HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٢١

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طارق بن شهاب، عن أبي موس قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ. فَقَالَ لِي: «أَحَجَجْتَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: «فَقَدْ أَحْسَنْتَ. طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَأَحِلَّ» قَالَ: فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي قَيْسٍ. فَفَلَتْ رَأْسِي. ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ. قَالَ: فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ النَّاسَ. حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أبا موسى! أو: ياعبد اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! رُوَيْدَكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ. فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدَكَ. فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ فُتْيَا فَلْيَتَّئِدْ. فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ. فَبِهِ فَائْتَمُّوا. قَالَ: فَقَدِمَ عُمَرُ رضي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَأْمُرُ بِالتَّمَامِ. وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بلغ الهدي محله.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص44
ج ٢ ص ٨٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص١٦٧
«مسنده» (٨/ ٣٤٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨٤٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٥٥٦)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٤٨٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١١٣)، وفوائده تعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢٠) - (بَابُ جَوَازِ تَعْلِيقِ الإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ غَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٥٧] (١٢٢١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَاب، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ منِيخٌ بِالْبَطْحَاء، فَقَالَ لِي: «أَحَجَجْتَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «فَقَدْ أَحْسَنْتَ، طف بالْبَيْت، وَبالصَّفَا وَالْمَرْوة، وَأَحِلَّ»، قَالَ: فَطُفْتُ بِالْبَيْت، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْور، ثُمَّ أتَيْتُ امْرَأةَ مِنْ بَنِي قَيْسٍ، فَفَلَتْ رَأسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، قَالَ: فَكُنْتُ أفتى بِهِ النَّاسَ، حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ - ﵁ -، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبا مُوسَى، أَو يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، رُويدَكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ، فَإنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدَكَ، فَقَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أفتَيْنَاهُ فُتْيَا فَلْيَتَّئِدْ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِم عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأتَمُّوا، قَالَ: فَقَدِمَ عُمَرُ - ﵁ -، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ نَأُخُذْ بِكِتَابِ الله، فَإِن كِتَابَ اللهِ يَأْمُرُ بِالتَّمَام، وَإِنْ نَاخُذْ بِسُنَّةِ رَسُول اللهِ - ﷺ -، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار العبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، أبو بسطام الواسطيّ، ثُم البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٥ - (قَيْسُ بْنُ مُسْلِم) الْجَدَليّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة رُمي بالإرجاء [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٢/ ١٨٥. ٦ - (طَارِقُ بْنُ شِهَابِ) بن عبد شمس الْبَجَليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة، له