل له: مولى أبي قتادة؛ للزومه إياه، وإلا فهو مولى عقيلة بنت طلق الغفاريّة، وليس له في الكتب الستّة إلا هذا الحديث. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، وهو فارس رسول الله - ﷺ -، شهد أُحدًا، وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرًا. شرح الحديث: (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ) وفي رواية لأحمد من طريق سعد بن إبراهيم: «سمعت رجلًا، كان يقال له: مولى أبي قتادة، ولم يكن مولى»؛ أي: لأبي قتادة، وفي رواية ابن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي سلمة، أن نافعًا مولى بني غفار. قال الحافظ: فتحصّل من ذلك أنه لم يكن مولى لأبي قتادة حقيقةً، وقد صرّح بذلك ابن حبان، فقال: هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، وكان يقال له: مولى أبي قتادة، نُسب إليه، ولم يكن مولاه. فيَحْتَمِل أنه نُسب إليه لكونه كان زوج مولاته، أو للزومه إياه، أو نحو ذلك، كما وقع لمقسم مولى ابن عباس، والله أعلم. انتهى . (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) - ﵁ - (يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة الآتية أن ذلك كان عام الحديبية، وروى الواقديّ أن ذلك كان في عمرة القضية، والأول أصحّ. وفي الرواية الآتية من طريق عثمان بن موهَب، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: «خرج رسول الله - ﷺ - حاجًّا، وخرجنا معه. . .». فقال الإسماعيليّ: هذا غلط، فإن القصّة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير، وكان كلهم على الجادّة، لا على ساحل البحر، ولعل الراوي أراد: خرج محرمًا، فعبّر عن الإحرام بالحج غلطًا. قال الحافظ: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضًا فالحجّ في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج، قاصدًا للبيت، ولهذا يقال للعمرة: الحجّ الأصغر، قال: ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدّميّ عن أبي عوانة، بلفظ: «خرج حاجًا أو معتمرًا»، أخرجه البيهقيّ، فتبيّن بهذا أن الشك فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد. انتهى . [تنبيه]: حاصل قصّة أبي قتادة - ﵁ - هذه أن النبيّ - ﷺ - لما خرج في عمرة الحديبية، فبلغ الرَّوْحاء - وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلًا - أخبروه بأن عدوًّا من المشركين بوادي غَيقة ، يُخشى منهم أن يقصدوا غرّته، فجهّز طائفة من أصحابه، فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرّهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة، وأصحابه بالنبيّ - ﷺ -، فأحرموا، إلا هو، فاستمرّ هو حلالًا؛ لأنه إما لم يجاوز الميقات، وإما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره الأثرم، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجّبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات، وهو غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه. قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد، فيها: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ -، فأحرمنا، فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النبيّ - ﷺ - بعثه في وجه. . .» الحديث، قال: فإذًا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة. قال الحافظ: وهذه الرواية التي أشار إليها تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبيّ - ﷺ - من المدينة، وليس كذلك - أي: لأن عامّة الروايات من حديث أبي قتادة على أن أبا قتادة خرج مع النبيّ - ﷺ - من المدينة، وأن بعثه أبا قتادة ومن معه كان من الرَّوْحاء -. ثم وجدت في «صحيح ابن حبّان»، والبزّار من طريق عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد، قال: «بعث رسول الله - ﷺ - أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، وهم محرمون، حتى نزلوا بعسفان». فهذا سبب آخر، ويَحْتَمِل جمعهما. والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخّر الإحرام لأنه لم يتحقّق أنه يدخل مكة، فساغ له التأخير. وقد استدلّ بقصّة أبي قتادة على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجًّا، ولا عمرة. وقيل: كانت هذه القصّة قبل أن يوقّت النبيّ - ﷺ - المواقيت. وأما قول عياض، ومن تبعه: إن أبا قتادة لم يكن خرج مع النبيّ - ﷺ - من المدينة، وإنما بعثه أهل المدينة إلى النبيّ - ﷺ - يعلمونه أن بعض العرب قصدوا الإغارة على المدينة، فهو ضعيف مخالف لما ثبت في هذه الطريق الصحيحة طريق عثمان بن موهب الآتية. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . وقال الشيخ محمد عابد السنديّ في «المواهب اللطيفة»: الحاصل أن أبا قتادة - ﵁ - خرج مع النبيّ - ﷺ - من المدينة، وقد كان رسول الله - ﷺ- أمره بأخذ الصدقات، وكانت طريقهم متّحدةً، فأحرموا كلّهم غيره بناءً على أنه لم يقصد إذ ذاك مكة، ثم سار مع النبيّ - ﷺ - بناءً على اتّحاد الطريق حتى بلغوا الرَّوْحاءَ، فأُخبروا بالعدوّ، فوجّهه - ﷺ - مع أصحاب له محرمين، فلمّا أَمِنُوا رجع على حالته التي كان عليها، فساغ له التأخير لذلك. انتهى كلام السنديّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أحسن الأجوبة في ترك أبي قتادة الإحرام أنه كان قبل تحديد المواقيت؛ لأن القصّة كانت عام الحديبية، وتحديد المواقيت كان عام حجة الوداع، كما بيانه في موضعه، فلا استشكال، ولا حاجة إلى هذه الأجوبة المتكلّفة، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ) قال النوويّ - ﵀ -: «القاحة» - بالقاف، وبالحاء المهملة المخففة - هذا هو الصواب المعروف في جميع الكتب، والذي قاله العلماء من كل طائفة، قال القاضي: كذا قَيَّدها الناس كلُّهم، قال: ورواه بعضهم عن البخاريّ بالفاء، وهو وَهْمٌ، والصواب القاف، وهو وادٍ على نحو ميل من السُّقْيَا، وعلى ثلاث مراحل من المدينة. انتهى . وقال في «الفتح»: «القاحة» - بالقاف، والمهملة -: وادٍ على نحو ميل من السُّقْيَا إلى جهة المدينة، ويقال لواديها: وادي العباديد، وقد بيّن البخاريّ أنها من المدينة على ثلاث؛ أي: ثلاث مراحل، قال القاضي عياض: رواه الناس بالقاف، إلا القابسيّ، فضبطوه عنه بالفاء، وهو تصحيف. قال الحافظ - ﵀ -: ووقع عند الْجَوْزقيّ من طريق عبد الرحمن بن بشر، عن سفيان: «بالصِّفَاح» بدل «القاحة»، و«الصِّفَاح» بكسر المهملة، بعدها فاء، وآخره مهملة، وهو تصحيف، فإن الصِّفاح موضع بالرَّوْحاء، وبين الروحاء، وبين السُّقْيا مسافة طويلة، وسيأتي أن الرَّوْحاء هو المكان الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر، ثم التقوا بالقاحة، وبها وقع له الصيد المذكور، وكأنه تأخر هو ورُفْقته للراحة، أو غيرها، وتقدمهم النبيّ - ﷺ - إلى السُّقْيا حتى لحقوه. انتهى . (فَمِنَّا الْمُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ) أي: فبعضنا محرم بالعمرة، وبعضنا غير محرم. [فإن قلت]: كيف كان أبو قتادة وغيره منهم غير محرمين، وقد جاوزوا ميقات المدينة، وقد تقرر أن من أراد حجًّا أو عمرةً لا يجوز له مجاوزة الميقات غير محرم؟ [أجيب]: بأجوبة: (أحدها): أن المواقيت لم تكن وُقِّتت بعدُ. (وثانيها): لكون النبيّ - ﷺ - بَعَث أبا قتادة ورفقته لكشف عدوّ لهم بجهة الساحل، كما ذكره مسلم في الرواية الآتية. (وثالثها): أنه لم يكن خرج مع النبيّ - ﷺ - من المدينة، بل بعثه أهل المدينة بعد ذلك إلى النبيّ - ﷺ -؛ ليُعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة على المدينة. وقيل: إنه خرج معهم، ولكنه لم ينو حجًّا ولا عمرةً، قال القاضي عياض: وهذا بعيدٌ، والله أعلم. انتهى . (إِذْ بَصُرْتُ بِأَصْحَابِي) بضمّ الصاد المهملة، وتُكسر، قال الفيّوميّ - ﵀ -: بَصِرتُ بالشيء بالضمّ، والكسر لغةٌ بَصَرًا بفتحتين: علمتُ، فأنا بصير به، يتعدّى بالباء في اللغة الفُصحى، وقد يتعدّى بنفسه، وهو ذو بَصَرٍ، وبَصِيرة؛ أي: علمٍ وخِبْرة، ويتعدّى بالتضعيف إلى ثانٍ، فيقال: بصّرته به تبصيرًا. انتهى. (يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا) أي: ينظرون، ويرون شيئًا، ومنه حديث: «إن أهل الجنّة ليتراءون أهل عليّين، كما ترون الكوكب الدرّي في أفق السماء»، أو المراد: يتكلّفون النظر إليه، ومنه حديث: «تراءين الهلال»؛ أي: تكلّفنا النظر إليه، هل نراه أو لا؟ وقال ابن الأثير - ﵀ -: والترائي: تفاعُلٌ من الرؤية، يقال: تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضًا، وتراءى لي الشيءُ؛ أي: ظهر حتى رأيته. انتهى . وفي الرواية الآتية من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله أبي قتادة، عن أبيه: «قال: فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض. . .». وفي رواية للبخاريّ في «الصيد»: «فينا أنا على ذلك إذ رأيت الناس متشوّفين لشيء، فذهبت أنظر، فإذا هو حمار وحش، فقلت لهم: ما هذا؟ قالوا: لا ندري، قلت: هو حمارٌ وحشيٌّ، فقالوا: هو ما رأيت. . .». وفي رواية أبي حازم عند البخاريّ في «الهبة»: «فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبّوا لو أني أبصرته، فالتفتّ، فأبصرته. . .». (فَنَظَرْتُ) أي: إلى ذلك الشيء الذي يتراءونه (فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ) «إذا» هي الفُجائيّة؛ أي: ففجأني وجود حمار وحش، وهو نوع من الصيد على صفة الحمار الأهليّ، وبينهما بعض الميزات، وجمعه حُمَرٌ بضمّتين، ونُسب إلى الوحش؛ لتوحّشه، وعدم استئناسه. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «فإذا حمار وحش» وكذا ذُكِر في أكثر الروايات: «حمار وحش»، وفي رواية أبي كامل الجحدريّ: «إذ رأوا حُمُرَ وحشٍ، فحَمَل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانًا، فأكلوا من لحمها»، فهذه الرواية تُبَيِّن أن الحمار في أكثر الروايات المراد به أنثى، وهي الأتان، وسميت حمارًا مجازًا. انتهى . (فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي) أي: شَدَدْتُ عليها السرج، وهو رَحْلها، وجمعه سُرُوجٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس. وفي رواية للبخاريّ: «فركب فرسًا له، يقال له الجرادة، قال الحافظ: هو بفتح الجيم، وتخفيف الراء، والجراد اسم جنس، ووقع في السيرة لابن هشام أن اسم فرس أبي قتادة: الحزوة؛ أي: بفتح المهملة، وسكون الزاي، بعدها واو، فإما أن يكون له اسمان، وإما أن أحدهما تصحيف، والذي في»الصحيح« هو المعتمد. انتهى. (وَأَخَذْتُ رُمْحِي) بضمّ، فسكون: قَنَاةٌ في رأسها سِنَانٌ، يُطْعَنُ بها، جمعها رِمَاحٌ، وأَرْماحٌ . (ثُمَّ رَكِبْتُ، فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي) بفتح، فسكون: هو ما يُضْرَب به من جلد، سواء كان مضفورًا، أو لا . (فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ) أي: أعطونيه (فَقَالُوا: وَاللهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ) أي: على قتل هذا الحمار الوحشيّ (بِشَيْءٍ) لأن صيده محرّم علينا؛ للإحرام (فَنَزَلْتُ) أي: الفرس (فَتَنَاوَلْتُهُ) أي: أخذت السوط. وفي رواية أبي حازم المذكورة: «فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبّوا لو أني أبصرته، فالتفتّ، فأبصرته، فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبتُ، ونسيتُ السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نُعينك عليه بشيء، فغضِبتُ، فنزلت، فأخذته». (ثُمَّ رَكِبْتُ، فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ) بفتحات: تَلٌّ، وقيل: شُرْفةٌ كالرابية، وهو ما اجتَمَع من الحجارة في مكان واحد، وربّما غَلُظ، وربما لم يَغلُظ، والجمع أَكَمٌ، وأَكَمات، مثلُ قَصَبة وقَصَبٍ وقَصَبَات، وجمع الأَكَمِ إِكَامٌ، مثلُ جَبَل وجِبال، وجمع الإِكَام أُكُمٌ بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، وجمع الأُكُم آكامٌ، مثلُ عُنُق وأَعناق، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي، فَعَقَرْتُهُ) أي: قتلته، وأصل العقر الْجَرح، وفي رواية: «فشددت على الحمار، فعقرته، ثم جئت به، وقد مات»، وفي أخرى: «حتى عقرته، فأتيت إليهم، فقلت لهم: قوموا، فاحتَمِلُوه، فقالوا: لا نمسّه، فحملته حتى جئتهم به». (فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوهُ) وفي رواية: «فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَبَى بَعْضُهُمْ»، وفي رواية: «فأكلنا من لحمه»، وفي رواية: «فَأكلوا، فندموا». وفي رواية: «فوقعوا يأكلون منه، ثم إنهم شكّوا في أكلهم إياه، وهم حُرُم، فرُحْنا، وخبأت العضد معي»، وفي رواية: «فجعلوا يَشْوُون منه»، وفي رواية عند سعيد بن منصور: «فظللنا نأكل منه ما شئنا، طبيخًا، وشواء، ثم تزوّدنا منه». (وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَمَامَنَا) أي: تقدّمهم، حيث تأخروا عنه (فَحَرَّكْتُ فَرَسِي، فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: «هُوَ حَلَالٌ، فَكُلُوهُ») أي: بعد أن سألوه، ففي الرواية التالية: «فأدركوا رسول الله - ﷺ -، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله»، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه الآتية: «فقلت: يا رسول الله، إني أصبت حمار وحش، وعندي منه، فقال للقوم: كلوا، وهم محرمون»، وفي رواية: «فلما أتوا رسول الله - ﷺ - قال: هل منكم أحد أمره أن يَحْمِل عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها»، وفي رواية للبخاريّ: «فرُحنا، وخبأت العضد معي». وفيه: «معكم منه شيء؟ فناولته العضد، فأكلها حتى تعرّقها»، وفي رواية: «قال: معنا رجله، فأخذها، فأكلها»، وفي رواية: «قد رفعنا لك الذراع، فأكل منها». [تنبيه]: روى الإمام أحمد، وابن ماجه، وعبد الرزّاق في «مصنّفه»، والدارقطنيّ، وإسحاق ابن راهويه، وابن خزيمة، والبيهقيّ من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية، فأحرم أصحابي، ولم أحرم أنا، فرأيت حمار وحش، فحملت عليه، فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله - ﷺ -، وقلت له: إنما اصطدته له، فأمر النبيّ - ﷺ - أصحابه، فأكلوه، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له. قال ابن خزيمة، وأبو بكر النيسابوريّ، والدارقطنيّ، والجوزقيّ: تفرّد بهذه الزيادة معمر. قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظةً احتَمَلَ أن يكون - ﷺ - أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يُعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه امتنع. انتهى. قال الحافظ: وفيه نظرٌ؛ لأنه لو كان حرامًا ما أقرّ النبيّ - ﷺ - على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك لبيان الجواز، فإن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يَعْلَم أنه صِيد من أجله، وأما إذا أُتِيَ بلحم لا يدري ألحم صَيدٍ أو لا، فحَمَله على أصل الإباحة، فأكل منه لم يكن ذلك حرامًا على الآكل. قال: وعندي بعد ذلك فيه وقفة، فان الروايات المتقدمة ظاهرة في أن الذي تأخر هو العضد، وأنه - ﷺ - أكلها حتى تعرَّقها؛ أي: لم يبق منها إلا العظم، ووقع عند البخاريّ في «الهبة»: «حتى نَفّدَها» أي: فرّغها، فأيُّ شيء يبقى منها حينئذ، حتى يأمر أصحابه بأكله؟ لكن رواية أبي محمد الآتية في «الصيد»: «أبقي معكم شيء منه؟ قلت: نعم، قال: كلوا، فهو طُعْمةٌ أطعمكموها الله»، فأشعر بأنه بقي منها غير العضد، والله أعلم. انتهى . قال صاحب «المرعاة»: معمر ثقةٌ لا يضرّ تفرّده، وقد تقدّم وجه الجمع بين الروايتين في كلام ابن خزيمة، ويشهد للزيادة المذكورة في رواية معمر حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: «لحم الصيد لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يُصَد لكم»، وهو حديث صحيح رواه أحمد، وأصحاب «السنن». انتهى، وهو بحث مفيدٌ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٨٥١ و٢٨٥٢ و٢٨٥٣ و٢٨٥٤ و٢٨٥٥ و٢٨٥٦ و٢٨٥٧ و٢٨٥٨ و٢٨٥٩] (١١٩٦)، و(البخاريّ) في «الحج» (١٨٢١ و١٨٢٢ و١٨٢٣ و١٨٢٤)، و«الهبة» (٢٥٧٠)، و«الجهاد والسير» (٢٨٥٤ و٢٩١٤)، و«المغازي» (٤١٤٩)، و«الأطعمة» (٥٤٠٦ و٥٤٠٧)، و«الذبائح والصيد» (٥٤٩١ و٥٤٩٢)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٥٢)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٢٨١٦ و٢٨٢٤ و٢٨٢٥ و٢٨٢٦)، و«الصيد والذبائح» (٤٣٤٥ و٤٨٥٧)، وفي «الكبرى» (٣٧٩٨ و٣٨٠٧ و٣٨٠٩)، و«الصيد والذبائح» (٤٨٥٧)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣٠٩٣)، (ومالك) في «الموطأ» في «الحج» (٧٨٦ و٧٨٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ٢٠٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٩٦ و٣٠١ و٣٠٦ و٣٠٨)، و(الدارمي) في «سننه» (١٨٢٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٠٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٨٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٠٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٨٧)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٢/ ٨٣٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢/ ٢١١ و٢٢٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٧٨ و١٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان ما يجوز أكله للمحرم من الصيد، وهو الذي صاده الحلال، دون أن يساعده المحرم عليه بشيء، وهذا يقوّي من حمل الصيد في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ الآية [المائدة: ٩٦] على الاصطياد. ٢ - (ومنها): أن فيه تفريق الإمام أصحابه للمصلحة، واستعمال الطليعة في الغزو. ٣ - (ومنها): أن تمني المحرِم أن يقع من الحلال الصيدُ؛ ليأكل منه لا يقدح في إحرامه، فقد قال أبو قتادة: «وأحبّوا لو أني أبصرته». ٤ - (ومنها): جواز الاجتهاد في زمن النبيّ - ﷺ -، قال ابن العربيّ - ﵀ -: هو اجتهاد بالقرب من النبيّ - ﷺ -، لا في حضرته. ٥ - (ومنها): العمل بما أدّى إليه الاجتهاد، ولو تضادّ المجتهدان، ولا يُعاب واحد منهما على ذلك؛ لقوله: «فلم يَعِب ذلك علينا»، وكأن الآكل متمَسِّك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ. ٦ - (ومنها): الرجوع إلى النصّ عند تعارض الأدلّة، حيث إنهم لَمّا اختلفوا في أكله سألوا النبيّ - ﷺ -. ٧ - (ومنها): جواز ركض الفرس في الاصطياد. ٨ - (ومنها): جواز التصيّد في الأماكن الوَعْرة، والاستعانة بالفارس. ٩ - (ومنها): تسمية الفرس، حيث إن فيه: «فركب فرسًا، يقال له: الجرادة»، وألحق البخاريّ به الحمار، فترجم له في «الجهاد»، وقال ابن العربيّ: قالوا: تجوز التسمية لما لا يَعْقِل، وإن كان لا يتفطن له، ولا يُجيب إذا نودي، مع أن بعض الحيوانات ربما أدمن على ذلك بحيث يصير يميّز اسمه إذا دعي به. ١٠ - (ومنها): حمل الزاد في السفر. ١١ - (ومنها): إمساك نصيب الرفيق الغائب. ١٢ - (ومنها): تبليغ السلام عن قرب، وعن بعد، وليس فيه دلالة على جواز ترك ردّ السلام ممن بلغه؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون وقع، وليس في الخبر ما ينفيه. ١٣ - (ومنها): أن ذكاة الصيد عَقْره. ١٤ - (ومنها): مشروعية الاستيهاب من الأصدقاء، وقبول الهدية من الصَّدِيق، وقال القاضي عياض - ﵀ -: عندي أن النبيّ - ﷺ - طلب من أبي قتادة ذلك؛ تطييبًا لقلب من أكل منه؛ بيانًا للجواز بالقول والفعل؛ لإزالة الشبهة التي حصلت لهم. ١٥ - (ومنها): الرفق بالأصحاب، والرفقاء في السير. ١٦ - (ومنها): استعمال الكناية في الفعل كما تُسْتَعمل في القول؛ لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة؛ لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحلّ. ١٧ - (ومنها): جواز سوق الفرس للحاجة، والرفق به مع ذلك؛ لقوله: «وأسير شأوًا». ١٨ - (ومنها): مشروعيّة نزول المسافر وقت القائلة. ١٩ - (ومنها): ذكر الْحُكْم مع الحكمة، حيث قال - ﷺ -: «إنما هي طُعْمة أطعمكموها الله». وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٨٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ -: أنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ، تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ، فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ، أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥١. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ -: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وكان ذلك في عام الحديبية. وقوله: (فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ) أي: ركبه، واستقرّ على ظهره. وقوله: (فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ) أي: وقد نسيه، كما في رواية، أو سقط منه، كما في أخرى، ويُجْمَع بينهما بأن أريد بالسقوط النسيان، أو العكس تجوّزًا، قاله السنديّ - ﵀ -. وقوله: (فَأَبَوْا عَلَيْهِ) أي: امتنعوا عليه من مناولته له؛ لكونهم محرمين، ففي رواية أبي عوانة: «فإذا حمار وحشٍ، فركبت فرسي، وأخذت الرمح، والسوط، فسقط منّي السوط، فقلت: ناولوني، فقالوا: ليس نعينك عليه بشيء، إنا محرمون». وفي رواية للبخاريّ: «فحملت عليه»، وفي رواية: «فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله، لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، ثم ركبت». وفي رواية: «فركب فرسًا يقال له: الجرادة، فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا، فتناوله»، وفي رواية: «وكنت نسيت سوطي، فقلت لهم: ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه، فنزلت، فأخذته»، وعند ابن أبي شيبة: «فاختلس من بعضهم سوطًا». قال الحافظ: والرواية الأولى أقوى، ويمكن الجمع بينهما بأنه رأى في سوط نفسه تقصيرًا، فأخذ سوط غيره، واحتاج إلى اختلاسه؛ لأنه لو طلبه منه اختيارًا لامتنع. انتهى. وفيه دلالة على أنهم كانوا قد علموا أنه يحرم على المحرم الإعانة على قتل الصيد. وقوله: (ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ) أي: حمل عليه. وقوله: (فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَبَى بَعْضُهُمْ) في رواية: «فأتيت به أصحابي، فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا تأكلوا»، قال الحافظ: قد تقدّم من عدّة أوجه أنهم أكلوا، والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم، ثم طرأ عليهم الشكّ، كما في لفظ عثمان بن موهب، عن عبد الله بن أبي قتادة عند البخاريّ: «فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل من لحم صيد، ونحن محرمون؟»