HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٨٨

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تُفْتَحُ الشَّامُ. فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ. يَبُسُّونَ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. ثُمَّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ. فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ. يَبُسُّونَ. وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ. يَبُسُّونَ. والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون «.
ج ٢ ص ١٠٠٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٦٥٤
والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية أسامة بن زيد الليثيّ، عن أبي عبد اللَّه القَرّاظ، ساقها الإِمام أحمد -﵀- في «مسنده» (٢/ ٣٣٠) فقال: (٨٣٥٥) - حدّثنا عبد اللَّه، حدّثني أبي، ثنا عثمان بن عُمر، ثنا أسامة بن زيد، ثنا أبو عبد اللَّه القَرّاظ؛ أنه سمع سعد بن مالك، وأبا هريرة، يقولان: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «اللهم بارك لأهل المدينة في مدينتهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مُدّهم، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك، وإني عبدك ورسولك، وإن إبراهيم سألك لأهل مكة، وإني أسألك لأهل المدينة، كما سألك إبراهيم لأهل مكة، ومثله معه، إن المدينة مشتبكة بالملائكة، على كل نَقَب منها ملكان يحرسانها، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال، فمن أرادها بسوء أذابه اللَّه، كما يذوب الملح في الماء». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٧) - (بَابُ التَّرْغيبِ في سُكْنَى الْمَدِينَةِ عِنْدَ فَتْحِ الْأَمْصَارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٦٥] (١٣٨٨) - (حَدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «تُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْم بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»ج ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو خبيب الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في«الطهارة»١٦/ ٦١٠. ٦ - (سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ) الأزديّ، من أزد شنوءة، رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعنه السائب بن يزيد، وعبد اللَّه، وعروة ابنا الزبير، صحابيّ يُعَدّ في أهل المدينة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله عندهم حديثان فقط، هذا في فضل المدينة، وآخر في اقتناء الكلب، سيأتي للمصنّف برقم (١٥٧٦):«من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا. . . »الحديث. [تنبيه]: واسم أبي زُهير الْقَرِد -بفتح القاف، وكسر الراء، بعدها مهملة- وقيل: نُمير، وهو الشنوئيّ، من أزد شنوءه -بفتح المعجمة، وضم النون، وبعد الواو همزة مفتوحة- وفي النسب كذلك، وقيل: بفتح النون، بعدها همزة مكسورة، بلا واو، وشنوءة هو عبد اللَّه بن كعب بن مالك بن نضر بن الأزد، وسُمِّي شنوءة؛ لشنآن كان بينه وبين قومه، ذكره في«الفتح». لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، والصحابيّ، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، ووكيع، فكوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، هو أبوه، وصحابيّ، عن صحابيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا الحديثان المذكوران آنفًا. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) وهو أخو عروة، ففي الإسناد صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ؛ لأن هشامًا قد لقي بعض الصحابة . (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) قال في «الفتح»: كذا للأكثر، ورواه حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه كذلك، وقال في آخره: «قال عروة: ثم لقيتُ سفيانَ بن أبي زُهير عند موته، فأخبرني بهذا الحديث»، وذكر عليّ ابن المدينيّ أنه اختُلِف فيه على هشام اختلافًا آخر، فقال وهيب وجماعة، كما قال مالك، وقال ابن عيينة، عن هشام بسنده: عن سفيان بن الغوث، وقال أبو معاوية، عن هشام بسنده: عن سفيان بن عبد اللَّه الثقفيّ. قال الحافظ: قد رواه الحميديّ، عن سفيان على الصواب، ورواه أبو خيثمة، عن جرير، فقال: سفيان بن أبي قلابة ، كأنه عَرَف خطأ جرير، فَكَنَى عنه. انتهى. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «تُفْتَحُ الشَّامُ») بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها، والنسبة إليه شَأْميّ على الأصل، ويجوز شَآمٍ بالمدّ من غير ياء، مثل يَمَني، ويَمَانٍ . وفي رواية ابن جريج التالية: «يُفتح اليمن، فيأتي قوم يبسّون. . .»