رؤية [٢] (ت ٢ أو ٨٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٢/ ١٨٥. ٧ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان، قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ رؤبةً عن صحابيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) وفي رواية للبخاريّ في «المغازي»: «عن قيس بن مسلم: سمعت طارق بن شهاب» (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ - ﵁ -، وفي رواية البخاريّ المذكورة: «حدّثني أبو موسى» (قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -) وفي رواية البخاريّ: «بعثني النبيّ - ﷺ - إلى قومي باليمن، فجئت، وهو بالبطحاء» (وَهُوَ مُنِيخ بِالْبَطْحَاءِ) اسم فاعل، من أناخ بعيره: إذا أبركه، أي وهو نازل بالبطحاء، وذلك في ابتداء قدومه إلى مكة. (فَقَالَ لِي: «أَحَجَجْتَ؟») أي أحرمت بالحجِّ (فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟») أي: بأيّ شيء رفعت صوتك بالتلبية، فـ «ما» استفهاميّة، ولذا حُذفت ألفها؛ لدخول حرف الجرّ عليها، كما قال في «الخلاصة»: وَ«مَا» فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وفي بعض النسخ: «بما أهللت» دون حذف الألف، وهو قليل الاستعمال. (قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإهْلَالٍ كإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ -) «لبيك» بكاف الخطاب، أي قلت هذا اللفظ، ووقع في بعض النسخ: «لبيتُ» بتاء المتكلّم (قَالَ: «فَقَدْ أَحْسَنْتَ) أي في إهلالك هذا، وفيه جواز تعليق الإهلال بإهلال فلان، زاد في الرواية التالية:»قال: هل سقت من هدي؟، قلت: لا، قال: فطف بالبيت … «(طُفْ بِالْبَيْت، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوةِ» أي اسْعَ بينهما (وَأَحِلَّ«) بقطع الهمزة، أمر من الإحلال رباعيًّا: إذا خرج من إحرامه، وفي الرواية التالية:»ثُمَّ حِلَّ«بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام، أمر مِن حَلّ يحلّ، ثلاثيًّا من باب ضرب، وهو بمعناه. قال النوويّ - ﵀ -: معنى هذا الكلام أن أبا موسى - ﵁ - صار كالنبيّ - ﷺ -، وتكون وظيفته أن يفسخ حجه إلى عمرة، فيأتي بأفعالها، وهي الطواف، والسعي، والحلق، فإذا فعل ذلك صار حلالًا، وتمّت عمرته، وإنما لم يذكر الحلق هنا؛ لأنه كان مشهورًا عندهم، ويَحْتَمِل أنه داخل في قوله:«وأَحِلَّ». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الحقّ، فتأمل، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو موسى - ﵁ - (فَطُفْتُ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوة، ثُمَّ أتيْتُ امْرَأةً) لم يعرف المرأة (مِنْ بَيي قَيْسٍ) وفي رواية للبخاريّ:«امرأة من قيس»، قال الحافظ - ﵀ -: والمتبادر إلى الذهن من هذا الإطلاق أنها من قيس عيلان، وليس بينهم وبين الأشعريين نسبة، لكن في رواية أيوب بن عائذ:«امرأة من نساء بني قيس»، وظهر لي من ذلك أن المراد بقيس: قيس بن سُليم والد أبي موسى الأشعريّ، وأن المرأة زوج بعض إخوته، وكان لأبي موسى من الإخوة أبو رُهْم، وأبو بردة، قيل: ومحمد. انتهى . (فَفَلَتْ رَأسِي) بتخفيف اللام: أي أخرجت منه القملَ، يقال: فَلَيتُ رأسي فَلْيًا، من باب رَمَى: نقّيته من القمل ، وفي الرواية التالية:«فمشطتني، وغسلت رأسي». قال النوويّ - ﵀ -: هذا محمول على أن هذه المرأة كانت محرمًا لأبي موسى - ﵁ -. (ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ) قال النوويّ - ﵀ -: يعنى أنه تحلل بالعمرة، وأقام بمكة حلالًا إلى يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، ثم أحرم بالحج يوم التروية، كما جاء مبينًا في غير هذه الرواية. [فإن قيل]: قد عَلَّقَ عليّ بن أبي طالب، وأبو موسى - ﵄ - إحرامهما بإحرام النبيّ - ﷺ -، فأمر عليًّا بالدوام على إحرامه قارنًا، وأمر أبا موسى بفسخه إلى عمرة؟. [فالجواب]: أن عليًّا - ﵁ - كان معه الهديُ، كما كان مع النبيّ - ﷺ - الهديُ، فبقي على إحرامه، كما بقي النبيّ - ﷺ -، وكلُّ من معه هديٌ، وأما أبو موسى فلم يكن معه هديٌ، فتحلل بعمرة، كمن لم يكن معه هديٌ، ولولا