HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٨٢

وحدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أَنَسٍ (فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى. يَقُولُونَ يَثْرِبَ. وَهِيَ الْمَدِينَةُ. تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص120
ج ٢ ص ١٠٠٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٦٢٦
«مستخرجه» (٤/ ٤٧ - ٤٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٥٤] (١٣٨٢) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ القاضي المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٢ - (أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) المدنيّ، ثقةٌ متقنٌ [٣] (ت ١١٧) أو قبلها بسنة (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٥/ ١٦١٤. والباقون ذُكروا في الباب، وفي الذي قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا شيخ المصنّف، فبَغْلانيّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁-، وسبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ) -بضم الحاء المهملة، وبالموحدتين الأولى خفيفة- وقوله: (سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ) اسم أبي الْحُباب، وهو منصوب على البدليّة، أو عطف البيان. [تنبيه]: قال الإمام ابن عبد البرّ -﵀-: اتفق الرواة عن مالك على إسناده، إلا إسحاق بن عيسى الطباع، فقال: عن مالك، عن يحيى، عن سعيد بن المسيِّب، بدل سعيد بن يسار، وهو خطأ. قال الحافظ: وتابعه أحمد بن عمر، عن خالد السلميّ، عن مالك، وأخرجه الدارقطنيّ في «غرائب مالك»، وقال: هذا وَهَمٌ، والصواب عن يحيى، عن سعيد بن يسار. انتهى . (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أمرني ربي بالهجرة إليها، أو سكناها، فالأول محمول على أنه قاله بمكة، والثاني على أنه قاله بالمدينة (تَأْكُلُ الْقُرَى)؛ أي: تغلبهم، وكَنَى بالأكل عن الغلبة؛ لأن الآكل غالب على المأكول، ووقع في «موطإ ابن وهب»: قلت لمالك: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى، وبَسَطَهُ ابن بطال، فقال: معناه يفتح أهلها القرى، فيأكلون أموالهم، ويَسْبُون ذراريَّهم، قال: وهذا من فصيح الكلام، تقول العرب: أكلنا بلد كذا: إذا ظهروا عليها، وسبقه الخطابيّ إلى معنى ذلك أيضًا. وقال النوويّ: ذكروا في معناه وجهين: أحدهما هذا، والآخر أن أكلها، ومِيرتها من القرى الْمُفْتَتَحة، وإليها تساق غنائمها. وقال ابن الْمُنير في «الحاشية»: يَحْتَمِل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، ومعناه أن الفضائل تَضْمَحِلّ في جنب عظيم فضلها، حتى تكاد تكون عَدَمًا. قال الحافظ: والذي ذكره احتمالًا ذكره القاضي عبد الوهاب، فقال: لا معنى لقوله: «تأكل القرى» إلا رجوح فضلها عليها، وزيادتها على غيرها، كذا قال، ودعوى الحصر مردودةٌ؛ لما مضى، ثم قال ابن الْمُنَيِّر: وقد سمّيت مكة أم القرى، قال: والمذكور للمدينة أبلغ منه؛ لأن الأمومة لا تنمحي إذا وَجَدت ما هي له أمّ، لكن يكون حقّ الأم أظهر، وفضلها أكثر. انتهى . وقال ابن حبّان: قوله: «تأكل القرى» هذا تمثيلٌ، مراده أن الإسلام ابتداؤه في المدينة، ثم يغلب على سائر القرى، ويعلو سائر المُلك، فكأنها قد أتت عليها، لا أن المدينة تأكل القُرى. انتهى . وقال البغويّ -﵀- في «شرح السنّة»: قوله: «تأكل القرى»؛ أي: يُجلب إليها طعام القرى، فهي تأكلها، وأراد ما يَحصُل من الفتوح على أيديهم، ويصيبون من الغنائم، وأضاف الأكل إلى القرية، والمراد: أهلها، كما قال تعالى: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨] أضاف الأكل إلى السنين، والمراد: أهل زمانها. قال: وسُمّيت القرية قريةً؛ لاجتماع الناس فيها، من قَرَيت الماء في الحوض؛ أي: جمعته، ورُوي أن عمر بن عبد العزيز حين خرج من المدينة التفت إليها، فَبَكَى، ثم قال: يا مزاحم أتخشى أن نكون ممن نَفَتِ المدينة؟ انتهى . (يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ)؛ أي: إن بعض المنافقين يسميها يثرب، واسمها الذي يليق بها المدينة، وفَهِم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب، وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين. ورَوَى أحمد من حديث البراء بن عازب يرفعه: «مَن سَمَّى المدينة يثرب، فليستغفر اللَّه، هي طابة، هي طابة». ورَوَى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب -﵁-: «أن رسول اللَّه -ﷺ- نَهَى أن يقال للمدينة: يثرب»، ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية: مَن سَمَّى المدينة يثرب كُتبت عليه خطيئة، قال: وسبب هذه الكراهة؛ لأن يثرب إمّا من التثريب الذي هو التوبيخ، والملامة، أو من الثَّرْب، وهو الفساد، وكلاهما مستقبح، وكان -ﷺ- يُحب الاسم الحسن، وَيكره الاسم القبيح. وذكر أبو إسحاق الزجاج في «مختصره»، وأبو عبيد البكريّ في «معجم ما استعجم» أنها سُمِّيت يثرب باسم يثرب بن قانية بن مهلايل بن عيل بن عيص بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من سكنها بعد العرب، ونزل أخوه خيبور خيبر، فسُمّيت به، وسقط بعض الأسماء من كلام البكريّ . (تَنْفِي