HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٢١

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا ليث عن ابن شهاب، عن عروة ابن الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ. فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ. ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص89
ج ٢ ص ٩٥٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٥٩
وإنما سنّ النبيّ -ﷺ- النحر قيامًا عملًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، والوجوب السقوط، وتحققه في حال القيام أظهر، قال: والاستدلال بقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أظهر، وقد فسّره ابن عباس بقوله: قيامًا على ثلاث قوائم، وهو إنما يكون بعقل الركبة، والأَولى كونه اليسرى؛ للإتباع، رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم، قال: والحاصل أن القيام أفضل، فإن لم يتسهّل فالقعود أفضل من الاضطجاع. انتهى . ٢ - (ومنها): أن فيه تعليمَ الجاهل، وعدم السكوت على مخالفة السنّة، وإن كان مباحًا. ٣ - (ومنها): أن قول الصحابيّ: من السنّة كذا مرفوع حكمًا عند الشيخين؛ لاحتجاجهما بهذا الحديث في «صحيحيهما»، كما قال في «ألفيّة الحديث»: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ «مِنَ السُّنَّةِ» فِي الصَّوَابِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ بَعْثِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الذَّهَابَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَقْلِيدِهِ، وَفَتْلِ الْقَلَائِدِ، وَأَنَّ بَاعِثَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِذَلِكَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٩٥] (١٣٢١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا، مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبله. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر، تقدّم قريبًا. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل باب. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا. ٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٧ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة المدنيّة، ثقة [١٠] ماتت قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٧. ٨ - (عَائِشَةُ) -﵂-، تقدمت قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن رمح، فانفرد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، وفيه رواية تابعيّ عن تابعي وتابعيّة. شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة (أَن عَائِشَةَ) -﵂- (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُهْدِي) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيًّا، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: إذا بعثت به إليه إكرامًا، فهو هديّةٌ بالتثقيل لا غير، وأهديتُ إلى الحرم: سقته، قاله الفيّوميّ ﵀. (مِنَ الْمَدِينَةِ) النبويّة (فَأَفْتِلُ) من باب ضرب، يقال: فَتَله: لَوَاه، كفتّله بالتشديد (قَلَائِدَ هَدْيِهِ) جمع قلادة: هو ما يُجعل في العنق، ولم يتبيّن في هذه الرواية جنس القلائد، وسيأتي من رواية ابن عون، عن القاسم، عن عائشة -﵂- قالت: «أنا فتلت تلك القلائد من عهن كان عندنا»، ولفظ البخاريّ: «فتلت قلائدها من عِهْنٍ كان عندي» (ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا، مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ) أي من محظورات الإحرام، تعني أنه -ﷺ- كان يبعث هديًا إلى مكة، مقلّدةً، ثم يقيم بالمدينة حلالًا، لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وأرادت بذلك الردّ على ابن عباس -﵄-، وغيره حيث إنهم يرون ذلك، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢/ ٣١٩٥ و٣١٩٦ و٣١٩٧ و٣١٩٨ و٣١٩٩ و٣٢٠٠ و٣٢٠١ و٣٢٠٢ و٣٢٠٣ و٣٢٠٤ و٣٢٠٥ و٣٢٠٦ و٣٢٠٧ و٣٢٠٨] (١٣٢١)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٦٩٦ و١٦٩٨ و١٦٩٩ و١٧٠٠ و١٧٠١ و١٧٠٢ و١٧٠٣ و١٧٠٤ و١٧٠٥) و«الوكالة» (٢٣١٧) و«الأضاحي» (٥٥٦٦)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٥٥ و١٧٥٧ و١٧٥٨ و١٧٥٩)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩٠٩)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ١٧٠ و١٧١ و١٧٢ و١٧٣ و١٧٤ و١٧٥) و«الكبرى» (٢/ ٣٦ و٣٦٣)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣٠٩٤ و٣٠٩٥ و٣٠٩٦ و٣٠٩٨)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣٤١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ١٠٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٨٢ و٩١ و١٧٤ و١٩١ و٢٥٣ و٢٦٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٥٧٣ و٢٦٠٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٠٠٩ و٤٠١٠ و٤٠١١ و٤٠١٢ و٤٠١٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١١٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٩٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٩١١ و١٩٣٥ و١٩٣٦)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ١٢٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٨/ ٣٥٧)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ١٩١ و٣/ ٨٤٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٦٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٣٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٨٩٠ و١٨٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان استحباب بعث الهدي إلى الحرم، وإن لم يسافر معه مرسله، ولا أحرم في تلك السنة. قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: [فإن قلت]: في «صحيح البخاريّ» عن عائشة -﵂-: «فَتَلت لهدي النبيّ ﷺيعني القلائد- قبل أن يُحْرِم، يقتضي أنه أحرم بعد ذلك. [قلت]: يَحْتَمِل أن يكون مرادها قبل السنة التي أحرم فيها، ويَحْتَمِل أنها أخبرت في هذه الرواية عن حاله في سنة إحرامه، وفي الرواية الأخرى عن حاله في سنة أخرى، ويصرّح بأنه فعل ذلك في السنة التي لم يحرم فيها قولها -﵂- من رواية عمرة، عنها:«ثم بعث بها مع أبي»، وهو في«الصحيحين»، والمراد أنه بعث بها مع أبيها، أبي بكر الصدّيق -﵁- في حجته سنة تسع، وفي«الصحيح»أيضًا:«ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة»، وهي صريحة فيما ذكرناه. انتهى . ٢ - (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وهو أن يُجعل في عنقه ما يُستدلّ به على أنه هديٌ، وهو متفق عليه في الإبل، والبقر، واختلفوا في تقليد الغنم، وسيأتي تحقيق الخلاف -إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان استحباب مشروعيّة فتل القلائد. ٤ - (ومنها): بيان أن باعثه لا يصير محرمًا، فلا يحرم عليه شيء حلالٌ بسبب ذلك. ٥ - (ومنها): جواز استخدام الإنسان