، وأصرح من ذلك رواية أبي حازم عند البخاريّ في «الهبة» بلفظ: «ثم جئتُ به، فوقعوا فيه يأكلون، ثم إنهم شكُّوا في أكلهم إياه، وهم حُرُم». وقوله: (إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ) بضمّ الطاء؛ أي: طعام. وقوله: (أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ) أي: رزقكم الله إياها، والمقصود بنسبة الطعام إلى الله تعالى قطع التسبب عنهم؛ أي: فلا إثم عليكم، وإلا فكلّ الطعام مما يُطعم الله تعالى عباده، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ - فِي حِمَارِ الْوَحْشِ، مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العَدَويّ، مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، كان يرسل [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٢ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، فاضلٌ عابدٌ، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عطاء بن يسار، عن أبي قتادة هذه لم أر من ساقها تامّةً، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا صالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ أبِي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ عَدُوًّا بِغَيْقَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ، يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، إِذْ نَظَرْتُ، فَإِذَا أنا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا، وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ لَقِيتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا، فَلَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، انْتَظِرْهُمْ، فَانْتَظَرَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَدْتُ، وَمَعِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِلْقَوْمِ: «كُلُوا» وَهُمْ مُحْرِمُونَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ السُّلَمِيُّ) أبو الفضل، ويقال: أبو العبّاس المروزيّ الْكُشْمِيهنِيّ ، ويقال: الرازيّ، صدوقٌ، من صغار [١٠]. رَوَى عن وكيع، وابن عيينة، وابن أبي فُديك، ومعاذ بن هشام، ومَعْن بن عيسى، والنضر بن شُمَيل، وأبي أسامة، وأبي ضَمْرة أنس بن عياض، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ، ومحمد بن الصباح الْجَرْجَرائي، سمع منه بمكة، وأبو حاتم، وابن جرير، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة خمسين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، وقال أبو إسحاق الصَّرِيفِينيّ: تُوُفّي بكشميهن سنة (٢٤٦). تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١١٩٦) وحديث (٢٠٠٣): «كلُّ مسكر خمر، وكلّ مسكر حرام». ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢)، أو قبل ذلك (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في «الطهارة» ١٨/ ٦١٩. و«أبو قتادة» ذُكر قبله. وقوله: (انْطَلَقَ أَبِي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) هكذا ساقه مرسلًا، وكذا أخرجه البخاريّ عن معاذ بن فضالة، عن هشام، عن يحيى، وأخرجه أحمد عن ابن عُلَيّة، عن هشام، عن يحيى، لكن أخرجه أبو داود الطيالسيّ، عن هشام، عن يحيى، فقال: عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أنه انطلق مع النبيّ - ﷺ -، وفي رواية معاوية بن سلّام: أخبرني يحيى، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه «أخبره. . .»، فصرّح بالإخبار عن أبيه. وقوله: (عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) صحّ من رواية الواقديّ من وجه آخر، عن عبد الله بن أبي قتادة، أن ذلك كان في عمرة القضيّة. وقوله أيضًا: «عام الحديبية» فيه أن ترك أبي قتادة الإحرام، ومجاوزته الميقات بلا إحرام، كان قبل أن تقرّر المواقيت، فإن تقريرها كان عام حجة الوداع سنة عشر، كما تقدم، فلا حاجة إلى الاستشكال بأنه كيف جاز له تأخير الإحرام عن الميقات؟ وقد تقدم غير هذا من التأويلات، وهذا أحسنها. وقوله: (فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُحْرِمْ) الضمير لأبي قتادة، بيّنته الرواية الآتية: «أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - غزوة الحديبية، قال: فأهلّوا بعمرة غيري». وقوله: (وَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ عَدُوًّا بِغَيْقَةَ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ من طريق عليّ بن المبارك، عن يحيى: «وأُنبئنا بعدو بغَيْقَةَ، فتوجهنا نحوهم». و«غَيْقَةُ» بغين معجمة مفتوحة، ثم ياء مثنّاة تحتانيّة ساكنة، ثم قاف مفتوحة: موضع من بلاد بني غفار، بين مكة والمدينة، قال القاضي عياض: وقيل: هي بئر ماء لبني ثعلبة. انتهى . قال في «الفتح»: وفي هذا السياق حذفٌ بيّنته رواية عثمان بن موهب، عن عبد الله بن أبي قتادة الآتية بلفظ: «خرج رسول الله - ﷺ - حاجًّا، وخرجنا معه، فصَرَفَ من أصحابه، فيهم أبو قتادة، فقال: خذوا ساحل البحر حتى تلقوني، قال: فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم، إلا أبا قتادة. . .»، قال: وسيأتي الجمع هناك بين قوله في هذه الرواية: «خرج حاجًّا»، وبين قوله في هذا الحديث: «عام الحديبية» - إن شاء الله تعالى -. قال: وبَيَّن المطلب عن أبي قتادة، عند سعيد بن منصور مكان صرفهم، ولفظه: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - حتى إذا بلغنا الرَّوْحَاء». وقوله: (قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ) أي: أصحاب النبيّ - ﷺ - الذين صرفهم معه إلى جهة العدوّ، وفي رواية النسائيّ: «فبينما أنا مع أصحابي. . . إلخ» هذا يدلّ على أن عبد الله رواه عن أبيه، كما تقدم. وقوله: (يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) وفي رواية عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عند البخاريّ: «فبصُر أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض»، زاد في رواية أبي حازم: «وأحبّوا أَبُو أني أبصرته». قال الحافظ - ﵀ -: هكذا في جميع الطرق، والروايات، ووقع في رواية العذريّ في مسلم: «فجعل بعضهم يضحك إليّ»، فشدّدت الياء من «إليّ»، قال عياض: وهو خطأ، وتصحيف، وإنما سقط عليه لفظة «بعض»، ثم احتجّ لضعفها بأنهم لو ضَحِكُوا إليه، لكانت أكبر إشارة، وقد قال لهم النبيّ - ﷺ -: «هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه؟»، قالوا: لا، وإذا دلّ المحرم الحلال على الصيد لم يأكل منه اتفاقًا، وإنما اختلفوا في وجوب الجزاء. انتهى. وتعقّبه النوويّ بأنه لا يمكن ردّ هذه الرواية لصحّتها، وصحة الرواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة، ولا إشارة، فإن مجرّد الضحك ليس فيه إشارة. قال بعض العلماء: وإنما ضحكوا تعجبًا من عروض الصيد لهم، ولا قدرة لهم عليه؛ لمنعهم منه. قال الحافظ: قوله: فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة صحيح، ولكن لا يكفي في ردّ دعوى القاضي، فإن قوله: «يضحك بعضهم إلى بعض» هو مجرّد الضحك. وقوله: «يضحك بعضهم إليّ» فيه مزيد أمر على مجرّد الضحك. والفرق بين الموضعين أنهم اشتركوا في رؤيته، فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض، وأبو قتادة لم يكن رآه، فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب باعثًا له على التفطّن إلى رؤيته. ويؤيد ما قال القاضي ما وقع في رواية أبي النضر، عن مولى أبي قتادة، بلفظ: «إذ رأيت الناس متشوفين لشيء، فذهبت أنظر، فإذا حمار وحش، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: لا ندري، فقلت: هو حمار وحش، فقالوا: هو ما رأيت». ووقع حديث أبي سعيد عند البزّار، والطحاويّ، وابن حبان في هذه القصّة: «وجاء أبو قتادة، وهو حِلٌّ، فنكسوا رؤوسهم، كراهية أن يُحِدُّوا أبصارهم له، فيفطن، فيراه». انتهى. فكيف يُظنّ بهم مع ذلك أنهم ضحكوا إليه؟ فتبيّن أن الصواب ما قاله القاضي. قال: وفي قول الشيخ: قد صحّت الرواية نظر؛ لأن الاختلاف في إثبات هذه اللفظة، وحذفها لم يقع في طريقين مختلفين، وإنما وقع في سياق إسناد واحد مما عند مسلم، فكان مع من أثبت لفظ «بعض» زيادة علم سالمة من الإشكال، فهي مقدّمة. وبيّن محمد بن جعفر في روايته عن أبي حازم، عن عبد الله بن أبي أوفى، كما عند البخاريّ في «الهبة» أن قصّة صيده للحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنبيّ - ﷺ -، وأصحابه، ونزلوا في بعض المنازل، ولفظه: «كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النبيّ - ﷺ - في منزل في طريق مكة، ورسول الله - ﷺ - نازل أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم». وبيّن في هذه الرواية السبب الموجب لرؤيتهم إياه، دون أبي قتادة بقوله: «فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبّوا لو أني أبصرته، والتفتّ، فأبصرته». ووقع في رواية أبي سعيد المذكورة أن ذلك وقع، وهم بعسفان، وفيه نظر، والصحيح ما في رواية البخاريّ، من طريق صالح بن كيسان، عن أبي محمد، مولى أبي قتادة، عنه، قال: «كنا مع النبيّ - ﷺ - بالقاحة، ومنا المحرم، وغير المحرم، فرأيت أصحابي، يتراءون شيئًا، فنظرت، فإذا حمار وحش. . .» الحديث. و«القاحة» - بقاف، ومهملة خفيفة، بعد الألف -: موضع قريبٌ من السقيا. انتهى. وقوله: «وخشينا أن نُقتَطَع» بالبناء للمفعول؛ أي: نصير مقطوعين عن النبيّ - ﷺ - منفصلين عنه؛ لكونه سبقهم، وكذا قوله بعد هذا: «وخَشُوا أن يقتطعوا دونك»، وبيّن ذلك رواية علي بن المبارك، عن يحيى، عند أبي عوانة بلفظ: «وخشينا أن يقتطعنا العدو». وللبخاريّ: «وأنهم خشوا أن يقتطعهم العدوّ دونك»، وهذا يُشعر بأن سبب إسراع أبي قتادة لإدراك النبيّ - ﷺ - خشية على أصحابه أن ينالهم بعض أعدائهم. وفي رواية أبي النضر عند البخاريّ في «الصيد»: «فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف لكم النبيّ - ﷺ -، فأدركته، فحدثته الحديث». ففي هذا أن سبب إدراكه أن يستفتيه عن قصّة أكل الحمار. ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين، قاله في «الفتح» . وقوله: (فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ) قد تقدم أن رؤيته له كانت متأخرة عن رؤية أصحابه، وصرح بذلك فضيل بن سليمان في روايته، عن أبي حازم كما عند البخاريّ في «الجهاد»، ولفظه: «فرأوا حمارًا وحشيًّا قبل أن يراه أبو قتادة، فلما رأوه تركوه حتى رآه، فركب. . .». وقوله: (فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ) وفي رواية محمد بن جعفر: «فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا، والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، ثم ركبت»، وفي رواية فضيل بن سليمان: «فركب فرسًا له، يقال له: الْجَرَادة، فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا، فتناوله»، وفي رواية أبي النضر: «وكنت نسيت سوطي، فقلت لهم: ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه، فنزلت، فأخذته». ووقع عند النسائيّ من طريق شعبة، عن عثمان بن موهب، وعند ابن أبي شيبة، من طريق عبد العزيز بن رُفيع، وأخرج مسلم إسنادهما، كلاهما عن أبي قتادة: «فاختَلَسَ من بعضهم سوطًا»، والرواية الأولى أقوى. ويمكن أن يُجمَع بينهما بأنه رأى في سوط نفسه تقصيرًا، فأخذ سوط غيره، واحتاج إلى اختلاسه؛ لأنه لو طلبه منه اختيارًا لامتنع، قاله في «الفتح» . وقوله: (فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ) بالمثلثة، ثم الموحدة، ثم المثناة؛ أي: جعلته ثابتًا في مكانه، لا حِرَاك به، وفي رواية أبي حازم: «فشددت على الحمار، فعقرته، ثم جئت به، وقد مات». وقوله: (فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي) وفي رواية أبي النضر الماضية: «حتى عَقَرته، فأتيت إليهم، فقلت لهم: قوموا، فاحتملوا، فقالوا: لا نمسه، فحملته، حتى جئتهم به». وقوله: (فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ) وفي رواية فضيل، عن أبي حازم: «فأكلوا، فَنَدِموا»، وفي رواية محمد بن جعفر، عن أبي حازم: «فوقعوا يأكلون منه، ثم إنهم شَكُّوا في أكلهم إياه، وهم حُرُمٌ، فرُحْنا، وخبأت العَضُد معي»، وفي رواية مالك، عن أبي النضر: «فأكل منه بعضهم، وأبى بعضهم»، وفي حديث أبي سعيد: «فجعلوا يشوون منه»، وفي رواية المطلب، عن أبي قتادة، عند سعيد بن منصور: «فظللنا نأكل منه ما شئنا، طَبِيخًا وشِوَاءً، ثم تزوّدنا منه». وقوله: (وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) أي: نصير مقطوعين عن النبيّ - ﷺ - منفصلين عنه؛ لكونه سبقهم، وكذا قوله بعد هذا: «وخَشُوا أن يُقْتَطُعوا دونك»، وبَيَّن ذلك رواية علي بن المبارك، عن يحيى عند أبي عوانة، بلفظ: «وخَشِينا أن يَقتطعنا العدوّ»، وفيها عند البخاريّ: «وإنهم خَشُوا أن يقتطعهم العدوّ دونك»، وهذا يُشعر بأن سبب إسراع أبي قتادة لإدراك النبيّ - ﷺ - خشيةٌ على أصحابه أن ينالهم بعض أعدائهم. وفي رواية أبي النضر عند البخاريّ في «الصيد»: «فابى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف لكم النبيّ - ﷺ -، فأدركته، فحدثته الحديث. . .»، ففي هذا أن سبب إدراكه أن يستفتيه عن قصة أكل الحمار، ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين، قاله في «الفتح» . وقوله: (أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا، وَأَسِيرُ شَأْوًا) «أرفع. . . إلخ» بالتخفيف، والتشديد؛ أي: أكلّفه السير السريع، و«شأوًا» بالشين المعجمة، بعدها همزة ساكنة؛ أي: تارةً، والمراد أنه يركضه تارةً، ويسير بسهولة أخرى، قاله في «الفتح». وفي «اللسان»: الشأو: الطَّلَقُ، والشوط، والشأو: الغاية، والأمد، قال: ويقال: عَدَا الفرسُ شأوًا، أو شأوين: أي: طلقًا أو طلقين. انتهى. و«الطلق» - بفتحتين، أو بكسر، فسكون -: الشوط. وقوله: (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه. وقوله: (قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ) - بكسر المثناة، وبفتحها، بعدها عين مهملة ساكنة، ثم هاء مكسورة، ثم نون -، ورواية الأكثر بالكسر، وبه قيّدها البكريّ في «معجم البلاد»، ووقع في رواية عند الكشميهنيّ بكسر أوله، وثالثه، ولغيرهما بفتحهما، وحكى أبو ذرّ الهرويّ أنه سمعها من العرب بذلك المكان بفتح الهاء، ومنهم من يضمّ التاء، ويفتح العين، ويكسر الهاء. وقيل: هو من تغييراتهم، والصواب الأول، وأغرب أبو موسى المدينيّ، فضبطه بضم أوله، وثانيه، وبتشديد الهاء، قال: ومنهم من يكسر التاء، وأصحاب الحديث يسكنون العين، ووقع في رواية الإسماعيليّ: «بِدِعْهِن» بالدال المهملة بدل المثناة، قاله في «الفتح». وقوله: (وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا)؛ أي: يريد القيلولة بالموضع المسمّى بالسُّقْيا - بضم السين المهملة، وسكون القاف، بعدها تحتانيّة مقصورة -: قرية جامعة بين مكة والمدينة. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «قائل» روي بوجهين: أصحّهما، وأشهرهما بهمزة بين الألف واللام، من القيلولة؛ أي: تركته في الليل بتعهن، وعزمُهُ أن يَقِيل بالسقيا، فمعنى قوله: «وهو قائل»؛ أي: سيقيل. والوجه الثاني: أنه «قابل» بالموحدة، وهو غريب، وكأنه تصحيف، فإن صحّ فمعناه أن تعهن موضع مقابل للسقيا، فعلى الأول الضمير في قوله: «وهو» للنبيّ - ﷺ -، وعلى الثاني الضمير للموضع، وهو تعهن، ولا شكّ أن الأول أصوب، وأكثر فائدة. وأغرب القرطبيّ، فقال: «وهو قائل» اسم فاعل من القول، أو من القائلة، والأول هو المراد هنا، و«السقيا» مفعول بفعل مضمر، وكأنه كان بتعهن، وهو يقول لأصحابه: اقصدوا السقيا. ووقع عند الإسماعيليّ من طريق ابن علية، عن هشام: «وهو قائم بالسقيا»، فأبدل اللام في «قائل» ميمًا، وزاد الباء في «السقيا». قال الإسماعيليّ: الصحيح «قائل» باللام. قال الحافظ: وزيادة الباء توهي الاحتمال الأخير المذكور. انتهى . وقوله: (إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ) - بفتح الياء، من قرأت ثلاثيًّا، قال الفيّوميّ: وقرأتُ على زيد السلامَ أقرؤه عليه قراءة، وإذا أمرت منه قلتَ: اقرأ ﵇. قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: أقرئه السلام؛ لأنه بمعنى: «اتلُ عليه». وحكى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رباعيًّا، فيقال: فلان يُقرِئك السلامَ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنه إذا تعدى بحرف الجرّ، كهذا الحديث، فهو ثلاثيّ مفتوح الأول، لا غير، وإذا تعدى بنفسه، فهو رباعيّ، لا غير، والله تعالى أعلم. وفيه استحباب إرسال السلام إلى الغائب، سواء كان أفضل من المرسل، أم لا؟ لأنه إذا أرسله إلى من هو أفضل، فمن دونه أولى، قال النوويّ: قال أصحابنا: ويجب على الرسول تبليغه، ويجب على المرسل إليه ردّ الجواب حين يبلّغه على الفور. انتهى. وقوله: (وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا) بفتح الخاء، وضم الشين المعجمتين، لا بفتحها، كما ظُنَّ، وأصله «خَشِيوا» بكسرها، فنقلت ضمة الياء إليها؛ استثقالًا للصعود من الكسرة إلى الضمّة، ثم حذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، فصار «خَشُوا» بفتح، فضمّ، فليُتنبّه. وقوله: (أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أن يقطعهم العدو دون أن يصلوا إليك. وقوله: (انْتَظِرْهُمْ) بصيغة فعل الأمر، من الانتظار. وقوله: (فَانْتَظَرَهُمْ) بصيغة فعل الماضي؛ أي: انتظر النبيّ - ﷺ - أصحابه. وقوله: (إِنِّي أَصَدْتُ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في بعض النسخ، وهو بفتح الصاد المخففة، ويقال: بتشديد الصاد، وفي بعض النسخ: صِدْتُ، وفي بعضها: اصطَدْتُ، وكله صحيح. انتهى. وقوله: (وَمَعِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ) الضمير في منه يعود على الصيد المحذوف الذي دل عليه أصَدتُّ؛ أي: قطعة فضلت منه؛ أي: بقيت، وعند النسائيّ: «فأنبأته أن عندنا من لحمه فاضلةً» أي: قطعة فاضلة، أي: بقيت بعد أكله، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِلْقَوْمِ: «كُلُوا») صيغة الأمر هنا للإباحة، لا للوجوب؛ لأنها وقعت جوابًا عن سؤالهم عن الجواز، لا عن الوجوب، فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال. قال في «الفتح»: ولم يذكر في هذه الرواية أنه - ﷺ - أكل من لحمها، وذُكر عند البخاريّ في روايتي أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، ولم يَذكر ذلك أحد من الرواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره، ووافقه صالح بن حسان عند أحمد، وأبي داود الطيالسيّ، وأبي عوانة، ولفظه: «فقال: كلوا، وأطعموني»، وكذا لم يذكرها أحد من الرواة عن أبي قتادة نفسه إلا المطلب، عند سعيد بن منصور. قال: ووقع لنا من رواية أبي محمد، وعطاء بن يسار، وأبي صالح، ومن رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عند إسحاق، ومن رواية عباد بن تميم، وسعد بن إبراهيم عند أحمد. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وبقية مباحثه تقدمت قبل حديثين، فراجعها تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَاجًّا، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَصَرَفَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، حَتَّى تَلْقَوْنِي، قَالَ: فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قِبَلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ، إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلُوا، فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، قَالَ: فَقَالُوا: أَكَلْنَا لَحْمًا، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، قَالَ: فَحَمَلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، فَقُلْنَا: نَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَقَالَ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالَ: قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) تقدم في «المقدمة» (ع) ٢/ ٤. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) التيميّ مولاهم المدنيّ الأعرج، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقةٌ [٤] (ت ١٦٠) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٤. والباقيان ذُكرا قبله. قوله: (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) - بفتح الهاء - مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، روى هنا عن تابعيّ أكبر منه قليلًا. وقوله: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَاجًّا) قال الإسماعيليّ - ﵀ -: هذا غلط؛ فإن القصة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحجّ فكان في خلق كثير، وكان كلهم على الجادّة، لا على ساحل البحر، ولعل الراوي أراد خرج مُحرمًا، فعبّر عن الإحرام بالحج غلطًا. وتعقّبه الحافظ، فقال: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضًا فالحج في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج قاصدًا للبيت، ولهذا يقال للعمرة: الحج الأصغر، قال: ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدَّميّ، عن أبي عوانة بلفظ: «خرج حاجًّا أو معتمرًا»، أخرجه البيهقيّ فتبيّن أن الشك فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد. انتهى. وقوله: (أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ) كذا بالنصب في رواية المصنّف، وكذا هو عند البخاريّ في الكشميهنيّ، ولغيره: «إلا أبو قتادة» بالرفع، قال ابن مالك - ﵀ - في «التوضيح»: حق المستثنى بـ «إلا» من كلام تامّ موجَب أن ينصب مفردًا كان أو مكملًا معناه بما بعده، فالمفرد نحو قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧] والْمُكْمَل نحو: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ [الحجر: ٥٩، ٦٠]، ولا يَعرِف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلا النصب، وقد أغفلوا وروده مرفوعًا بالابتداء، مع ثبوت الخبر، ومع حذفه، فمن أمثلة الثابت الخبر قول عبد الله بن أبي قتادة: «أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم»، فـ «إلا» بمعنى «لكن»، و«أبو قتادة» مبتدأ، و«لم يُحْرِم» خبره، ونظيره من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١]، فإنه لا يصح أن يجعل ﴿امْرَأَتَكَ﴾ بدلًا من ﴿أَحَدٌ﴾ لأنها لم تَسْرِ معهم، فيتضمنها ضمير المخاطبين، وتكلَّف بعضهم بأنه وإن لم يُسْرَ بها لكنها شَعَرت بالعذاب فتبعتهم، ثم التفتت فهلكت، قال: وهذا على تقدير صحته لا يوجب دخولها في المخاطبين بقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، وهذا - والحمد لله - بَيِّنٌ، والاعتراف بصحّته متعيّنٌ. وفي المبتدإ الثابت الخبر بعد «إلا» ما جاء في «جامع المسانيد» من قول النبيّ - ﷺ -: «ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء، إلا المتزوّجون، أولئك المطهّرون المبرّؤون من الخنا». وجعل ابن خروف من هذا القبيل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ [الغاشية: ٢٣، ٢٤]. ومن أمثلة المحذوف الخبر قوله - ﷺ -: «ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله»، رواه البخاريّ، وقوله - ﷺ -: «كلُّ أمتي مُعَافًى إلا المجاهرون»؛ أي: لكن المجاهرون بالمعاصي لا يُعَافَون، ومنه من كتاب الله تعالى قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: لكن قليل منهم لم يشربوا. ومثله قول الشاعر: لِدَمٍ ضَائِعٍ تَغَيَّبَ عَنْهُ … أَقْرَبُوهُ إِلَّا الصَّبَا وَالدَّبُورُ أي: لكن الصبا والدبور لم يتغيّبا عنه. قال: وللكوفيين في هذا الثاني مذهب آخر، وهو أن يجعلوا «إلا» حرف عطف، وما بعدها معطوفٌ على ما قبلها. انتهى . قال الحافظ: وفي نسبة الكلام المذكور لعبد الله بن أبي قتادة دون أبي قتادة نظر، فإن سياق الحديث ظاهر في أنه قول أبي قتادة، حيث قال: «أن أباه أخبره أن رسول الله - ﷺ - خرج حاجًّا، فخرجوا معه، فصَرَف طائفةً منهم، فيهم أبو قتادة - إلى أن قال -: أحرموا كلهم إلا أبو قتادة»، وقول أبي قتادة: «فيهم أبو قتادة» من باب التجريد، وكذا قوله: «إلا أبو قتادة»، ولا حاجة إلى جعله من قول ابنه؛ لأنه يستلزم أن يكون الحديث مرسلًا. قال: ومن توجيه الرواية المذكورة، وهي قوله: «إلا أبو قتادة» أن يكون على مذهب من يقول: عليّ بن أبو طالب. انتهى. وقوله: (فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا) في هذا السياق زيادة على جميع الروايات؛ لأنها متفقة على إفراد الحمار بالرؤية، وأفادت هذه الرواية أنه من جملة الْحُمُر، وأن المقتول كان أتانًا؛ أي: أنثى، فعلى هذا في إطلاق الحمار عليها تجوّز. وقوله: (فَحَمَلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ) وفي رواية أبي حازم عند البخاريّ في «الهبة»: «فرُحْنا، وخبأتُ العضد معي»، وفيه: «معكم منه بشيء؟ فناولته العضد، فأكلها حتى تعرَّقها»، وله في «الجهاد»: «قال: معنا رجله، فأخذها، فأكلها»، وفي رواية المطَّلب: «قد رفعنا لك الذراع، فأكل منها». وقوله: (فَقَالَ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالَ: قَالُوا: لَا) وفي رواية شعبة، عن عثمان التالية: «أمنكم أحدٌ أمره أن يَحمِل عليها، أو أشار إليها»، وفي رواية: «أشرتم، أو أعنتم، أو اصطدتم؟»، ولأبي عوانة من هذا الوجه: «أشرتم، أو اصطدتم، أو قتلتم؟». وقوله: (قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا») صيغة الأمر هنا للإباحة، لا للوجوب، كما تقدّم بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ شَيْبَانَ، جَمِيعًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟»، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: قَالَ: «أَشَرْتُمْ، أَوْ أَعَنْتُمْ، أَوْ أَصَدْتُمْ؟»، قَالَ شُعْبَةُ: لَا أَدْرِي قَالَ: «أَعَنْتُمْ، أَوْ أَصَدْتُمْ؟»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) القرشيّ الطحّان، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن موسى بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. والباقون ذُكروا في الباب وفيما قبله. وقوله - ﷺ -: (أشرتم، أو أعنتم، أو أصدتم) رُوي بتشديد الصاد وتخفيفها، ورُوي: «صِدْتُمْ»، قال القاضي عياض - ﵀ -: رويناه بالتخفيف في «أَصَدتم»، ومعناه: أمرتم بالصيد، أو جعلتم من يصيده، وقيل: معناه أثرتم الصيد من موضعه، يقال: أصدت الصيد مخففًا؛ أي: أثرته، قال: وهو أولى من رواية من رواه: «صِدْتُمْ»، أو «اصَّدتم» بالتشديد؛ لأنه - ﷺ - قد عَلِم أنهم لم يصيدوا، وإنما سألوه عما صاده غيرهم. انتهى . [تنبيه]: رواية شعبة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» (٥/ ٣٠٢) فقال: حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، قال: سمعت عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة، يحدث عن أبيه أبي قتادة، أنهم كانوا في مسير لهم، فرأيت حمار وحش، فركبت فرسًا، وأخذت الرمح فقتلته، قال: وفينا المحرم، قال: فأكلوا منه، قال: فأشفقوا، قال: فسألت رسول الله - ﷺ -، أو قال: فسئل رسول الله - ﷺ -، قال: «أشرتم، أو أعنتم، أو أصدتم؟» قال شعبة: لا أدري قال: «أعنتم، أو أصدتم؟» ثم قالوا: لا، فأمرهم بأكله. انتهى. وأما رواية شيبان، عن عثمان، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ - ﵁ - أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - غَزْوَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَ: فَأَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ غَيْرِي، قَالَ: فَاصْطَدْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، فَأَطْعَمْتُ أَصْحَابِي، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَنْبَأَتُهُ أَنَّ عِنْدَنَا مِنْ لَحْمِهِ فَاضِلَةً، فَقَالَ: «كُلُوهُ»، وَهُمْ مُحْرِمُونَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمرقنديّ الحافظ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ فاضلٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢٣. ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٩/ ٣٠٩. والباقون ذُكروا قبله، و«يحيى» هو: ابن أبي كثير. [تنبيه]: رواية معاوية بن أبي سلّام، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى» (٥/ ١٧٨) فقال: (٩٦٢٧) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، ثنا يحيى بن حسان، ثنا معاوية بن سلام، أخبرني يحيى، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه أخبره، أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - غزوة الحديبية، فأهلُّوا بعمرة غيري، قال: فاصطدت حمار وحش، فأطعمت أصحابي، وهم محرمون، ثم أتيت النبيّ - ﷺ -، فأنبأته أن عندنا من لحمه فاضلةً، قال: «كلوه»، وهم محرمون. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلٌّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ » قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ، قَالَ: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَكَلَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. ٢ - (فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ) أبو سليمان البصريّ، صدوق، له خطأٌ كثير [٨] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «الصيام» ٨/ ٢٥٣٤. ٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٢٨٥٤) - حدّثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا فُضيل بن سليمان، عن أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أنه خرج مع النبيّ - ﷺ -، فتخلّف أبو قتادة مع بعض أصحابه، وهم محرمون، وهو غير محرم، فرأوا حمارًا وحشيًّا قبل أن يراه، فلما رأوه تركوه، حتى رآه أبو قتادة، فركب فرسًا له، يقال له: الْجَرَادة، فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا، فتناوله، فحمل فعقره، ثم أكل فأكلوا، فقَدِموا، فلما أدركوه، قال: «هل معكم منه شيء؟» قال: معنا رجله، فأخذها النبيّ - ﷺ -، فأكلها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَإِسْحَاقُ، عَنْ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ أَبُو قَتَادَةَ فِي نَفَرٍ مُحْرِمِينَ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلٌّ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قَالَ: «هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟»، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَكُلُوا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٢ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ) أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ [٤] (ت ١٠٣) (ع) تقدم في «الجمعة» ١٥/ ٢٠١٠. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية عبد العزيز بن رُفيع، عن عبد الله بن أبي قتادة هذه ساقها ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه» (٩/ ٢٨٦) فقال: (٣٩٧٤) - أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب البلخيّ، حدّثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: كان أبو قتادة في ناس محرمين، وأبو قتادة حِلٌّ، فأبصر القوم حمار وحش، فلم يؤذنوه حتى أبصره أبو قتادة، فقعد على ظهر فرس، واختَلَس من بعضهم سوطًا، فحَمَل على الحمار، فصرعه، فأتاهم به، فأكلوه، وحملوا، فلقوا رسول الله - ﷺ -، فسألوه عما صنع أبو قتادة، فقال - ﷺ -: «هل أشار إليه إنسان منكم بشيء، أو أمره؟» قالوا: لا، قال: «فكلوه». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٢٩)

