HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٤٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ. ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ. وَسَلَتَ الدَّمَ. وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ. ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ. فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص57
ج ٢ ص ٩١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص٣٣٦
وقوله: (لِمَ) استفهام عن سبب ذلك، وقوله: (للرؤيا) أي لأجل الرؤيا المذكورة التي رأيتُ، وهو بلفظ المتكلم، وسببه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. ويؤخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يَسُرّه، وفَرَح العالم بموافقته الحقّ، والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعيّ، وعَرْضُ الرؤيا على العالم، والتكبير عند المسرّة، والعمل بالأدلة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل العلم؛ ليُعْمَل بالراجح منه، الموافق للدليل، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٣٠١٦] (١٢٤٢)، و(البخاريّ) في «الحجِّ» (١٥٦٧ و١٦٨٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٤٢)، و(الحاكم) في «مستدركه» (٣/ ٥٤٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٤٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٩) - (بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠١٧] (١٢٤٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ أَبِي عَدِيّ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصرقي، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٢ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السّدوسيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو حَسَّانَ) الأعرج الأجرد البصريّ، مشهور بكنيته، واسمه مسلم بن عبد الله، صدوقٌ، رُمي برأي الخوارج [٤] قُتل سنة (١٣٠) (خت م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣٦/ ١٤٢٤. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي حسّان، وهو من رواية الأقران أيضًا؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -) أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا) أي جعل لها علامةً تُعرف بها أنَّها هديٌ، يقال: أشعرت البدنةَ إشعارًا: إذا حَزَزتُ سنامها حتى يسيل الدم، فيُعلَمَ أنَّها هدي، فهي شعيرة، قاله الفيّوميّ - ﵀ -. وقال في «العمدة»: «الإشعار»: في اللغة: الإعلام، مأخوذ من الشُّعُور، وهو العلم بالشيء، من شَعَر يَشْعُر، كنصر ينصر، وقال الراغب: الشَّعَر معروف، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية [النحل: ٨٠]، ومنه استعيرت شَعَرتُ كذا: أي علمت علمًا في الدقّة، كإصابة الشعر، وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته، ودقة معرفته ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٢]؛ أي ما يُهدى إلى بيت الله، سمي بذلك؛ لأنَّها تُشْعَر؛ أي تُعلَّم بأن تُدمى بشعيرة؛ أي حديدة. انتهى. وفي الشرع: هو أن يُشَقّ أحد سنامي البدن، ويُطعن فيه حتى يسيل دمها؛ ليُعرف أنَّها هديٌ، وتتميّز إن خُلِطت، وتُعرف إن ضلّت، وَيرتدع عنها السُّرّاق، ويأكلها الفقراء؛ إذا ذُبحت في الطريق لخوف الهلاك. انتهى. (فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ) «الصفحة»: الجانب، و«السنام»: أعلى ظهر البعير، و«الأيمن» صفة «صفحة»، وذكّره لمجاورته لـ «سنام»، وهو مذكّر، أو على تأويل «صفحة» بجانب. وقال النوويّ - ﵀ -: أما الإشعار، فهو أن يَجرحها في صفحة سنامها اليمنى بِحَرْبة، أو سكين، أو حديدة، أو نحوها، ثم يَسْلُت الدم عنها، وأصل الإشعار، والشعور: الإعلام، والعلامة، وإشعار الهدي؛ لكونه علامة له، وهو مستحبّ؛ لِيُعْلَم أنه هديٌ، فإن ضلّ ردّه واجده، وإن اختلط بغيره تميز، ولأن فيه إظهار شعار الله تعالى، وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله. وأما صفحة السنام، فهي جانبه، والصفحة مؤنثة، فقوله: «الأيمن» بلفظ التذكير يتأول على أنه وصفٌ لمعنى الصفحة، لا للفظها، ويكون المراد بالصفحة الجانب، فكأنه قال: جانب سنامها الأيمن. انتهى . وفي رواية النسائيّ: «أشعر بُدنه مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ»، وفي رواية: «فأشعر في سنامها من الشقّ الأيمن»، وفي رواية: «أشعر الهدي في جانب السنام الأيمن». (وَسَلَتَ الدَّمَ) وفي رواية النسائيّ: «وَسَلَتَ الدم عنها»، بمهملة، ولام، ثم مثناة: أي مسحه، وأماطه، وأزاله عن صفحة سنامها، زاد في رواية أبي داود: «بيده»، وفي أخرى عنده: «بإصبَعِه»، قال الخطابيّ - ﵀ -: سَلَتَ الدم بيده: أي أماطه بإصبعه، وأصل السَّلْت: القطع، يقال: سَلَتَ الله أنف فلان - من باب قتل -: أي جدعه. انتهى. (وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ) تقليد الهدي: «هو أن يعلّق بعنق البعير قطعة من جلد؛ ليُعلَم أنه هديٌ، فيكفّ الناس عنه، قاله الفيّوميّ - ﵀ -. وقال في«اللسان»: القلادة: هي ما يُجعل في العنق، يكون للإنسان، والفرس، والكلب، والبدنة التي تُهدَي، ونحوها. انتهى. وقال في«الفتح»عند قول البخاريّ - ﵀ -:«بابُ تقليد النعل»ما نصّه: يَحْتَمِل أن يريد الجنس، ويَحْتَمِل أن يريد الوحدة؛ أي النعل الواحدة، فيكون فيه إشارة إلى من اشترط نعلين، وهو قول الثوريّ، وقال غيره: تجزئ الواحدة، وقال آخرون: لا تتعيّن النعل، بل كلّ ما قام مقامها أجزأ، حتى أُذُن الإداوة، ثم قيل: الحكمة في تقليد النعل أن فيه إشارةً إلى السفر، والْجِدّ فيه، فعلى هذا يتعين، والله أعلم. وقال ابن الْمُنَيِّر في«الحاشية»: الحكمة فيه أن العرب تعتدّ النعل مركوبةً؛ لكونها تقي عن صاحبها، وتَحْمِل عنه وَعْرَ الطريق، وقد كَنَى بعضُ الشعراء عنها بالناقة، فكأن الذي أهدى خرج عن مركوبه لله تعالي، حيوانًا وغيره، كما خرج حين أحرم عن ملبوسه، ومن ثم استُحِبّ تقليد نعلين، لا واحدة، وهذا هو الأصل في نذر المشي حافيًا إلى مكة. انتهى . (ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ) قال النوويّ - ﵀ -: هذه الراحلة غير التي أشعرها، وفيه استحباب الركوب في الحجِّ، وأنه أفضل من المشيّ، وقد سبق بيانه مرات. (فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ) أي البيداء الذي أمام ذي الحليفة (أَهَلَّ بِالْحَجِّ) أي مع العمرة، كما سبق أن الصحيح أنه - ﷺ - كان قارنًا من أول الأمر بعدما جاءه الأمر من ربه، وأمره أن يقول: «عمرة في حجة». وتقدّم أيضًا أن إهلاله - ﷺ - كان في محل صلاته حينما انبعثت به راحلته، وأما في البيداء فإهلال آخر سمعه ابن عبّاس - ﵄ -، فأخبر به، ولم يسمع ما قبله، وسمعه ابن عمر - ﵄ -، فأخبر به، فكان الأخذ به أخذًا بزيادة الثقة، فتفطّن. وقال النوويّ - ﵀ -: وفيه استحباب الإحرام عند استواء الراحلة، لا قبله، ولا بعده، قال: وأما إحرامه - ﷺ - بالحج فهو المختار، وقد سبق بيان الخلاف في ذلك واضحًا. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٣٠١٧ و٣٠١٨] (١٢٤٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٥٢)، و(الترمذيّ) في «الحجِّ» (٩٠٦)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٧٠ و١٧٢ و١٧٤) و«الكبرى» (٢/ ٣٥٩)، و(ابن ماجة) في «المناسك» (٣٠٩٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٢٧٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٦٩٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٦ و٢٥٤ و٢٨٠ و٣٣٩ و٣٤٤ و٣٤٧ و٣٧٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٦٥ - ٦٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٥٧٥ و٢٦٠٩ و٢٥٧٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٠٠٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤٢٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٢٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢/ ١٢٩٠١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٣٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٨٩٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب إشعار الهدي، وفائدة الإشعار الإعلام بأنها صارت هديًا؛ ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميّزت، أو