HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٦٦

وحدثناه حَامِدُ بْنُ عُمَرَ. حدثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ. حدثنا عَاصِمٌ. قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا. فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا. قَالَ ثُمَّ قَالَ لِي: هَذِهِ شَدِيدَةٌ «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» قَالَ فقَالَ ابْنُ أَنَسٍ: أَوْ آوى محدثا.
ج ٢ ص ٩٩٤

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٥٣٥
أشرفنا على المدينة نظر إلى أُحد، فقال: «هذا جبل يحبنا ونحبه»، ثم نظر إلى المدينة، فقال: «اللهم إني أحرِّم ما بين لابتيها بمثل ما حَرَّم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٢٤] (١٣٦٦) - (وَحَدَّثنَاه حَامِد بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: قلْت لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، «فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي: هَذِهِ شَدِيدَةٌ، «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ أَنَسٍ: «أَوْ آوَى مُحْدِثًا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حَامِدُ بْن عُمَرَ) البكراويّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَاصِمٌ) بن سليمان الأحول، تقدّم أيضًا قريبًا. و«أنس بن مالك -﵁-» ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كالإسنادين السابقين، واللاحقين، وهو (٢١٣). ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو والبخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والقول، وفيه أنس بن مالك -﵄-، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا. شرح الحديث: عن عَاصِمٍ الأحول أنه (قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁-، وفي الرواية التالية: «سالت أنسًا» (أَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ؟ قَالَ) أنس (نَعَمْ)؛ أي: نعم حرّمها (مَا) موصولة؛ أي: المكان الذي (بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا) هكذا وقع في حديث أنس -﵁- مبهمًا، وسيأتي في حديث عليّ -﵁- الآتي بعد ثلاثة أحاديث: «المدينة حرم ما بين عَيْرٍ إلى ثور»، وسيأتي تمام البحث فيه هناك -إن شاء اللَّه تعالى- («فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا») قال القرطبيّ -﵀-: يعني من أحدث ما يُخالف الشرع من بدعة، أو معصية، أو ظلم، كما قال: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رَدٌ» متّفقٌ عليه . وقال القاضي عياض -﵀- معناه من أتى فيها إِثْمًا، أو آوى من أتاه، وضمّه إليه وحماه، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ويقال: أَوَى، وآوَى، بالقصر والمدّ في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح، والمدّ في المتعدي أشهر وأفصح . قال النوويّ -﵀-: وبالأفصح جاء القرآن العزيز في الموضعين، قال اللَّه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقال في المتعدي: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] . قال القاضي: ولم يُرْوَ هذا الحرف إلا «مُحْدِثًا» بكسر الدال، ثم قال: وقال الإمام المازريّ: رُوي بوجهين: كسرِ الدال، وفتحها، قال: فمن فتح أراد الإحداث نفسه، ومن كسر أراد فاعل الحدث. انتهى . (قَالَ) عاصم (ثُمَّ قَالَ) أنس (لِي: هَذِهِ شَدِيدَةٌ) الإشارة إلى قوله -ﷺ-: «من أحدث. . . إلخ»، وهذا إعظام من أنس -﵁- لها؛ لاقترانها بالوعيد الشديد («مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا) أي: فعل فيها شيئًا مُحدثًا، فالحدث هو الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعروف في السنّة، فهو يعمّ المعاصي، والْبِدَع، والْخُرَافات (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هذا وعيد شديد لمن ارتكب هذه الجريمة، قال القاضي عياض -﵀-: واستدلوا بهذا على أن ذلك من الكبائر؛ لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة، ومعناه: أن اللَّه تعالى يلعنه، وكذا تلعنه الملائكة، والناس أجمعون، وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة اللَّه تعالى، فإن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد، قالوا: والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه، والطرد عن الجنة أول الأمر، وليست هي كلعنة الكفار الذين يُبعَدون من رحمة اللَّه تعالى كلّ الإبعاد. انتهى . (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا») قال القاضي عياض: قال المازريّ: اختلفوا في تفسيرهما، فقيل: الصرف الفريضة، والعدل النافلة، وقال الحسن البصريّ: الصرف النافلة، والعدل الفريضة عكس قول الجمهور، وقال الأصمعيّ: الصرف التوبة، والعدل الفدية، ورُوي ذلك عن النبيّ -ﷺ-، وقال يونس: الصرف الاكتساب، والعدل الفدية، وقال أبو عبيدة: العدل الحيلة، وقيل: العدل المثل، وقيل: الصرف الدية، والعدل الزيادة، قال القاضي: وقيل: المعنى لا تُقبل فريضته، ولا نافلته قبول رضًا، وإن قُبلت قبول إجزاء، وقيل: يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما، قال: وقد يكون معنى الفدية هنا أنه لا يجد في القيمة فداء يفتدي به، بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل اللَّه على من يشاء منهم، بأن يفديه من النار بيهوديّ، أو نصرانيّ، كما ثبت في «الصحيح». انتهى. (قَالَ) عاصم (فَقَالَ ابْنُ أَنَسٍ) قال النوويّ -﵀-: كذا وقع في أكثر النسخ: «فقال ابن أنس»، ووقع في بعضها: «فقال أنس» بحذف لفظة: «ابن»، قال القاضي: ووقع عند عامة شيوخنا: «فقال ابن أنس» بإثبات «ابن»، قال: وهو الصحيح، وكأنّ ابن أنس ذَكَّر أباه هذه الزيادة؛ لأن سياق هذا الحديث من أوله إلى آخره من كلام أنس، فلا وجه لاستدراك أنس بنفسه، مع أن هذه اللفظة قد وقعت في أول الحديث في سياق كلام أنس في أكثر الروايات، قال: وسقطت عند السمرقنديّ، قال: وسقوطها هناك يُشبه أن يكون هو الصحيح، ولهذا استُدرِكَت في آخر الحديث. انتهى كلام القاضي -﵀- . [تنبيه]: قال الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه» بعد إخراج الحديث عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بسند المصنّف ما نصّه: قال عاصم: فأخبرني موسى بن أنس أنه قال: «أو آوى مُحدثًا». انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «قال عاصم: فأخبرني» هو موصول بالسند المذكور، وقوله: «موسى بن أنس» ذكر الدارقطني أن الصواب عن عاصم، عن النضر بن أنس، لا عن موسى، قال: والوهم فيه من البخاريّ، أو شيخه، قال عياض: وقد أخرجه مسلم على الصواب. قال الحافظ: إن أراد أنه قال: عن النضر فليس كذلك، فإنه إنما قال لما أخرجه عن حامد بن عُمَر عن عبد الواحد، عن عاصم، عن ابن أنس، فإن كان عياض أراد أن الإبهام صواب فلا يخفى ما فيه، والذي سماه النضر هو مسدد، عن عبد الواحد، كذا أخرجه في «مسنده»، وأبو نعيم في «المستخرج» من طريقه، وقد رواه عمرو بن أبي قيس، عن عاصم، فَبَيَّن أن بعضه عنده عن أنس نفسه، وبعضه عن النضر بن أنس، عن أبيه، أخرجه أبو عوانة في «مستخرجه»، وأبو الشيخ في «كتاب الترهيب» جميعًا من طريقه، عن عاصم، عن أنس، قال عاصم: ولم أسمع من أنس: «أو آوى مُحدِثًا»، فقلت للنضر: ما سمعت هذا، يعني القدر الزائد من أنس؟ قال: لكني سمعته منه أكثر من مائة مرة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: في تعقّب الحافظ على القاضي عياض نظر؛ لأن القاضي لم يذكر انتقاد الدارقطني المذكور في كتابه أصلًا، وإنما مراده في قوله: «وقد أخرجه مسلم على الصواب» هو ما سلف في كلامه من تصويبه قوله: «ابن أنس» على قول من قال: «أنس»، بإسقاط لفظة «ابن»، وأما رواية موسى بن أنس، أو النضر بن أنس، فلم يتعرّض القاضي لذكرها أصلًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. («أَوْ آوَى مُحْدِثًا») أي: ضمّ إليه من فعل معصية، ومنعه ممن له عليه حقّ ونصرة. والمراد بالْحَدَث، والْمُحْدِث الظلم، والظالم، على ما قيل، أو ما هو أعمّ من ذلك، وهو أولى؛ لظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٢/ ٣٣٢٤] (١٣٦٦)، و(البخاريّ) في «فضائل المدينة» (١٨٦٧) و«الاعتصام بالكتاب والسنّة» (٧٣٠٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١٣/ ٩٩ و٢٣٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل المدينة، وما أكرم اللَّه ﷾ به نبيّه -ﷺ- حيث جعل بلده حرمًا آمنًا، كما حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض. ٢ - (ومنها): بيان حدود حرم المدينة بأنه ما بين كذا وكذا، والمراد ما بين عير إلى ثور، كما يأتي في حديث عليّ -﵁-. ٣ - (ومنها): بيان تحريم الْحَدث من المعاصي، والْبِدَع، والْخُرَافات في المدينة، وهو وإن كان محرّمًا في غيرها أيضًا، إلا أنه فيها أشدّ؛ للوعيد الشديد المذكور. ٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: استُدِلّ بهذا الحديث على أن الْحَدَث في المدينة من الكبائر، والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الإبعاد عن رحمة اللَّه، قال: والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر، وليس هو كلعن الكافر. ٥ - (ومنها): أن فيه جوازَ لعن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعيَّن. ٦ - (ومنها): بيان أن الْمُحْدِث، والمؤوي للْمُحْدِث في الإثم سواء.
مصادر المؤلف (٧)

١. »المفهم«٣/ ٤٨٧.

٢. »إكمال المعلم«٤/ ٤٨٦.

٣. »شرح النووي«٩/ ١٤٠.

٤. »إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٦.

٥. «إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٦، و«شرح النوويّ» ٩/ ١٤٠.

٦. «إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٦ - ٤٨٧.

٧. «الفتح» ١٧/ ١٨٠ - ١٨١ «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» رقم (٧٣٠٦).