١. «الفتح» ٥/ ٨٨.

٢. «الفتح» ٥/ ٩٠.

٣. بفتح الغين المعجمة، بعدها ياء ساكنة، ثم قاف مفتوحة، ثم هاء، قال السكونيّ: «هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة، وقال يعقوب: هو قَلِيب لبني ثعلبة يَصُبّ فيه ماء رضوى، ويصبّ هو في البحر»، قاله في «المرعاة» ٩/ ٣٩٣.

٤. «الفتح» ٤/ ٤٩٢.

٥. راجع: «المرعاة شرح المشكاة» ٩/ ٣٩٣ - ٣٩٤.

٦. هكذا في «الإكمال»، و«شرح النوويّ»، وسيأتي عن «الفتح» بلفظ: «عن القابسيّ»، والظاهر أن هذا هو الصواب؛ لأن صاحب «الفتح» أعلم بما وقع عند البخاريّ، فلو كان عنده لتكلّم فيه، والله تعالى أعلم.

٧. «شرح النوويّ» ٨/ ١٠٧ - ١٠٨.

٨. «الفتح» ٥/ ٨٧.

٩. «المفهم» ٣/ ٢٨٠، و«إكمال المعلم» ٤/ ١٩٨ - ١٩٩، و«شرح النوويّ» ٨/ ١٠٩ - ١١٠.

١٠. «النهاية» ٢/ ١٧٧.

١١. «شرح النوويّ» ٨/ ١١١ - ١١٢.

١٢. راجع: «المعجم الوسيط» ٣٧١.

١٣. راجع: «المعجم الوسيط» ٤٦٣.

١٤. «المصباح المنير» ١/ ١٨.

١٥. «الفتح» ٥/ ٩٢ - ٩٣.

١٦. «المرعاة شرح المشكاة» ٩/ ٣٩٧ - ٣٩٨.

١٧. المراد فوائد حديث أبي قتادة - ﵀ - برواياته المختلفة، لا خصوص السياق المشروح هنا، فتنبّه.

١٨. بضم الكاف، وسكون الشين، وكسر الميم، وسكون الياء التحتانيّة، وفتح الهاء، وآخره نون: نسبة إلى قرية من قُرى مَرْوَ القديمة، وقد خَرِبَت، قاله في «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٢٥٤.

١٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٠٨ - ١٠٩.

٢٠. «الفتح»٥/ ٨١ - ٨٢.

٢١. «الفتح»٥/ ٨٣.

٢٢. «الفتح» ٥/ ٨٤.

٢٣. «الفتح» ٥/ ٨٤ - ٨٥.

٢٤. «الفتح» ٥/ ٩٢.

٢٥. وفي نسخة: «من لحم صيد».

٢٦. وفي نسخة: «هل معكم أحدٌ».

٢٧. «شواهد التوضيح»ص ٤١ - ٤٤.

٢٨. «إكمال المعلم» ٤/ ٢٠٣.

٢٩. وفي نسخة: «هل عندكم منه شيءٌ؟».