HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٧٤

حدثنا حَمَّادُ بْنُ إسماعيل بن علية. حدثنا أبي عن وهب، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ؛ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ. وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ. فقَالَ لَهُ: إِنِّي كَثِيرُ الْعِيَالِ. وَقَدْ أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَ عِيَالِي إِلَى بَعْضِ الرِّيفِ. فقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلِ. الْزَمِ الْمَدِينَةَ. فَإِنَّا خَرَجْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ (أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ) حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ. فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ. فقَالَ الناس: والله! ما نحن ههنا فِي شَيْءٍ. وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ. مَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِكُمْ؟ (مَا أَدْرِي كَيْفَ قَالَ) وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ، أَوْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ إِنْ شِئْتُمْ (لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَ) لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرْحَلُ. ثُمَّ لَا أَحُلُّ لَهَا عُقْدَةً حَتَّى أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ». وَقَالَ: «اللَّهُمَّ! إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا. وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا. أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ. وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لقتال، ولا يخبط فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلْفٍ. اللَّهُمَّ! بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا. اللَّهُمَّ! بَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا. اللهم! اجعل لَنَا فِي مُدِّنَا. اللَّهُمَّ! بَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا. اللَّهُمَّ! بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا. اللَّهُمَّ! بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا. اللَّهُمَّ! اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا«. (ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ)»ارتحلوا» فارتحلنا. فأقبلنا إلى المدينة. فو الذي نَحْلِفُ بِهِ أَوْ يُحْلَفُ بِهِ! (الشَّكُّ مِنْ حَمَّادٍ) مَا وَضَعَنْا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غطفان. وما يهيجهم قبل ذلك شيء.
ج ٢ ص ١٠٠١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٥٧٨
(٨٣) - (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٣٧] (١٣٧٤) - (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ؛ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ، وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَ عِيَالِي إِلَى بَعْضِ الرِّيفِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلْ، الْزَمْ الْمَدِينَةَ، فَمنَّا خَرَجْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ: حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: وَاللَّهِ مَا نَحْنُ هَا هُنَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ، مَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِكُمْ؟»، مَا أَدْرِي كَيْفَ قَالَ: «وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ، أَوْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ، أَوْ إِنْ شِئْتُمْ»، لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَ؟ «لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرْحَلُ، ثُمَّ لَا أَحُلُّ لَهَا عُقْدَةً حَتَّى أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ»، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا، مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا، أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ، إِلَّا لِعَلْفٍ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ، وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا، حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا»، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ:«ارْتَحِلُوا»، فَارْتَحَلْنَا، فَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي نَحْلِفُ بِهِ، أَوْ يُحْلَفُ بِهِ -الشَّكُّ مِنْ حَمَّادٍ- مَا وَضَعْنَا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (حَمَّادُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ) البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١١]. رَوَى عن أبيه، ووهب بن جرير بن حازم، وعنه مسلم، والنسائيّ، وعثمان بن خُرّزاذ، ومحمد بن إسحاق الصنعانيّ، ويعقوب بن سفيان، ومحمد بن إسحاق السراج، وغيرهم. قال النسائيّ: بغداديّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في«الثقات»، وقال السرّاج: مات ببغداد سنة (٢٤٤). تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (أَبُوهُ) إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن عُليّة، تقدّم قريبًا. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ البصريّ، ذُكر في الباب. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥] (١٣٦) (ع) تقدّم قريبًا. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ) ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي ذرٍّ الغفاريّ، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدريّ، وحمزة بن سفينة، وعنه ابناه: أبو السَّمَيط سعيد ويزيد، وسعيد المقبريّ، ويحيى بن أبي إسحاق الحضرميّ، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم، ووثّقه العجليّ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٣٧٤) وكرّره ثلاث مرّات، و(١٨٩٦): «لينبعث من رجلين أحدهما، والأجر بينهما»، وأعاده بعده. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنان -﵄-، تقدّم قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، ومولى المهريّ، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميّ مولاهم (أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيّ) لا يُعرف اسمه (أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بالْمَدِينَةِ جَهْدٌ) بفتح الجيم؛ أي: مشقّة، فقوله: (وَشِدَّةٌ) تأكيد له (وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) -﵁- (فَقَالَ لَهُ: إِنِّي كَثِيرُ الْعِيَالِ) بالكسر: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، والواحد عَيِّل بتشديد الياء، مثل جِيَاد وجَيِّدٍ (وَقَدْ أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ) قال الأبيّ -﵀-: لا يُعارض هذا دعائه -ﷺ- بالبركة؛ إذ لا منافاة بين ثبوت الشدّة وثبوت البركة فيها، وتخلّفها عن بعض لا يضرّ. قال: بهذا كان شيخنا يُجيب، والأظهر على قدّمنا أن البركة هي في تحصيل القوت، وأن المدّ بها يُشبع ما يُشبع ثلاثة أمثاله بغيرها، فتكون الشدّة في تحصيل المدّ، والبركة في تضعيف القوت به. انتهى . (فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَ) بضمّ القاف، من باب نصر (عِيَالِي إِلَى بَعْضِ الرِّيفِ) بكسر الراء: هي الأرض التي فيها زرعٌ، وخِصْبٌ، وجمعه أريافٌ، ويقال: أَرْيفنا؛ أي: صِرنا إلى الريف، وأرافت الأرض: أخصبت، فهي ريفة . (فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) -﵁- (لَا تَفْعَل)؛ أي: تنقل عيالك من المدينة إلى الريف (الْزَمْ الْمَدِينَةَ) ثم علّل نهيه بقوله: (فَإِنَّا خَرَجْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- أَظُنُّ) وفي نسخة: «أظنّه»، والظاهر أن قائل أظنّه أبو سعيد مولى المهريّ (أَنَّهُ قَالَ) أي: أن أبا سعيد الخدريّ قال (حَتَّى قَدِمْنَا) بكسر الدال (عُسْفَانَ) بضمّ العين، وسكون السين المهملتين، ثم فاء: موضع بين مكة والمدينة، ويُذكّر، ويؤنّث، قال الفيّوميّ: ويُسمّى في زماننا مَدْرَجَ عُثمان، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة. انتهى . (فَأَقَامَ) النبيّ -ﷺ- (بِهَا)؛ أي: بعُسفان، تقدّم آنفًا أنها تذكّر وتؤنّث (لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: وَاللَّهِ مَا) نافية (نَحْنُ هَا هُنَا فِي شَيْءٍ)؛ أي: لسنا في شيء نافع لنا (وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ) بضمّ الخاء المعجمة؛ أي: لا حافظ لهم، ولا حامي، يقال: حيٌّ خُلُوفٌ؛ أي: غاب عنهم رجالهم، قاله القرطبيّ ، وقال النوويّ: أي: ليس عندهم رجال، ولا من يحميهم ، وقال ابن الأثير: يقال: حيّ خُلُوفٌ: إذا غاب الرجال، وأقام النساء، ويُطلق على المقيمين، والظاعنين. انتهى . (مَا نَأْمَنُ) بفتح الميم، من باب تَعِب (عَلَيْهِمْ)؛ أي: نخاف عليهم العدوّ أن يأتيهم ونحن غائبون (فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: «مَا) استفهاميّة (هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِكُمْ؟»)