زوجته في فتل القلائد، ونحوه من الخدمة التي تقوم بها المرأة. ٦ - (ومنها): أنه يستحب إذا أرسل الهدي أن يُشعره، ويقلّده من بيته، وأما إذا أخذه معه، فيستحبّ أن يؤخر ذلك إلى الميقات حين يُحرم، كما فعل النبيّ -ﷺ-، في عمرة الحديبية، وحجة الوداع. ٧ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين ﵀: هذا الذي ذكرناه من استحباب تقليد الهدي إنما رأيت أصحابنا -يعني الشافعية- ذكروه في الهدي المتطوع به، والمنذور. وقسم المالكية دماء الحجّ إلى هَدْي، ونسك، وقالوا: إن الهدي جزاء الصيد، وما وجب لنقص في حج، أو عمرة، كدم القران، والتمتع، والفساد، والفوات، وغيرها، وقالوا: إن النسك ما وجب لإلقاء التفث، وطلب الرفاهية من المحظور، المنجبر، وجعلوا التقليد من سنة الهدي. وقال الحنفية: إن التقليد إنما يكون في هدي المتعة، والتطوع، والقران، دون دم الإحصار، والجماع، والجنايات، وفرّقوا بينها، بأن الأول دم نسك، وفي التقليد إظهاره، وتشهيره، فيليق به، والثاني فإن سببه الجناية، والستر أليق بها، قالوا: ودم الإحصار جائز، فألحق بها. وذكر ابن حزم هذا التفصيل عن أبي حنيفة، ثم قال: وقال مالك، والشافعيّ: يقلّد كلّ هدي، ويُشعر، قال: وهذا هو الصواب؛ لعموم فعل النبيّ -ﷺ-، ونُقِلَ عن أبي حنيفة. وتعقبه ولي الدين، فقال: وفيما ذكره نظر؛ فإنه لا عموم في فعل النبيّ -ﷺ-، والهدي الذي ساقه إنما كان متطوعًا به، ولم يكن عن شيء من الدماء الواجبة المذكورة، والدماءُ الواجبة لا تُساق مع الحاجّ من الأول؛ لأنه لا يدري هل يحصل له ما يوجبها، أم لا؟، ولم أر أصحابنا -يعني الشافعية- تعرّضوا لذلك كما تقدم، فينبغي تحقيقه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن التقليد والإشعار إنما نقلا في هدي التطوع، والقران، والتمتع، وأما الجنايات، فلم يُنقَلْ فيها ذلك، فما قاله الحنفية أظهر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تقليد الغنم: (اعلم): أنهم اختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعيّ، وأحمد، والجمهور، ورواه ابن أبي شيبة عن عائشة، وعن ابن عباس: «لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلّدة»، وعن أبي جعفر: «رأيت الكباش مقلّدة»، وعن عبد الله بن عبيد بن عمير: «إن الشاة كانت تقلّد»، وعن عطاء: «رأيت أناسًا من أصحاب النبيّ -ﷺ- يسوقون الغنم مقلّدة». وحكاه ابن المنذر عن إسحاق، وأبي ثور، قال: وبه أقول، وإليه ذهب ابن حبيب من المالكية. وذهب آخرون إلى أنها لا تُقلّد كما أنها لا تُشعر، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي. ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ويوافقه كلام البخاريّ، فإنه بوّب على هذا الحديث: «فتل القلائد للبُدن والبقر»، فحمل الحديث عليهما، ولم يذكر للغنم، قاله وليّ الدين ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله عن البخاريّ غير صحيح، فقد بوّب البخاريّ بعد بابين لتقليد الغنم، فقال: «باب تقليد الغنم». وقد ذكر الحافظ كلام وليّ الدين هذا، من غير تصريح باسمه، فقال: أخذ بعض المتأخرين من اقتصار البخاريّ في هذه الترجمة على الإبل، والبقر أنه موافق لمالك، وأبي حنيفة في أن الغنم لا تقلّد، وغفل هذا المتأخر عن أن البخاريّ أفرد ترجمة لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة، كعادته في تفريق الأحكام في التراجم. انتهى كلام الحافظ ﵀ . وقال في «الفتح»: قال ابن المنذر: أنكر مالك، وأصحاب الرأي تقليدها، زاد: وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حُجة إلا قول بعضهم: إنها تضعف عن التقليد، وهي حُجّة ضعيفة؛ لأن المقصود من التقليد العلامة، وقد اتفقوا على أنها لا تُشعَر؛ لأنها ضعيفة عنه، فتقلّد بما لا يُضعفها. والحنفيّة في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجة عليهم من جهة أخرى. وقال ابن عبد البرّ: احتجّ من لم ير بإهداء الغنم بأنّه -ﷺ- حجّ مرّة واحدة، ولم يهد فيها غنمًا. انتهى. قال الحافظ: وما أدري ما وجه الحُجة منه؛ لأن حديث الباب دالّ على أنه أرسل بها، وأقام، وكان ذلك قبل حَجّته قطعًا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرّد الترك لا يدلّ على نسخ الجواز. ثم مَنِ الذي صرّح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حَجّته غنم، حتى يسوغ الاحتجاج بذلك؟، ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبي جعفر محمد بن عليّ، وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدم مقلّدة. ولابن أبي شيبة عن ابن عبّاس نحوه. والمراد بذلك الردّ على من ادعى الإجماع على ترك إهداء الغنم، وتقليدها. وأعلّ بعض المخالفين حديث الباب بأن الأسود تفرّد عن عائشة بتقليد الغنم، دون بقية الرواة عنها، من أهل بيتها، وغيرهم، قال ابن المنذر وغيره: وليست هذه بعلّة؛ لأنه حافظ ثقة، لا يضرّه التفرّد. انتهى . وحُكي عن بعضهم أنه تأوّل هذا الحديثَ على أن معناه أنها فتلت قلائد الهدي من الغنم، أي من صوف الغنم، ورُدّ هذا برواية الأسود، عن عائشة -﵂-: «أهدى رسول الله -ﷺ- مرة إلى البيت غنمًا، فقلّدها»، لفظ مسلم، وفي لفظ له: «كنا نقلّد الشاء، فنرسل بها، ورسول الله -ﷺ- حلال، لم يحرم منه شيء». وفي لفظ للبخاريّ: «كنت أفتل قلائد النبيّ -ﷺ-، فيقلّد الغنم». ولفظ أبي داود: «إن رسول الله -ﷺ- أهدى غنمًا مقلّدة». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي قاله هذا البعض باطل؛ لأن هذه الألفاظ لا تحتمله، والله تعالى المستعان. وخلاصة الأمر أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من استحباب تقليد الغنم، كغيرها من الهدايا؛ لصحة أحاديث الباب، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في أن تقليد الهدي، وإرساله هل يوجب إحرامًا، أم لا؟: ذهب جمهور العلماء من السلف، والخلف، ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن من أرسل هديًا إلى الكعبة لا يصير محرمًا بمجرّد ذلك، ولا يجري عليه حكم الإحرام، ولا يلزمه أن يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وسواء قلّد هديه، أم لم يقلّده. وذهبت طائفة إلى أنه يصير محرمًا بذلك، قال ابن المنذر: كان ابن عمر يقول: إن قلّد هديه، فقد أحرم، وبه قال النخعيّ، والشعبيّ، وقال عطاء: سمعنا ذلك، وقال الثوريّ، وأحمد، وإسحاق: إذا قلّد هديه، فقد أحرم، وبه قال النخعيّ، والشعبيّ، وقال عطاء: وجب عليه، وبه قال أصحاب الرأي. انتهى. قال وليّ الدين ﵀: وحاصل كلامه قولان: أحدهما: أنه يصير محرمًا، والثاني: أنه يجب عليه الإحرام، وعدّهما ابن المنذر قولًا واحدًا، فإنه قال بعد ذلك: وفيه قول ثالث، فحكى المذهب المشهور، وكأن مراد الأخيرين: وجب عليه حكم الإحرام؛ لأنه قد صار محرمًا، فتتّحد المقالتان حينئذ. وقال الخطّابيّ عن أصحاب الرأي تفريعًا على ما تقدّم نقله عنهم: فإن لم تكن له نية فهو بالخيار بين حجّ وعمرة. وروى ابن أبي شيبة أنه إذا قلّد هديه، فقد