HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٣٤

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ. فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا. وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ. وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، سَبْعًا. وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص53
ج ٢ ص ٩٠٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص٢٣٧
رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت أيضًا قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله إلخ) قال في «الفتح»: قد تعقّب المهلّب قول الزهريّ: «بمثل الذي أخبرني سالم»، فقال: يعني مثله في الوهم؛ لأن أحاديث عائشة -﵂- كلّها شاهدة بانه حجّ مفردًا. فتعقّبه الحافظ، فقال: قلت: وليس وَهَمًا؛ إذ لا مانع من الجمع بين الروايتين بمثل ما جمعنا به بين المختلف عن ابن عمر -﵄-، بأن يكون المراد بالإفراد في حديثها البداءة بالحجّ، وبالتمتّع بالعمرة إدخالها على الحجّ، وهو أولى من توهيم جبل من جبال الحفظ. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو تعقّب وجيهٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا في وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٨٥] (١٢٢٩) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله مَا شَأَنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أنْحَرَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام الحجة الفقيه المجتهد الشهير [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (حَفْصَةُ) بنت عمر بن الخطّاب أم المؤمنين -﵂-، تزوّجها النبيّ -ﷺ- بعد خُنيس بن حُذافة سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٤٥) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٥/ ١٦٧٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي أخته. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب -﵄- (أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ). [تنبيه]: ظاهر هذه الرواية أن هذا الحديث من مسند ابن عمر، لا من مسند حفصة -﵂-؛ لأنه قال: «أنّ حفصة إلخ»، ولم يقل: «عن حفصة»، لكن تبيّن في الرواية الآتية بأن ابن عمر رواه عنها، وأصرح رواية هي رواية ابن جريج الأخيرة، ففيها: «عن ابن عمر قال: حدّثتني حفصة -﵂-»). هذا على قول من يرى الفرق بين «أنّ» و«عَنْ»، فيَحْمِل «أنّ» على الانقطاع، و«عن» على الاتصال، وأما على قول من يجعلهما للاتّصال، فالأمر وأضح. وحاصل الخلاف في المسألة هو ما قاله النوويّ ﵀ في «التقريب»: إذا قال الراوي: حدّثنا الزهريّ أن ابن المسيِّب حدّثه بكذا، فقال أحمد بن حنبل وجماعة: لا تلتحق «أنّ» بـ «عَنْ» في الاتّصال، بل يكون منقطعًا حتى يتبيّن السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وقال الجمهور: «أنّ» كـ «عَنْ»، ومطلقة محمول على السماع بشرط البراءة عن التدليس، وبشرط اللقاء والسماع عند من يشترطه. انتهى باختصار . وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في «ألفيّة الحديث» حيث قال: وَمَنْ رَوَى بـ «عَنْ» وَ«أَنَّ» فَاحْكُمِ … بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَمِ وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا وَقِيلَ لَا … وَقِيلَ «أَنَّ» اقْطَعْ وَأَمَّا «عَنْ» صِلَا (مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) زاد في رواية النسائيّ: «بعمرة»؛ أي بجعل نسكهم عمرة بأمره -ﷺ- لهم بذلك، كما سبق بيانه. وحكى الحافظ أبو عمر ﵀ عن ابن وهب أنه رواه عن مالك بهذه الزيادة، وأنه رواه بدونها القعنبيّ، ويحيى بن بُكير، وأبو مصعب، وعبد الله ابن يوسف، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. قال: والمعنى واحد عند أهل العلم، قال: ولم يختلف الرواة عن مالك في قوله: «ولم تحلّ أنت من عمرتك»، قال: وزعم بعض الناس أنه لم يقل أحدٌ في هذا الحديث عن نافع: «ولم تحلّ أنت من عمرتك» إلا مالك وحده. قال: وقد رواها غير مالك: عبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، وهؤلاء هم حفّاظ أصحاب نافع، والحجة فيه على من خالفهم. ورواه ابن جريج، عن نافع، فلم يقل: «من عمرتك»، وزيادة مالك مقبولة؛ لحفظه، وإتقانه، أَبُو انفرد بها، فكيف وقد تابعه من ذكرنا. قال: وما أعلم أحدًا في قديم الدهر، ولا حديثه ردّ حديث حفصة هذا بأن مالكأ انفرد بقوله: «من عمرتك» إلا هذا الرجل. انتهى كلام ابن عبد البرّ بمعناه. قال الحافظ وليّ الدين: وذكر بعضهم أن هذا الذي أشار إليه ابن عبد البرّ هو الأصيليّ، ورواية عبيد الله بن عمر هذه رواها مسلم، وابن ماجه، وفيها: «من عمرتك»، ورواها البخاريّ بدون قولها: «من عمرتك»، ولفظ الشيخين فيها: «فلا أحلّ حتى أحلّ من الحجّ»، وفي لفظ لمسلم: «حتى أنحر»، كرواية مالك، وكذا في رواية ابن ماجه. وروايةُ ابن جريج أخرجها مسلم، وأخرج البخاريّ مثلها من طريق موسى بن عقبة، عن نافع. وذكر البيهقيّ رواية موسى بن عقبة، ثم قال: وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، لم يذكر فيه العمرة، والله أعلم. وفيه إشارة إلى الاختلاف في ذكر هذه اللفظة، ففيه ميلٌ لما تقدّم عن الأصيليّ، وفي رواية مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن حفصة قالت … فجعله من مسند ابن عمر، وكذا في «صحيح مسلم» من طريق عبيد الله بن عمر، وفي حديث الباقين عن ابن عمر، عن حفصة، وفي رواية موسى بن عقبة، وابن جريج حدثتني حفصة. انتهى كلام وليّ الدين . وقال في «الفتح»: ولم يقع في رواية مسلم قوله: «بعمرة»، وذكر ابن عبد البرّ أن أصحاب مالك ذكرها بعضهم، وحذفها بعضهم. واستُشكل كيف حلّوا بعمرة مع قولها: «ولم تحلّ من عمرتك»؟. والجواب أن المراد بقولها: «بعمرة» أي إن إحرامهم بعمرة كان سببًا لسرعة حلّهم. انتهى . وقال وليّ الدين: [إن قلت]: ما معنى قوله: «بعمرة»، وكيف يلتئم هذا مع قوله بعده: «من عمرتك»، كيف يحلّ بعمرة، ويحلّ منها؟. [قلت]: الصحابة -﵃- حلّوا بعمرة، فإنهم فسخوا الحجّ إليها، فأتوا بأعمالها، وتحلّلوا منها، ولولا ذلك لاستمرّوا على الإحرام، حتى يأتوا بأعمال الحجّ، فكان إحرامهم بعمرة سببأ لسرعة حلّهم، وأما هو -ﷺ-، فإنه أدخل العمرة على الحجّ، فلم يُفده الإحرام بالعمرة سرعةَ الإحلال؛ لبقائه على الحجّ، فشارك الصحابة في الإحرام بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحجّ، وفسخهم له. وهذا الذي ذكرته من إدخاله العمرة على الحجّ هو المعتمد، وعكس الخطّابيّ ذلك، فقال في الكلام على هذا الحديث: هذا يُبيّن لك أنه كانت هناك عمرة، ولكنه أدخل عليها الحجّ، فصار قارنًا، ثم حكى الاتفاق على جواز إدخال الحجّ على العمرة قبل الطواف، والخلاف في إدخالها على الحجّ، منعه مالك، والشافعيّ، وأجازه أصحاب الرأي، هذا كلامه. ومن يمنع إدخال العمرة على الحجّ يُجيب عن هذا الحديث على ما قرّرته أوّلًا بأن هذا من خصوصيّات هذه الحجّة، فقد وقعت فيها أمورٌ غريبة، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: منع إدخال العمرة على الحجّ بعد صحته منه -ﷺ- لا وجه له، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. (وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟) هكذا هو عند البخاريّ أيضًا بفك إدغام اللام، ووقع عند النسائيّ بلفظ: «ولم تحلّ» بالإدغام، وهما لغتان، كما أشار إليهما ابن مالك ﵀ في «خلاصته» بقوله: وَفُكَّ حَيْثُ مُدْغَمٌ فِيهِ سَكَنْ … لِكَوْنِهِ بِمُضْمَرِ الرَّفْعِ اقْتَرَنْ نَحْوُ «حَلَلْتُ مَا حَلَلْتَهُ»وَفِي … جَزْمٍ وَشِبْهِ الْجَزْمِ تَخْيِيرٌ قُفِي والفكّ لغة أهل الحجاز، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، والإدغام لغة تميم، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٤]. [تنبيه]: يجوز في قوله: «ولم تحلل»، وفي قوله الآتي: «فلا أحلّ» فتح أوّله، وضمّه، على أنه ثلاثيّ، ورباعيّ، وهما لغتان فيه، والفتح أوفق لقولها: «حَلُّوا»، قاله وليّ الدين . وفي «المصباح»: وحلّ المحرمُ حِلًّا بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف مثلُهُ، فهو مُحلّ، وحِلّ أيضًا تسميةً بالمصدر، وحلالٌ أيضًا. انتهى. (قَالَ) -ﷺ («إِنّي لَبَّدْتُ رَأسِي) - بتشديد الباء الموحّدة، وبالدال المهملة- أي شعر رأسي، وتلبيد الشعر أن يُجعَل فيه شيء من صمغ، أو نحوه عند الإحرام لينضمّ الشعر، ويلتصق بعضه ببعض؛ احترازًا عن تعطّفه، وتقمّله، وإنما يَفعل ذلك من يطول مكثه في الإحرام. وقال الفيّوميّ ﵀:«التلبيد»: مصدر لبّد، يقال: لبّدَ الشيءَ تلبيدًا: ألزق بعضه ببعض، حتى صار كاللِّبْد ، ولبّد الحاجّ شعره بخطميّ، ونحوه كذلك حتى لا يتشعّث. انتهى. وفي هذا الحديث استحباب التلبيد، والمعنى فيه الإبقاء على الشعر، وقد نصّ عليه الشافعيّ، وأصحابه . (وَقَلَّدْتُ هَدْيِي) بإسكان الدال، وتخفيف الياء، وبكسر الدال، وتشديد الياء لغتان. وتقليده أن يُعلّق عليه شيئًا يُعرف به كونه هديًا، فإن كان من الإبل والبقر استُحبّ تقليده بنعلين، من النعال التي تُلبس في الرجلين، في الإحرام، ويستحبّ التصدّق بهما عند ذبح الهدي، وإن كان من الغنم استُحبّ تقليده بخُرَب القِرَب -بضمّ الخاء المعجمة، وفتح الراء- وهي عُراها، واَذانها، وبالخيوط المفتولة، ونحوها. وقد اتفق العلماء على استحباب سوق الهدي، وعلى استحباب تقليد الإبل، والبقر، واختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعيّ، والجمهور، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يستحبّ ، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه -إن شاء الله تعالى-. (فَلَا أُحِلُّ) تقدّم ضبطه بفتح أوله، وضمّه، من الحلّ، أو من الإحلال، ثلاثيًّا، ورباعيًّا (حَتَّى أَنْحَرَ») وفي رواية عبيد الله الآتية:«حَتَّى أُحِلَّ مِنَ الْحَجِّ»: أي فلا أتحلل من الإحرام حتى أفرغ من عمل الحجّ بنحر الهدي يوم النحر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حفصة -﵂- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢٣/ ٢٩٨٥ و٢٩٨٦ و٢٩٨٧ و٢٩٨٨ و٢٩٨٩، (١٢٢٩)، و(البخاريّ) في«الحجّ»(١٥٦٦ و١٦٩٧ و١٧٢٥) وفي«المغازي»(٤٣٩٨) وفي«اللباس»(٥٩١٦)، و(أبو داود) في«المناسك»(١٨٠٦)، و(النسائيّ) في«المناسك»(٢٦٨٢ و٢٧٨١) وفي«الكبرى»(٣٦٦٢ و٣٧٦٢)؛ و(ابن ماجه) في«المناسك»(٣٥٤٦)، و(مالك) في«الموطّأ»(٨٩٧)، و(الشافعيّ) في«مسنده»(١١١/ ١ و١٩٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٢٨٣ و٢٨٥)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ٣٢٨)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٩/ ٢٣٥)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(١٢/ ٤٧٧ و٤٨١)، و(ابن راهويه) في«مسنده»(٤/ ١٩٤)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(٣١١/ ٢٣ و٣١٢ و٣١٣ و٣١٤ و٣١٥ و٣١٦)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٥/ ١٢) و«المعرفة»(٣/ ٤٨٨ و٥١٣ و٥١٤ و٥١٧)، و(البغويّ) في«شرح السنة» (١٨٨٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن القارن لا يتحلّل إلا في وقت تحلل المفرِد، وهو يوم النحر. ٢ - (ومنها): بيان استحباب التلبيد، وسيأتي في بابه. ٣ - (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وسيأتي في بابه أيضًا. ٤ - (ومنها): مشروعية سؤال الرعية رئيسهم عن فعله؛ إذا خَفِي عليهم وجهه. ٥ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمرته حتى يحلّ بالحجّ، ويفرغ منه؛ لأنه جعل العلة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وأخبر أنه لا يحلّ حتى ينحر الهدي، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، ومن وافقهما، ويؤيّده قوله في حديث عائشة -﵁-: «فأمر من لم يكن ساق الهدي أن يحلّ»، والأحاديث بذلك متضافرة. وأجاب بعض المالكيّة، والشافعيّة عن ذلك بأن السبب في عدم تحلله من العمرة كونه أدخلها على الحجّ، وهو مشكل عليه؛ لأنه يقول: إن حجه كان مفردًا. وقال بعض العلماء: ليس لمن قال: كان مفردًا عن هذا الحديث انفصال؛ لأنه إن قال به استشكل عليه كونه علّل عدم التحلّل بسوق الهدي؛ لأن عدم التحلّل لا يمتنع على من كان قارنًا عنده، قاله في «الفتح» . ٦ - (ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه -ﷺ- كان في حجة الوداع متمتّعًا لكونه أقرّ على أنه محرم بعمرة، والتمتّع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ، وطَعْنُ من طعن في قوله: «من عمرتك» غيرُ ملتفت إليه كما تقدّم، لكن هذا التمسّك ضعيف، فإنه أَبُو لم يكن إلا هذا اللفظ لاحتمل التمتّع، والقران، فتعيّن بقوله -ﷺ- في رواية عبيد الله بن عمر: «حتى أحلّ من الحجّ» أنه كان قارنًا، وهو في «الصحيحين» كما تقدّم، قاله وليّ الدين ﵀ . ٧ - (ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه -ﷺ- كان قارنًا، وهو متمسّكٌ قويّ، قال الحافظ وليّ الدين: وما أدري ما يقول من ذهب إلى التمتّع، هل يقول: استمرّ على العمرة خاصّةً، ولم يُحرم بالحجّ أصلًا، فيكون لم يحجّ في تلك السنة، وهذا لا يقوله أحد، أو أدخل عليها الحجّ، فصار قارنًا، وصحّ ما قاله هؤلاء، فإن للقران حالتين: إحداهما: أن يحرم بالنسكين ابتداء، والثاني: أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ، وقوله في رواية عبيد الله بن عمر: «حتى أحلّ من الحجّ» صريح في أنه كان قارنًا، وقولها: «من عمرتك» أي العمرة المضمومة إلى الحجّ، قال النوويّ في «شرح مسلم»: هذا دليل للمذهب الصحيح المختار أنه -ﷺ- كان قارنًا في حجة الوداع. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: الذاهبون إلى الإفراد أجابوا عن هذا الحديث بأجوبة: (أحدها): أنها أرادت بالعمرة مطلق الإحرام، رَوَى البيهقيّ بإسناده عن الشافعيّ أنه قال: فإن قيل: فما قول حفصة للنبيّ -ﷺ-: «ما شأن الناس حلّوا، ولم تحلل من عمرتك؟». قيل: أكثر الناس مع النبيّ -ﷺ- لم يكن معه هديٌ، وكانت حفصة معهم، فأُمروا أن يجعلوا إحرامهم عمرة، ويحلّوا، فقالت: لِمَ تحلل الناس، ولم تَحْلِل من عمرتك؛ يعني إحرامك الذي ابتدأته، وهم بنيّة واحدة -والله أعلم- فقال: «لبّدت رأسي، وقلّت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر بدني»؛ يعني -والله أعلم- حتى يحلّ الحاجّ؛ لأن القضاء نزل عليه أن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجًّا، وهذا من سعة لسان العرب الذي يكاد يعرف بالجواب فيه. انتهى كلامه. (ثانيها): أنها أرادت بالعمرة الحجّ؛ لأنهما يشتركان في كونهما قصدًا. (ثالثها): أنها ظنّت أنه معتمر. (رابعها): أن معنى قولها: «من عمرتك» أي لعمرتك بأن تفسخ حجّك إلى عمرة كما فعل غيرك، قال النوويّ في «شرح مسلم» بعد ذكره هذه الأجوبة: وكلّ هذا ضعيف، والصحيح ما سبق -يعني أنه -ﷺ كان قارنًا- ذكره وليّ الدين ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج: ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٨٦] (…) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ -﵂- قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ لَمْ تَحِلَّ؟ بِنَحْوهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢. ٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ البجليّ مولاهم، أبو الهيثم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية مالك عن نافع هذه ساقها أبو يعلى في «مسنده» (١٢/ ٤٨١) فقال: (٧٠٥٦) - حدّثنا زهير، حدّثنا عبد الرحمن ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة «أنها قالت للنبيّ -ﷺ-: ما لك لم تحلّ من عمرتك؟ قال: إني لَبّدتُّ رأسي، وقَلَّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٨٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ -﵂- قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِ، وَلبّدْتُ رَأْسِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٨٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ حَفْصَةَ -﵂- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ: «فَلَاَ أَحِلُّ حَتَّى أنحَرَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن عبيد الله هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في «سننه»، فقال: (٣٠٣٧) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر «أن حفصة زوج النبيّ -ﷺ- قالت: قلت: يا رسول الله ما شأن الناس حَلّوا، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟ قال: إني لبّدتّ رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٨٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَتْني حَفْصَةُ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَحِلَّ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأسيِ، وَقَلَّدْتُ هَدْي، فَلَا أَحِل حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن عمر العَدَنيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ) هو: هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد بن العاص المخزوميّ المكيّ، مقبول [٨]. رَوَى عن هشام بن عروة، وعبد الله بن عكرمة بن الحارث بن هشام، وإسماعيل بن رافع، وابن جريج، ويونس بن يزيد، والثوريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن المنذر، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، وأحمد بن محمد بن الوليد، وقال العقيليّ: هشام بن سليمان في حديثه عن غير ابن جريج وَهَمٌ. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١٢٢٩)، و(١٣٤١)، و(١٥١٩)، و(١٥٥٩)، و(٢٠٠٣). ٣ - (عَبْدُ الْمَجِيدِ) بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- الأزديّ، مولى المهلَّب، أبو عبد الحميد المكيّ، صدوقٌ يُخطئ، وكان مرجئًا، أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [٩]. رَوَى عن أبيه، وأيمن بن نابل، وابن جريج، ومعمر، وسالم الجزريّ، وغيرهم. وروى عنه الشافعيّ، وأحمد، والحميديّ، وابن أبي عمر، وغيرهم. قال أحمد: ثقةٌ، وكان فيه غلوّ في الإرجاء، وكان يقول: هؤلاء الشُّكّاك، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن ابن معين: ثقةٌ ليس به بأس، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ، وكان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان يطعن بالإرجاء، قال: ولم يكن يبذل نفسه للحديث، وقال إبراهيم بن الجنيد: ذكر يحيى بن معين عبد المجيد، فذكر من نُبْله وهيبته، وكان صدوقًا، ما كان يرفع رأسه إلى السماء، وكانوا يعظمونه، وقال البخاريّ: كان يرى الإرجاء، كان الحميديّ يتكلم فيه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، حدّثنا عنه أحمد، ويحيى بن معين، قال يحيى: كان عالمًا بابن جريج، وقال أبو داود: وكان مرجئًا داعية في الإرجاء، وما فسد عبد العزيز حتى نشأ ابنه، وأهل خراسان لا يحدثون عنه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال في موضع آخر: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ يُكتب حديثه، وقال الدارقطنيّ: لا يُحتج به، يُعتبر به، وأبوه أيضًا ليّن، والابن أثبت، والأب يُتْرَك، وروى له أبو أحمد بن عديّ أحاديث، ثم قال: كلها غير محفوظة على أنه ثبت في حديث ابن جريج، وله عن غير ابن جريج، وعامة ما أنكر عليه الإرجاء، وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق، فجاءنا موت عبد المجيد بن عبد العزيز، وذكر وفاته سنة ست ومائتين، فقال عبد الرزاق: الحمد لله الذي أراح أمة محمد -ﷺ- من عبد المجيد، وقال الدارقطنيّ في «العلل»: كان أثبت الناس في ابن جريج، وقال المرُّوذيّ عن أحمد: كان مرجئًا، قد كتبت عنه، وكانوا يقولون: أفسد أباه، وكان منافرًا لابن عيينة، قال المرُّوذيّ؛ وكان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية ولا مخاصمًا، وقال العقيليّ: ضعّفه محمد بن يحيى، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث مرجئًا ضعيفًا، وقال الساجيّ: روى عن مالك حديثًا منكرًا، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد: «الأعمال بالنيات»، وروى عن ابن جريج أحاديث لم يتابع عليها، وقال ابن عبد البرّ: روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها، أشهرها خطأ حديث الأعمال، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، وقال الحاكم: هو ممن سكتوا عنه، وقال الخليليّ: ثقةٌ، لكنه أخطأ في أحاديث، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير، فاستَحَقَّ الترك، وقال الدارقطنيّ في «الأفراد»: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا علي بن مسلم، ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كلام القدرية كفر، وكلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعية تلطخ بالذنوب، والعصمة من الله، واعلموا أن كلًّا بقدر الله. قال الدارقطنيّ: تفرد به عبد المجيد، قال الحافظ: وبقية رجاله ثقات. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج)، عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقةٌ فقيه إلا أنه يدلّس، [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٤) - (بَابُ بَيَانِ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالإِحْصَارِ، وَجَوَازِ الْقِرَانِ، وَجَوَازِ اقْتِصَارِ الْقَارِنِ عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ، وَسَعْيِ وَاحِدٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٩٠] (١٢٣٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ -﵄- خَرَجَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا، وَقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتَ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَخَرَجَ، فَأَهَلَّ بعُمْرةٍ، وَسَارَ حَتَّى إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، فَخَرَجَ، حَتَّى إِذَا جَاءَ الْبَيْتَ طَافَ بِهِ سَبْعًا، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْو سَبْعًا، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَرَأَى أنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ، وَأَهْدَى). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم تقدّموا في أول الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٨٦) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ -﵄- خَرَجَ) ظاهر هذا السياق يُشعر بان الحديث عن نافع، عن ابن عمر بغير واسطة، وكذا الرواية التالية بلفظ: «أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلّما عبد الله …» الحديث، فظاهرها أيضًا أن نافعًا أخذه عن ابن عمر -﵄- بغير واسطة. لكن رواية جويرية عند البخاريّ تقتضي أن نافعًا حَمَل ذلك عن عبد الله، وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، حيث قال فيها: عن جويرية، عن نافع، أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلّما عبد الله بن عمر … فذكر القصّة، والحديث. قال الحافظ ﵀: هكذا قال البخاريّ عن عبد الله بن محمد بن أسماء، ووافقه الحسن بن سفيان، وأبو يعلى كلاهما عن عبد الله، أخرجه الإسماعيليّ عنهما، وتابعهم معاذ بن المثنّى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، أخرجه البيهقيّ، لكن في رواية موسى بن إسماعيل، عن جُويرية، عن نافع أن بعض بني عبد الله بن عمر، قال له … فذكر الحديث، وظاهره أنه لنافع عن ابن عمر بغير واسطة، وقد عقّب البخاريّ رواية عبد الله برواية موسى لينبّه على الاختلاف في ذلك، واقتصر في رواية موسى هنا على الإسناد، وساقه في «المغازي» بتمامه. وقد رواه يحيى القطّان عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، كذلك، ولفظه: «أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله كلّما عبد الله»، فذكر الحديث، أخرجه مسلم، وقد أخرجه البخاريّ في «المغازي» عن مسدّد، عن يحيى، مختصرًا، قال فيه: عن نافع، عن ابن عمر، أنه أهلّ، فذكر بعض الحديث، وفي قوله: عن نافع، عن ابن عمر دلالة على أنه لا واسطة بين نافع، وابن عمر فيه، كما هو ظاهر سياق مسلم. وأخرجه البخاريّ من طريق عمر بن محمد، عن نافع، مثل سياق يحيى، عن عبيد الله سواء. وأخرجه من طريق فُليح من طريق أيوب، والليث، كلهم عن نافع. قال: وأعرض مسلم عن تخريج طريق جويرية، ووافق على طريق تخريج الليث، وأيوب، عن عبيد الله بن عمر، وكذا أخرجه النسائيّ من طريق أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أُميّة كلهم عن نافع، عن ابن عمر بغير واسطة. قال الحافظ ﵀: والذي يترجّح في نقدي أن ابني عبد الله أخبرا نافعًا بما كلّما به أباهما، وأشارا عليه به من التأخّير ذلك العام، وأما بقيّة القصّة فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر؛ لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول، وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئًا من ذلك من ابن عمر، فقد عُرف الواسطة بينهما، وهي ولدا عبد الله بن عمر، سالم، وعبد الله، وهما ثقتان، لا مطعن فيهما، ولم أر من نبّه على ذلك من شُرّاح البخاريّ. ووقع في رواية جويرية المذكورة عبيد الله بن عبد الله بالتصغير، وفي رواية يحيى القطّان المذكورة عبد الله بالتكبير، وكذا في رواية عمر بن محمد، عن نافع، قال البيهقيّ: عبد الله -يعني مكبرًا- أصحّ. قال الحافظ: وليس بمستبعد أن يكون كلّ منهما كلّم أباه في ذلك، ولعلّ نافعًا حضر كلام عبد الله المكبّر مع أخيه سالم، ولم يحضر كلام عبيد الله المصغّر مع أخيه سالم أيضًا، بل أخبراه بذلك، فقصّ عن كلّ ما انتهى إليه علمه. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «ووقع في رواية جويرية عبيد الله مصغرًا إلخ» هكذا في رواية البخاريّ من رواية محمد بن عبد الله بن أسماء، عن جويرية، وإلا فرواية جويرية عند النسائيّ من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ عنه: «عبد الله بن عبد الله» مكبرًا، وهذا الاختلاف يدلّ على أن المكبر أصحّ كما قاله البيهقيّ، والله تعالى أعلم. (فِي الْفِتْنَةِ) أي في أيام فتنة ابن الزبير، وفي الرواية التالية: «حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير»؛ أي جاء ليقاتله من قبل مروان بن الحكم، وفي رواية جويرية عند النسائيّ: «لما نزل الجيش بابن الزبير قبل أن يُقتل»، وفي رواية للبخاريّ: «ليالي نزل الجيش بابن الزبير»، وفي رواية له: «أراد ابن عمر الحجّ عام حجّ الحروريّة»، قال الحافظ: قوله في هذه الرواية: «عام حجة الحرورية»، وفي رواية الكشميهني: «حج الحرورية في عهد ابن الزبير» مغاير لقوله في «باب طواف القارن» من رواية الليث، عن نافع: «عام نزل الحجاج بابن الزبير»؛ لأن حجة الحرورية كانت في السنة التي مات فيها يزيد بن معاوية، سنة أربع وستين، وذلك قبل أن يتسمّى ابن الزبير بالخلافة، ونزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين، وذلك في آخر أيام ابن الزبير، فإما أن يُحْمَل على أن الراوي أطلق على الحجاج، وأتباعه حرورية؛ لجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحقّ، وإما أن يُحْمَل على تعدّد القصّة. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: وكان من شأن ابن الزبير أنه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية، ولم يستخلف، بقي الناس لا خليفة لهم جمادين، وأيامًا، من رجب، من سنة أربع وستين، فاجتمع من كان بمكة من أهل الحلّ والعقد، فبايعوا عبد الله بن الزبير لتسع ليال بقين من رجب من السنة المذكورة، واستوسق له سلطان الجحاز، والعراق، وخراسان، وأعمال المشرق، وبايع أهل الشام، ومصر مروان بن الحكم في شهر رجب المذكور، ثم لم يزل أمرهما كذلك إلى أن توفّي مروان، وولي ابنه عبد الملك، فمنع الناس من الحجّ؛ لئلا يبايعوا ابن الزبير، ثم إنه جيّش الجيوش إلى الحجاز، وأمّر عليهم الحجّاج، فقاتل أهل مكة، وحاصرهم إلى أن تغلّب عليهم، وقتل ابن الزبير، وصلبه، وذلك يوم الثلاثاء، لثلاث ليال، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين. انتهى . (مُعْتَمِرًا) وفي الرواية التالية: «أراد ابن عمر الحجّ»، قال الحافظ ﵀: لا اختلاف بينهما؛ فإنه خرج أوّلًا يريد الحجّ، فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحدًا، فأضاف إليها الحجّ، فصار قارنًا. انتهى . (وَقَالَ) ابن عمر بعد أن ذكروا الفتنة، ففي الرواية التالية: «أن عبد الله بن عبد الله، وسالم ابن عبد الله كلّما عبد الله حين نزل الحجّاج لقتال ابن الزبير، قالا: لا يضرّك أن لا تحجّ العام، فإنا نخشى أن يكون بين الناس قتالٌ يُحال بينك وبين البيت». ووقع في رواية البخاريّ من طريق أيوب، عن نافع، أن القائل هو ولده عبد الله بن عبد الله، ولفظه: «قال عبد الله بن عبد الله بن عمر -﵄- لأبيه: أقم، فإني لا آمن أن ستُصدّ عن البيت …». (إِنْ صُدِدْتُ) بالبناء للمفعول (عَن الْبَيْتِ) أي منِعتُ عن الوصول إليه، وأداء النسك (صَنَعْنَا) أي هو ومن معه من أصحابه (كلمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه سلم -) «ما» اسم موصول؛ أي كالذي صنعناه معه -ﷺ-، أو حرف مصدريّ؛ أي كصنعنا معه -ﷺ-؛ يعني أنه إن صُدّ عن البيت حلّ من إحرامه، كما حلّ رسول الله -ﷺ-، وأصحابه، حين أُحصروا بالحديبية؛ إذ صدّهم المشركون عن البيت. وقال النوويّ: وأما قوله: «صنعنا كما صنعنا مع رسول الله -ﷺ- إلخ»: فالصواب في معناه أنه أراد إن صُدِدتُ، وحُصرت تحللت كما تحللنا عام الحديبية مع النبيّ -ﷺ-، وقال القاضي: يَحْتَمِل أنه أراد: أُهِلّ بعمرة كما أَهلّ النبيّ -ﷺ- بعمرة في العام الذي أُحصر، قال: ويَحْتَمِل أنه أراد الأمرين، قال: وهو الأظهر، وليس بظاهر كما ادعاه، بل الصحيح الذي يقتضيه سياق كلامه ما قدّمناه. انتهى كلام النوويّ ﵀. وفي رواية جويرية: «فقال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ-، فحال كفّار قريش دون البيت، فنحر رسول الله - ﷺ- هديه، وحلق رأسه، وأُشهدكم أني قد أوجبت العمرة إن شاء الله، أنطلق، فإن خُلّي بيني وبين البيت طُفت، وإن حِيل بيني وبين البيت فعلت ما فعل رسول الله -ﷺ-، وأنا معه …». (فَخَرَجَ) أي من المدينة (فَأَهَلَّ بِعُمْرةٍ) أي من ذي الحليفة، وفي الرواية التالية: «أشهدكم أني قد أوجبت عمرةً»، ومعناه: قد ألزمت نفسي ذلك، والإيجاب هنا معناه الإلزام، وإنما قال ذلك لتعليم من أراد الاقتداء به، فإن الإشهاد في مثل هذا لا يحتاج إليه، ولا التلفظ بذلك، والنية كافية في صحة الإحرام، قاله وليّ الدين ﵀. وفي رواية جويرية عند البخاريّ: «فأهلّ بالعمرة من ذي الحليفة»، وفي رواية أيوب: «فأهل بالعمرة من الدار»، والمراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة، ويَحْتَمِل أن يُحمَل على الدار التي بالمدينة، ويُجمَع بأنه أهلّ بالعمرة من داخل بيته، ثم أعلن بها، وأظهرها بعد أن استقرّ بذي الحليفة، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني ضعيف، بل باطل؛ لأن رواية النسائيّ من طريق أيوب السختيانيّ، وأيوب بن موسى، وعبيد الله كلهم، عن نافع، مصرّحة بما يرّده، ولفظه: «قال: خرج عبد الله بن عمر، فلما أتى ذا الحليفة، أهلّ بالعمرة، فسار قليلًا …»، فظهر بهذا أن الاحتمال الذي ذكروه في تفسير الدار بداره في المدينة غير صحيح، بل الصواب أنه المنزل الذي نزله بذي الحليفة. ومن المعروف أن ابن عمر -﵄- معروف بشدة اتباعه للنبيّ -ﷺ-، فلا يمكن أن يخالفه في الإحرام قبل الميقات الذي حدّده النبيّ -ﷺ- قولًا وفعلًا، وقد قدّمنا أن الأرجح أنه لا يجوز الإحرام قبل الميقات، فالمعنى الأول هو المتعيّن هنا. فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (وَسَارَ حَتَّى إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ) بالمدّة المفازة، والجمع بِيدٌ بالكسر، وقال ابن الأثير ﵀: البيداء: المفازة التي لا شيء بها، وهي هنا اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة. انتهى . وفي رواية جويرية: «ثم سار ساعة، ثم قال: إنما شأنهما واحد …»، قال الحافظ: وهو يؤيّد الاحتمال الأول الماضي في أن المراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة، وقال أيضًا: ولو كان إيجابه العمرة من داره التي بالمدينة لكان ما بينها وبين ظاهر البيداء أكثر من ساعة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت آنفًا أن الاحتمال الثاني لا يصحّ، فتبصّر. (الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ) أي فيما يتعلّق بالإحصار، والإحلال، وقال القرطبيّ ﵀: أي في حكم الصدّ؛ يعني أنه من صُدّ عن البيت بعدوّ، فله أن يحلّ من إحرامه، سواء كان محرمًا بحجّ، أو عمرة، وإن كان النبيّ -ﷺ- إنما صُدّ عن عمرة؛ لكن لما كان الإحرام بالحجّ مساويًا للإحرام بالعمرة في الحكم حمله عليه. انتهى. وقال النوويّ ﵀: فيه صحة القياس، والعمل به، وأن الصحابة -﵃- كانوا يستعملونه، فلهذا قاس الحجّ على العمرة؛ لأن النبيّ -ﷺ- إنما تحلّل من الإحصار بعمرة عام الحديبية من إحرامه بعمرة وحدها. انتهى . قال الحافظ وليّ الدين ﵀: ما ذكره في معنى كلام ابن عمر لا يتعيّن، فقد يكون معناه: ما أمرهما إلا واحد في إمكان الإحصار عن كلّ منهما، فكأنه كان أولًا رأى الإحصار عن الحجّ أقرب من الإحصار عن العمرة لطول زمن الحجّ، وكثرة أعماله، بخلاف العمرة، ويدلّ لهذا قوله في رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع بعد قوله: «ما أمرهما إلا واحد»: «إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحجّ»، وهو في «الصحيح». انتهى . (أُشْهِدُكمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ) وفي رواية الليث الآتية: «قد أوجبتُ حجًّا مع عمرتي»؛ يعني أنه أدخل الحجّ على عمرته المتقدّمة، فصار قارنًا، وفيه حجة على جواز إدخال الحجٍ على العمرة، وهو مذهب الجمهور (فَخَرَجَ، حَتَّى إِذَا جَاءَ الْبَيْتَ طَافَ بِهِ سَبْعًا، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْو سَبْعًا) أي سعى بينهما (لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَرَأَى أنهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ) وفي رواية الليث: «ورَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ». قال القرطبيّ ﵀: يعني الطواف بين الصفا والمروة، وأما الطواف بالبيت، فلا يصحّ أن يقال فيه: إنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بدّ منه للمفرد، والقارن، ولا قائل بان طواف القدوم يُجزئ عن طواف الإفاضة بوجه. انتهى . وقال ابن عبد البرّ: فيه حجة لمالك في قوله: إن طواف القدوم إذا وُصل بالسعي يُجزئ عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلًا، أو نسيه، حتى رجع إلى بلده، وعليه الهدي، قال: ولا أعلم أحدًا قاله غيره، وغير أصحابه. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب ما قاله القرطبيّ ﵀، من أن المراد بالطواف السعي، لا الطواف بالبيت، فإنه لا يكفي الطواف الأول عن الإفاضة، بدليل حديث جابر -﵁- الصحيح، قال: «لم يطف النبيّ -ﷺ-، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول». فإن هذا صريح في كون المراد بالطواف الأول في حديث ابن عمر المذكور هنا هو السعي بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، فإن جابرًا، وغيره قد نصّوا على أنه -ﷺ-، وأصحابه أفاضوا يوم النحر، والله تعالى أعلم بالصواب. وأما ما أطال به السنديّ نفَسَه، فلا أرى لنقله هنا وَجْهًا؛ لأن ما سبق يغني عنه، وأما استبعاده إطلاق الطواف على السعي، فعجيب منه، فإن هذا الحديث نفسه يُبطل ذلك، فإنه قال: «فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة»، وما أكثر مثل هذه العبارة في الأحاديث الصحيحة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَأَهْدَى) وفي الرواية التالية: «فانطلق حتى ابتاع بقديد هديًا». وفي رواية البخاريّ: «وأهدى هديًا اشتراه بقُديد»، بضم القاف مصغّرًا: موضع بين مكة والمدينة؛ يعني أنه قلّده هناك، وأشعره، ويعني به الهدي الذي وجب عليه لأجل قرانه. وروى علي بن عبد العزيز، عن القعنبيّ، عن مالك في هذا الحديث: «وأهدى شاة»، فزاد ذكر الشاة، قال ابن عبد البرّ: وهو غير محفوظ عن ابن عمر، والدليل على غلطه أن ابن عمر كان مذهبه فيما استيسر من الهدي بقرة دون بقرة، أو بدنة دون بدنة، ذكره عبد الرزّاق عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عنه، وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما استيسر من الهدي: البدنة، والبقرة، وروي عن عمر، وا بن عبّاس، وعليّ، وغيرهم: ما استيسر من الهدي: شاة، وعليه العلماء. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٢٩٩٠ و٢٩٩١ و٢٩٩٢ و٢٩٩٣ و٢٩٩٤] (١٢٣٠)، و(البخاريّ) في «الحج» (١٦٣٩ و١٦٤٠ و١٦٩٣ و١٧٠٨ و١٧٢٦ و١٧٣٢ و١٨٠٦ و١٨٠٨ و١٨١٠ و١٨١٢ و١٨١٣) و«المغازي» (٤١٨٣ و٤١٨٤ و٤١٨٥)، و(الترمذيّ) في «الحج» (٩١٣)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٢٧٤٦ و١٠٢ و٨٥٥ و٢٩٣٢/ ١٤٤ و٢٩٣٣) وفي «الكبرى» (٣٧٢٧ و٣٨٤٢ و٣٩١٣ و٣٩١٤)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣١٠٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (٨٠٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣٨/ ٢ و٥٤ و٦٣ و١٣٨ و١٤١)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٩٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٥٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٢٥٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٤٨ و٥/ ٢١٥) و«المعرفة» (٣/ ٥٢٤ و٤/ ١٠١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن من أحصره العدوّ؛ أي منعه عن المضيّ في نسكه، سواء كان حجًا أو عمرة، جاز له التحلّل بأن ينحر هديه، ويحلق رأسه، أو يقصّر. والتحلّل بإحصار العدوّ مجمع عليه في الجملة، حكاه ابن المنذر عن كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم، وبه قالت الأئمة الأربعة، وإن اختلفوا في تفاصيل، وتفاريع، سيأتي توضيحها في المسائل الآتية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): جواز القران، وجواز إدخال الحجّ على العمرة قبل الطواف، قال النوويّ ﵀: وهو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، وقد سبقت المسألة. انتهى. ٣ - (ومنها): أنه يجوز للحاج أن يخرج في الطريق المخوف إذا لم يتيقّن بالسوء، ورجا السلامة، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة. ٤ - (ومنها): أن القارن يقتصر على طواف واحد، وسعي واحد، وبه قال الجمهور، وخالف الحنفية في ذلك، فأوجبوا عليه طوافين، وسعيين، وقد تحقق ذلك، فلا تغفل. ٥ - (ومنها): أن القارن يُهْدِي كالمتمتع، وبه قال العلماء، من فضّل منهم القران على غيره، ومن جعله مرجوحًا، ومن قال بإتيان القارن بأعمال النسكين، ومن قال بالاقتصار على عمل واحد، وخالف في ذلك ابن حزم، فقال: لا هدي على القارن، والراجح قول الجمهور؛ لأن التمتع والقران معناهما واحد في اللغة، وعُرف السلف، فتشملهما آية ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب أهل العلم في إدخال الحج على العمرة، وعكسه: ذهب جمهور السلف والخلف إلى جواز إدخال الحج على العمرة، وهو قول الأئمة الأربعة، لكن شرطه عند أكثرهم أن يكون قبل طواف العمرة، ثم اختلفوا، فقالت الشافعيّة، والحنابلة: الشرط في صحّته أن يكون قبل الشروع في الطواف، وبه قال أشهب من المالكيّة، وصوّبه ابن عبد البرّ. وقالت الحنفيّة: الشرط أن يكون قبل مضيّ أكثر الطواف، فمتى كان إدخاله الحجّ على العمرة بعد مضيّ أربعة أشواط لم يصحّ. وقال ابن القاسم: يصحّ ما لم يكمل الطواف. وعنه رواية أخرى: ما لم يركع ركعتي الطواف. وقال القاضي أبو محمد من المالكيّة: يصحّ ما لم يكمل السعي. فهذا مع ما تقدّم عن أشهب أربعة أقوال عند المالكية. وشذّ بعض الناس فمنع إدخال الحجّ على العمرة، وقال: لا يُدخَل إحرام على إحرام، كما لا تُدخل صلاة على صلاة، وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي ثور، ثم نقل الإجماع على خلافه. وأما إدخال العمرة على الحجّ فمنعه الجمهور، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد. وجوّزه أبو حنيفة، وهو قول قديم للشافعيّ، قاله وليّ الدين. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ﵀ من جواز إدخال الحجّ على العمرة هو الحقّ عندي؛ لأن النبيّ -ﷺ- فعله، ولم يرد نصّ يمنع عنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالإحصار في الحجّ والعمرة: ذهب كثير من الصحابة، فمن بعدهم إلى أنّ الإحصار من كلّ حابس حبس الحاجّ، من عدوّ، ومرض، وغير ذلك، حتى أفتى ابن مسعود -﵁- رجلًا لُدِغ بأنه محصر، أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح عنه. وإلى هذا القول مال الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، كما بيّنه الحافظ في «الفتح»، وهو ظاهر مذهب النسائيّ، كما بيّنته في «شرحي»، وهو مذهب النخعيّ والكوفيين، فإنهم ذهبوا إلى أن الحصر الكسرُ، والمرضُ، والخوفُ. واحتجّوا بحديث حجاج بن عمرو الأنصاريّ -﵁- مرفوعًا: «من عَرَجَ، أو كُسِر، فقد حلّ، وعليه حجة أخرى»، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وبما رواه ابن المنذر من طريق علي بن طلحة، عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قال: من أحرم بحجّ، أو عمرة، ثم حبس عن البيت بمرض يُجهده، أو عدوّ يَحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، فإن كانت حجة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة، فلا قضاء عليه. وبما رواه عبد بن حميد، عن أبي نُعيم، عن الثوريّ، عن ابن جريج، عن عطاء، قال في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. وذهب آخرون إلى أنه لا حصر إلا بالعدوّ، وصحّ ذلك عن ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه الشافعيّ، عن ابن عيينة، كلاهما عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس -﵄-، قال: «لا حصر إلا مَن حَبَسَه عدوّ، فيحلّ بعمرة، وليس عليه حج، ولا عمرة». وروى مالك في «الموطإ»، والشافعيّ عنه، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: «من حُبس دون البيت بالمرض، فإنه لا يحلّ حتى يطوف بالبيت». وروى مالك، عن أيوب، عن رجل من أهل البصرة، قال: «خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت بالطريق كُسِرَت فخذي، فأرسلت إلى مكة -وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والناس- فلم يرخّص لي أحد في أن أحلّ، فأقمت على ذلك الماء تسعة أشهر، ثم حَلَلت بعمرة»، وأخرجه ابن جرير من طرق، وسمّى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخّير. وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد. قال الشافعيّ: جعل الله على الناس إتمام الحجّ والعمرة، وجعل التحلّل للمحصر رخصة، وكانت الآية في شأن منع العدوّ، فلم نَعْدُ بالرخصة موضعها. وذهب آخرون إلى أنه لا حصر بعد النبيّ -ﷺ-، رَوَى مالك في «الموطإ» عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: «المحرم لا يحلّ حتى يطوف»، أخرجه في«باب ما يفعل من أحصر بغيو عدو». وأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن عائشة -﵂-، قالت: «لا أعلم المحرم يحلّ بشيء دون البيت»، وعن ابن عباس -﵄- بإسناد ضعيف، قال: «لا إحصار اليوم»، ورُوي ذلك عن عبد الله بن الزبير. وسبب اختلافِهم في ذلك اختلافُهم في تفسير الإحصار، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة -منهم الأخفش، والكسائيّ، والفرّاء، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، وابن السّكِّيت، وثعلب، وابن قتيبة، وغيرهم -أن الإحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدوّ، فهو الحصر، وبهذا قطع النحّاس. وأثبت بعضهم أن أُحصِرَ، وحُصِرَ بمعنى واحد، يقال في جميع ما يمنع الإنسان من التصرّف، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، وإنما كانوا لا يستطيعون من منع العدوّ إياهم. وأما مالك، والشافعيّ، وأحمد، ومن تبعهم، فحجتهم في أن لا إحصار إلا بالعدوّ اتفاق أهل النقل على أن الآيات نزلت في قصّة الحديبية، حين صُدّ النبيّ -ﷺ- عن البيت، فسمّى الله صدّ العدوّ إحصارًا. وحجة الآخرين التمسك بعوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. انتهى من «الفتح» بتصرّف . وقال الحافظ وليّ الدين ﵀ مورد النصّ في قضية الحديبية إنما هو في الإحصار بالعدوّ، فلو أحصره مرض، منعه من المضيّ في نسك، لم يتحلّل عند الجمهور، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وقال أبو حنيفة: الإحصار بالمرض كالإحصار بالعدوّ، قالوا: وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إنما ورد في إحصار المرض؛ لأن أهل اللغة قالوا: يقال: أحصره المرض، وحصره العدوّ، فاستعمال الرباعيّ في الآية يدلّ على إرادة المرض، وما نقلوه عن أهل اللغة حكاه في «المشارق» عن أبي عبيد، وابن قتيبة، وقال القاضي إسماعيل المالكيّ: إنه الظاهر، وحكاه في «الصحاح» عن ابن السكّيت، والأخفش، قال: وقال أبو عمرو الشيبانيّ: حصرني الشيء، وأحصرني: حبسني. انتهى. فجعلهما لغتين بمعنى واحد. وقال في «النهاية»: يقال: أحصره المرض، أو السلطان: إذا منعه عن مقصده، فهو محصر، وحصره: إذا حبسه، فهو محصور. وحكى ابن عبد البرّ التفصيل المتقدّم عن الخليل، وأكثر أهل اللغة، ثم حكى عن جماعة أنه يقال: حصر، وأحصر بمعنى واحد في المرض، والعدوّ جميعًا، قال: واحتجّ من قال هذا من الفقهاء بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، وإنما أنزلت في الحديبية. انتهى. وقال الشافعيّ ﵀: لم أسمع ممن حُفظ عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن هذه الآية نزلت بالحديبية حين أُحصر النبيّ -ﷺ-، فحال المشركون بينه وبين البيت. وفي البخاريّ عن عطاء: الإحصار من كلّ شيء بحسبه، وممن ذهب إلى التعميم ابن حزم الظاهريّ. انتهى كلام وليّ الدين ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي قول من عمّم، كما هو مذهب الحنفية، والبخاريّ، والنسائيّ، وابن حزم، قال ﵀ في كتابه «المُحَلَّى»: وأما الإحصار، فإن كل من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه، أو عمرته، قارنًا كان، أو متمتعًا، من عدوّ، أو مرض، أو كسر، أو خطأ طريق، أو خطأ في رؤية الهلال، أو سَجْن، أو أيّ شيء كان فهو محصر، فإن كان اشترط عند إحرامه كما قدمنا أن محله حيث حبسه الله، فليحلّ من إحرامه، ولا شيء عليه، سواء شرع في عمل الحج، أو العمرة، أو لم يشرع بعدُ، قريبًا كان، أو بعيدًا، مضى له أكثر فرضهما، أو أقله، كلّ ذلك سواء، ولا هدي في ذلك، ولا غيره، ولا قضاء عليه في شيء من ذلك، إلا أن يكون لم يحجّ قطّ، ولا اعتمر، فعليه أن يحجّ، ويعتمر، ولا بدّ، فإن كان لم يشترط كما ذكرنا، فإنه يحلّ أيضًا، كما ذكرنا سواء سواء، ولا فرق، وعليه هدي، ولا بدّ، كما قلنا في هدي المتعة سواء سواء، إلا أنه لا يعوّض من هذا الهدي صوم، ولا غيره، فمن لم يجده فهو دَين حتى يجده، ولا قضاء عليه، إلا إن كان لم يحج قط، ولا اعتمر، فعليه أن يحج، ويعتمر. قال: قول الله تعالى هو الحجة في اللغة، والشريعة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإنما نزلت هذه الآية في أمر الحديبية؛ إذ منع الكفّار رسول الله -ﷺ- من إتمام عمرته، وسمى الله تعالى منع العدوّ إحصارًا، وكذلك قال البراء، وابن عمر، وإبراهيم النخعيّ، وهو في اللغة فوق أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائيّ، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، فهذا هو منع العدوّ بلا شكّ؛ لأن المهاجرين إنما منعهم من الضرب في الأرض الكفار بلا شكّ، وبيّن ذلك تعالى بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فصحّ أن الإحصار، والحصر بمعنى واحد، وأنهما اسمان يقعان على كلّ مانع، من عدوّ، أو مرض، أو غير ذلك؛ أيّ شيء كان. انتهى كلام ابن حزم ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرره الإمام ابن حزم ﵀ تحقيق حسن جدًّا، وخلاصته أن الإحصار يكون بالعدوّ، والمرض، وغير ذلك مما يمنع إتمام النسك؛ لعموم الأدلّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): اتفقوا على أن من أحصره العدوّ؛ أي منعه عن المضيّ في نسكه، سواء كان حجًّا أو عمرة جاز له التحلل بأن ينوي ذلك، وينحر هديًا، ويحلق رأسه، أو يقصّر، وهذا مجمع عليه في الجملة، حكاه ابن المنذر عن كلّ من يحفظ عنه من أهل العلم، وبه قال الأئمة الأربعة، وإن اختلفوا في تفاصيل، وتفاريع، سنذكرها في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): هل يشترط في جواز التحلل ضيق الوقت بحيث ييأس من إتمام نسكه إن لم يتحلّل أو لا يشترط ذلك، بل له التحلّل مع اتساع الوقت؟ لم يشترط الشافعية ذلك، وهو الذي يدلّ عليه فعله -ﷺ- في الحديبية، فإن إحرامه إنما كان بعمرة، وهي لا يخشى فواتها، وقال المالكية: متى رَجَى زوال الحصر لم يتحلّل حتى يبقى بينه وبين الحج من الزمان ما لا يدرك فيه الحج، أَبُو زال حصره، فيحلّ حينئذ عند ابن القاسم، وابن الماجشون، وقال أشهب: لا يحلّ إلى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الشافعية هو الأرجح عندي؛ لأنه يؤيّده فعله -ﷺ- في الحديبية، حيث تحلل مع أن وقت العمرة متسع لا يفوت، فلم ينتظر وقتًا يتمكن فيه من الأداء، بل تحلل بمجرد تحقق الإحصار له، وهو الموافق لتيسير الشارع الحكيم، وأما القول بالانتظار حتى ييأس، ففيه إيقاع للمحرم في حرج شديد، وذلك ينافي التيسير الذي أراده تعالى لعباده، فمانه تعالى ما شَرَع التحلل للمحصر بالهدي إلا تيسيرًا عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحجّ: ٧٨]، فإذا قلنا بوجوب الانتظار المذكور، فقد عاكسنا مراد الشارع الحكيم الرؤوف الرحيم، فتبصّر بالإنصاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): لم يفرّق الشافعية، والحنابلة في جواز التحلّل بين أن يكون الإحصار قبل الوقوف بعرفة، أو بعده. وخصّ الحنفية، والمالكيّة ذلك بما إذا كان قبل الوقوف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأولون هو الأرجح عندي؛ لإطلاق الأدلة التي تبيح التحلل عن تقييده بشيء، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): اختلفوا في أنه هل يجب على المحصر إراقة دم، أم لا؟ فقال جمهور العلماء بوجوبه، وبه قال أشهب من المالكية، وقال مالك: لا يجب، وتابعه ابن القاسم صاحبه. ثم اختلف القائلون بوجوب الدم في محلّ إراقته، فقال الشافعيّة، والحنابلة: يريقه حيث أُحصر، ولو كان من الحلّ لأنه -ﷺ- كذلك فعل في الحديبية: ودلّ على الإراقة في الحلّ قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فدلّ على أن الكفار منعوهم من إيصاله إلى محله، وهو الحرم. ذكر هذا الاستدلال الشافعيّ. وقال عطاء، وابن إسحاق: بل نحر بالحرم، وخالفهما غيرهما من أهل المغازي، وغيرهم. وقال الحنفية: لا يجوز ذبحه إلا في الحرم، فيرسله مع إنسان، ويواعده على يوم بعينه، فإذا جاء ذلك اليوم تحلّل، ثم قال أبو حنيفة: يجوز ذبحه قبل يوم النحر، وقال صاحباه: يختصّ ذبحه في الإحصار عن الحجّ بيوم النحر، قاله وليّ الدين ﵀ . وقال في «الفتح» ما حاصله: قال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحلّ سواء كان في الحلّ، أو في الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلا في الحرم. وفصّل آخرون كما قاله ابن عباس: إذا كان مع المحصر هدي نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحلّ حتى يبلغ الهدي محله. وهذا هو المعتمد. وسبب اختلافهم في ذلك، هل نحر النبيّ -ﷺ- الهدي بالحديبية في الحلّ، أو في الحرم؟ وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق، وقال غيره من أهل المغازي: إنما نحر في الحلّ، وروى يعقوب بن سفيان، من طريق مجمع بن يعقوب، عن أبيه، قال: «لما حُبس رسول الله -ﷺ-، وأصحابه نحروا بالحديبية، وحلقوا، وبعث الله ريحًا، فحملت شعورهم، فالقتها في الحرم»، قال ابن عبد البرّ في «الاستذكار»: فهذا يدلّ على أنهم حلقوا في الحلّ. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، فإنه لا يلزم من كونهم ما حلقوا في الحرم لمنعهم من دخوله أن لا يكونوا أرسلوا الهدي، مع من نحره في الحرم، وقد ورد ذلك في حديث ناجية بن جندب الأسلميّ: «قلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي، حتى أنحره في الحرم، ففعل»، أخرجه النسائيّ من طريق إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية، وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال: «عن ناجية، عن أبيه». لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصّة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحل، وذلك دالّ على الجواز، والله أعلم. انتهى ما في «الفتح» بتصرّف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال بجواز التحلل في مكان الحصر، سواء كان في الحلّ، أم في الحرم إذا لم يستطع أن يبلغ به محله، فمان استطاع أن يبعث به حتى ينحر في الحرم وجب عليه أن يبعثه، كما سبق عن ابن عباس -﵄-؛ الآية: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): اختلفوا هل يجب القضاء على المحصر إذا تحلّل، أم لا؟: ذهب الحنفية إلى وجوبه، بل زادوا، فقالوا: إن على المحصر عن الحجّ حجة وعمرة، وعلى القارن حجة وعمرتان. وذهبت الشافعية، والمالكية إلى أنه لا قضاء عليه، وعن أحمد بن حنبل روايتان، قالوا: فإن كان حج فرض بقي وجوبه على حاله، وبالغ ابن الماجشون، وأبعد، فقال: يسقط عنه، ورأى ذلك بمنزلة إتمام النسك على وجهه. ونقل في «الفتح» عن الشافعيّ ﵀، أنه قال: لا قضاء عليه من قِبَلِ أن الله تعالى لم يذكر قضاء، والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت؛ لأنّا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضيّة، فتخلّف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس، ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلّفوا عنه، قال: وإنما سميت عمرة القضاء، والقضيّة للمقاضاة التي وقعت بين النبيّ -ﷺ-، وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة. انتهى. وقد رَوَى الواقديّ في «المغازي» من طريق الزهريّ، ومن طريق أبي معشر، وغيرهما، قال: «أمر رسول الله -ﷺ- أصحابه أن يعتمروا، فلم يتخلّف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهد الحديبية، وكانت عدتهم ألفين». قال الحافظ: ويمكن الجمع بين هذا إن صحّ، وبين الذي قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب؛ لأن الشافعيّ جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر. وقد روى الواقديّ أيضًا من حديث ابن عمر، قال: «لم تكن هذه العمرة قضاءً، ولكن كان شرطأ على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدّهم المشركون فيه». انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح أنه لا يجب القضاء على المحصر؛ لعدم دليل يدلّ على ذلك، بل الأدلة بالعكس، كما تقدم في كلام الشافعيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٩١] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ كَلَّمَا عَبْدَ الله، حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ، يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَالَ: فَإِنْ حِيلَ بَيْني وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَأنا مَعَهُ، حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، أشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، فَانْطَلَقَ، حَتَّى أتى ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَلَبَّى بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ خُلِّيَ سَبِيلِي قَضَيْتُ عُمْرَتي، وَإِنْ حِيلَ بَيْني وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَأنَّا مَعَهُ، ثُمَّ تَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ثُمَّ سَارَ، حَتى إِذَا كَانَ بِظَهْرِ الْبَيْدَاءِ، قَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، إِنْ حِيلَ بَيْني وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ حِيلَ بَيْني وَبَيْنَ الْحَجِّ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْؤ ، فَانْطَلَقَ، حَتَّى ابْتَاعَ بِقُدَيْدٍ هَدْيًا، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا بِحَجَّةٍ يَوْمَ النَّحْرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ الْحَجَّ حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ هَذ الْقِصَّةِ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَفَاهُ طَوَاف وَاحِدٌ، وَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أُبُو ابْنِ نُمَيْر) هو: عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا، و«ابن نمير» هنا هو: محمد بن عبد الله. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية ابن نُمير، عن عبيد الله هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى» (٥/ ١٠٧) فقال: (٩٢٠٨) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر بن عبد الله، أنبأ الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي، ثنا عبيد الله، عن نافع، قال: أراد ابن عمر الحج حين نزل الحجاج بابن الزبير، فكلمه ابناه: سالم وعبد الله، فقالا: لا يضرُّك أن لا تحج العام، إنا نخاف أن يكون بين الناس قتال، فيحالَ بينك وبين البيت، قال: إن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعلنا مع رسول الله -ﷺ- حين حالت كفار قريش بينه وبين البيت، فحلَقَ، ورجع، وإني أشهدكم أني قد أوجبت عمرةً، ثم خرج إلى الشجرة، فلَبَّى بعمرة، حتى إذا أشرف بظهر البيداء، قال: ما أمرهما إلا واحد، إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحجّ، اشهدوا أني قد أوجبت حجة مع عمرتي، قال: وليس معه يومئذ هدي، فسار حتى بلغ قُدَيدًا ابتاع بها هديًا، فقلّده، وأشعره، وساقه معه، حتى إذا دخل مكة طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت، وبالصفا والمروة، وكان يقول: من جمع بين الحج والعمرة كفاه طوافٌ واحدٌ، ولم يُحِلّ حتى يَحلّ منهما جميعًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:. [٢٩٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، أنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ الْحَجَّ، عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِن النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، إِنَّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلا وَاحِدٌ، اشْهَدُوا -قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أُشْهِدُكُمْ- أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، ثمَّ انْطَلَقَ يُهِل بِهِمَا جَمِيعًا، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَاتَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحْلِقْ، وَلَمْ يُقَصَّرْ، وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ، وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ الله -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٨٧) من رباعيّات الكتاب. (ثُمَّ انْطَلَقَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا) أي ذهب إلى البيت يرفع صوته بالحج والعمرة معًا. وقوله: (فَطَافَ بِالْبَيْتِ) يعني طواف القدوم، فقد حصل له ما أراده، ولم يقع له شيء مما توهّمه من الصدّ. وقوله: (وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوةِ) أي سعى بينهما. (وَلَمْ يَزِدْ عَلَيَّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْحَرْ) هديه (وَلَمْ يَحْلِقْ) رأسه. وقوله: (حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) «كان» هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها: أي حتى جاء يوم النحر، فنحر وحلق. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) يعني أنه اكتفى بالطواف بين الصفا والمروة حين طاف للقدوم، ولم يُعِد السعي، وفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة: إذ قال: إن القارن لا يكتفي بعمل واحد، بل لا بدّ من عمل كلّ واحد من الحجّ والعمرة، وقد تقدّم تحقيق ذلك، فلا تغفل. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٩٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّاد (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، بِهَذ الْقِصَّةِ، وَلَمْ يَذْكُر النَّبِيَّ -ﷺ-، فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، حِينَ قِيلَ لَهُ: يَصُدُّوكَ عَن الْبَيْتِ، قَالَ : إِذَنْ أفعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- كَمَا ذَكَرَهُ اللَّيْثُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ) فضيل بن الحسين الْجحدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م دت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٣ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم البصريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٥ - (إِسْمَاعِيلُ) بنً عليّة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (أَيُوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: أما رواية حمّاد، عن أيوب، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ ﵀، في «صحيحه»، فقال: (١٥٧٩) - حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، قال: قال عبد الله بن عبد الله بن عمر لأبيه: أقم، فإني لا آمنها أن ستُصَدّ عن البيت، قال: إذًا أفعلُ كما فعل رسول الله -ﷺ-، وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فأنا أشهدكم أني قد أوجبت على نفسي العمرة، فأهلّ بالعمرة من الدار، قال: ثم خرج حتى إذا كان بالبيداء، أهلّ بالحج والعمرة، وقال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحدٌ، ثم اشترى الهدي من قديد، ثم قَدِم، فطاف لهما طوافًا واحدًا، فلم يحلّ حتى حَلّ منهما جميعًا. انتهى. وأما رواية حماد، عن أيوب، عن نافع، فقد ساقها أيضًا البخاريّ ﵀ فقال: (١٥٣١) - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَية، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر -﵄-، دخل ابنه عبد الله بن عبد الله، وظهره في الدار، فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال، فيصدُّوك عن البيت، فلو أقمت، فقال: قد خرج رسول الله -ﷺ-، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله -ﷺ-، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، ثم قال: أشهدكم أني قد أوجبت مع عمرتي حجًّا، قال: ثم قَدِمَ، فطاف لهما طوافًا واحدًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (٢٥) - (بَاب فِي الإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٩٥] (١٢٣١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَاليُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، فِي رِوَايَةِ يَحْيَى قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُول اللهِ -ﷺ- بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ) هو: عبد الله بن عون بن أبي عون عبد الملك بن يزيد الهلاليّ، أبو محمد البغداديّ الْخَرّاز -بمعجمة، ثم مهملة، آخره زاي- أخو مُحْرِز بن عون، كان جدّه أبو عون أمير مصر، ثقةٌ عابدٌ [١٠]. رَوَى عن أبي إسحاق الفزاريّ، وإبراهيم بن سعد، وعباد بن عباد، وخلف بن خليفة، وشريك القاضي، وفَرَج بن فَضَالة، ومالك بن أنس، والثوري، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وروى له النسائيّ بواسطة أبي بكر المروزيّ، وأبو زرعة الرازيّ، وعباس الدُّوريّ، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سئل قديمًا عنه، فقال: ما به بأس، أعرفه قديمًا، وجعل يقول فيه خيرًا، وقال عليّ بن الجنيد، عن ابن معين: صدوقٌ، وقال عبد الخالق بن منصور، عن يحيى: ثقةٌ، وكذا قال علي بن الجنيد، وأبو زرعة، والدارقطنيّ، وقال صالح بن محمد: ثقةٌ مأمونٌ، وكان يقال: إنه من الأبدال، ووثقه أيضًا عبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو شعيب الحرّانيّ، وقال البغويّ: ثنا عبد الله بن عون، وكان من خيار عباد الله، وقال في موضع آخر: وكان من الأبدال، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال موسى بن هارون وغيره: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين في رمضان، وقيل: مات سنة إحدى، وفي «الزهرة» روى عنه مسلم خمسة أحاديث. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١٢٣١)، و(١٧١٨)، و(١٨٩١)، و(٢٠٤٣)، و(٢٨٤٦). ٣ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ) الأزديّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٧] (ت ١٧٩) أو بعدها بسنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عُبيد الله، والباقون بصريّون، سوى يحيى، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر -﵄- من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) -﵄-، وقوله: (فِي رِوَايَةِ يَحْيَى) بيّن به اختلاف شيخيه، فقال يحيى في رواية (قَالَ) ابن عمر: (أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِالْحَجِّ مُفْرَدًا) فذكره بما يعمّ النبيّ -ﷺ- والصحابة الذين كانوا معه (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَهَلَّ بالْحَجِّ مُفْرَدًا) فذكره بما يخصّ النبيّ -ﷺ-، وهذه الرواية عن ابن عمر -﵄- تدلّ على أنه -ﷺ- كان مفردًا بالحجّ، وقد احتجّ به من فضّل الإفراد، وهم عامّة الشافعيّة والمالكيّة، وحمله المحقّقون منهم، كالقاضي عياض، والنوويّ، والحافظ، وغيرهم على أن هذا لبيان ابتداء الحال، ثم صار قارنًا؛ فإنه لا يلزم من إهلاله بالحجّ أن لا يكون أدخل عليه العمرة. قال النوويّ ﵀: قوله: «أهلّ بالحج مفردًا» هذا موافق للروايات السابقة عن جابر، وعائشة، وابن عباس وغيرهم -﵃- أن النبيّ -ﷺ- أحرم بالحج مفردًا، وفيه بيان أن الرواية السابقة قريبًا عن ابن عمر التي أخبر فيها بالقران متأوَّلةٌ، وسبق بيان تأويلها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن التأويل الذي ذكره النوويّ، وتبعه الكثيرون، ومنهم الحافظ في «الفتح» يردّه حديث عمر -﵁- في قصّة العقيق، فإنه لا يقبل التأويل، وهو صريح في أنه -ﷺ- قرن من أول ما أنشأ الإحرام، فلا بدّ من تأويل ما خالف هذا من الأحاديث، وقد استوفيتُ بحثه فيما مضى، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٢٩٩٥] (١٢٣١)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٨٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١١ و١٢ و١٥١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٣٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢ و٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٩٦] (١٢٣٢) - (وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، قَالَ بَكْرٌ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، فَلَقِيتُ أَنَسًا، فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية ابن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٣/ ٦٣٩. ٤ - (بَكْرُ) بن عبد الله الْمُزَنيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٨٢. ٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاريّ الخزرجيّ الخادم الشهير -﵁-، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ، وهشيم فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أنس -﵁- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أنَسٍ -﵁-) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا) أي قارنًا، وهذا صريح في أنه -ﷺ- لا زال قارنًا، وأحسن ما يُجمع به بينه وبين حديث ابن عمر -﵄- المذكور قبله أن يُحمل حديثه على تلبيته -ﷺ- من مكة بعد أداء العمرة، وتوجهه إلى منى، أو يُحمل على أنه -ﷺ- كان يلبّي أحيانًا فيقول: لبيك حجة، فأخبر به ابن عمر - ﵄ -، كما كان يقول أحيانًا: لبيك حجة وعمرة، فأخبر به أنس زعنه، فتأمّل، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: دلّ حديث أنس -﵁- هذا في أن النبيّ -ﷺ- أحرم قارنًا، ولا يُلْتَفَت لقول من قال: إن أنسًا لعلَّه لم يضبط القضية؛ لصغره حينئذ؛ لأنه قد أنكر ذلك بقوله: «ما تعدُّونا إلا صبيانًا»، ولأنه وإن كان صغيرًا حال التحمُّل؛ فقد حدَّث به، وأدّاه كبيرًا متثبتًا ناقلًا للفظ النبي -ﷺ- نقل الجازم المحقِّق المنكر على من يظن به شيئًا من ذلك، فلا يحلّ أن يقال شيء من ذلك، ولأنه قد وافقه البراء بن عازب -﵄- على نقل لفظ النبيّ -ﷺ- الدَّال على قرانه؛ إذ قال لعلي: «إني سقت الهدي، وقرنت»؛ على ما خرَّجه النسائي، وهو حديث صحيح، ووافقهما حديث عمر بن الخطاب -﵁- الذي قال فيه: «إن الملك أتاه، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجَّة»، وفي معنى ذلك حديث ابن عمر المتقدم الذي قال فيه: «إنه -ﷺ- أهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج»، وقد قدَّمنا: أن معنى قول ابن عباس -﵄-: إنه -ﷺ- أحرم بعمرة أنه أردف كما قال ابن عمر، وبدليل الإجماع من النَّقَلَة على أن النبيّ -ﷺ- لم يحلَّ من إحرامه ذلك حتى قَضَى حجَّه. ويمكن أن تُحْمَل رواية مَن روى أنه -ﷺ- أفرد الحج؛ على أن الراوي سمع إردافه بالحجّ على العمرة المتقدَّمة، فسمعه يقول: «لبيك بحج»، ولم يكن عنده علم من إحرامه المتقدَّم بالعمرة. وقد استَدَلّ من قال بتفضيل الإفراد بأن أبا بكر وعمر وعثمان -﵃- رأوا ذلك، وأحرموا به مدَّة ولايتهم. والجواب: بان ذلك رأيهم، لا روايتهم، ومن نَصَّ وحَكَى حُجَّةٌ على من ظنَّ ورأى. وقد تقدَّم ذكر من قال بتفضيل القِران على الإفراد، وعمل به من الصحابة -﵃-. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق هذه المسألة في بيان الاختلاف في صفة حجة النبيّ -ﷺ- ، وأنه لا اختلاف بين هذه الأحاديث، بل هي محمولة على أوجه صحيحة، لا تعارض بينها، وذلك أنه -ﷺ- كان أول ما لبّى لبّى قارنًا، كما أمره الملك في وادي العقيق بذلك، ثم بعد ذلك كان يلبّي، فيقول تارةً: لبيك حجًا، وتارة يقول: لبيك عمرة، وتارةً يقول: لبيك عمرة وحجة، فسمع الصحابة هذه التلبيات المختلفة، فنقلوها كما سمعوا، فاخبروا بها، وقد صدقوا في كلّ ذلك، وذلك أن من المعلوم أن الحاجّ له أن يلبي كيف شاء، سواء كان قارنًا، أو مفردًا، أو متمتّعًا، ولا حرج عليه في صيغة معيّنة يردّدها أثناء تلبياته، بعد أن يعقد نيته على بعضها، إن شاء قال: لبيك حجة وعمرة، وإن شاء قال: لبيك حجة، وإن شاء: لبيك عمرةً، وإن شاء: لبيك اللهم لبيك دون أن يسميّ شيئًا، كما نقل كلّ هذه الأوجه عن النبيّ -ﷺ- في الأحاديث الصحيحة المذكورة في «الصحيحين»، وغيرهما. والحاصل أنه -ﷺ- كان قارنًا، وليس مفردًا بأحدهما، وأصحّ الأدلة على ذلك وأقواها حديث عمر بن الخطاب -﵁- عند البخاريّ، حيث قال: سمعت النبيّ -ﷺ- بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربّي، فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةً في حجة»، وكان ذلك أول ما خرج من المدينة، فنزل بذي الحليفة، فهو -ﷺ- امتثل أمر ربه من ذلك الوقت، فلم يزل قارنًا حتى أحلّ من إحراميه يوم النحر، وأما في خلال الطريق فكان يلبي على الأحوال الثلاثة التي ذُكرت في هذه الأحاديث المختلفة. وَيحْتَمِل أن يريد من قال: أفرد الحجّ إفراده بعد أداء العمرة، وتوجهه إلى منى، فلعله سمعه يقول: لبيك حجًّا، فأخبر بذلك، فبهذا تتّفق الأحاديث دون أيّ تعارض، ودنه الحمد، والله تعالى وليّ التوفيق. (قَالَ بَكْرُ) بن عبد الله الْمُزَنيّ (فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ) أي بحديث أنس -﵁- (ابْنَ عُمَرَ) بن الخطاب -﵄- (فَقَالَ) ابن عمر (لَبَّى) النبيّ -ﷺ- (بِالْحَجِّ وَحْدَهُ) أي دون أن يقرنه بالعمرة، قد عرفت أن هذا يُحْمَل على أن هذا صدر منه -ﷺ- من مكة حينما توجه إلى منى، فلا تغفل، قال بكر: (فَلَقِيتُ أَنَسًا) -﵁- (فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ) إنه -ﷺ- لبّى بالحجّ وحده (فَقَالَ أَنَسٌ) -﵁- (مَا) نافيةٌ (تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا) أي لا نضبط ما نراه، ونسمعه، وهذا من أنس -﵁- إنكار على من أنكر عليه ما حدّث به عن النبيّ -ﷺ- حيث قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا») أي قارنًا بينهما، قد عرفت أن هذا هو الصحيح في إهلاله -ﷺ- من أول الأمر بعد أن جاءه الملك، فقال له: «قل: عمرةٌ في حجة»، رواه البخاريّ في «صحيحه»، وما عدا ذلك من الأحاديث، كحديث ابن عمر هذا يؤوّل بما مرّ بيانه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٢٩٩٦ و٢٩٩٧] (١٢٣٢)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٣٥٣ و٤٣٥٤)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤١ و٥٣ و٧٩ و٩٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٩٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٤٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ١٧٨ و١٠/ ٦١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ-، حَدَّثنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثنَا أَنَسٌ -﵁- أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- جَمَعَ بَيْنَهُمَا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَنَسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: كَأَنَّمَا كُنَّا صِبْيَانًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ) الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في «الصلاة» ١١/ ٨٨٧. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجِّ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، وَأَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ السَّعْي، وَأَنَّ مَنْ أَهْدَى لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا يَوْمَ النَّحرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٩٨] (١٢٣٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ وَبَرَةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَاتِيَ الْمَوْقِفَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَطَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَحَقُّ أَنْ تَأْخُذَ ، أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْثَرُ) بن القاسم الزُّبيديّ، أبو زُبيد الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٨/ ٣٠٥. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. ٤ - (وَبَرَةُ) -بالموحّدة المحرّكة- ابن عبد الرحمن الْمُسْليّ -بضمّ أوله، وسكون المهملة، بعدها لام- أبو خزيمة، ويقال: أبو العبّاس الكوفيّ، ويقال: إنه حارثيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي الطُّفيل، وعامر بن عبد الله بن الزبير، والشعبيّ، وسعيد بن جبير، وهمام بن الحارث، وغيرهم. ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وأبو إسحاق السبيعيّ، والأعمش، والعلاء بن زهير الأزديّ، ومِسْعَر بن كِدَام، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: تُوُفي في ولاية خالد بن عبد الله القسريّ على الكوفة، وكذا قال الهيثم بن عديّ، وخليفة، وزاد: سنة ست عشرة ومائة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. و(ابْنُ عُمَرَ -﵄-) ذكر في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: إسماعيل، عن وَبَرَة، بل هو من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة. ٥ - (ومنها): أن وَبَرَة بفتحات لا يوجد في الكتب الستة غيره، وغير وَبَرَة الحارثيّ والد كرز الكوفي، مستور من الطبقة السادسة، عند النسائيّ، وأبي داود في «المراسيل»، وأما «وَبْر» بفتح، فسكون فهو بدون تاء التأنيث، وهو: ابن دُليلة بالتصغير، واسمه مسلم الطائفيّ، ثقةٌ من السابعة عند أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه. ٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر -﵄- من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ وَبَرَةَ) بفتحات أنه (قَالَ: كنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (فَجَاءَهُ رَجُلٌ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه. انتهى . (فَقَالَ: أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ) أي موقف عرفة (فَقَالَ) ابن عمر -﵄- (نَعَمْ) وفي الرواية التالية: «قال: وما يمنعك؟» (فَقَالَ) الرجل السائل (فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ) زاد في الرواية التالية: «وأنت أحبّ إلينا منه، رأيناه قد فتنته الدنيا، فقال: وأينا لم تفتنة الدنيا؟ (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) -﵄- (فَقَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) وفي الرواية التالية:»رأينا رسول الله -ﷺ- أحرم بالحجّ«(فَطَافَ بِالْبَيْتِ) زاد في الرواية التالية:»وسعى بين الصفا والمروة«(قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ) يعني أنه -ﷺ- ابتدأ بالطواف والسعي قبل خروجه إلى منى وعرفة (فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَحَق أَنْ تَأْخُذَ) بتاء الخطاب، وفي بعض النسخ:»أن نأخذ«بنون المتكلّم (أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (إِنْ كُنْتَ صَادِقًا) وفي الرواية التالية:»فسنة الله، وسنّة رسوله -ﷺ- أحقُّ أن تتبع من سنة فلان، إن كنت صادقًا«، قال النوويّ ﵀: قوله:»إن كنت صادقًا«معناه: إن كنت صادقًا في إسلامك، واتباعك رسول الله -ﷺ-، فلا تعدل عن فعله، وطريقته إلى قول ابن عباس، وغيره. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله:«إن كنت صادقًا» ورَعٌ منه لئلا يذكر ابن عباس بشيء ما ثبت عنه. ويمكن أن يُحمل إطلاق فتيا ابن عباس على الْمُرَاهَق ، فإنه لا يُخاطب بطواف القدوم، أو يكون ابن عباس سئل عن طواف الإفاضة، فأجاب بأنه لا يفعل إلا بعد الوقوف، وهو الحقّ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي ذكره القرطبيّ فيه نظر لا يخفى، فإن الروايات التي سنذكرها في المسألة الرابعة لا توافق التأويل المذكور، فإن ابن عباس -﵄- كان يقول: إذا طاف المحرم بالبيت قبل الوقوف حلّ من إحرامه، فهذا صريح في كونه لا يرى طواف القدوم، وقد خالف بذلك الجمهور، وقولهم الصواب، كما سيأتي هناك -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٢٩٩٨ و٢٩٩٩] (١٢٣٣)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ٢٢٤)، وفي «الكبرى» (٣٩٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٦ و٥٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٠٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الطواف أول ما يقدم الحاجّ مكة، وهو المسمى بطواف القدوم، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن عباس -﵄-، وسيأتي تحقيق الخلاف مستوفًى في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أن الواجب على المسلم إذا أفتاه عالم بخلاف السنة أن يتبع السنة، ويَدَعَ فتوى العالم؛ أيًّا كان ذلك العالم، فإن الحقّ أحقّ أن يتّبع. ٣ - (ومنها): أن العالم قد يقع في مخالفة السنة أحيانًا، لا قصدًا للمخالفة، وإنما هو لعدم وصولها إليه، أو لتأويله إياها على ما يراه من المعاني، ولكن لا يجوز لمن وصلت إليه، وعلمها، بأن بيّن له عالم غيره بأن وجه الصواب كذا أن يقلّده في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استحباب طواف القدوم: (اعلم): أن ابن عباس -﵄- كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحجّ إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ -ﷺ- لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرة، فقد أخرج البخاريّ في «باب حجة الوداع» في أواخر «المغازي» من طريق ابن جريج، حدّثني عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا طاف بالبيت، فقد حلّ، فقلت: من أين؟ قال: هذا ابن عباس قال: من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٣٣]، ومن أمر النبيّ -ﷺ- أصحابه أن يَحِلّوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد الْمُعَزَف، قال: كان ابن عباس يراه قبلُ وبعدُ. وهذا الذي قاله ابن عباس -﵄- خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل، منهم إسحاق ابن راهويه. وذهب الجمهور إلى أن من أهلّ بالحجّ مفردًا لا يضرّه الطواف بالبيت، أفاده في «الفتح» . وقال القرطبيّ ﵀: سؤال السائل لابن عمر -يعني المذكور في حديث الباب- إنما كان عن طواف القدوم، هل يؤخّر إلى أن يوقف بعرفة؟ فأجابه بمنع ذلك، وهو الصحيح الذي لا يُعلم من مذاهب العلماء غيره، وما حكاه هذا الرجل عن ابن عباس لا يُعرف من مذهبه، وكيف وهو أحد الرواة أن النبيّ -ﷺ- بدأ بالطواف عند قدومه مكة. وقد حمل بعض متأخري العلماء هذا السؤال على أنه فيمن أحرم بالحجّ من مكة، هل يطوف طواف القدوم قبل أن يخرج إلى عرفات؟ قال: فمذهب أبي حنيفة، والشافعيّ أنه يطوف حين يُحرم، كما قال ابن عمر، قال: والمشهور من مذهب أحمد أنه لا يطوف حتى يخرج إلى منى، وعرفات، ثم يرجع، ويطوف، كما قال ابن عباس -﵄-، وعن أحمد رواية كمذهب ابن عمر -﵄-. انتهى كلام القرطبيّ . وقال النوويّ: هذا الذي قاله ابن عمر -﵄- هو إثبات طواف القدوم للحاج، وهو مشروع قبل الوقوف بعرفات، وبهذا الذي قاله ابن عمر قال العلماء كافّة، سوى ابن عباس، وكلهم يقولون: إنه سنة، ليس بواجب، إلا بعض أصحابنا، ومن وافقه، فيقولون: واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه سنة، ليس بواجب، ولا دمَ في تركه، فإن وقف بعرفات قبل طواف القدوم فات، فإن طاف بعد ذلك بنيّة طواف القدوم لم يقع عن طواف القدوم، بل يقع عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف للإفاضة، فإن كان طاف للإفاضة وقع الثاني تطوعًا، لا عن القدوم، ولطواف القدوم أسماء: طواف القدوم، والقادم، والورود، والوارد، والتحيّة، وليس في العمرة طواف قدوم، بل الطواف الذي يفعله فيها يقع ركنًا لها، حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركنأ، ولغت نيته، كما لو كان عليه حجة واجبة، فنوى حجة تطوّع، فإنها تقع واجبة، والله أعلم. انتهى . قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من مشروعية طواف القدوم للحاجّ هو الحقّ؛ لأن النبيّ -ﷺ-، وأصحابه -﵃- أول شيء بدءوا به هو الطواف بالبيت، كما قال ابن عمر -﵄-، والله ﷾ قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٩٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ وَبَرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُل ابْنَ عُمَرَ -﵄-، أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ فُلَانٍ يَكْرَهُهُ، وَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، رَأَيْنَاهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا ، فَقَالَ: وَأَيُّنَا، أَوْ أَيُّكُمْ لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا؟ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ، فَسُنَّةُ اللهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ -ﷺ- أَحَقُّ أَنْ تَتَّبعَ مِنْ سُنَّةِ فُلَانٍ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا. ٣ - (بَيَانُ) بن بشر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٤٧/ ١٨٩١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (رَأَيْتُ ابْنَ فُلَانٍ يَكْرَهُهُ) يريد ابن عبّاس -﵄-. وقوله: (رَأَيْنَاهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا) تعليل لكون ابن عمر أحبّ إليهم من ابن فلان؛ أي لأنا رأيناه فتنته الدنيا؛ لأنه تولى منصبها، وأنت لم تفتنك؛ لأنك لم تتولّ ذلك. قال النوويّ ﵀: ومعنى «فتنته الدنيا»: لأنه تولّى البصرة، والولايات محلّ الخطر والفتنة، وأما ابن عمر -﵄- فلم يتولّ شيئًا. وقوله أيضًا: (فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا) قال النوويّ ﵀: هكذا في كثير من الأصول: «فتنته الدنيا»، وفي كثير منها، أو أكثرها: «أفتنته»، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، وهما لغتان صحيحتان: «فَتَنَ»، و«أفتن»، والأولى أصحّ، وأشهر، وبها جاء القرآن، وأنكر الأصمعيّ: أفتن. انتهى . وقوله: (وَأُيُّنَا، أَوْ أَيُّكُمْ لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا) وفي بعض النسخ: «وأيّنا، أو قال: وأيّكم»، وكلاهما صحيح. وهذا القول قاله ابن عمر -﵄- ردًّا على طعن الرجل على ابن عبّاس -﵁- بولايته، حيث اعتبرها فتنةً، فرد عليه ابن عمر قائلًا: «وأينا لم تفتنة الدنيا»، وهذا من زهده، وتواضعه، وإنصافه -﵁-، قاله النوويّ ﵀. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى بيان مسائله في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٠٠] (…) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةٍ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْو سَبْعًا، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا. ٣ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم أيضًا قريبًا. و(ابن عمر -﵄-) ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٨٨) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وهو مدنيّ، وشيخه نسائيّ، ثم بغداديّ، والباقيان مكيّان. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) وفي رواية للبخاريّ: «حدّثنا عمرو بن دينار» (قَالَ: سَأَلْنَا) وفي نسخة: «سألتُ» (ابْنَ عُمَرَ) -﵄- (عَنْ رَجُلٍ) أي حكم عمل رجل = الموافق ١ / مارس ٢٠٠٨ م، وكانت المدّة التي بين نهاية الألف الثاني، ونهاية الألف الثالث سنة كاملةً وستة أشهر، وذلك لأني انتهيت من الألف الثاني، ودخلت في الثالث ٢٥/ ٨/ ١٤٢٧ هـ وهذا من عظيم فضل الله تعالى عليّ، وحسن توفيقه، الحمد لله ربّ العالمين، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحبّ ربنا ويرضى، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك. (قَدِمَ) بكسر الدال، يقال: قَدِمَ من سفره، كعَلِمَ قُدُومًا، وقِدْمانًا بالكسر: آب، أي رجع، فهو قادم ، والمعنى أتى ذلك الرجل مكة قادمًا من بلده (بِعُمْرَةٍ) أي مهلًّا، وملبّيًا بعمرة (فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي لم يسع، قال في «الفتح»: وإطلاق الطواف على السعي إما للمشاكلة، وإما لكونه نوعًا من الطواف، ولوقوعه في مصاحبة طواف البيت. انتهى . (أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟) أي هل حلّ من إحرامه حتى يجوز له أن يجامع أهله؟؛ لتحلّله بالطواف، أم ما زال على إحرامه حتى يسعى بين الصفا والمروة؟، وإنما خصّ إتيان المرأة بالذكر مع أن سائر محرّمات الإحرام كذلك؛ لأنه أعظم المحزمات في الإحرام . (فَقَالَ) ابن عمر -﵄- (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أي مكة (فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْو سَبْعًا) أي سعى بينهما سبعة مرّات (وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إُسْوَةٌ) بكسر الهمزة، وضمّها: أي قدوة (حَسَنَةٌ) قال النوويّ ﵀: معناه: لا يحلّ له ذلك؛ لأن النبيّ -ﷺ- لم يتحلل من عمرته حتى طاف وسعى، فتجب متابعته، والاقتداء به، وهذا الحكم الذي قاله ابن عمر -﵄- هو مذهب العلماء كافّةً، وهو أن المعتمر لا يتحلل إلا بالطواف، والسعي، والحلق، إلا ما حكاه القاضي عياض، عن ابن عباس، وإسحاق ابن راهويه، أنه يتحلل بعد الطواف، وإن لم يَسْعَ، وهذا ضعيف، مخالف للسنة. انتهى كلام النوويّ ﵀ . [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر الحديث ما نصّه: «قال: وسألنا جابر بن عبد الله -﵄-، فقال: لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا والمروة»، والقائل: «وسألنا إلخ» هو عمرو بن دينار، وقوله: «لا يقربنّها» بنون التوكيد، والمراد نهي المباشرة بالجماع، ومقدّماته، لا مجرّد القرب منها. قال في «الفتح»: أجابهم ابن عمر -﵄- بالإشارة إلى وجوب اتباع النبيّ -ﷺ-، لا سيّما في أمر المناسك؛ لقوله -ﷺ-: «لتأخذوا عني مناسككم» ، وأجابهم جابر -﵁- بصريح النهي، وعليه جمهور الفقهاء، وخالف فيه ابن عبّاس -﵄-، فأجاز للمعتمر التحلّل بعد الطواف، وقبل السعي، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٠٠٠ و٣٠٠١] (١٢٣٤)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٩٥) و«الحجّ» (١٦٢٣ و١٦٤٥ و١٦٢٧ و١٦٤٥ و١٧٩٣)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ٢٢٥ و٢٣٥ و٢٣٧) و«الكبرى» (٢/ ٣٩٨ و٤٠٨)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٥٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٢٩٤ و٢٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١٥/ ٢ و٨٥ و١٥٢ و٣/ ٣٠٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧٦٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٤٧٧ و٩/ ١٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٠٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٣٢)، و(الطبرا نيّ) في «الكبير» (١٢/ ٤٤٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٩٧) و«المعرفة» (٤/ ٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب طواف القدوم لكلّ من قدم مكة للنسك أول قدومه. ٢ - (ومنها): بيان وجوب السعي بين الصفا والمروة في العمرة. ٣ - (ومنها): أنه لا يتحلّل المعتمر من عمرته إلا بعد الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وهذا مذهب الجمهور، وقد خالف ابن عبّاس -﵄-، فأجاز التحلّل قبل السعي، والحقّ ما عليه الجمهور؛ لأنه -ﷺ- لم يتحلّل من عمرته إلا بعد الطواف والسعي، وقد قال: «لتأخذوا عني مناسككم»، رواه مسلم. ٤ - (ومنها): وجوب الاقتداء بالنبيّ -ﷺ- في جميع الأحوال، ولا سيّما في المناسك؛ للحديث المذكور. ٥ - (ومنها): بيان استحباب أداء ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم ﵇، وذهب بعضهم إلى وجوب أدائهما خلفه؛ محتجًّا بالأمر في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، والجمهور على الاستحباب. وقال في «الفتح»: في الحديث أن السعي واجب في العمرة، وكذا صلاة ركعتي الطواف، وفي تعيينهما خلف المقام خلفٌ، قال: ونَقَل ابن المنذر الاتفاق على جوازهما في أيّ موضع شاء الطائف، إلا أن مالكًا كَرِههما في الْحِجْر، ونقل بعض أصحابنا عن الثوريّ أنه كان يُعَيَّنهما خلف المقام. انتهى . قال في موضع آخر: وهذا بناءٌ على أن المراد بمقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه، وهو موجود إلى الآن، وقال مجاهد: المراد بمقام إبراهيم الحرم كلّه، والأول أصحّ، وقد ثبت دليله عند مسلم من حديث جابر -﵁-. انتهى. [فائدة]: رَوَى الأزرقي في «أخبار مكة» بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبيّ -ﷺ-، وأبي بكر وعمر -﵄- في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر -﵁-، فاحتمله حتى وُجد بأسفل مكة، فأُتي به، فرُبط إلى أستار الكعبة، حتى قَدِمَ عمر، فاستثبت في أمره، حتى تحقّق موضعه الأول، فأعاده إليه، وبَنَى حوله، فاستقرّ ثَمّ إلى الآن، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٠١] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، جَمِيعًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ -﵄-، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
مصادر المؤلف (٥٣)