؛ أي: أيُّ شيء هذا الذي بلغني مما تحدّثتم به من شؤون عيالكم؟ وقوله: (مَا أَدْرِي كَيْفَ قَالَ) هذا شكّ من أبي سعيد الخدريّ -﵁- فيما عبّر به النبيّ -ﷺ- عن ربّه عند حلفه، هل قال: («وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ) أي: وهو اللَّه تعالى (أَوْ) قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ) من باب نصر (أَوْ إِنْ شِئْتُمْ»، لَا أَدْرِي أَيُّتَهُمَا قَالَ؟) وهذا أيضًا شكّ في لفظ الحديث، هل قال -ﷺ-: «لقد هممت، أو قال: إن شئتم» («لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرْحَلُ) بضمّ أوله، وإسكاء الراء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: يشدّ عليها رحلها، وضبطه القرطبيّ بتشديد الحاء (ثُمَّ لَا أَحُلُّ لَهَا عُقْدَةً حَتَّى أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ») قال القرطبيّ: أي أصِلُ المشي والإسراع، وذلك لمحبته الكونَ في المدينة، وشدّة شوقه إليها. انتهى . وقال النوويّ: معناه: ثم أواصل السير، ولا أحلّ عن راحلتي عُقدة من عُقَد حملها، ورحلها، حتى أصل المدينة؛ لمبالغتي في الإسراع إليها ، (وَقَالَ) -ﷺ- («اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ) -﵇- (حَرَّمَ مَكَّةَ)؛ أي: أظهر للناس تحريمها؛ لأن تحريم مكة قديم، حرّمها اللَّه -﷾- يوم خلق السماوات والأرض، فإسناد التحريم إلى إبراهيم -﵇- مجاز، كما مرّ تحقيقه (فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ) قال التوربشتيّ: أراد بذلك تحريم التعظيم، دون ما عداه من الإحكام المتعلّقة بالحرم، ومن الدليل عليه قوله في هذا الحديث:«لا يُخبط شجرها إلَّا لعلف»، وأشجار حرم مكة لا يجوز خبطها بحال، وصيدها، وإن رأى تحريمه نفر يسير من الصحابة، فإن الجمهور منهم لم يُنكروا اصطياد الطيور بالمدينة، ولم يبلغنا فيه عن النبيّ -ﷺ- نهي من طريق يُعتمد عليه، وقد قال لأبي عُمير:«ما فَعَلَ النُّغير؟ »، ولو كان حرامًا لَمْ يسكت عنه في موضع الحاجة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله التوربشتيّ قد تقدّم لك أن الصحيح خلافه، وأن المدينة حرم يحرم صيدها، وقطع شجرها إلَّا ما استُثني في هذا الحديث، ومن الغريب قوله:«ولم يبلغنا عن النبيّ -ﷺ- نهي من طريق يُعتمد عليه»، فهل بعد ما تقدّم في«صحيح مسلم»من قوله -ﷺ-:«إِنِّي أحرّم ما بين لابتي المدينة أن يُقطع عِضاهها، أو يُقتل صيدها»يريد أصحّ من هذا؟ أو نسيه، أو تغافل عنه، وهو مذكور في الكتاب الذي شرحه، وهو«مشكاة المصابيح»، إن هذا لشيء عجيب!!!. وقوله: (حَرَامًا)؛ أي: حرّمتُ المدينة، فحَرُمت حرامًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧]، وقوله: (مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا) بدل من«المدينة»، ويَحْتَمِل أن يكون«حرامًا»مفعولًا لفعل محذوف؛ أي: جعلت حرامًا ما بين مأزميها، فـ«ما بين مأزميها»مفعول ثان، و«المأزم»بهمزة بعد الميم، وبكسر الزاي، هو الجبل، وقيل: المضيق بين الجبلين ونحوه، والأول هو الصواب هنا، ومعناه: ما بين الجبلين، كما سبق في حديث أنس -﵁- وغيره، قاله النوويّ . وقوله: (أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ) قال الطيبيّ -﵀-: وقع موقع التفسير لِما حرّم، كأنه قال: وذلك أن لا يُهراق فيها دم، وليس من المفعوليّة في شيء، ولو كان مفعولًا به لقيل: إني حرّمت أن يهراق بها دم، والمراد من النهي عن إراقة الدم هو النهي عن القتال فيها، وذلك أن إراقة الدم الحرام ممنوع عنها على الإطلاق، والمباح منه لَمْ نجد فيه اختلافًا يُعتدّ به إلَّا في حرم مكة. انتهى . (وَلَا يُحْمَلَ) بالبناء للمفعول (فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا، وبابه ضرب، والخبط هو ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، واسم الورق الساقط: خَبَطٌ بالتحريك، فَعَلٌ بمعنى مفعول. وقال القرطبيّ -﵀-: وقوله: «لا يُحمل فيها سلاح، ولا يُخبط فيها شجرة) هذا كله يقضي التسوية بين حرم المدينة وحرم مكة، وهو ردٌّ على أبي حنيفة، على ما تقدّم. انتهى. (إِلَّا لِعَلْفٍ) بإسكان اللام، وهو مصدر عَلَفْتُ عَلْفًا، من باب ضرب، وأما العلَفُ بفتح اللام، فاسم الحشيش، والتبن، والشعير، ونحوها، وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف، وهو المراد هنا، بخلاف خبط الأغصان، وقطعها، فإنه حرام . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«إلَّا لعلْف»لم يُذكر هذا الاستثناء في شجر مكة، وهو جارٍ فيها، ولا قرن بينهما، وكذلك ذكر في مكة:«إلَّا الإذخر»، ولم يذكره في المدينة، وهو أيضًا جارٍ فيها؛ إذ لا فرق بين الحرمين. والحاصل من الاستثناءين: أن ما دَعَت الحاجة إليه من العلف، والانتفاع بالحشيش جاز تناوله على وجه الْهَشّ، والرفق من غير عُنف، ولا كسر غصن، وهو حجة على من منع شيئًا من ذلك. انتهى . (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ) بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة: هو الطريق، وقيل: الطريق في الجبل، والجمع شِعابٌ بالكسر، قاله الفيّوميّ (وَلَا نَقْبٌ) بفتح النون، وسكون القاف: هو الطريق في الجبل، وعلى التفسير الثاني لـ «الشِّعْب» يكون عطف تفسير، وعلى الأول فالعطف مغاير. وقال النوويّ: قال أهل اللغة: «الشِّعْب» بكسر الشين: هو الفُرْجة النافذة بين الجبلين، وقال ابن السِّكِّيت هو الطريق في الجبل، و«النَّقْبُ» بفتح النون على المشهور، وحَكَى القاضي ضمها أيضًا، وهو مثل الشِّعْب، وقيل: هو الطريق في الجبل، قال الأخفش: أنقاب المدينة: طُرُقها، وفِجَاجُها. انتهى . (إِلَّا عَلَيْهِ) وفي نسخة: «إلَّا وعليه»؛ أي: على ذلك الشعب، والنَّقْب (مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا) بضمّ الراء، من باب نصر؛ أي: يحفظانها (حَتَّى تَقْدَمُوا) بفتح الدال، من باب تَعِبَ (إِلَيْهَا«)؛ أي: إلى المدينة. (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- (لِلنَّاسِ:«ارْتَحِلُوا»، فَارْتَحَلْنَا، فَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي نَحْلِفُ بِهِ) أي: نقسم به، وهو اللَّه -﷾- (أَوْ يُحْلَفُ بِهِ -الشَّكُّ مِنْ حَمَّادٍ-) هو ابن إسماعيل، شيخ المصنّف (مَا وَضَعْنَا رِحَالَنَا) بكسر الراء: جمع رَحْل، بفتح، فسكون، كسَهْمٍ، وسِهَامٍ، وهو كلِّ شيء يُعَدّ للرحيل، من وِعَاء للمتاع، ومَرْكَب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَن، ويُجمع أيضًا على أَرْحُل، كفلْسٍ وأَفْلُسٍ . (حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ) قال النوويّ -﵀-: معناه أن المدينة في حال غيبتهم، كانت مَحْمِيّةً، محروسةً، كما أخبر النبيّ -ﷺ- حتى إن بني عبد اللَّه بن غَطَفان أغاروا عليها حين قَدِمنا، ولم يكن قبل ذلك يَمنعهم من الإغارة عليها مانع ظاهر، ولا كان لهم عدوّ يَهِيجهم، ويشتغلون به، بل سبب منعهم قبل قدومنا حِراسة الملائكة، كما أخبر النبيّ -ﷺ-. انتهى. قال القرطبيّ -﵀-: وفي هذا ما يدلّ على أن حراسة الملائكة للمدينة إنما كان إذ ذاك في مدة غيبة النبيّ -ﷺ- وأصحابه عنها، نيابة عنهم. انتهى . وقوله: (بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ) قال النوويّ -﵀-: هكذا وقع في بعض النسخ عبد اللَّه، بفتح العين مكبّرًا، ووقع في أكثرها عُبيد اللَّه، بضم العين مصغرًا، والأول هو الصواب، بلا خلاف، بين أهل هذا الفنّ، قال القاضي عياض: حدّثنا به مكبرًا أبو محمد الْخُشَنيّ، عن الطبريّ، عن الفارسيّ «بنو عبد اللَّه» على الصواب، قال: ووقع عند شيوخنا في نسخ مسلم من طريق ابن ماهان، ومن طريق الْجُلُوديّ «بنو عبيد اللَّه» مصغرًا، وهو خطأ، قال: وكان يقال لهم في الجاهلية: بنو عبد الْعُزَّى، فسمّاهم النبيّ -ﷺ- بني عبد اللَّه، فسمّتهم العرب بني مُحَوَّلة؛ لتحويل اسمهم، واللَّه أعلم. انتهى . وقوله: (وَمَا يَهِيجُهُمْ) قال أهل اللغة: يقال: هاج الشرّ، وهاجت الحربُ، وهاجها الناسُ؛ أي: تحركت، وحَرَّكوها، وهِجْتُ زيدًا: حَرّكته للأمر، كُلُّهُ ثلاثيّ. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٣/ ٣٣٣٧ و٣٣٣٨ و٣٣٣٩ و٣٣٤٠ و٣٣٤١] (١٣٧٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٨٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٣٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٤٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل المدينة، وأن رسول اللَّه -ﷺ- حرّمها، كما حرّم إبراهيم -﵇- مكة. ٢ - (ومنها): شدّة محبته -ﷺ- للمدينة، واشتياقها إليها إذا خرج منها، حتى يعود. ٣ - (ومنها): بيان فضلها، وحِراستها في زمنه -ﷺ-، وكثرة الْحُرّاس، واستيعابهم الشعاب؛ زيادةً في الكرامة لرسول اللَّه -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٣٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَلِيُّ بْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَمُدِّنَا، وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقةٌ، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٩/ ٤١٧. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) اسم أبيه صالح بن المتوكّل، أبو نصر اليماميّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٣٩] (. . .) (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ (ع) وَحَدَّثَنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْب، يَعْنِي ابْنَ شَدَّادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النحويّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَج، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٦ - (حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) اليشكريّ، أبو الخطّاب البصريّ العطّار، ويقال: القطّان، ويقال: القصّاب، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن يحيى بن أبي كثير، وقتادة، والحسن، وحُصين بن عبد الرحمن، وشَهْر. وروى عنه ابن مهديّ، وأبو داود الطيالسيّ، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وجعفر بن سليمان، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم. قال عبد الصمد: ثنا حرب بن شداد، وكان ثقةً، وقال أحمد: ثبتٌ في كل المشايخ، وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى لا يحدِّث عنه، وكان عبد الرحمن يحدِّث عنه، وقال ابن معين، وأبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال أبو موسى محمد بن المثنّى: مات سنة (١٦١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث. و«يحيى بن أبي كثير» تقدم قريبًا. [تنبيه]: رواية شيبان، وحرب بن شدّاد كلاهما عن يحيى بن أبي كثير لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ؛ أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الْحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا، وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا فَيَمُوتَ، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قريبًا. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (لَيَالِي الْحَرَّةِ)؛ يعني الفتنة المشهورة التي نُهبت فيها المدينة سنة ثلاث وستّين. قوله: «ليالي الحرة»؛ يعني به حَرّة المدينة، كان بها مقتلة عظيمة في أهل المدينة، كان سببها: أن ابن الزبير وأكثر أهل الحجاز كرهوا بيعة يزيد بن معاوية، فلما مات معاوية -﵁- وجَّه يزيدُ مسلمَ بنَ عقبة المرّيّ في جيشٍ عظيم من أهل الشام، فنزل بالمدينة، فقاتل أهلها، فهزمهم، وقتلهم بحرَّة المدينة قتلًا ذريعًا، واستباح المدينة ثلاثة أيام، فسُمّيت وقعة الحرَّة بذلك، ثم إنه توجه بذلك الجيش يريد مكة، فمات مسلم بقُديد، وولي الجيش الحصين بن نمير، وسار إلى مكة، وحاصر ابن الزبير، وأُحرقت الكعبة، حتى انهدم جدارها، وسقط سقفها، فبينما هم كذلك، بلغهم موت يزيد فتفرقوا، وبقي ابن الزبير بمكة إلى زمان الحجاج، وقتله لابن الزبير، رضي اللَّه عن ابن الزبير وأبيه. انتهى . وقوله: (فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ) «الْجَلاءُ» -بفتح الجيم والمدّ-: الفرار من البلد إلى غيره، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ: «الجلاء» بفتح الجيم، والمدّ: الانتقال من موضع إلى آخر، والجلاء -بكسر الجيم والمد-: هو جِلاء السيف والعروس، والجلى -بفتح الجيم والقصر-: هو جلى الجبهة، وهو انحسار الشعر عنها، يقال منه: رجل أجلى وأجلح. انتهى . وقوله: (عَلَى لَأْوَائِهَا)؛ أي: على ضيق المعيشة فيه، وفي نسخة: «على جَهْد المدينة، ولأوائها». وقوله: (إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا) قال بعضهم: «أو» للتقسيم، والمعنى: كنت شفيعًا لمن مات بها بعدي، وشهيدًا لمن مات بها في زماني، وإن جُعلت «أو» بمعنى الواو، كما ورد في بعض الروايات بالواو، فلا يحتاج إلى هذا التوجيه، فيكون إشارة إلى اختصاص أهل المدينة بالفضيلتين: الشهادة على رسوخ إيمانهم، والشفاعة ليُتجاوز عن عصيانهم. انتهى. وقوله: (إِذَا كَانَ مُسْلِمًا) قال القرطبيّ -﵀-: هذا يُقَيّد ما تقدَّم من مطلقات هذه الألفاظ، ويُنَبِّه على القاعدة المقرَّرة، من أن الكافر لا تناله شفاعة شافع؛ كما قال اللَّه تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]. والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى تمام البحث فيه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٤١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَن الْوَلِيدِ بْنِ كثِيرٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَي الْمَدِينَةِ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ». قَالَ: ثُمَّ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَأْخُذُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِدُ أَحَدَنَا فِي يَدِهِ الطَّيْرُ، فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ).
مصادر المؤلف (٢٥)