النَّاسَ) قال القاضي عياض -﵀-: وكأن هذا مختصّ بزمنه -ﷺ-؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها، إلا من ثبت إيمانه، وقال النوويّ: ليس هذا بظاهر؛ لأن عند مسلم: «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد»، وهذا -واللَّه أعلم- زمن الدجال. انتهى. قال الحافظ -﵀-: ويَحْتَمِل أن يكون المراد كلّا من الزمنين، وكان الأمر في حياته كذلك؛ للسبب المذكور، ويؤيده قصة الأعرابيّ الآتية في حديث جابر التالي، فإنه -ﷺ- ذكر هذا الحديث مُعَلِّلًا به خروج الأعرابيّ وسؤاله الإقالة عن البيعة، ثم يكون ذلك أيضًا في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال، فتَرْجُف بأهلها، فلا يبقى منافق، ولا كافر إلا خرج إليه، وهو متّفقٌ عليه أخرجه البخاريّ في «الحجّ»، ومسلم في «الفتن»، وأما ما بين ذلك فلا. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو تحقيق حسن جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بكسر الكاف، وسكون التحتانية، وفيه لغة أخرى: كُور بضم الكاف، قال في «الفتح»: والمشهور بين الناس أنه الزِّقّ الذي يُنفخ فيه، لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير: حانوت الحداد، والصائغ، قال ابن التين: وقيل: الكير هو الزِّقّ، والحانوت هو الكُور، وقال صاحب «المحكم»: الكير: الزِّقّ الذي يَنفُخ فيه الحداد، ويؤيد الأول ما رواه عمر بن شبة في «أخبار المدينة» بإسناد له إلى أبي مودود، قال: رأى عمر بن الخطاب كِير حداد في السوق، فضربه برجله، حتى هدمه. (خَبَثَ الْحَدِيدِ) منصوب على المفعوليّة لـ «ينفي»، وهو: بفتح الخاء المعجمة، والموحدة، بعدها مثلثة؛ أي: وسخه الذي تُخرجه النار، والمراد: أنها لا تترك فيها مَن في قلبه دَغَلٌ، بل تميّزه عن القلوب الصادقة، وتخرجه كما يُمَيِّز الحداد رديء الحديد من جيّده، ونسبة التمييز للكير؛ لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع التمييز بها ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٥/ ٣٣٥٤ و٣٣٥٥] (١٣٨٢)، و(البخاريّ) في «فضائل المدينة» (١٨٧١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٨٢ و٦/ ٤٣٠)، و(مالك) في «الموطّإ»، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٧١٦٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٥٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٧ و٢٤٧ و٣٨٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٢٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٣٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٤٨)، و(الطحاويّ) في «شرح مشكل الآثار» (٢/ ٣٣٢ و٣٣٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٢٦١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠١٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل المدينة. ٢ - (ومنها): بيان أنها تغلب سائر القرى. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ -﵀-: في هذا الحديث دليل على كراهية تسمية المدينة بيثرب على ما كانت تُسَمَّى في الجاهلية، وأما القرآن فَنَزَل بذكر يثرب على ما كانوا يعرفون في جاهليتهم، ولعل تسمية رسول اللَّه -ﷺ- إياها بطيبة كان بعد ذلك، وهو الأغلب في ذلك. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: استُدِلّ بهذا الحديث على أن المدينة أفضل البلاد، قال المهلَّب: لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام، فصار الجميع في صحائف أهلها، ولأنها تنفي الخبث. وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين، وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاصّ من الناس، ومن الزمان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ الآية [التوبة: ١٠١]، والمنافق خبيث بلا شكّ، وقد خرج من المدينة بعد النبيّ -ﷺ- معاذٌ، وأبو عبيدة، وابن مسعود، وطائفة، ثم عليّ، وطلحة، والزبير، وعمار، وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدلّ على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت، قال ابن حزم: لو فُتِحَت بلدة من بلد فثبت بذلك الفضل للأُولى للزم أن تكون البصرة أفضل من خراسان، وسجستان، وغيرهما مما فُتح من جهة البصرة، وليس كذلك. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: «كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ»، لَمْ يَذْكُرَا: «الْحَدِيدَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى العدنيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) محمد، أبو موسى، تقدّم قريبًا. ٥ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. و«يحيى بن سعيد» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، ساقها عبد الرزّاق -﵀- في «مصنّفه» (٩/ ٢٦٧) فقال:
مصادر المؤلف (٩)

١. «الفتح» ٥/ ١٨٥.

٢. «الفتح» ٥/ ١٨٥ - ١٨٦.

٣. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٩/ ٣٩ - ٤٠.

٤. «شرح السنة» ٧/ ٣٢٠ - ٣٢١.

٥. «الفتح» ٥/ ١٨٦.

٦. «الفتح» ٥/ ١٨٦.

٧. «الفتح» ٥/ ١٨٧.

٨. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢٣/ ١٧١.

٩. «الفتح» ٥/ ١٨٧.