الهديُ مع النبيّ - ﷺ - لجعلها عمرةً، وقد سبق إيضاح هذا الجواب في الباب الذي قبل هذا. انتهى . (قَالَ) أبو موسى - ﵁ - (فَكُنْتُ أُفتِي بِهِ النَّاسَ) يعني بالتحلّل لمن أحرم بالحجِّ بعمل العمرة إذا لم يسق الهدي، وهذا يدلّ على أن أبا موسى - ﵁ - ممن يرى عموم مشروعيّة ما أمر به النبيّ - ﷺ - من الفسخ، وتعدّيه لغير الصحابة، ولم ير أن ذلك خاصّ بالصحابة - ﵃ -، وهذا هو الحقّ، كما مرّ تحقيقه. (حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ - ﵁ -) وفي الرواية التالية: فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر، وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجلٌ، فقال: «إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين …» (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى، أَو) للشكِّ من الراوي (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، رُوَيْدَكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ،) أي أمْهِل بعض ما تفتي به، ولا تستعجل. [تنبيه]: قوله: «رويدك» اسم فعل، بمعنى أَمْهِل«، وأصله أَرْوِدْ إِرْوَادًا: أي أمهل إمهالًا، فصغّروا الإرواد بحذف زيادتيه، وهما الهمزة والألف، تصغير الترخيم، واستعملوه مصدرًا نائبًا عن فعله، وهو أَرْوِدْ، ثم إنه إذا انتصب ما بعده، كرُوَيْدَ زيدًا، وكـ»بعضَ فتياك«في هذا الحديث، فإنه اسم فعل، وإن انجرّ ما بعده فهو مصدرٌ، نحو رُويد زيدٍ، أي إرواد زيد، أي إمهاله، وهو منصوب بفعل مضمر، أي أروِدْ. وفي«لسان العرب» نقلًا عن الأزهريّ - ﵀ -: اعلم أن رُويدًا تلحقها الكاف، وهي في موضع أَفْعِلْ، وذلك قولك: رُويدَك زيدًا، ورويدَكم زيدًا، فهذه الكاف التي أُلحقت لتبيين المخاطب في رويدًا، ولا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست باسم، ورُويد غيرُ مضاف إليها، وهو متعدّ إلى زيد؛ لأنه اسم سمّي به الفعلُ، يعمل عمل الأفعال، وتفسير رُويدَ: مَهْلًا، وتفسير رويدَكَ: أَمْهِلْ؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أَفْعِلْ، دون غيره، وإنما حُرّكت الدال لالتقاء الساكنين، فنُصب نصب المصادر، وهو مصغّر، مأمور به؛ لأنه تصغير الترخيم من إرواد، وهو مصدر أرود يُروِدُ، وله أربعة أوجه: اسم فعل، وصفة، وحال، ومصدر، فالاسم نحو قولك: رُويدَ عمرًا، أي أرود عمرًا، بمعنى أمهله، والصفة نحو قولك: ساروا سيرًا رُويدًا، والحال نحو قولك: سار القوم رُويدًا، لَمَّا اتصل بالمعرفة صار حالًا لها، والمصدر نحو قولك: رُويدَ عمرٍ وبالإضافة، كقوله تعالى ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، وفي حديث أنجشة - ﵁ -: «رُويدك رِفقًا بالقوارير»: أي أمهل، وتَأَنَّ، وارفُق. انتهى ما في «اللسان» . والى هذا مع «بَلْهَ» أشار ابن مالك ﵀ في «خلاصته» حيث قال: كَذَا رُويدَ بَلْهَ نَاصِبَيْنِ … وَيَعْمَلَانِ الْخَفْضَ مَصْدَرَيْنِ قال النوويّ ﵀: معنى «رُوَيدك»: ارفُق قليلًا، وأمسك عن الْفُتْيَا، ويقال: فُتيا، وفَتْوى لغتان مشهورتان. انتهى. (فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ) أي عمر بن الخطّاب -﵁- (فِي النُّسُكِ) أي في شأنها (بَعْدَكَ) بالضم، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد مفارقته لك، أو بعد ما كنت تعلمه مما تفتي به الناس، من جواز المتعة (فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ) أي بجواز المتعة (فُتْيَا فَلْيَتَّئِدْ) -بمثناة فوقية مشددة، بعدها همزة- افتعال من التؤدة: أي ليتأنّ، ولا يتعجّل بالمضيّ على فتيانا (فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) عمر -﵁- (قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأْتَمُّوا) أي فاقتدوا به، وخذوا بقوله، واتركوا قولنا، إن خالفه (قَالَ) أبو موسى -﵁- (فَقَدِمَ عُمَرُ -﵁-، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ) وفي الرواية التالية: «فلما قَدِم قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟، يعني نهيه الناس من المتعة (فَقَالَ) عمر -﵁- (إِنْ نَأْخُذْ بكِتَابِ اللهِ) هو قوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (فَإِنَّ كِتَابَ اللهِ يَأْمُرُ) وفي نسخة»يَأمرنا« (بِالتَّمَامِ) أي بكون كلِّ من النسكين تامّين بإتيانه بسفر جديد، أو بإحرام جديد، لا يجعل أحدهما تابعًا للآخر. (وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) يعني أنه -ﷺ- في حجة الوداع لم يتحلّل حتى روى جمرة العقبة، ونحر هديه، ولم يتحلّل بعمل العمرة؛ أي والمتمتّع يتحلّل إذا لم يسق الهدي، كما فَعَل أصحاب النبيّ -ﷺ-. والحاصل أن الجمع بين القرآن والسنة قد أدّى عمر -﵁- إلى النهي عن التمتّع والقران جميعًا، فيحصل حينئذ الإتمام، والحلّ يوم النحر، لا قبله. وقال الحافظ ﵀: ومحصّل جواب عمر -﵁- في منعه الناس من التحلّل بالعمرة أن كتاب الله تعالى دالّ على منع التحلّل؛ لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، وأن سنة رسول الله -ﷺ- أيضًا دالّة على ذلك؛ لأنه لم يحلّ حتى بلغ الهدي محلّه. لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به النبيّ -ﷺ-، حيث قال: «ولولا أن معي الهدي لأحللت»، فدلّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي. وتبيّن من مجموع ما جاء عن عمر -﵁- في ذلك أنه منع منه سدًّا للذريعة. وقال المازريّ: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحجّ إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامة، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها، وتحريمها. وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما رواه مسلم، بناء على مُعْتَقَده أن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة. قال النوويّ ﵀: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامة، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد، كما يظهر من كلامه، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتّع من غير كراهة، وبقي الاختلاف في الأفضل. قال الحافظ: ويمكن أن يتمسّك من يقول بأنه إنما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشرنا إليه قريبًا من مسلم: «إن الله يُحلّ لرسوله ما شاء»، والله أعلم. وفي قصّة أبي موسى، وعليّ -﵄- دلالة على جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير مع اختلاف آخر الحديثين في التحلل، وذلك أن أبا موسى لم يكن معه هديٌ، فصار له حكم النبيّ -ﷺ- لو لم يكن معه هديٌ، وقد قال: «لولا الهدي لأحللت»؛ أي وفسخت الحجّ إلى العمرة، كما فعله أصحابه بأمره، وأما عليّ، فكان معه هديٌ، فلذلك أمره بالبقاء على إحرامه، وصار مثله قارنًا. قال النوويّ: هذا هو الصواب، وقد تأوله الخطابيّ، وعياض بتأويلين غير مرضيين. انتهى. قال الحافظ: فأما تأويل الخطابيّ، فإنه قال: فعل أبي موسى يخالف فعل عليّ، وكأنه أراد بقوله: أهللت كإهلال النبيّ -ﷺ-؛ أي كما يبيّنه لي، ويُعيّنه لي من أنواع ما يُحرِم به، فأمره أن يحلّ بعمل عمرة؛ لأنه لم يكن معه هديٌ. وأما تأويل عياض، فقال: المراد بقوله: «فكنت أفتي الناس بالمتعة» أي بفسخ الحجّ إلى العمرة. والحامل لهما على ذلك اعتقادهما أنه -ﷺ- كان مفردًا، مع قوله: «لولا أن معي الهدي لأحللت»؛ أي فسخت الحج، وجعلته عمرة، فلهذا أمر أبا موسى بالتحلّل؛ لأنه لم يكن معه هديٌ، بخلاف عليّ. قال عياض: وجمهور الأئمة على أن فسخ الحجّ إلى العمرة كان خاصًّا بالصحابة. انتهى. وقال ابن المنيّر في «الحاشية»: ظاهر كلام عمر التفريق بين ما دلّ عليه الكتاب، ودلّت عليه السنّة، وهذا التأويل يقتضي أنهما يرجعان إلى معنى واحد. ثم أجاب بأنه لعله أراد إبطال وَهْم من توهّم أنه خالف السنّة، حيث منع من الفسخ، فبيّن أن الكتاب والسنة متوافقان على الأمر بالإتمام، وأن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة؛ لإبطال اعتقاد الجاهليّة أن العمرة لا تصحّ في أشهر الحجّ. انتهى. وأما إذا قلنا: كان قارنًا، على ما هو الصحيح المختار، فالمعتمد ما ذكر النوويّ، والله أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن الصواب أن فسخ الحج إلى العمرة ليس خاصًا بتلك السنة، بل هو سنة مستمرة إلى يوم القيامة، كما