١. وفي نسخة:«أظنّه».

٢. وفي نسخة:«إلا وعليه».

٣. وقوله في «التقريب»: «مقبول» غير مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه العجليّ، وابن حبّان، وأخرج له مسلم في «الصحيح»، راجع: «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٣٥٩ مع ما كتبه الدكتور بشار في هامشه.

٤. «شرح الأبيّ» ٣/ ٤٦٦.

٥. «شرح النوويّ» ٩/ ١٤٦ - ١٤٧.

٦. «المصباح المنير»٢/ ٤٠٩.

٧. «المفهم»٣/ ٤٩٠.

٨. «شرح النوويّ»٩/ ١٤٧.

٩. «النهاية»٢/ ٦٨.

١٠. «المفهم»٣/ ٤٩٠.

١١. «شرح النوويّ»٩/ ١٤٧.

١٢. راجع:«الكاشف عن حقائق السنن»٦/ ٢٠٥٥.

١٣. «شرح النوويّ» ٩/ ١٤٧.

١٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ٢٠٥٥.

١٥. «شرح النوويّ» ٩/ ١٤٧ - ١٤٨.

١٦. «المفهم» ٣/ ٤٩١.

١٧. «شرح النوويّ» ٩/ ١٤٨.

١٨. راجع: «المصباح» ١/ ٢٢٢.

١٩. «المفهم» ٣/ ٤٩١.

٢٠. «إكمال المعلم» ٤/ ٤٩٥.

٢١. «شرح النوويّ» ٩/ ١٤٨.

٢٢. وفي نسخة: «على جهد المدينة، ولأوائها».

٢٣. «المفهم» ٣/ ٤٩٢.

٢٤. «شرح النوويّ» ٩/ ١٤٩.

٢٥. «المفهم» ٣/ ٤٩٢ - ٤٩٣.