HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٣٥

حَدَّثَنِي هارون بن سعيد الأيلي. حدثنا ابن وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو (وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ بِالْحَجِّ. فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ: لَا يَحِلُّ. فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ. قُلْتُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: بِئْسَ مَا قَالَ. فَتَصَدَّانِي الرَّجُلُ فَسَأَلَنِي فَحَدَّثْتُهُ. فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ قَدْ فَعَلَا ذَلِكَ. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلُنِي؟ أَظُنُّهُ عِرَاقِيًّا. قُلْتُ: لَا أَدْرِي. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ. قَدْ حج رسول الله صلى اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂؛ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ. ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ أول شيء بدأ به الطواف بالبيت. ثم لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ. ثُمَّ عُمَرُ، مِثْلُ ذَلِكَ. ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ. ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ. ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي، الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. فَكَانَ أول شيء بدأ به الطواف بالبيت. ثم لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ. ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ. ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ. وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ أَفَلَا يَسْأَلُونَهُ؟ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى ما كانوا يبدأون بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ. ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ. وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ. ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ. وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ قَطُّ. فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا. وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذلك.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص54
ج ٢ ص ٩٠٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص٢٩٠
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن عمرو هذه، ساقها أبو عوانة ﵀ في «مسنده» (٢/ ٣٠٥) فقال: (٣٢١٤) - حدّثنا يوسف، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر سئل عن شيء من أمر الصفا والمروة، فقال: قدم رسول الله -ﷺ-، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعًا، و﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. انتهى. وأما رواية ابن جريج، عن عمرو، فقد ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى» (٥/ ٩٧) فقال: (٩١٤٥) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنبأ عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن رجلًا سأل ابن عمر -﵄-، أيصيب الرجل من امرأته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ فقال: أما رسول الله -ﷺ-، فقد طاف بالبيت، ثم ركع ركعتين، ثم طاف بين الصفا والمروة، ثم تلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٠٢] (١٢٣٥) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ: لَا يَحِلُّ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ، قُلْتُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: بِئْسَمَا قَالَ، فَتَصَدَّاني الرَّجُلُ، فَسَأَلَنِي، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ قَدْ فَعَلَا ذَلِكَ؟ قَالَ: فَجئْتُهُ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَمَا بَالُهُ؟ لَا يَأْتَينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلُنِي، أَظنُهُ عِرَاقِيًّا، قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ، قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرَتْني عَائِشَةُ -﵂- أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ، أفَلَا يَسْأَلُونَهُ؟ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي، وَخَالَتِي، حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي، أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا، وَالزُّبَيْرُ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، بِعُمْرَةٍ قَطُّ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا، وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْب) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابد فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الأسديّ، أبو الأسود يتيم عروة المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة (١٣١) (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٣. ٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت أيضًا قبل ثلاثة أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ آنفًا. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الملقّب بيتيم عروة؛ لأن أباه أوصى به إلى عروة عند موته (أَنَّ رَجُلًا) لم يُعرف (مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ) البلد المعروف (قَالَ لَهُ) أي لمحمد بن عبد الرحمن (سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ) بضمّ أوله، من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية (بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ) الهمزة للاستفهام الاستخباريّ، و«يحلّ» تقدّم أنه بفتح أوله، وضمّه، من الحلّ، ثلاثيًّا، أو من الإحلال رباعيًّا (أَمْ لَا؟) أي أم لا يحلّ إلا باداء الحج (فَإِنْ قَالَ لَكَ) جوابًا (لَا يَحِلُّ) إلا بأداء الحجّ (فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا) هو ابن عبّاس -﵄- (يَقُولُ ذَلِكَ) أي يقول: إنه يحلّ بالطواف. [تنبيه]: قال في «الفتح»: الرجل الذي سأل لم أقف على اسمه، وقوله: «إن رجلًا يقول ذلك» عَنَى به ابنَ عباس -﵄-، فإنه كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحج إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يَقْرَبُ البيتَ حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ -ﷺ- لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرةً، وقد أخرج البخاريّ ذلك في «باب حجة الوداع» في أواخر «المغازي» من طريق ابن جريج، حدّثني عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا طاف بالبيت، فقد حَلَّ، فقلت: من أين؟ قال: هذا ابن عباس قال: من قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ومن أمْر النبيّ -ﷺ- أصحابه أن يحلوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد ذلك الْمُعَرَّف، قال: كان ابن عباس يراه قبلُ وبعدُ. وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن ابن جريج بلفظ: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاجّ ولا غيره إلا حلّ، قلت لعطاء: من أين تقول ذلك؟ فذ كره. ولمسلم من طريق قتادة: سمعت أبا حسان الأعرج قال: قال رجل لابن عباس: ما هذه الْفُتْيَا أن من طاف بالبيت فقد حلّ؟ فقال: سنة نبيكم -ﷺ-، وإن رَغِمتم. وله من طريق وَبَرَة بن عبد الرحمن، قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: فعم، فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حج رسول الله -ﷺ-، فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله -ﷺ- أحقّ أن نأخذ، أو بقول ابن عباس؟ إن كنت صادقًا. وإذا تقرَّر ذلك، فمعنى قوله في حديث أبي الأسود: قد فعل رسول الله -ﷺ- ذلك؛ أي أمر به، وعُرِف أن هذا مذهب لابن عباس، خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل، منهم إسحاق ابن راهويه، وعُرِف أن مأخذه فيه ما ذُكِرَ، وجواب الجمهور أن النبيّ -ﷺ- أمر أصحابه أن يفسخوا حجهم، فيجعلوه عمرةَ، ثم اختلفوا، فذهب الأكثر إلى أن ذلك كان خاصًّا بهم، وذهب طائفة إلى أن ذلك جائزٌ لمن بعدهم، واتفقوا كلهم أن من أهل بالحجّ مفردًا لا يضرّه الطواف بالبيت، وبذلك احتجّ عروة بأن النبي -ﷺ- بدأ بالطواف، ولم يحلّ من حجه، ولا صار عمرة، وكذا أبو بكر وعمر -﵄-. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا. (قَالَ) محمد بن عبد الرحمن (فَسَأَلْتُهُ) أي عروة (فَقَالَ) عروة (لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ) أي أحرم (بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ) أي إلا بأداء أفعال الحج المطلوب أداء قبل التحلّل (قُلْتُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ) أي يرى التحلّل بالطواف (قَالَ) عروة (بِئْسَمَا قَالَ) أي بئس القول قوله هذا؛ حيث خالف المشروع (فَتَصَدَّانِي الرَّجُلُ) أي تعرَّض لي، هكذا هو في جميع النسخ بالنون، والأشهر في اللغة: تَصَدَّى لي باللام، قاله النوويّ ﵀ . (فَسَأَلَنِي) أي عما أجاب به عروة (فَحَدَّثْتُهُ) أي الرجل بجواب عروة (فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي التحلّل بالطواف، وتقدّم أن ابن عبّاس -﵄- أخذه من الآية ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ومن أمر النبيّ -ﷺ- من لم يُهد من أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، ولكن هذا غير مقبول، فإنه -ﷺ- لم يقل لهم: إن مجرد الطواف يتحلّل به الحاجّ، وإنما أمرهم أن يجعلوها عمرةً، لا أنها تكون عمرة بنفس الطواف، فلا يجوز الاستدلال صحيحًا، ولعلّ هذا هو سبب تكذيب عروة لهذا القول في كلامه الآتي، والله تعالى أعلم. (وَمَا شَأنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ) -﵄- (قَدْ فَعَلَا ذَلِكَ؟ قَالَ) محمد بن عبد الرحمن (فَجِئْتُهُ) أي عروة (فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ) أي ما قاله الرجل (فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) أي السائل (فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي) أي لا أعرف اسمه (قَالَ: فَمَا بَالُهُ؟ لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ) وفي نسخة: «نفسُهُ»، وهو توكيد للفاعل، كما قال في «الخلاصة»: بِـ «النَّفْسِ» أَوْ بِـ «الْعَيْنِ» الاسْمُ أُكِّدَا … مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا (يَسْأَلُنِي) أي عما أشكل عليه، وهذا فيه أن من أدب السائل أن يتولّى السؤال بنفسه إذا أمكنه ذلك؛ لأنه يدلّ على تواضعه، بخلاف السؤال بواسطة، إلا للضرورة (أَظنُهُ عِرَاقِيًّا) إنما قال هذا؛ لأن أهل العراق معروفون بالتعنّت في المسائل، وقد سأل رجل عراقيّ ابن عمر -﵄- عن دم البعوض؛ إذا أصاب الثوب؛ يعني هل يصلي فيه أم لا؟، فقال ابن عمر -﵄-: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله -ﷺ-؛ يعني الحسين، وهم يسألون عن دم البعوض. رواه البخاريّ في «صحيحه» بنحوه. وفي رواية النسائيّ: عن ابن أبي نُعم: كنت عند ابن عمر، فأتاه رجل، فسأله عن دم البعوض، يكون في ثوبه؛ أيصلي به؟ فقال ابن عمر: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: مَن يَعْذِرُني من هذا؟ يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله -ﷺ-، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «هما ريحانتي من الدنيا». انتهى؛ يعني الحسن والحسين. (قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ) أي فيما نسبه إلى النبيّ -ﷺ- أنه قد فعل ذلك، وكذا فيما نسبه إلى أسماء والزبير -﵄- (قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أي أنشأ الحجّ، وأهلّ به، وقد تقدّم أنه كان قارنًا (فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ -﵂- أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل لإثبات الوضوء للطواف؛ لأن النبيّ -ﷺ- فعله، ثم قال -ﷺ-: «لتأخذوا عني مناسككم»، وقد أجمعت الأئمة على أنه يُشْرَع الوضوء للطواف، ولكن اختلفوا في أنه واجمث، وشرط لصحته أم لا؟ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمدُ والجمهور: هو شرط لصحة الطواف، وقال أبو حنيفة: مستحبّ، ليس بشرط، واحتَجَّ الجمهور بهذا الحديث، ووجه الدلالة أن هذا الحديث مع حديث: «خذوا عني مناسككم» يقتضيان أن الطواف واجبٌ؛ لأن كل ما فعله هو داخل في المناسك، فقد أَمَرَنا بأخذ المناسك، وفي حديث ابن عباس -﵄- في الترمذيّ وغيره: أن النبيّ -ﷺ- قال: «الطواف بالبيت صلاةٌ، إلا أن الله أباح فيه الكلام»، ولكن رفعه ضعيفٌ، والصحيح عند الحفاظ أنه موقوف على ابن عباس -﵄-، وتحصل به الدلالة، مع أنه موقوفٌ؛ لأنه قول لصحابي انتشر، وإذا انتشر قول الصحابيّ، بلا مخالفة، كان حجةً على الصحيح. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ طَافَ) -ﷺ- (بِالبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ) برفع «الطوافُ» على أنه اسم «كان» مؤخَّرًا، و«أوّلَ» خبرها مقدّمًا، ويجوز العكس (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ) قال النوويّ ﵀: وكذا قال فيما بعده: «ولم يكن غيره»، هكذا هو في جميع النسخ «غيره» بالغين المعجمة، والياء، قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ، قال: وهو تصحيفٌ، وصوابه: «ثم لم تكن عُمْرَةٌ»، بضم العين المهملة، وبالميم، وكان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة، على مذهب من رأى ذلك، واحتج بامر النبيّ -ﷺ- لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة، أن النبي -ﷺ- لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. انتهى كلام القاضي. وتعقّبه النوويّ، فقال: هذا الذي قاله، من أن قول «غيره» تصحيف، ليس كما قال، بل هو صحيح في الرواية، وصحيح في المعنى؛ لأن قوله: «غيره» يتناول العمرة وغيرها، ويكون تقدير الكلام: ثم حج أبو بكر، فكان أولَ شيء بدأ به الطوافُ بالبيت، ثم لم يكن غيره؛ أي لم يُغَيِّر الحج، ولم ينقله، وينسخه إلى غيره، لا عمرة، ولا قران. انتهى كلام النوويّ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حمل عليه القاضي عياض والنوويّ أن معنى قوله: «ولم يكن غيره»، وفي لفظ صوّبه عياض: «ثم لم تكن عمرة» على نفي فسخ الحج إلى العمرة غير صحيح، فإن ذلك سنة ثابتة على ما قاله المحقّقون، وإن خالف الجمهور، وخصّوه بتلك السنة، وإنما مراد عروة هنا بقوله: «ثم لم تكن عمرةٌ»، أو «لم يكن غيره»؛ أي لم يكن الطواف بالبيت إحلالًا من الحجّ؛ يعني أن مجرّد الطواف بالبيت لا ينتهي به الحجّ، بل لا بدّ من إكمال الحجّ على وجهه، أو فسخه إلى العمرة بالطواف والسعي على وجهه أيضًا، وهذا قاله عروة ردًّا على من زعم أن من طاف بالبيت حلّ من إحرامه، كما هو رأي ابن عبّاس -﵄-، فقد تقدّم أنه كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحج إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يَقْرَبُ البيتَ حتى يرجع من عرفة، فتنبّه. وقال الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: «باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته إلخ»، فقال ابن بطال: غرضه بهذه الترجمة الردّ على من زعم أن المعتمر إذا طاف حَلّ قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، فأراد أن يبيّن أن قول عروة: «فلما مسحوا الركن حَلُّوا» محمول على أن المراد لما استلموا الحجر الأسود، وطافوا، وسَعَوْا حَلُّوا، بدليل حديث ابن عمر الذي أردفه به في هذا الباب. انتهى. (ثُمَّ عُمَرُ) ابن الخطّاب -﵁-، وهو مبتدأ على حذف مضاف، وخبره ما بعده: أي ثم فِعْلُ عمر -﵁- (مِثْلُ ذَلِكَ)، وَيحْتَمِل النصب بتقدير فَعَل مثلَ ذلك؛ يعني أن أول شيء بدأ به هو الطواف بالبيت، كفعل النبيّ -ﷺ-، وأبي بكر -﵁- (ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ) بن عفّان -﵁- (فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ) أي ثم لم يتغيّر حجه بسبب الطواف إلى الإحلال، بل بقي على إحرامه بعد الطواف (ثُمَّ مُعَاوَيةُ) بن أبي سفيان -﵄- (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄- (ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أبَي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ) -﵁- بجرّ الزبير على البدل، أو عطف البيان لـ «أبي». [تنبيه]: قوله: «مع أبي الزبير» كذا وقع أيضًا عند أكثر رواة البخاريّ، ووقع في رواية الكشميهنيّ: «ثم حججت مع ابن الزبير» يعني أخاه عبد الله بن الزبير، قال عياض: وهو تصحيف، قال في «العمدة»: وجه ذلك أنه وقع في طريق آخر في الحديث على ما يأتي: «مع أبي الزبير بن العوام»، وفيه بعدَ ذكر أبي بكر، وعمر، ذكر عثمان، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر -﵃- قال: «ثم حججت مع أبي الزبير»، فذكره، وقد عُرِف أن قتل الزبير كان قبل موت معاوية، وابن عمر، وكان قتل الزبير بن العوام يوم الْجَمَل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وقبره بوادي السباع، ناحية البصرة، وكان موت معاوية بن أبي سفيان -﵄- في رجب سنة تسع وخمسين، وموت عبد الله بن عمر -﵄- كان سنة ثلاث وسبعين، وقال الواقديّ: سنة أربع وسبعين، وكانت وفاته بمكة. انتهى . وقال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما سبق: لا مانع أن يحجّا قبل قتل الزبير، فرآهما عروة، أو لم يقصد بقوله: «ثُمَّ» الترتيب، فإن فيها أيضًا: «ثُمّ آخرُ من رأيت فعل ذلك ابن عمر»، فأعاد ذكره مرة أخرى، وأغرب بعض الشارحين، فرجّح رواية الكشميهنيّ موجِّهًا لها بما ذكرته، وقد أوضحت جوابه بحمد الله. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو جواب جيّد. (فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ) أي البدء بالطواف بالبيت (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵁- (ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ) أي بسبب الطواف، بل بقي على إحرامه بعده (وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ، أَفَلَا يَسْأَلُونَهُ؟) وقوله: (وَلَا أَحَدٌ) اسم «لا»، أو مبتدأ، وقوله: (مِمَّنْ مَضَى) صفة «أحدٌ»، والخبر محذوفٌ؛ أي خالف ذلك؛ يعني أنه لا يوجد أحدٌ ممن مضى خالف هذا الذي ذكرته مما فعله هؤلاء، وقوله: (مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ) بيان لمعنى قوله؟ «ولا أحد إلخ» (حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ) أي في مكة (أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي) أي أسماء بنت أبي بكر -﵄- (وَخَالَتِي) عائشة أم المؤمنين -﵂- (حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي) أسماء (أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا) عائشة -﵁-، واستُشكل من حيث إن عائشة -﵂- في تلك الحجة لم تطف؛ لأجل حيضها. وأجيب بالحمل على أنه أراد حجة أخرى، غير حجة الوداع، فقد كانت عائشة -﵁- بعد النبيّ -ﷺ- تحج كثيرًا، قاله في «الفتح» . (وَالزُّبَيْرُ) أبوه (وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) قال في «الفتح»: كأنها سمّت بعض من عرفته، ممن لم يسق الهدي، ولم أقف على تعيينهم. انتهى . وأما ما قاله صاحب «التنبيه»: في حفظي أنهما عثمان بن عفّان، وعبد الرحمن بن عوف. انتهى ، فلم يذكر مستنده في ذلك، والله تعالى أعلم. (بِعُمْرَةٍ قَطُّ) هكذا في رواية المصنّف هنا لفظة «قط»، وليست في رواية البخاريّ، وأكثر ما تُستعمل «قطّ» في النفي ماضيًا، قال في «القاموس»: وتختصّ بالنفي ماضيًا، وتقول العامّة: لا أفعله قطّ، وفي مواضع من«صحيح البخاريّ» جاء بعد المثبت، منها في «الكسوف»: «أطول صلاة صليتها قطُّ»، وفي «سنن أبي داود»: «توضّأ ثلاثًا قطّ»، وأثبته ابن مالك في «الشواهد» لغةً، قال: وهي مما خَفِي على كثير من النحاة. انتهى ، وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في غير هذا الموضع من هذا الشرح، وبالله تعالى التوفيق. (فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ) أي استلموا الحجر الأسود (حَلُّوا) قال القرطبيّ ﵀: يعني بذلك لمس الحجر في آخر الطَّواف، ولم يذكر السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه قد صار من المعلوم ملازمة السعي للطواف، فاكتفى بذكره عنه، وأيضًا: فقد وردت أخبار عن هؤلاء المذكورين: بأنهم سعوا بعد طوافهم، فتكمل الرواية الناقصة، ويرتفع الإشكال. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قولها: «فلما مسحوا الركن حَلُّوا» هذا متأوَّل عن ظاهره؛ لأن الركن هو الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف، ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بإجماع المسلمين، وتقديره: فلما مسحوا الركن، وأتموا طوافهم، وسعيهم، وحلقوا، أو قصروا أحلوا، ولا بد من تقدير هذا المحذوف، وإنما حذفته للعلم به، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل إتمام الطواف، ومذهبنا، ومذهب الجمهور، أنه لا بدّ أيضًا من السعي بعده، ثم الحلق، أو التقصير، وشذّ بعض السلف، فقال: السعي ليس بواجب، ولا حجة لهذا القائل في هذا الحديث؛ لأدى ظاهره غير مراد بالإجماع، فيتعيّن تأويله كما ذكرنا؛ ليكون موافقًا لباقي الأحاديث. انتهى . [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: المراد بالماسحين مَن سوى عائشة، وإلا فعائشة لم تمسح الركن قبل الوقوف بعرفات في حجة الوداع، بل كانت قارنةً، ومنعها الحيض من الطواف قبل يوم النحر، وهكذا قول أسماء بعد هذا: اعتمرت أنا، وأختي عائشة، والزبير، وفلان، وفلان، فلما مسحنا البيت أحللنا، ثم أهللنا بالحج، المراد به أيضًا مَن سوى عائشة، وهكذا تأوله القاضي عياض، والمراد الإخبار عن حجتهم مع النبيّ -ﷺ- حجة الوداع على الصفة التي ذكرت في أول الحديث، وكان المذكورون سوى عائشة مُحرمين بالعمرة، وهي عمرة الفسخ التي فسخوا الحجّ إليها، وإنما لم تَسْتَثن عائشة؛ لشهرة قصتها. قال القاضي عياض: وقيل: يَحْتَمِل أن أسماء أشارت إلى عمرة عائشة التي فعلتها بعد الحجّ مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم. قال القاضي: وأما قول من قال: يَحْتَمِل أنها أرادت في غير حجة الوداع، فخطأٌ؛ لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في حجة الوداع. انتهى كلام القاضي. وذكر مسلم ﵀ بعد هذه الرواية رواية إسحاق بن إبراهيم، وفيها: أن أسماء قالت: خرجنا محرمين، فقال رسول الله -ﷺ-: «من كان معه هديٌ فليُقِم على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ فليحلل»، فلم يكن معي هديٌ، فحللت، وكان مع الزبير هديٌ، فلم يحلّ، فهذا تصريح بأن الزبير لم يتحلل في حجة الوداع قبل يوم النحر، فيجب استثناؤه مع عائشة، أو يكون إحرامه بالعمرة، وتحلله منها في غير حجة الوداع، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقوله: (وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ) هذا من كلام عروة ﵀، أعاده للتوكيد؛ يعني أن الرجل الذي ادّعى بأنه -ﷺ-، وأصحابه حلّوا بمجرد الطواف كاذبٌ في دعواه؛ لأنهم ما تحلّلوا إلا بعد انتهائهم من أفعال العمرة بالطواف والسعي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٥٠٢] (١٢٣٥)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٦١٤ و١٦٤١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦٩٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٣٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٣٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الابتداء بالطواف للقادم؛ ولا ينافي هذا قوله -ﷺ-: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»؛ لأن الطائف لا يجلس إلا بعد ركعتي الطواف، فما اشتهر من استثناء المسجد الحرام من عموم الحديث المذكور غير صحيح، فتأمله. قال في «الفتح»: واستثنى بعض الشافعية، ومن وافقه: المرأة الجميلة، أو الشريفة التي لا تبرز، فيستحبّ لها تأخير الطواف إلى الليل، إن دخلت نهارًا، وكذا من خاف فوت مكتوبة، أو جماعة مكتوبة، أو مؤكّدة، أو فائتة، فإن ذلك كله يقدم على الطواف. قال الجامع عفا الله عنه: استثناء المرأة الجميلة، أو الشريفة فيه نظر، فهل النساء اللاتي حججن مع النبيّ -ﷺ-، وطفن معه طواف القدوم نهارًا ليس فيهن جميلات، ولا شريفات؟، فهل استثناهنّ؟ هيهات هيهات. قال: وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه، وعن مالك، وأبي ثور من الشافعية عليه دم، وهل يتداركه من تعمد تأخيره لغير عذر؟ وجهان، كتحية المسجد. قال الجامع: الأقرب أنه يتداركه، فتأمل. ٢ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة الوضوء للطواف، واختلفوا، هل هو واجب، أو شرط؟ فقال أبو حنيفة: ليس بشرط، فلو طاف على غير وضوء صحّ طوافه، فإن كان ذلك للقدوم فعليه صدقة، وإن كان طواف الزيارة فعليه شاة، وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد: هو شرط. ٣ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز التحلّل عن الإحرام بمجرّد الطواف بل لا بدّ من السعي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (١٥)

١. وفي نسخة: «وحدّثني».

٢. وفي نسخة: «نفسه».

٣. «تنبيه المعلم» ص ٢٢٠.

٤. «الفتح» ٤/ ٥٤٦.

٥. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٢٠.

٦. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٢٠.

٧. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٢٠، ٢٢١.

٨. »عمدة القاري«٩/ ٢٥٩.

٩. «الفتح» ٤/ ٥٤٧.

١٠. «الفتح» ٣/ ٦١٨.

١١. «تنبيه المعلم» (٢٢٠).

١٢. «القاموس المحيط» ٢/ ٣٨٠.

١٣. «المفهم» ٣/ ٣٦٢.

١٤. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٢٢.

١٥. «شرح النووي» ٨/ ٢٢١، ٢٢٢.