أحرم عن ابن عمر، وابن عباس، والشعبيّ، وسعيد بن جبير، وسعد بن قيس، وميمون بن أبي شبيب، وأنه إذا قلّد فقد وجب عليه الإحرام عن ابن عباس، وهذا يدلّ على التأويل الذي قدّمته، وأن المراد بالعبارتين شيء واحد لكونهما معًا عن ابن عباس. وروى ابن أبي شيبة أنه إذا قلّد، وهو يريد الإحرام، فقد أحرم عن ابن عباس، وأبي الشعثاء، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وأنه إذا قلّد، وهو يريد الإحرام، فقد وجب عليه الإحرام عن إبراهيم النخعيّ، وكذا حكى الخطابيّ عن سفيان الثوريّ، وأحمد، وإسحاق أنه إذا أراد الحجّ، وقلّد، فقد وجب عليه، وهذا المذكور آخرًا فيه التقييد بأن يكون يريد الإحرام، فإن لم يحمل الإطلاق الأول على التقييد الثاني، وغايرنا بين الإحرام، وإيجاب الإحرام حصل قولان آخران مع القولين الأولين، ويدلّ على أن ذلك لا يتقيد بإرادة الإحرام في قولٍ ما رواه ابن أبي شيبة عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَير أنه رأى ابن عباس، وهو أمير البصرة، متجرّدًا على منبر البصرة، فسأل الناس عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلّد، فلذلك تجرّد، فلقيت ابن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: بدعة، وربّ الكعبة. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، وابن أبي الأسود، قالا: ليس له أن يقلّد، ولا يحرم إلا إن شاء يومًا، أو يومين. (وهذا مذهب خامس). وحاصله أنه بالتقليد يجب عليه الإحرام، وله تأخيره يومًا، أو يومين، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن الحسن البصريّ أنه إن فعل في أشهر الحجّ وجب عليه الحجّ، وإن كان في غير أشهره لم يجب. (وهذا مذهب سادس). وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن سعيد بن المسيب، والحسن البصريّ أن من بعث بهديه لا يمسك عن شيء مما يمسك عنه المحرم، إلا ليلة جمع، فإنه يمسك عن النساء. (وهذا مذهب سابع). وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عمر، وعلىّ، وابن عباس، وابن عمر أنه إذا أرسل بدنته، أمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أنه لا يلبّي. وهذا (مذهب ثامن)؛ لأنه لم يقيّد ذلك بالتقليد، ولم يقل: إنه محرم، ولا وجب عليه الإحرام، وإنما قال: يمسك عما يمسك عنه المحرم، وهو الذي في «صحيح مسلم» عن ابن عباس أنه قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاجّ حتى ينحر الهدي، وهذا أصح ما روي عن ابن عباس في هذا، والله أعلم. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن جعفر بن محمد أنه إذا أرسل بدنته واعدهم يومًا، فإذا كان ذلك اليوم الذي واعدهم أن يُشعَر أمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أنه لا يلبّي، وهذا مثل الذي قبله في الإمساك خاصّة، ويخالف بأنه لا يرتبه على مجرد الإرسال، بل لا بدّ معه من الإشعار، فهو (مذهب تاسع). وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن محمد بن سيرين، قال: إذا بعث الرجل بالهدي أمر الذي يبعث به معه أن يقلّد يوم كذا وكذا من ذلك اليوم، ثم يمسك عن أشياء مما يمسك عنها المحرم، وهذا (مذهب عاشر)؛ لأنه لا يطّرد المنع في كلّ ما يجتنبه المحرم، بل يثبت ذلك في بعضها، دون جميعها. واعلم أن كل من رتّب هذا الحكم على التقليد رتّبه على الإشعار أيضًا، فهو في معناه. فهذه عشرة مذاهب شاذّة إن لم تؤول، وتردّ إلى مذهب واحد، وكلام النوويّ يقتضي التأويل، فقال في «شرح مسلم» في الكلام على هذا الحديث: فيه أن من بعث هديه لا يصير محرمًا، ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، وهذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة إلا رواية حكيت عن ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحكاه الخطابيّ عن أصحاب الرأي أيضًا أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرمًا من غير نية الإحرام. وقال في «شرح المهذب»: إذا قلّد هديه، أو أشعره لا يصير محرمًا بذلك، وإنما يصير محرمًا بنية الإحرام، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، ونقل الشيخ أبو حامد عن ابن عباس، وابن عمر أنه يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، وهذا فيه تساهل، وإنما مذهب ابن عباس أنه إذا قلّد هديه حرم عليه ما يحرم على المحرم حتى يُنحَر هديُهُ، وكذا مذهب ابن عمر إن صحّ عنه في هذه المسألة شيء. انتهى، فذكر في «شرح مسلم» بعث الهدي، وفي «شرح المهذّب» تقليده. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ . وقال في «الفتح» عند شرح ردّ عائشة على ابن عباس -﵄- ما نصّه: قال ابن التين: خالف ابن عباس في هذا جميع الفقهاء، واحتجّت عائشة بفعل النبيّ -ﷺ-، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه، ولعلّ ابن عباس رجع عنه. انتهى. قال الحافظ: وفيه قصور، فإن ابن عباس لم ينفرد بذلك، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عليّة، عن أيوب، وابنُ المنذر من طريق ابن جريج، كلاهما عن نافع: «أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم، إلا أنه لا يلبّي»، ومنهم قيس بن سعد بن عبادة، أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيّب عنه نحو ذلك، وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عليّ بن الحسين، عن عمر، وعليّ، أنهما قالا في الرجل يُرسل ببدنته: «إنه يمسك عما يمسك عنه المحرم»، وهذا منقطع، وقال ابن المنذر: قال عمر، وعلىّ، وقيس بن سعد، وابن عمر، وابن عباس، والنخعيّ، وعطاء، وابن سيرين، وآخرون: من أرسل الهدي، وأقام حَرُم عليه ما يحرم على المحرم. وقال ابن مسعود، وعائشة، وأنس، وابن الزبير، وآخرون: لا يصير بذلك محرمًا، وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار. ومن حجة الأولين ما رواه الطحاويّ، وغيره من طريق عبد الملك بن جابر، عن أبيه، قال: كنت جالسًا عند النبيّ -ﷺ-، فقدّ قميصه من جيبه، حتى أخرجه من رجليه، وقال: «إني أمرت ببُدني التي بعثت بها أن تقلّد اليوم، وتُشعَرَ على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي، ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي …» الحديث، وهذا لا حجة فيه؛ لضعف إسناده، إلا أن نسبة ابن عباس إلى التفرّد بذلك خطأ. وقد ذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم إلا الجماع ليلة جمع، رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح. نعم جاء عن الزهريّ ما يدلّ على أن الأمر استقرّ على خلاف ما قال ابن عباس، ففي نسخة أبي اليمان، عن شعيب، عنه، وأخرجه البيهقيّ من طريقه، قال: أوّل من كشف العَمَى عن الناس، وبيّن لهم السنة في ذلك عائشةُ، فذكر الحديث عن عروة، وعمرة، عنها، قال: فلما بلغ الناس قول عائشة أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس. وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أن من أراد النسك صار بمجرّد تقليده الهدي محرمًا، حكاه ابن المنذر عن الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، قال: وقال أصحاب الرأي: من ساق الهدي، وأمّ البيت، ثم قلّد وجب عليه الإحرام، قال: وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا، ولا يجب عليه شيء، ونقل الخطابيّ عن أصحاب الرأي مثل قول ابن عباس، وهو خطأ عليهم، فالطحاويّ أعلم بهم منه، ولعل الخطابيّ ظنّ التسوية بين المسألتين. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر من الأقوال، وأدلتها أن أرجح الأقوال قول الجمهور: إن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام، ولا يُحَرِّم شيئًا، فمن بعث بالهدي، لا يلزمه إحرام، ولا اجتناب شيء مما يجتنبه المحرم؛ لحديث عائشة -﵂- المتّفق عليه الصريح في ذلك، وأما بقية الأقوال فليس عليها حجة، فلا يُلتفت إليها البتّة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٩٦] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. و«ابن شهاب» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها أبو نعيم في «مستخرجه» ٣/ ٣٩٥ فقال: (٣٠٤٨) - ثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، أن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله -ﷺ-، فنبعث بالهدي مُقَلَّدًا، وهو مقيم بالمدينة، ثم لا يجتنب حتى يُنْحَرَ هديه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَن النَّبِيِ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَىَّ أفتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) أبو عثمان الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٢٩) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٥ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قريبًا. ٦ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَيَّ إلخ) أي إن تلك الحال كأنها بمرأى مني الآن، لم تغب عن بصري. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ ساقها أبو نعيم ﵀ في «مستخرجه» ٣/ ٣٩٥ فقال: (٣٠٤٩) - ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي (ح) وثنا فاروق، ثنا أبو مسلم الكشيّ، ثنا الرماديّ، قالا: ثنا سفيان، ثنا الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: «كنت أفتل هدي رسول الله -ﷺ- بيديّ هاتين، ثم لا يجتنب مما يجتنبه المحرم». انتهى. ورواية حماد بن زيد، عن هشام ساقها أبو نعيم أيضًا في «مستخرجه» ٣/ ٣٩٥ فقال: (٣٠٥٠) - ثنا أبو محمد بن حيان، ثنا الفريابيّ، ثنا قتيبة (ح) وثنا جعفر بن محمد، ثنا أبو حصين، ثنا يحيى الحِمّانيّ، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كأني أنظر إليّ، وأنا أفتل قلائد هدي رسول الله -ﷺ-، ثم لا يجتنب من شيء مما يجتنبه المحرم». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٩٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: كُنْتُ أفتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ، ثُمَّ لَا يَعْتَزِلُ شَيْئًا، وَلَا يَتْرُكُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ جليلٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في «الحيض» ٢٧/ ٨٢٢. ٢ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في «الحيض» ٣/ ٦٩٥. والباقون ذُكروا قبله، و«سفيان» هو: ابن عيينة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في شرح أول أحاديث الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٩٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثنا أفلَحُ، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِيَدَيَّ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا، وَقَلَّدَهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَأقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا) . رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبي الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ/ مدنيّ، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عَابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (أفلَحُ) بن حُميد بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٧] (ت ١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في «الحيض» ٩/ ٧٣٧. والباقيان ذُكرا قبله، و«القاسم» هو: ابن محمد. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (١٩٩) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (كَانَ لَهُ حِلًّا) وفي نسخة: «كان له حلالًا». والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أيُّوبَ، عَن الْقَاسِمِ، وَأَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ، أفتِلُ قَلَائِدَهَا بِيَدَيَّ، ثُمَّ لَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ لَا يُمْسِكُ عَنْهُ الْحَلَالُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظ، أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنةً تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٤ - (أيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابد [٥] (ت ١٣١) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. ٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، فيه نصبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. والباقيان ذُكرا قبله، و«القاسم» هو: ابن محمد. وقوله: (لَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ) بضمّ حرف المضارعة، من الإمساك، يقال: أمسكت عن الشيء: إذا كففتَ عنه. والحديث مضى البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠١] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: أنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَأَصْبَحَ فِينَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حَلَالًا، يَأتِي مَا يَأتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ يَأتي مَا يَأتي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا. ٢ - (حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ) بن يسار، ويقال: ابن مالك بن يسار، ويقال: ابن بشر بن مالك بن يسار النَّصْريّ، أبو عبد الله، من آل مالك بن يسار، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن ابن عون، وزيد بن أبي هاشم مولى بشر بن مالك بن يسار. وروى عنه أحمد بن حنبل، والزعفرانيّ، والفلاس، وبندار، وأبو موسى، ومحمد بن هشام بن أبي خيرة، ونعيم بن حماد، ويحيى بن معين، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: الحسين بن الحسن من أصحاب ابن عون، من المعدودين من الثقات، دلَّهم عليه ابن مهدي، كان يحفظ عن ابن عون، وكان حسن الهيئة، ما علمته ثقة، كتبنا عنه، وقال النسائيّ: ثقة، وقال الساجيّ: ثقة صدوق مأمون تَكَلَّم فيه أزهر بن سعد، فلم يُلتَفَت إليه، ومثله يُجَلَّ عن هذا الموضع، يعني كتاب الضعفاء، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال أبو موسى: مات سنة (١٨٨). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٣٢١)، و(١٥٤٧)، و(٢٩٣٢). ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقولها: (مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا) قال الحافظ وليّ الدين ﵀: قد اختُلف في العهن -بكسر العين المهملة، وإسكان الهاء- فقيل: هو الصوف. وقيل: الصوف المصبوغ ألوانًا، وزاد في «الفتح»: وقيل: هو الأحمر خاصّة. قال وليّ الدين أيضًا: وقد ذكر أصحابنا الشافعيّة أن التقليد بالخيوط المفتولة يكون في الغنم، فيقلّدها إما بذلك، وإما بخُرَب القِرَب -بضم الخاء المعجمة- وهي عُراها، وآذانها. وأما الإبل، والبقر، فقالوا: يستحبّ تقليدها بنعلين، من هذه النعال التي تُلبس في الرجلين في الإحرام، ويستحبّ أن يكون لها قيمة، ويتصدّق بهما عند ذبح الهدي. وقال المالكية: ولو اقتصر على التقليد بنعل واحدة جاز، والأول أفضل، وقال الشافعية: لا تقلد الغنم النعل؛ لثقله عليها، بخلاف الإبل، والبقر، ولم أرهم قالوا: إنه لا تقلد الإبل، والبقر بالْخُرَب، والخيوط، بل استحبّوا أن يكون بالنعال، وسكتوا عما عداها، وهذا الحديث صريح في تقليد الإبل بالخيوط، ولا سيما الرواية: «فتلت قلائد بُدن رسول الله -ﷺ-، ثم أشعرها، وقلّدها»، ومن المعلوم أن الإشعار لا يكون في الغنم، وتناوُل لفظِ البُدن للإبل متفق عليه، وإنما الخلاف في إطلاقه على غيرها، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ . وقال في «الفتح»: وفيه -يعني قولها: «من عهن»- ردّ على من كره القلائد من الأوبار، واختار أن تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة، ومالك، وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى، مع القول بجواز كونها من الصوف، والله تعالى أعلم. انتهى . وقولها: (يَأتي مَا يَأتي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ) كناية عن جماع زوجته. وقولها: (أَوْ يَأتِي مَا يَأتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ) الظاهر أن «أو» للشكّ من الراوي، ووقع في رواية النسائيّ: «وما يأتي الرجل من أهله» فيحتمل أن يكون من عطف التفسير لقولها: «ما يأتي الحلال من أهله»، ويحتمل أن تكون «من» في الأول بمعنى «في»، أي ما يفعله الحلال، وهو في أهله، من الطيب، واللباس، وغيرهما، وعليه يكون قولها: «وما يأتي الرجل من أهله» من عطف الخاصّ على العامّ، وهو الجماع. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لًقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنَ الْغَنَمِ، فَيَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٤ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس بن عبد الله النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مكثر فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. والباقيان ذُكرا في الباب. وقولها: (مِنَ الْغَنَمِ) فيه ردّ على من نفى تقليد الغنم، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: «باب تقليد الغنم»، ثم أورد هذا الحديث؛ ردًّا على هؤلاء. قال ابن المنذر: أنكر مالك، وأصحاب الرأي تقليدها، زاد غيره: وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجةً، إلا قول بعضهم: إنها تَضْعُف عن التقليد، وهي حجة ضعيفةٌ؛ لأن المقصود من التقليد العلامة، وقد اتفقوا على أنها لا تُشْعَر؛ لأنها تضعف عنه، فتقلَّد بما لا يضعفها، والحنفية في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجة عليهم من جهة أخرى. وقال ابن عبد البرّ: احتجّ من لم ير إهداء الغنم بأنه -ﷺ- حج مرة واحدة، ولم يُهد فيها غنمًا. انتهى. قال الحافظ ﵀: وما أدري ما وجه الحجة منه؛ لأن حديث الباب دالّ على أنه -ﷺ- أرسل بها، وأقام، وكان ذلك قبل حَجَّته قطعًا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ثم مَنِ الذي صرح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حَجَّته غنم حتى يسوغ الاحتجاج بذلك؟، ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبي جعفر محمد بن عليّ، وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدَّم مُقَلَّدة، ولابن أبي شيبة عن ابن عباس نحوه، والمراد بذلك الردّ على من ادَّعَى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها، وأعلّ بعض المخالفين حديث الباب بأن الأسود تفرد، عن عائشة بتقليد الغنم، دون بقية الرُّوَاة عنها من أهل بيتها وغيرهم، قال المنذريّ وغيره: وليست هذه بعلّة؛ لأنه حافظ ثقة لا يضره التفرد، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ مشروعيّة تقليد الغنم، وأنها من جملة ما يُهدى إلى الحرم؛ لصحّة هذا الحديث، وأما الذين نفوا ذلك، فأحسن الأحوال أن يُعتذر عنهم بعد ثبوت الخبر بذلك لديهم، فتبصّر. والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٣] (…) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ اِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رُبَّمَا فَتَلْتُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ، ثمَّ يُقِيمُ، لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو كرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبت حافظ، ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) أو بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. والباقون ذُكروا في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٤] (…) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وهم المذكورون في السند الماضي. وقولها: (أَهْدَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا) قال النوويّ ﵀: فيه دلالة لمذهبنا، ومذهب الكثيرين أنه يستحب تقليد الغنم، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يستحب، بل خَصّا التقليد بالإبل والبقر، وهذا الحديث صريح في الردّ عليهما. انتهى . والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الباب، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاءَ، فَنُرْسِلُ بِهَا، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- حَلَالٌ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مِنْهُ شَىْءٌ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث العنبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) -بضمّ الميم، ثم حاء مهملة مخفّفة- الأوديّ، أو الإياديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدم في «الصلاة» ١٥/ ٩٠١. ٥ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: وقع عند بعض الرواة هنا وهَمٌ في هذا الإسناد، نبّه عليه الحافظ أبو عليّ الغسّاني الْجَيّانيّ ﵀، ودونك نصّه: قال مسلم: حدّثنا إسحاق بن منصور، قال: حدّثنا عبد الصمد، قال: حدّثنا أبي إلخ، ثم قال: هكذا إسناد