واختلفوا فيمن جامع قبل أن يقصر، بعد أن طاف وسعى، فقال الأكثر: عليه الهدي، وقال عطاء: لا شيء عليه، وقال الشافعي: تفسد عمرته، وعليه المضيّ في فاسدها، وقضاؤها. واستَدَلّ به الطبريّ على أن من ترك التقصير حتى يخرج من الحرم، لا شيء عليه، بخلاف من قال: عليه دم .
(ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ) قال الفيّوميّ ﵀: العشيّ قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ والعشاء: من صلاة المغرب إلى العتمة. انتهى .
وقوله: (قَالَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ: أَنَّ مَوْلَى أَسْمَاءَ، وَلَمْ يُسَمِّ عَبْدَ اللهِ) أشار به إلى اختلاف شيخيه في ذكر اسم مولى أسماء -﵂-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٠٠٥] (١٢٣٧)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٧٩٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٠٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٧) - (بَابٌ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٦] (١٢٣٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ -﵄- عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَرَخَّصَ
فِيهَا، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ: هَذِهِ أُمُّ ابْنِ الزُّبَيْرِ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَخَّصَ فِيهَا، فَادْخُلُو اعَلَيْهَا، فَاسْأَلُوهَا، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ عَمْيَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِيهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (مُسْلِمٌ الْقُرِّيُّ) هو: مسلم بن مِخْرَاق العبْديّ القارئ، مولى بني قُرّة، ويقال: المازنيّ الْعُرْيابيّ، أبو الأسود البصريّ العطار، ويقال: إنهما اثنان، صدوقٌ [٤].
رَوَى عن ابن العباس، وابن الزبير، وابن عمر، ومَعْقِل بن يسار، وأبي بكرة الثقفيّ، وأسماء بنت أبي بكر.
وروى عنه ابنه سَوَادة، وابن عون، وحزم بن أبي حزم، وشعبة، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكر مسلم القُرّيّ، فقال: ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ولكنه فرّق بين مولى بني قُرّة، وبين المكنى أبا الأسود، وبذلك جزم أبو علي الجيانيّ في «تقييد المهمل»، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٢٣٨)، و(١٢٣٩) وفي «كتاب الإمارة» (١٤٢) وهو مكرّر تقدّم نحوه في «كتاب الإيمان»، فتنبّه.
والباقيان ذُكروا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ) قال النوويّ ﵀: هو بقاف مضمومة، ثم راء مشدّدة، قال السمعانيّ: هو منسوب إلى بني قُرّة، حيّ من عبد القيس، قال: وقال ابن ماكولا هذا، ثم قال: وقيل: بل لأنه كان ينزل قنطرة قُرّة. انتهى.
(قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ -﵄- عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ) أي حكم التمتّع بالعمرة إلى الحجّ (فَرَخَّصَ فِيهَا، وَكَانَ) عبد الله (ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا) أي كما كان عمر وعثمان -﵄- ينهيان عنها (فَقَالَ) ابن عبّاس -﵄- (هَذِهِ أمّ ابْنِ الزُّبَيْرِ) أسماء بنت أبي بكر -﵄- (تُحَدّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَخَّصَ فِيهَا) أي في المتعة (فَادْخُلُوا عَلَيْهَا، فَاسْأَلُوهَا) فيه حثّ الطالب على طلب العلوّ في السماع، فإن السائلين لا يشكّون في صدق ابن عبّاس، بل يعترفون بعلمه وفضله، إلا أنه -﵁- أراد أن ينقلهم من الأخذ بواسطة إلى الأخذ مباشرة (قَالَ) مسلم (فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا) أي على أسماء أبم ابن الزبير -﵃- (فَإِذَا امْرَأَةٌ) «إذا» هي الْفُجائيّة؛ أي ففاجأنا وجود امرأة (ضَخْمَة) أي عظيمة الجثّة، يقال: ضَخُمَ الشيءُ ضِخَمًا بكسر، ففتح، وزانُ عِنَبٍ، وضَخَامةً: عَظُمَ، فهو ضَخْمٌ، والجمع ضِخَامٌ، مثلُ سَهْمِ وسِهَامٍ، وامرأة ضَخْمةٌ، والجمع ضَخْمَات بالسكون، قاله الفيّوميّ . (عَمْيَاءُ) الظاهر أنه حصل لها العمى في أواخر عمرها، فإنها قد عُمّرت أكثر من مائة سنة، كما تقدّم في ترجمتها في الباب الماضي (فَقَالَتْ: قَدْ رَخصَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِيهَا) أي أجاز في التمتّع، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٣٥٥٦ و٣٠٠٧] (١٢٣٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٤٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٤٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٤١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.