، فقدّم فتح اليمن على الشام والعراق، وهي رواية مالك عند البخاريّ، وهي الموافقة للواقع، قال ابن عبد البرّ وغيره: افتُتِحت اليمن في أيام النبيّ -ﷺ-، وفي أيام أبي بكر، وافتُتحت الشام بعدها، والعراق بعدها، وفي هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة، فقد وقع على وفق ما أخبر به النبيّ -ﷺ-، وعلى ترتيبه، ووقع تفرّق الناس في البلاد؛ لِمَا فيها من السعة والرخاء، ولو صبروا على الإقامة بالمدينة، لكان خيرًا لهم. وفي هذا الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة، وهو أمر مُجْمَعٌ عليه، وفيه دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض، ولم يختلف العلماء في أن للمدينة فضلًا على غيرها، وإنما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين مكة. (فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ) النبويّة (قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ) -بفتح أوله، وضم الموحدة، وبكسرها- من بَسّ يَبِسّ، قال ابن عبد البرّ في رواية يحيى بن يحيى: بكسر الموحدة، وقيل: إن ابن القاسم رواه بضمها، قال أبو عبيد: معناه يسوقون دوابهم، والبَسّ سوق الإبل، تقول: بَسْ بَسْ عند السوق، وإرادة السرعة، وقال الداوديّ: معناه: يزجرون دوابهم، فيَبُسُّون ما يطؤونه من الأرض، من شدة السير، فيصير غُبارًا، قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: ٥]؛ أي: سالت سَيْلًا، وقيل: معناه: سارت سيرًا، وقال ابن القاسم: البَسّ المبالغة في الْفَتِّ، ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن: بَسِيسٌ، وأنكر ذلك النوويّ، وقال: إنه ضعيف، أو باطلٌ . قال ابن عبد البرّ: وقيل: معنى يبسّون: يسألون عن البلاد، ويستقرئون أخبارها؛ ليسيروا إليها، قال: وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة، وقيل: معناه يُزَيِّنون لأهلهم البلاد التي تُفتَح، ويدعونهم إلى سكناها، فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها، ويشهد لهذا حديث أبي هريرة -﵁- المتقدّم عند مسلم مرفوعًا: «يأتي على الناس زمان، يدعو الرجل ابن عمه وقريبه، هَلُمّ إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، وعلى هذا فالذين يتحملون غير الذين يبسون، كأن الذي حضر الفتح أعجبه حسن البلد، ورخاؤها ، فدعا قريبه إلى المجيء إليها؛ لذلك، فَيَتَحَمَّل المدعوّ بأهله وأتباعه. قال ابن عبد البرّ : ورُوي «يُبِسُّون» بضم أوله، وكسر ثانيه، من الرباعيّ، من أَبَسَّ إِبساسًا، ومعناه يُزَيِّنون لأهلهم البلد التي يقصدونها، وأصل الإبساس للتي تُحْلَب حتى تُدِرَّ باللبن، وهو أن يُجري يده على وجهها، وصفحة عنقها، كأنه يُزَيِّن لها ذلك، ويُحَسِّنه لها، وإلى هذا ذهب ابن وهب، وكذا رواه ابن حبيب، عن مُطَرِّف، عن مالك: «يُبِسُّون» من الرباعيّ، وفسّره بنحو ما ذكرنا، وأنكر الأول غاية الإنكار. وقال النووي: الصواب أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة مُتَحَمِّلًا بأهله باسًّا في سيره، مُسرعا إلى الرخاء، والأمصار المفتتحة . قال الحافظ: ويؤيده رواية ابن خزيمة، من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن عروة، في هذا الحديث، بلفظ: «تُفْتَح الشامُ، فيخرج الناس من المدينة إليها، يُبِسُّون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، ويوضح ذلك ما رَوَى أحمد، من حديث جابر -﵁-؛ أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «ليأتينّ على أهل المدينة زمان، يَنطلِق الناس منها إلى الأرياف، يلتمسون الرخاء، فيجدون رخاء، ثم يأتون، فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، وفي إسناده ابن لَهِيعة، ولا بأس به في المتابعات، وهو يوضح ما قلناه، واللَّه أعلم. ورَوَى أحمد في أول حديث سفيان هذا قصةً، أخرجها من طريق بِشر بن سعيد؛ أنه سمع في مجلس الليثيين، يذكرون أن سفيان بن أبي زُهير أخبرهم؛ أن فرسه أعيت بالعقيق، وهو في بعث، بعثهم رسول اللَّه -ﷺ-، فرجع إليه يستحمله، فخرج معه يبتغي له بعيرًا، فلم يجده إلا عند أبي جهم بن حُذيفة العدويّ، فسامه له، فقال له أبو جهم: لا أبيعكها يا رسول اللَّه، ولكن خذه، فاحمل عليه من شئت، ثم خرج حتى إذا بلغ بئر إهاب، قال: «يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان، ويوشك الشام أن يُفتح، فيأتيه رجال من أهل هذا البلد، فيعجبهم رَيعه، ورخاؤه، والمدينة خير لهم. . .»، الحديث . (وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)؛ أي: بفضلها من الصلاة في المسجد النبويّ، وثواب الإقامة فيها، وغير ذلك، ويَحْتَمِل أن تكون «لو» بمعنى «ليت»، فلا يحتاج إلى تقدير، وعلى الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقها، وآثر غيرها، قالوا: والمراد به الخارجون من المدينة رغبةً عنها، كارهين لها، وأما من خرج لحاجة، أو تجارة، أو جهاد، أو نحو ذلك، فليس بداخل في معنى الحديث. وقال البيضاويّ: المعنى: أنه يُفتح اليمن، فيُعجب قومًا بلادها وعيش أهلها فيحملهم ذلك على المهاجرة إليها بأنفسهم، وأهليهم حتى يخرجوا من المدينة، والحال أن الإقامة في المدينة خير لهم؛ لأنها حرم الرسول -ﷺ-، وجواره، ومهبط