هذا الحديث عند أبي العلاء بن ماهان، وعند أبي العبّاس الرازيّ، والكسائيّ، ووقع في بعض النُّسَخ المرويّة عن الْجُلُوديّ: حدّثنا إسحاق، نا عبد الصمد، نا محمد بن جُحادة … سقط من الإسناد ذكرُ والد عبد الصمد الراوي عن محمد بن جُحَادة، وهو خطأٌ، وعبد الصمد هو عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ التميمي مولاهم البصريّ، والساقط من الإسناد هو عبد الوارث بن سعيد أبو عُبيدة. انتهى كلام الغسّانيّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقولها: (كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاءَ) بالهمزة، وفي رواية النسائيّ: «الشاة» بالتاء، وهي واحد «الشاء»، قال الفيّوميّ ﵀: الشاة: من الغنم يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هذا شاةٌ للذكر، وهذه شاة للأنثى، وشاةٌ ذكر، وشاةٌ أنثى، وتصغيرها شُوَيهةٌ، والجمع: شاءٌ، وشياه بالهاء رُجوعًا إلى الأصل، كما قيل: شفةٌ وشِفاهٌ، ويقال: أصلها شاهةٌ، مثلُ عاهَةٍ. انتهى . وقولها: (فَنُرْسِلُ بِهَا) هكذا رواية المصنّف بنون المتكلّم، وفي رواية النسائيّ: «فيُرسل بها رسول الله -ﷺ-»، بالياء، وعليها فـ «رسول الله -ﷺ- مرفوع على الفاعليّة، فتنبّه. وقوله: (لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ منه شَىْءٌ) هذا بيان لمعنى قولها:«حلال»، وضمير«عليه»له -ﷺ-، وضمير«منه»للحلال، فيكون فيه استخدام، وهو نوع من أنواع البديع، وهو أن يُذكَر لفظ له معنيان، فيراد به أحدهما، ثم يراد بالضمير الراجع إليه معناه الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحد معنييه، ثم بالآخر معناه الآخر، فالأول كقوله [من الوافر]: إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ … رَعَيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غِضَابَا أراد بالسماء الغيث، وبالضمير الراجع إليه من«رَعَيناه»النبت، والسماء يُطلق عليهما. والثاني: كقوله [من الكامل]: فَسَقَى الْغَضَى وَالسَّاكِنِيهِ وَإنْ هُمُ … شبّوه بَيْنَ جَوَانِحِي وَضُلُوعِي أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى«الْغَضَى»وهو المجرور في«الساكنيه»المكان، وبالآخر، وهو المنصوب في«شبّوه»النار، أي أوقدوا بين جوانحي نارَ الغضى، يعني نار الهوى التي تُشبه نار الغضى، قاله الجرجانيّ . ومعنى الاستخدام في هذا الحديث أن قولها:«حلال»خبر قولها:«ورسولُ الله -ﷺ-»، فهو بمعنى غير محرم بالحجّ، أو العمرة، والضمير في قولها:«منه»راجع إلى«حلال»بمعنى ضدّ الحرام، تعني أنه -ﷺ- لم يحرم عليه بسبب إرسال الشاء شيء مما هو حلال له قبل ذلك، والله تعالى أعلم. ووقع في رواية النسائيّ بلفظ:«كنا نقلّد الشاة، فيُرسل بها رسول الله -ﷺ- حلالًا، لم يُحرم من شيء»، فـ«لم يُحرِم» بضمّ حرف المضارعة، أي لم يصر -ﷺ- محرمًا من شيء كان حلالا له. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٦] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ ابْنَ زِيادٍ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكْتُبِي إِلَىَّ بِأَمْرِكِ، قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- شَىْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٥) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في «الصلاة» ١٧/ ٩١٦. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها) أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّة هى خالته، فعمرة خالة عبد الله الراوي عنها، كما قاله في «الفتح» . شرح الحديث: (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة (أنَّهَا أَخْبَرَتْهُ) أي عبد الله بن أبي بكر (أَن ابْنَ زِيَادٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في جميع نسخ «صحيح مسلم»: «أن ابن زياد»، قال أبو علىّ الغسانيّ ، والمازريّ، والقاضي عياض، وجميع المتكلمين على «صحيح مسلم»: هذا غلطٌ، وصوابه: «أن زياد بن أبي سفيان»، وهو المعروف بزياد ابن أبيه، وهكذا وقع على الصواب في «صحيح البخاريّ»، و«الموطأ»، و«سنن أبي داود»، وغيرها من الكتب المعتمدة، ولأن ابن زياد لم يدرك عائشة، والله أعلم. انتهى. ولفظ البخاريّ: «عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن أبي سُفيان»، قال في «الفتح»: قوله: «أن زياد بن أبي سفيان» كذا وقع في «الموطأ»، وكأنّ شيخ مالك حدَّث به كذلك في زمن بني أمية، وأما بعدهم فما كان يقال له: إلا زياد ابن أبيه، وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له: زياد بن عُبيد، وكانت أمه سُمَيّة مولاة الحارث بن كَلَدَة الثَّقَفيّ تحت عبيد المذكور، فولدت زيادًا على فراشه، فكان يُنسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية شَهِدَ جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادًا ولده، فاستلحقه معاوية لذلك، وزوّج ابنه ابنته، وأَمَّر زيادًا على العراقين: البصرة والكوفة جمعهما له، ومات في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين. انتهى . [تنبيه]: «ابن زياد» الذي وقع غلطًا عند مسلم هو: عبيد الله بن زياد، ولد زياد بن أبيه هذا، وهو الذي قتل الحسين بن عليّ -﵄-، قاله الأبيّ ﵀ . (كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) -﵄- (قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتى يُنْحَرَ الْهَدْيُ) ببناء الفعل للمفعول، ولفظ البخاريّ: «حتى يُنحر هديه» (وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكتُبِي إليَّ بِأَمْرِكِ) زاد الطحاويّ من رواية بن وهب، عن مالك: «أو مُرِي صاحب الهدي» أي الذي معه الهدي، أي بما يصنع (قَالَتْ عَمْرَةُ) هو موصول بالسند المذكور، وقد رَوَى الحديث المرفوع عن عائشة: القاسم، وعروة، ومسروق، كما أورد مسلم رواياتهم في هذا الباب، وقد ساق البخاريّ في «الضحايا» رواية مسروق مطولةً، ولفظه: عن مسروق أنه قال: «يا أم المؤمنين إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر، فيوصي أن تُقَلَّد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يُحِلّ الناس»، فذكر الحديث. ولفظ الطحاويّ في حديث مسروق: قال: قلت لعائشة: إن رجالًا ها هنا يبعثون بالهدي إلى البيت، ويأمرون الذي يبعثون معه بِمَعْلَم لهم يقلّدها في ذلك اليوم، فلا يزالون محرمين حتى يحلّ الناس … الحديث. وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا محدِّث عن عائشة، وقيل لها: إن زيادًا إذا بعث بالهدي أمسك عما يمسك عنه المحرم، حتى ينحر هديه، فقالت عائشة: أَوَ له كعبة يطوف بها؟. قال: وحدّثنا يعقوب، حدّثنا هشام، عن أبيه بلغ عائشة، أن زيادًا بعث بالهدي، وتجرد، فقالت: إن كنت لأفتل قلائد هدي النبيّ -ﷺ-، ثم يبعث بها، وهو مقيم عندنا، ما يجتنب شيئًا. وروى مالك في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن ربيعة بن عبد الله بن الْهُدير، أنه رأى رجلًا متجردًا بالعراق، فسأل عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يُقَلَّد، قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير، فذكرت له ذلك، فقال: بدعة ورب الكعبة. ورواه ابن أبي شيبة عن الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم، أن ربيعة أخبره، أنه رأى ابن عباس، وهو أمير على البصرة في زمان عليّ متجردًا على منبر البصرة، فذكره، فعُرف بهذا اسمُ المبهم في رواية مالك . (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂- (لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) -﵄-، فيه تعقُّب بعض العلماء على بعض، وردّ الاجتهاد بالنصّ (أنا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِيَدَيَّ) بصيغة التثنية، ويَحْتَمِل أن يكون بصيغة الإفراد؛ لأنه مفرد مضاف، فيعمّ، وفيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها. (ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أي جعل تلك القلادة في عنقها، وإنما أنّث الضمير؛ لكون الهدي اسم جنس، واحده هدية بالتاء، كما سبق، واسم الجنس يجوز تذكيره وتأنيثه، كما هو مقرّر في محلّه من كتب النحو ، تقول: قام القوم، وقامت القوم، وجاء الرهط، وجاءت الرهط، والله تعالى أعلم. وقولها: (بِيَدِهِ) بالإفراد، وهو مفرد مضاف، فيعمّ اليدين، وفي رواية البخاريّ: «بيديه» بالتثنية، قال ابن التين ﵀: يَحْتَمِل أن يكون قول عائشة -﵂-: «ثم قلَّدها بيده» بيانًا لحفظها للأمر، ومعرفتها به، ويَحْتَمِل أن تكون أرادت أنه -ﷺ- تناول ذلك بنفسه، وعَلِمَ وقت التقليد، ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم؛ لئلا يظنّ أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي. انتهى. (ثُمَّ بَعَثَ بِهَا) أي بتلك الهدي المقلَّدة (مَعَ أَبِي) بفتح الهمزة، وكسر الموحّدة الخفيفة، والإضافة إلى ياء المتكلم، تريد أباها أبا بكر الصدّيق -﵄-، واستفيد من ذلك وقت البعث، وأنه كان في سنة تسع، عام حجّ أبو بكر بالناس. قال ابن التين ﵀: أرادت عائشة -﵂- بذلك علمها بجميع القصّة، ويَحْتَمِل أن تريد أنه آخر فعل النبيّ -ﷺ- لأنه حج في العام الذي يليه حجة الوداع؛ لئلا يَظُنّ ظانّ أن ذلك كان في أول الإسلام، ثم نسخ، فأرادت إزالة هذا اللبس، وأكملت ذلك بقولها: (فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- شَيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ) أي وانقضى أمره ولم يُحرِم -ﷺ-، وتَركُ إحرامه بعد ذلك أحرى، وأولى؛ لأنه إذا انتفى في وقت الشبهة، فلأن ينتفي عند انتفاء الشبهة أولى. وقولها: (حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ) ببناء الفعل للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير أبيها. قال في «الفتح»: وحاصل اعتراض عائشة على ابن عباس أنه ذهب إلى ما أفتى به قياسًا للتولية في أمر الهدي على المباشرة له، فبيّنت عائشة أن هذا القياس لا اعتبار له في مقابلة هذه السنة الظاهرة. وفي الحديث من الفوائد تناول الكبير الشيءَ بنفسه، وإن كان له مَن يكفيه، إذا كان مما يُهْتَمّ به، ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع، وأمور الديانة. وفيه تعقب بعض العلماء على بعض، وردّ الاجتهاد بالنصّ، وأن الأصل في أفعاله -ﷺ- التأسي به، حتى تثبت الخصوصية. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ تُصَفِّقُ، وَتَقُولُ: كُنْتُ أفتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِيَدَيَّ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا، وَمَا يُمْسِكُ عَنْ شَىْءٍ، مِمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ، حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هُشَيْمُ) بن بشير، تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجلىّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. ٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ٢٢٧. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) هذا الحديث مختصر عند المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطوّلًا في كتاب «الأضاحي»، فقال: (٥٥٦٦) - حدّثنا أحمد بن محمد، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا إسماعيل، عن الشعبيّ، عن مسروق، أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر، فيوصي أن تُقَلَّد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم مُحْرِمًا حتى يَحِلَّ الناسُ، قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله -ﷺ-، فيبعث هديه إلى الكعبة، فما يَحْرُم عليه مما حَلَّ للرجال من أهله، حتى يرجع الناس. انتهى. وقوله: (تُصَفِّقُ) بضمّ أوله، وتشديد الفاء، مبنيًّا للمفعول: أي تضرب إحدى يديها على الأخرى تعجّبًا، أو تأسّفًا على وقوع ذلك. وقولها: (حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ) ببناء الفعل للمفعول. [تنبيه]: استَدَلّ الداوديّ بحديث عائشة -﵂- هذا على أن الحديث الذي روته أم سلمة -﵂- مرفوعًا: «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره، ولا بشره شيئًا»، يكون منسوخًا بحديث عائشة -﵂-، أو ناسخًا. وتعقّبه ابن التين بأنه لا يُحتاج إلى ذلك؛ لأن عائشة -﵂- إنما أنكرت أن يصير من يبعث هديه مُحْرمًا بمجرد بعثه، ولم تعترض على ما يُستحب في العشر خاصةً، من اجتناب إزالة الشعر والظفر، ثم قال: لكن عموم الحديث يدلّ على ما قال الداوديّ، وقد استدلّ به الشافعيّ على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة، قال: والحديث المذكور أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ. وتعقّبه الحافظ، فقال: وفي الاحتجاج نظرٌ، فإنه لا يلزم من دلالته على عدم اشتراط ما يجتنبه المحرم على المضحي، أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر المذكور لغير المحرم. انتهى، وهو تعقّبٌ جيّدٌ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث المذكور أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدثنا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، كِلَاهُمَا عَن الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٢ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن محمد بن نمير، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٩. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، ساقها أبو يعلى ﵀ في «مسنده» ٨/ ١٢٠ فقال: (٤٦٥٨) - حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله -ﷺ-، فيبعث بها، ويقيم، فيأتي ما يأتي الحلال قبل أن يبلغ الهدي مكة. انتهى. ورواية زكرياء، عن الشعبيّ، ساقها إسحاق ابن راهويه ﵀ في «مسنده» ٣/ ١٠١٦ فقال: (١٧٦٠) - أخبرنا محمد بن عُبيد، نا زكريا، عن الشعبيّ، حدّثني مسروق، عن عائشة -﵂- قالت: فَتَلْتُ قلائد هدي رسول الله -ﷺ-، فأهداها، ثم لم يُحْرِم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٥)