ضلّت عرفت، أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة، فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع، وحثّ الغير عليه. قاله الحافظ - ﵀ -. وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ - ﵀ -: السرّ في الإشعار التنويه بشعائر الله، وأحكام الملة الحنيفية، يرى ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل القلب منضبطًا بفعل ظاهر. انتهى. وقال النوويّ - ﵀ -: في هذا الحديث استحباب الأشعار والتقليد في الهدايا، من الإبل، وبهذا قال جماهير العلماء، من السلف والخلف، وقال أبو حنيفة: الإشعار بدعةٌ؛ لأنه مُثْلَةٌ، وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار، وأما قوله: إنه مُثْلة، فليس كذلك، بل هذا كالفَصْد، والحجامة، والختان، والكيّ، والوَسْم. قال: وأما محل الإشعار، فمذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، من السلف والخلف أنه يستحب الإشعار في حفحة السنام اليمني، وقال مالك: في اليسري، وهذا الحديث يردّ عليه. انتهى. ٢ - (ومنها): استحباب سوق الهدي من الميقات. ٣ - (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وهو أن يُجعل في عنقه ما يُستدلّ به على أنه هديٌ، وهو متفق عليه في الإبل، والبقر، واختلفوا في تقليد الغنم، قال النوويّ - ﵀ -: وأما تقليد الغنم، فهو مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، من السلف والخلف، إلَّا مالكًا، فانه لا يقول بتقليدها، قال القاضي عياض: ولعله لَمْ يبلغه الحديث الثابت في ذلك، قال النوويّ: قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة بالتقليد، فهي حجة صريحة في الردّ على من خالفها، واتفقوا على أن الغنم لا تُشْعَر؛ لضعفها عن الجرح، ولأنه يستتر بالصوف، وأما البقرة فيستحب عند الشافعيّ وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد، كالإبل. انتهى. ٤ - (ومنها): استحباب كون ما يُقلّد به نعلين، قال النوويّ - ﵀ -: في الحديث استحباب تقليد الإبل بنعلين، وهو مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، فإن قلَّدها بغير ذلك، من جلود، أو خيوط مفتولة، ونحوها فلا بأس. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم إشعار الهدي: (اعلم): أن حديث الباب يدلّ على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الإشعار بدعة مكروه؛ لأنه مثلة، وتعذيب للحيوان، وهو حرام، وإنما فعله النبي - ﷺ - لأن المشركين لا يمتنعون عن التعرّض للهدي إلَّا بالإشعار. ورُدّ عليه بأن قوله هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار، وليس هو مُثلة، بل هو كالفصد، والحجامة، والختان، والكيّ؛ للمصلحة، وأيضًا إن تعرض المشركين في ذلك الوقت بعيد؛ لقوة الإسلام. وقد قيل: إن كراهة أبي حنيفة له إنما كان من أهل زمانه، فإنهم كانوا يبالغون فيه بحيث يُخاف سراية الجراحة، وفساد العضو، كذا في «اللمعات» . قال في «الفتح»: وبمشروعية الإشعار قال الجمهور، من السلف والخلف، وذكر الطحاويّ في «اختلاف العلماء» كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيره إلى استحبابه؛ للاتباع حتى صاحباه أبو يوسف، ومحمد، فقالا: هو حسن، قال: وقال مالك: يختصّ الإشعار بما لها سنام، قال الطحاويّ: ثبتٌ عن عائشة، وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه، فدلّ على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه؛ لثبوت فعله عن النبيّ - ﷺ -. قال الحافظ: وأبعدَ مَن مَنَع الإشعار، واعتلّ باحتمال أنه كان مشروعًا قبل النهي عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع، وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان. وقال الخطابيّ وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود، بل هو باب آخر كالكيّ، وشقّ أذن الحيوان؛ ليصير علامة، وغير ذلك من الوسم، وكالختان، والحجامة، وشفقةُ الإنسان على المال عادةٌ، فلا يخشى ما توهّموه من سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيّده الذي كرهه به، كأن يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه، فكان قريبًا. وقد كثر