بيّنه النبيّ -ﷺ-، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٩٥٧ و٢٩٥٨ و٢٩٥٩ و٢٩٦٠] (١٢٢١)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٦٥ و١٧٢٤ و١٧٩٥) و«المغازي» (٤٣٩٧)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٥٦) و«الكبرى» (٢/ ٣٤٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٧٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٩٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٥٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٤٠ و٣٤٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٢٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٢٦٤)، و(البزّار) في «مسنده» (١/ ٣٤٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الإحرام المبهم، وأن المحرم به يصرفه لما شاء، وهو قول الشافعيّ، وأصحاب الحديث، ومحلّ ذلك ما إذا كان الوقت قابلًا، بناء على أن الحجّ لا ينعقد في غير أشهره، قاله في «الفتح». وقال النوويّ ﵀: فيه جواز تعليق الإحرام، فإذا قال: أحرمت بإحرامٍ كإحرام زيد صحّ إحرامه، وكان إحرامه كإحرام زيد، فإن كان زيد محرمًا بحجّ، أو بعمرة، أو قارنًا كان المعلّق مثله، وإن كان زيد أحرم مطلقًا كان المعلّق مطلقًا، ولا يلزمه أن يصرف إحرامه إلى ما يصرف زيد إحرامه إليه، فلو صرف زيد إحرامه إلى حجّ كان للمعلِّق صرف إحرامه إلى عمرة، وكذا عكسه. انتهى . ٢ - (ومنها): استحباب الثناء على مَن فَعَل فِعْلًا جميلًا؛ لقوله -ﷺ-: «أحسنت». ٣ - (ومنها): بيان أن من لم يسق الهدي ممن أحرم مفردًا، أو قارنًا عليه أن يتحلّل بعمل العمرة، ثم يُهلّ بالحج يوم التروية، ومسألة فسخ الحج إلى العمرة، قد استوفيت بيان اختلاف العلماء فيها، وترجيح الراجح بأدلّته قبل بابين في شرح حديث جابر -﵁- برقم [١٧/ ٢٩٤٣] (١٢١٦) فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من عنايتهم بتبليغ السنّة إلى الأمة، فإن أبا موسى -﵁- لم يزل يُفتي الناس بذلك إلى أن خالفه عمر -﵁-، فتوقف. ٥ - (ومنها): أن المجتهد ربما يخالف بعض السنن، مع علمه بها لتأويل يراه، ولا لوم عليه في ذلك، وإنما يُذَكّر لعله يتذكّر. ٦ - (ومنها): أن العلة التي كره عمر -﵁- التمتع من أجلها هي كون حال المتمتع مخالفًا لحال الحاجّ من كونه أشعث، أغبر، فإنه قال -كما سيأتي-: «ولكن كرهت أن يظلُّوا مُعْرِسين بهنّ في الأراك»، لكن مثل هذا الرأي المخالف لصريح السنة، وإن كان صاحبه يُعذر باجتهاده لا يُلتفت إليه. ٧ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة من تعظيم ولاة الأمور، فإن أبا موسى الأشعريّ -﵁- ترك فتياه، وأمر الناس بأن يتئدوا عما أفتاهم به؛ إذ سمع أن عمر -﵁- خالفه فيه. ٨ - (ومنها): بيان الأدب مع ولاة الأمور، وإن وقعوا في المخالفة، فلا ينبغي إساءة القول أو الفعل لهم، حيث إن أبا موسى خاطب عمر -﵄- بأسلوب أدبيّ، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟، مع أنه يعلم أنه مخالف لما ثبت عن النبيّ -ﷺ-، فينبغي لمن رأى مخالفة من وليّ أمره أن يلاطفه، ويخاطبه باحترام وتعظيم، ولا يُعنّفه، ولا يسيء له القول أو الفعل، والله تعالى أعلم ٩ - (ومنها): بيان أن الأكابر أحيانًا يقعون في خلاف السنّة؛ اجتهادًا منهم، فإن عمر -﵁- خالف ما صحّ عنه -ﷺ- من جواز فسخ الحج إلى العمرة، أو من جواز الاعتمار في أشهر الحج بسبب رأي رآه، فيُعتذر له بالتأويل، ولا ينقص ذلك من قدره شيئًا. ١٠ - (ومنها): أن المجتهد ينبغي له إذا بلغه من غيره خلاف ما يعتقده أن يتأنى حتى يعرف دليل ذلك المخالف، فلعلّ عنده حجة أقوى من حجته، فيرجع إليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٥٨] (…) - (وَحَدَّثنَاه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. و«شعبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٥٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى -﵁- قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَطُفْ بالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ»، فَطُفْتُ بِالْبَيتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَمَشَطَتْنِي، وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِى النَّاسَ بِذَلِكَ، فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِمَارَةِ عُمَرَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بالْمَوْسِمِ، إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ، فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأْتَمُّوا، فَلَمَّا قَدِمَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِن اللهَ قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا - ﵊- فَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [٩] (ت ١٩٨) وهو ابن (٧٣) سنة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله، و«قيسٌ» هو ابن مسلم. وقوله: (ثُمَّ حِلَّ) بكسر الحاء المهملة، من حلّ الثلاثيّ، وتقدم في الرواية الأولى بلفظ: «أَحِلّ» من الإحلال رباعيًّا، وكلاهما لغتان بمعنى واحد، أي: اخرُج من إحرامك، وتحلّل منه بعمل العمرة. وقوله: (فَمَشَطَتْنِي) بالتخفيف، وَيحْتَمِل التشديد، يقال: مشَطتُ الشَّعْرَ مَشْطًا، من باب قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة، قاله الفيّوميّ، والمعنى أنها سرّحت شعر رأس أبي موسى -﵁-، وأصلحته. وقوله: (فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين المهملة: أي في مكان اجتماع الحجّاج، قال الليث: موسم الحجّ، سُمِّي موسمًا لأنه مَعْلَمٌ يُجتمع إليه، وقال ابن السكّيت: كل مَجمَع من الناس كثيرٍ هو مَوْسِمٌ، ومنه مَوْسِم منى، أفاده في «اللسان». والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الرواية الأولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٦٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى -﵁-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَعَثَنِي إِلى الْيَمَنِ، قَالَ: فَوَافَقْتُهُ فِي الْعَامِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَا أَبَا مُوسَى، كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أَحْرَمْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: «هَلْ سُقْتَ هَدْيًا؟» فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَانْطَلِقْ، فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ»، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنِ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت ٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. ٤ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الْهُذلي المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ) فاعل «ساق» ضمير أبي الْعُميس. [تنبيه]: رواية أبي العميس، عن قيس بن مسلم هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٣٨) فقال: (٨٤٦٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنبأ جعفر بن عون، أنبأ أبو عميس، قال: سمعت قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺ- بعثني إلى اليمن، قال: فوافقته في العام الذي حَجّ فيه، فقال لي رسول الله -ﷺ-: «يا أبا موسى كيف قلت حين أحرمت؟» قال: قلت: إهلالٌ كإهلال النبيّ -ﷺ-، فقال: «هل سُقْتَ هديًا؟» قلت: لا، قال: فانطلق، فطف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم أَحِلَّ، فانطلقت، فطفت بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم عَمَدت إلى نسوة من آل قيس؛ يعني عماته، فمَشَطْن رأسي بالغسل، فلما كان بعد ذلك في إمارة
مصادر المؤلف (١٣)

١. وفي نسخة: «بما».

٢. وفي نسخة: «لبيتُ بإهلال».

٣. وفي نسخة: «يأمرنا».

٤. وفي نسخة:«بما».

٥. «شرح النوويّ»٨/ ١٩٩.

٦. «تنبيه المعلم» ص ٢١٨.

٧. «الفتح» ٤/ ٤٤٩.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨١.

٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٩٩.

١٠. «لسان العرب» ٣/ ١٩٠.

١١. راجع: شروح «الخلاصة»، وحواشيها في باب أسماء الأفعال والأصوات.

١٢. «شرح النوويّ» ٨/ ١٩٩.

١٣. وفي نسخة: «وهو بالبطحاء».