١. راجع: «المرعاة» ٩/ ٢٢٧.

٢. المراد فوائد حديث عائشة -﵂- باختلاف رواياته في الباب.

٣. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٥٠.

٤. «طرح التثريب» ٥/ ١٥١.

٥. «الفتح» ٤/ ٦٤٩.

٦. «الفتح» ٤/ ٦٥٥.

٧. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٥٣ - ١٥٥.

٨. «الفتح» ٤/ ٦٥٢، ٦٥٣.

٩. وفي نسخة: «كان له حلالًا».

١٠. «طرح التثريب» ٥/ ١٥١، ١٥٢.

١١. «الفتح» ٤/ ٦٥٦.

١٢. «الفتح» ٤/ ٦٥٥.

١٣. «شرح النوويّ» ٩/ ٧٢.

١٤. «تقييد المهمل»٣/ ٨٤٢.

١٥. «المصباح المنير»٢/ ٣٢٨.

١٦. «تعريفات السيد الجرجانيّ» ص ١٧، ١٨.

١٧. راجع: «الفتح» ٤/ ٦٥١.

١٨. راجع: «تقييد المهمل» ٣/ ٨٤٢، ٨٤٣.

١٩. «الفتح» ٤/ ٦٥١.

٢٠. راجع: «شرح الأبيّ» ٣/ ٤١٣.

٢١. راجع: «الفتح» ٤/ ٦٥٢.

٢٢. راجع: «حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة» ١/ ٢٤١.

٢٣. «الفتح» ٤/ ٦٥٤.

٢٤. هو ابن المبارك.

٢٥. وقع في كلام الداوديّ «ميمونة» بدل «أم سلمة»، وهو غلطٌ، وقد نبّه عليه الحافظ في «الفتح» ١٢/ ٥٧٥، ٥٧٦.