الوحي، ومنزل البركات، لو كانوا يعلمون ما في الإقامة بها من الفوائد الدينية، والعوائد الأخروية التي يُسْتَحْقَر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها. وقوّاه الطيبيّ لتنكير «قوم»، ووصفهم بكونهم يبسّون، ثم توكيده بقوله: «لو كانوا يعلمون»؛ لأنه يُشعر بأنهم ممن رَكَن إلى الحظوظ البهيمية، والحطام الثاني، وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول -ﷺ-، ولذلك كَرَّر قومًا ووصفه في كل قرينة بقوله: «يبسّون» استحضارًا لتلك الهيئة القبيحة. قال: والذي يقتضيه هذا المقام أن يُنَزَّل «يعلمون» منزلة اللازم؛ لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلية، ولو ذُهب مع ذلك إلى معنى التمني لكان أبلغ؛ لأن معنى التمني طلب ما لا يمكن حصوله؛ أي: لَيْتَهُم كانوا من أهل العلم؛ تغليظًا وتشديدًا. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . (ثُمّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ) هو الإقليم المعروف، سُمّي بذلك؛ لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة . (فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ) النبويّة (قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء: الإقليم المعروف، ويُذكّر ويؤنث، قيل: هو مُعرّبٌ، وقيل: سُمّي عِراقًا؛ لأنه سَفَلَ عن نجد، ودنا من البحر؛ أخذًا من عِرَاق الْقِرْبة والْمَزَادة، وغير ذلك، وهو ما ثَنَوْهُ، ثم خَرَزُوه مَثْنِيًا، قاله الفيّومي -﵀- . (فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ) النبويّة (قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»)؛ أي: لو كانوا من ذوي العلم لَمَا خرجوا منها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سفيان بن أبي زُهير -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٧/ ٣٣٦٥ و٣٣٦٦] (١٣٨٨)، و(البخاريّ) في«فضائل المدينة»(١٨٧٥)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٤٢٦٤)، و(مالك) في«الموطّإ»(٢/ ٨٨٧ - ٨٨٨)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١٧١٥٩)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٨٦٥)، و(ابن أبي شيبة) في«مسنده»(٢/ ٢٧٩)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ٢٢٠)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٦٧٣)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(٦٤٠٨)، و(الطحاويّ) في«مشكل الآثار»(١١١٢)، و(البيهقيّ) في«دلائل النبوّة»(٦/ ٣٢٠)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٢٠١٨). واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل المدينة النبويّة، وفضل السكنى فيها، والصبر على شدّتها، وضيق العيش بها. ٢ - (ومنها): ما قاله الإِمام ابن عبد البرّ -﵀-: وفي هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام نبوّته -ﷺ-؛ لأنه غَيْبٌ كان بعده، قد أخبر به، وهو لا يعلم من الغيب إلا ما أظهره اللَّه عليه، وأَوْحَى به إليه، فقد افتُتِحَت بعده الشام، والعراق، واليمن بعضها، وقد خرج الناس من المدينة إلى الشام، وإلى اليمن، وإلى العراق، وكان ما قاله -ﷺ-، وكذلك لو صبروا بالمدينة لكان خيرًا لهم، قال -ﷺ-:«لا يصبر أحد على لأوائها، وشدّتها إلا كنت له شهيدًا، أو شفيعًا يوم القيامة». انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه بيان فضل المدينة على اليمن، وعلى الشام، وعلى العراق، وهو أمرٌ مُجمع عليه، لا خلاف بين العلماء فيه، وقد صحّت الأخبار عن النبيّ -ﷺ- بفضل المدينة، وأجمع علماء الأمة على أن لها فضلًا معروفًا لأن مسجد النبيّ -ﷺ- وقبره فيها، وإنما اختلفوا في الأفضل منها ومن مكة لا غير، وقد تقدّم أن الجمهور على تفضيل مكة على المدينة، وهو الصحيح، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن بعض البقاع أفضل من بعض، ولا يوصل إلى شيء من ذلك إلا بتوقيف من جهة الخبر، وأما القياس والنظر فلا مدخل له في شيء من ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٦٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «يُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْم يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»).
مصادر المؤلف (١٣)

١. «الفتح» ٥/ ١٩٣.

٢. «الفتح» ٥/ ١٩٣.

٣. هذا نسخة «الفتح»، والظاهر أنه «سفيان أبي فلان»، فتصحّف إلى أبي قلابة، فليُحرّر.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٨.

٥. «شرح النوويّ» ٩/ ١٥٨.

٦. أنّث الضمير؛ لأن البلد يُذكّر، ويؤنّث، كما في «المصباح المنير» ١/ ٦٠.

٧. «التمهيد» ٢٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥، و«الاستذكار» ٢٦/ ٢٧ - ٢٨.

٨. «شرح النوويّ» ٩/ ١٥٨.

٩. «الفتح» ٥/ ١٩٤ - ١٩٥.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ٢٠٥٨.

١١. «المصباح المنير»٢/ ٦٨٢.

١٢. «المصباح المنير»٢/ ٤٠٥.

١٣. «التمهيد» ٢٢/ ٢٢٤.