١. «الفتح» ٤/ ٦٤٥.

٢. «تقريب النواوي مع شرحه تدريب الراوي» ١/ ٢١٧.

٣. «طرح التثريب» ٥/ ٣٦، ٣٧.

٤. «الفتح» ٤/ ٢١٤.

٥. «طرح التثريب»٥/ ٣٨.

٦. «طرح التثريب»٥/ ٣٩.

٧. «اللبد»بكسر، فسكون، وزان حِمْل: ما تلبّد من شعر، أو صوف. اهـ. المصباح.

٨. المصدر المذكور.

٩. «طرح التثريب»٥/ ٣٩.

١٠. «الفتح» ٤/ ٢١٤.

١١. «طرح التثريب» ٥/ ٣٧.

١٢. «شرح مسلم» ٨/ ٤٣٧.

١٣. «طرح التثريب» ٥/ ٣٨، ٣٩.

١٤. وفي نسخة: «لم تحلل».

١٥. الظاهر أنّ زهيرًا هو ابن حرب، وعبد الرحمن هو ابن مهديّ، والله تعالى أعلم.

١٦. وفي نسخة: «قال: لأني».

١٧. «المفهم» ٣٥٥/ ٣، ٣٥٦.

١٨. «الفتح» ٥/ ٥٣.

١٩. «النهاية»١/ ١٧١.

٢٠. «شرح النوويّ »٨/ ٢١٣.

٢١. «طرح التثريب»٥/ ١٦٢.

٢٢. «المفهم»٣٥٨، ٣/ ٣٥٧.

٢٣. راجع: «الاستذكار» ١٢/ ٨٥.

٢٤. راجع: «التمهيد» ١٥/ ١٩٠.

٢٥. «الفتح» ٥/ ٤٩، ٥٠.

٢٦. «طرح التثريب» ٥/ ١٦٠.

٢٧. «الفتح» ٥/ ٦٢.

٢٨. وفي نسخة: «مع عمرتي».

٢٩. وفي نسخة: «أراد ابن عمر أن يحجّ».

٣٠. وفي نسخة: «يصدّونك عن البيت، فقال …».

٣١. «المفهم» ٣/ ٣٥٨ - ٣٦٠.

٣٢. راجع: المسألة الخامسة من شرح الحديث رقم [١٧/ ٢٩١٠] (١٢١١).

٣٣. وفي نسخة: «أن نأخذ».

٣٤. بضم الزاي في الموضعين.

٣٥. «تنبيه المعلم» (ص ٢١٩).

٣٦. «شرح النوويّ» ٨/ ٢١٨.

٣٧. بصيغة اسم المفعول، وهو الذي ضاق عليه الوقت بالتأخير، حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة. أفاده في «النهاية» ٢/ ٢٧٤.

٣٨. راجع: «الفتح» ٤/ ٥٤٦.

٣٩. «المفهم» ٣/ ٣٦٠.

٤٠. «شرح النوويّ» ٨/ ٢١٧، ٢١٨.

٤١. وفي نسخة: «وقد أفتنته».

٤٢. وفي نسخة: «أن نتّبع».

٤٣. «شرح النوويّ» ٨/ ٢١٨.

٤٤. قال الجامع عفا الله عنه وعن والديه: هذا الحديث نهاية الألف الثالث، وقد انتهيت منه -بحمد الله تعالى وتوفيقه- قبل المغرب يوم السبت ٢٣/ ٢/ ١٤٢٩ هـ

٤٥. وفي نسخة: «سألت».

٤٦. «القاموس المحيط» ٤/ ١٦٢.

٤٧. «الفتح» ٥/ ٣٦.

٤٨. راجع: «الفتح» ٢/ ١١٨، كتاب الصلاة، رقم (٣٩٦).

٤٩. «شرح النوويّ» ٨/ ٢١٩.

٥٠. رواه مسلم.

٥١. «الفتح» ٢/ ١١٨، كتاب الصلاة، رقم (٣٩٦).

٥٢. «الفتح» ٥/ ٣٦، كتاب العمرة، رقم (١٧٩٣).

٥٣. «الفتح» ٢/ ١١٧، كتاب الصلاة، رقم (٣٩٥).