تشنيع المتقدّمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار، وانتصر له الطحاويّ في «المعاني»، فقال: لَمْ يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يُفعل على وجه يخاف منه هلاك البُدْن، كسراية الجرح، ولا سيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سدّ الباب عن العامة؛ لأنهم لا يُراعون الحدّ في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك فلا. وفي هذا تعقّب على الخطابيّ حيث قال: لا أعلم أحدًا كره الإشعار إلَّا أبا حنيفة، وخالفاه صاحباه، فقالا بقول الجماعة. انتهى. وروي عن إبراهيم النخعيّ أيضًا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذيّ، قال: سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال له رجل: روي عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: الإشعار مُثلة، فقال وكيع: أقول لك: أشعر رسول الله - ﷺ -، وتقول قال إبراهيم؟ ما أحقّك بأن تحبس. انتهى. وفيه تعقّب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع، ويتعيّن الرجوع إلى ما قال الطحاويّ، فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلّة أن مشروعية الإشعار هو الحقّ، ومن قال بأنه بدعة، فيُعتذر عنه بأنه لَمْ تبلغه السنة، أو بلغته عن طريق غير مرضيّ عنده، أو تأوّله بتأويل أخطأ فيه. والحاصل أن الإشعار سنة ثابتة عن رسول الله - ﷺ -، وعن أصحابه الكرام - ﵃ -، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال الحافظ - ﵀ -: اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل، إلَّا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تُشعر؛ لضعفها، ولكون صوفها، أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نُقل عن مالك، فلكونها ليست من ذات أسنمة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في محل الإشعار: قال النوويّ - ﵀ -: مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحبّ، الإشعار في صفحة السنام اليمني، وقال مالك في اليسري، وهذا الحديث يردّ عليه. انتهى. وقال ابن قدامة - ﵀ -: السنّة الإشعار في صفحاتها اليمني، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو ثور، وقال مالك، وأبو يوسف: بل تُشعر في صفحاتها اليسري، وعن أحمد مثله؛ لأن ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النبيّ - ﷺ - صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن … الحديث، رواه مسلم. وأما ابن عمر فقد روي عنه كمذهبنا رواه البخاريّ، معلّقًا، ثم فعلُ النبي - ﷺ - أولى من قول ابن عمر، وفعله بلا خلاف؛ ولأن النبيُّ - ﷺ -: «كان يعجبه التيمن في شأنه كله». انتهى. وقال البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب من أشعر، وقلّد بذي الحليفة، ثم أحرم»: وقال نافع كان ابن عمر - ﵄ - إذا أهدى من المدينة قلّده، وأشعره بذي الحليفة، يطعن في شقّ سنامه الأيمن بالشفرة، ووَجْهُهَا قِبَل القبلة، باركة. قال الحافظ: وصله مالك في «الموطإ»، قال: عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدى هديًا من المدينة - على ساكنها الصلاة، والسلام - قلّده، وأشعره بذي الحليفة، يقلّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجّه للقبلة، يقلّده بنعلين، ويشعره من الشقّ الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يُدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر نحره. وعن نافع، عن ابن عمر، كان إذا طعن في سنام هديه، وهو يشعره، قال: «بسم الله، والله أكبر». وأخرج البيهقيّ في «سننه» (٥/ ٢٣٢) من طريق ابن وهب، عن مالك، وعبد الله بن عمر، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يشعر بدنه من الشقّ الأيسر، إلَّا أن تكون صعابًا، فإذا لَمْ يستطع أن يُدخل بينها أشعر من الشقّ الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجّهها إلى القبلة. وتبيّن بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن تارة، وفي الأيسر أخرى بحسب ما يتهيّأ له ذلك. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من التحقيقات أن الأرجح أن السنة الإشعار في الصفحة اليمنى؛ لحديث ابن عباس - ﵄ -، ولا حجة في فعل ابن عمر - ﵄ - مع صحة المرفوع، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في ذكر بحث جامع لمسائل الهدي: (اعلم): أنه قد عقد العلامة ابن رشد - ﵀ - في كتابه «بداية المجتهد، ونهاية المقتصد» بابًا جامعًا لأقوال العلماء فيما يتعلّق بالهدي، أحببت إيراده هنا؛ لكونه يجمع شتات الأقوال. قال - ﵀ -: إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه، وعلى معرفة جنسه، وعلى معرفة سِنِّهِ، وكيفية سَوْقه، ومن أين يساق؟، وإلى أين يُنتَهَى بسوقه؛ وهو موضع نحره، وحكم لحمه بعد النحر. فنقول: إنهم قد أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه واجب، ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر، ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، ومنه ما هو واجب؛ لأنه كفارة. فأما ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، فهو هدي المتمتع باتفاق، وهدي القارن باختلاف، وأما الذي هو كفارة فهدي القضاء على مذهب من يشترط فيه الهدي، وهدي كفارة الصيد، وهدي إلقاء الأذى والتفث، وما أشبه ذلك من الهدي الذي قاسه الفقهاء في الإخلال بُنُسكٍ نُسُكٍ منها على المنصوص عليه. فأما جنس الهدي، فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي إلَّا من الأزواج الثمانية التي نص الله عليها، وأن الأفضل في الهدايا هي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم المعز، وإنما اختلفوا في الضحايا. وأما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثنيّ فما فوقه يجزي منها، وأنه لا يجزئ الجذع من المعز في الضحايا والهدايا؛ لقوله ﵊ لأبي بردة: «تجزي عنك، ولا تجزي عن أحد بعدك» متّفقٌ عليه، واختلفوا في الجذع من الضأن، فاكثر أهل العلم يقولون بجوازه في الهدايا والضحايا، وكان ابن عمر يقول: لا يجزي في الهدايا إلَّا الثنيّ من كلّ جنس، ولا خلاف في أن الأغلى ثمنًا من الهدايا أفضل، وكان الزبير يقول لبنيه: يا بَنِيَّ لا يُهدينّ أحدكم لله من الهدي شيئًا يستحي أن يهديه لكريمه، فإن الله أكرم الكرماء، وأحق من اختير له، وقال رسول الله - ﷺ - في الرقاب - وقد قيل له: أيها أفضل؟ - فقال: «أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها»، متّفقٌ عليه، وليس في عدد الهدي حد معلوم، وكان هدي رسول الله - ﷺ -، مائة، متّفقٌ عليه. وأما كيفية سوق الهدي، فهو التقليد والإشعار بأنه هدي؛ لأن رسول الله - ﷺ - خرج عام الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قَلَّد الهدي، وأشعره وأحرم ، وإذا كان الهدي من الإبل والبقر، فلا خلاف أنه يُقَلِّد نعلًا أو نعلين، أو ما أشبه ذلك لمن لَمْ يجد النعال. واختلفوا في تقليد الغنم، فقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود: تقلد؛ لحديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن النبيّ - ﷺ - أهدى إلى البيت مَرّة غنمًا، فقلّده. واستحبوا توجيهه إلى القبلة في حين تقليده، واستحب مالك الإشعار من الجانب الأيسر؛ لما رواه عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا أهدى هديًا من المدينة قلّده، وأشعره بذي الحليفة، قلّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجه للقبلة، يقلّده بنعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يُدفع به معهم إذا دفعوا، وإذا قَدِم منى غداة النحر نحره قبل أن يَحلِق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده، يَصُفُّهُنّ قيامًا، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل، ويطعم. واستحب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور الإشعار من الجانب الأيمن ؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله - ﷺ -، صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببُدنه، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سَلَتَ الدم عنها، وقلّدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت على البيداء أهلّ بالحج. وأما من أين يساق الهدي؟ فإن مالكًا يرى أن من سنته أن يُساق من الحلّ، ولذلك ذهب إلى أن من اشترى الهدي بمكة، ولم يُدخله من الحل أن عليه أن يَقِفه بعرفة، وإن لَمْ يفعل فعليه البدل، وأما إن كان أدخله من الحل، فيستحب له أن يَقِفه بعرفة، وهو قول ابن عمر، وبه قال الليث. وقال الشافعي، والثوري، وأبو ثور: وقوف الهدي بعرفة سنة، ولا حرج على من لَمْ يقفه كان داخلًا من الحل أو لَمْ يكن، وقال أبو حنيفة: ليس توقيف الهدي بعرفة من السنة. وحجة مالك في إدخال الهدي من الحل إلى الحرم، أن النبيّ - ﷺ - كذلك فعل، وقال: «خذوا عني مناسككم». وقال الشافعي: التعريف سنّة مثل التقليد، وقال أبو حنيفة: ليس التعريف بسنة، وإنما فعل ذلك رسول الله - ﷺ -؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم، وروي عن عائشة التخيير في تعريف الهدي أو لا تعريفه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال باستحباب التعريف؛ اتباعًا لفعل النبيّ - ﷺ -، وأما القول بالوجوب فيحتاج إلى دليل، وليس حديث: «خذوا عنّي مناسككم» دليلًا على الوجوب؛ لأنهم متّفقون في أشياء على أنَّها مستحبّة مع أن الحديث يشملها، والله تعالى أعلم. وأما محله فهو البيت العتيق، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وقال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأجمع العلماء على أن الكعبة لا يجوز لأحد فيها ذبح، وكذلك المسجد الحرام، وأن المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أنه إنما أراد به النحر بمكة؛ إحسانًا منه لمساكينهم وفقرائهم. وكان مالك يقول: إنما المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ مكة. وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم إلَّا أن ينحره بمكة. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه، وقال الطبري: يجوز نحر الهدي حيث شاء المهدي، إلَّا هدي القران، وجزاء الصيد، فإنهما لا ينحران إلَّا بالحرم. وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء، وفي العمرة بمكة إلَّا ما اختلفوا فيه من نحر المحصر. وعند مالك إن نحر للحج بمكة، والعمرة بمنى أجزأه، وحجة مالك في أنه لا يجوز النحر بالحرم إلَّا بمكة قوله - ﷺ -: «وكل فجاج مكة وطرقها منحر» ، واستثنى مالك من ذلك هدي الفدية، فأجاز ذبحه بغير مكة. وأما متى ينحر؟، فإن مالكًا قال: إن ذبح هدي التمتع، أو التطوع قبل يوم النحر لَمْ يجزه، وجوّزه أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في كليهما قبل يوم النحر، ولا خلاف عند الجمهور أن ما عُدل من الهدي بالصيام أنه يجوز حيث شاء؛ لأنه لا منفعة في ذلك، لا لأهل الحرم ولا لأهل مكة، وإنما اختلفوا في الصدقة المعدولة عن الهدي، فجمهور العلماء على أنَّها لمساكين مكة والحرم؛ لأنَّها بدل من جزاء الصيد الذي هو لهم، وقال مالك: الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة. وأما صفة النحر فالجمهور مجمعون على أن التسمية مستحبة فيها؛ لأنَّها ذكاة، ومنهم من استحب مع التسمية التكبير. ويستحب للمهدي أن يلي نحر هديه بيده، وإن استخلف جاز، وكذلك فعل رسول الله - ﷺ - في هديه، ومن سنتها أن تُنحَر قيامًا؛ لقوله - ﷾ -: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وأما ما يجوز لصاحب الهدي من الانتفاع به وبلحمه، فإن في ذلك مسائل مشهورة: (أحدها): هل يجوز له ركوب الهدي الواجب أو التطوع؟ فذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز، من ضرورة ومن غير ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك، وكره جمهور فقهاء الأمصار ركوبها من غير ضرورة، والحجة للجمهور ما أخرجه مسلم والنسائيّ عن جابر - ﵁ -، وقد سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اركبها بالمعروف؛ إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهرًا»، ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما قُصد به القربة إلى الله تعالى منعه مفهوم من الشريعة، وحجة أهل الظاهر ما رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ -، رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: «اركبها»، فقال: يا رسول الله إنها هدي، فقال: «اركبها ويلك» في الثانية، أو الثالثة. وأجمعوا على أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر الناس، وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله خَلّى بينه وبين الناس، ولم يأكل منه، وزاد داود: ولا يطعم منه شيئًا أهل رفقته؛ لما ثبتٌ أن رسول الله - ﷺ -، بعث بالهدي مع ناجية الأسلمي، وقال له: «إن عَطِب منها شيء، فانحره، ثم اصبُغْ نعليه في دمه، وخلّ بينه وبين الناس» ، ورُوي عن ابن عباس هذا الحديثُ، فزاد فيه: «ولا تأكل منه أنت، ولا أهل رفقتك»، وقال بهذه الزيادة داود، وأبو ثور. واختلفوا فيما يجب على من أكل منه، فقال مالك: إن أكل منه وجب عليه بدله، وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وابن حبيب من أصحاب مالك: عليه قيمة ما أكل، أو أمر بأكله، طعامًا يتصدق به، ورُوي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من التابعين. وما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة، فهل بلغ محله أم لا؟ فيه الخلاف مبني على الخلاف المتقدم، هل المحل هو مكة، أو الحرم؟. وأما الهدي الواجب؛ إذا عطب قبل محله، فإن لصاحبه أن يأكل منه؛ لأن عليه بدله، ومنهم من أجاز له بيع لحمه، وأن يستعين به في البدل، وكَرِه ذلك مالك. واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله، فقال الشافعي: لا يُؤكل من الهدي الواجب كُلِّهِ، ولحمُهُ كُلُّهُ للمساكين، وكذلك جُلُّه إن كان مُجَلَّلا، والنعل الذي قلّد به، وقال مالك: يؤكل من كلّ الهدي الواجب إلَّا جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من الهدي الواجب إلَّا هدي المتعة، وهدي القران. وعمدة الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة، وأما من فرّق، فلأنه يظهر في الهدي معنيان: أحدهما: أنه عبادة مبتدأة، والثاني: أنه كفارة، وأحد المعنيين في بعضها أظهر، فمن غَلَّب شبَهه بالعبادة على شبَهه بالكفارة في نوع من أنواع الهدي، كهدي القران، وهدي التمتع، وبخاصة عند من يقول: إن التمتع والقران أفضل، لَمْ يشترط أن لا يأكل؛ لأن هذا الهدي عنده هو فضيلة، لا كفارة تدفع العقوبة، ومن غَلَّب شبَهه بالكفارة قال: لا يأكله؛ لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفّارة من الكفّارة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الرأي الأول هو الأرجح؛ لظهور مُتمسّكه، والله تعالى أعلم. قال: ولَمّا كان هدي جزاء الصيد، وفدية الأذى ظاهر من أمرهما أنهما كفارة، لَمْ يختلف هؤلاء الفقهاء في أنه لا يأكل منهما. انتهى المقصود من كلام العلامة ابن رُشد رحمه الله تعالى، وهو بحث نفيس يجمع أقوال أهل العلم في موضع واحد بحيث يمكن الإحالة عليه فيما بعدُ - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠١٨] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَيِ، عَنْ قتَادَةَ، في هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - لَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: صَلَّى بِهَا الظُّهْرَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تَقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدّستوائيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية هشام الدّستوائيّ، عن قتادة هذه ساقها ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه» (٩/ ٣١٢) فقال: (٤٠٠٠) - أخبرنا زكريا بن يحيى الساجيّ بالبصرة، قال: حدّثنا محمد بن المثني، قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس، أن نبيّ الله - ﷺ - لَمَّا أتى ذا الحليفة أشعر الهدي في جانب السنام الأيمن، ثم أماط الدم، وقلّده نعليه، ثم ركب راحلته، فلما استوت به البيداء أحرم، وأهلّ بالحجّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (١٠)

١. «الفتح» ٤/ ٤٦٩.

٢. «شرح النوويّ»٨/ ٢٢٨.

٣. «الفتح» ٤/ ٦٥٦، ٦٥٧.

٤. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٢٩.

٥. راجع: «المرعاة» ٩/ ١٩٢.

٦. «الفتح» ٤/ ٦٤٩، ٦٥٠.

٧. حديث صحيح.

٨. تقدّم أن هذا هو المذهب الراجح؛ لموافقته فعل النبيّ - ﷺ -، وأما فعل ابن عمر - ﵄ - فموقوف لا يعارض المرفوع، فتنبّه.

٩. حديث صحيح.

١٠. حديث صحيح رواه أبو داود، وغيره.