HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٨٩

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حدثنا أَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. ح وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يونس عن ابن شهاب، عن سعيد بن الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِلْمَدِينَةِ «لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي» يَعْنِي السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ. قَالَ مُسْلِم: أَبُو صَفْوَانَ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. يَتِيمُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَشْرَ سِنِينَ. كَانَ في حجره.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص122
ج ٢ ص ١٠٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٦٦٢
رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وفي الباب الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٨) - (بَابُ إِخْبَارِه -ﷺ- بِتَرْكِ النَّاسِ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٦٧] (١٣٨٩) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ؛ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْمَدينَةِ: «لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافي، يَعْنِي السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ». قَالَ مُسْلِم: أَبُو صَفْوَانَ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، يَتِيمُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَشْرَ سِنِينَ، كَانَ في حَجْرِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو صَفْوَانَ) عبد اللَّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ الدمشقيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [٩]. ذَهَبت به أمه أمّ جميل بنت عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان بن أمية إلى مكة حين قُتل أبوه مع مروان بن محمد. رَوَى عن أبيه، وابن جريج، ويونس بن يزيد الأيليّ، وأسامة بن زيد الليثيّ، ومالك، وابن أبي ذئب، ومجالد، وثور بن يزيد، وغيرهم. وروى عنه أحمد، والشافعيّ، والحميديّ، وعليّ ابن المدينيّ، وأبو خيثمة، ونعيم بن حماد، ومحمد بن عابد المكيّ، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم. قال ابن معين، وعليّ ابن المدينيّ، وأبو مسلم عبد الرحمن بن يونس المستملي: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوقٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال عليّ ابن المدينيّ: قال لي أبو صفوان: كان مؤدِّبي يحيى بن يحيى الغسانيّ، قال عليّ: وكان أفقه قرشيّ رأيته، وقال الدارقطنيّ: من الثقات، حَكَى بعضهم أنه تُوُفّي في حدود المائتين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (١٣٨٩) وحديث (١٦٠٦): «الحلف منفقة للسلعة. . .»، و(١٦١٩): «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم. . .»، و(١٦٦٥): «للعبد المملوك المصلح أجران»، و(١٦٨) : «الحمد للَّه الذي هداك للفطرة. . .». ٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا. ٧ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- ذُكر قبل باب. وقوله: (لِلْمَدِينَةِ) اللام بمعنى «عن»؛ أي: شأنها، وحالها، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ الآية [الأحقاف: ١١] . وقوله: (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ)؛ أي: على أحسن حال كانت عليها. وقوله: (مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي)؛ أي: متمكنا منها العوافي، غير محميّة عنها، ولا ممتنعة منها، وتذليل القطف تسهيل اجتنائه، وإدناؤه من قاطفه، كما قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤]. وقوله: (يَعْنِي السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ) يعني أنه -ﷺ- أراد بقوله: «للعوافي»، والمعنى أن أهل المدينة يتركونها في حال أحسنيّتها مُخلّاةً للوحش والطير. وقوله: (قَالَ مُسْلِم) وابن الحجّاج، صاحب الكتاب، وقوله: (هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) نسبه لجدّه، فهو عبد اللَّه بن سعيد بن عبد الملك، ولم أر هذا الكلام في غير هذا الكتاب. وقوله: (يَتِيمُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَشْرَ سِنِينَ. . . إلخ) قال في «التهذيب»: ذهبت به أمه أمّ جميل بنت عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان بن أمية إلى مكة حين قُتل أبوه مع مروان بن محمد بنهر أبي فُطْرُس، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة. انتهى . وقوله: (كَانَ فِي حَجْرِهِ) بفتح الحاء، وقد تكسر، وأصله حِضْنُ الإنسان، وهو ما دون إبطه إلى الْكَشْح، والمراد هنا أنه في كَنَفه، وحِمَايته ، ولعل ابن جريج تزوّج أمه، فربّاه، واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه مستوفًى في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ سياقًا مما هنا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْب بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي -يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ- ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد الإِمام المشهور المصريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدِ) الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، ثم المدنيّ، ثم الشاميّ، ثم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة من الليث بن سعد. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عُقيل، ثم بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جدّه، وتابعيّ عن تابعيّ، هو أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَن ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: («يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ) هكذا رواية المصنّف:»يتركون«بتحتانيّة، وفي رواية البخاريّ:»تتركون«، قال في»الفتح«: كذا للأكثر بتاء الخطاب، والمراد بذلك غير المخاطبين؛ لكنهم من أهل البلد، أو من نسل المخاطبين، أو من نوعهم، قال: ورُوي:»يتركون«، بتحتانية، ورجّحه القرطبي. (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ)؛ أي: على أحسن حال كانت عليه من قبلُ، قال القرطبيّ تبعًا لعياض: وقد وُجد هذا الذي قاله النبيّ -ﷺ-، وذلك حيث صارت بعده -ﷺ- معدن الخلافة، وموضعها، ومقصد الناس، وملجأهم، ومَعقلهم، حتى تنافس الناس فيها، وتوسّعوا في خططها، وغَرَسوا، وسكنوا منها ما لم يُسكن من قبلُ، وبنوا فيها، وشيّدوا حتى بلغت المساكن إهاب، كما سيأتي في حديث أبي هريرة -﵁- الآتي -إن شاء اللَّه تعالى-، وجُلبت إليها خيرات الأرض كلّها، وصارت من أعمر البلاد فلما انتهت حالها كمالًا وحُسنًا، انتقلت الخلافة عنها إلى الشام، ثم إلى العراق، وتغلبت عليها الأعراب، وتعاورتها الفتن، فخاف أهلها، فارتحلوا عنها. قال: وذكر الأخباريّون أنها خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي: الطير والسباع، كما قال -ﷺ-، ثم تراجع الناس إليها، وفي حال خلائها غَذَت الكلاب على سواري المسجد، وعوافي الطير: هي الطالبة لما تأكل، يقال: عفوته أعفوه: إذا طلبت معروفه، وغَذَّى الكلب يُغَذّي: إذا بال دفعة بعد دفعة. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . (لَا يَغْشَاهَا) أي: لا يأتيها، يقال: غَشِيته أغشاه، من باب تَعِبَ: أتيته، والاسم الْغِشْيان بالكسر . (إِلَّا الْعَوَافِي) «إلا» هنا ملغاة، و«العوافي» مرفوع على الفاعليّة لـ «يغشاها»، فالاستثناء مفرّغ، ثم فسّر العوافي بقوله: (يُرِيدُ) النبيّ -ﷺ- بقوله: «العوافي» (عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ) قال النوويّ -﵀-: أما «العوافي» فقد فسّرها في الحديث بالسباع والطير، وهو صحيح في اللغة، مأخوذ من عَفَوته: إذا أتيته تطلب معروفه، وأما معنى الحديث، فالظاهر المختار أن هذا الترك للمدينة يكون في آخر الزمان، عند قيام الساعة، وتوضّحه قصة الراعيين من مزينة، فإنهما يَخِرّان على وجوههما، حين تدركهما الساعة، وهما آخر من يُحْشَر، كما ثبت في «صحيح البخاريّ»، فهذا هو الظاهر المختار. وقال القاضي عياض: هذا مما جرى في العصر الأول وانقضى، قال: وهذا من معجزاته -ﷺ-، فقد تُركت المدينة على أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة عنها إلى الشام والعراق، وذلك الوقت أحسن ما كانت للدين والدنيا، أما الدين فلكثرة العلماء وكمالهم، وأما الدنيا فلعمارتها، وغرسها، واتّساع حال أهلها، قال: وذكر الأخباريون في بعض الفتن التي جرت بالمدينة، وخاف أهلها أنه رَحَلَ عنها أكثر الناس، وبقيت ثمارها، أو أكثرها للعوافي، وخَلَت مُدّة، ثم تراجع الناس إليها، قال: وحالها اليوم قريب من هذا، وقد خَرِبت أطرافها. انتهى كلام القاضي عياض -﵀-. وقال في «الفتح»: و«العوافي» جمع عافية، وهي التي تطلب أقواتها، ويقال للذكر: عَافٍ، قال ابن الجوزيّ: اجتمع في العوافي شيئان: أحدهما: أنها طالبة لأقواتها، من قولك: عَفَوتُ فلانًا أعفوه، فأنا عَافٍ، والجمع عُفَاةٌ؛ أي: أتيت أطلب معروفه. والثاني: من العَفَاء، وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به، فإن الطير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه. وقال النوويّ: المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان، عند قيام الساعة، ويؤيده قصة الراعيين، فقد وقع عند مسلم بلفظ: «ثم يُحْشَر راعيان»، وفي رواية البخاريّ: أنهما آخر من يحشر. قال الحافظ: ويؤيده ما رَوَى مالك، عن ابن حماس -بمهملتين، وتخفيف- عن عمه، عن أبي هريرة، رفعه: «لَتُتْرَكَنَّ المدينةُ على أحسن ما كانت، حتى يدخل الذئب، فيَعْوِي على بعض سواري المسجد، أو على المنبر»، قالوا: فلمن تكون ثمارها؟ قال: «للعوافي: الطيرِ، والسباع»، أخرجه مَعْن بن عيسى في «الموطإ»، عن مالك، ورواه جماعة من الثقات خارج «الموطإ». قال: ويشهد له أيضًا ما روى أحمد، والحاكم، وغيرهما من حديث مِحْجَن بن الأدرع الأسلميّ، قال: بعثني النبيّ -ﷺ- لحاجة، ثم لقيني، وأنا خارج من بعض طرق المدينة، فأخذ بيدي حتى أتينا أُحُدًا، ثم أقبل على المدينة، فقال: «ويل أمها قريةً، يوم يَدَعُها أهلها، كأينع ما يكون»، قلت: يا رسول اللَّه مَن يأكل ثمرها؟ قال: «عافية الطير والسباع». ورَوَى عمر بن شبة بإسناد صحيح، عن عوف بن مالك، قال: دخل رسول اللَّه -ﷺ- المسجد، ثم نظر إلينا، فقال: «أما واللَّه ليَدَعَنَّها أهلُها مُذَلَّلَة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع». قال الحافظ: وهذا لم يقع قطعًا. وقال المهلّب: في هذا الحديث أن المدينة تُسْكَن إلى يوم القيامة، وإن خَلَت في بعض الأوقات؛ لقصد الراعيين بغنمهما إلى المدينة. (ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ) وفي رواية البخاريّ: «وآخر من يحشر راعيان من مزينة»، قال في «الفتح»: هذا يَحْتَمِل أن يكون حديثًا آخر مستقلًّا، لا تعلق له بالذي قبله، ويَحْتَمِل أن يكون من تتمة الحديث الذي قبله، وعلى هذين الاحتمالين يترتب الاختلاف الذي حكيته عن القرطبيّ، والنوويّ، والثاني أظهر. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ومما يؤيّد الثاني، وهو كونه من تتمّة الحديث رواية المصنّف بلفظ: «ثمّ يَخرُجُ»، فقد عطفه بـ «ثُمَّ» المرتّبة بمهلة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. (يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا) بكسر العين المهملة، وفتحها، بعدها قاف، يقال: نَعَقَ بغنمه: كمنع، وضرب نَعْقًا، ونَعِيقًا، ونُعاقًا بالضمّ، ونَعَقَانًا بفتحات: صاح بها، وزجرها، قاله المجدّ -﵀- . وقال في «الفتح»: والنَّعِيق زجر الغنم، يقال: نَعَق يَنْعَق بكسر العين وفتحها، نَعِيقًا، ونُعَاقًا: ونَعَقاقًا: إذا صاح بالغنم، وأغرب الداوديّ، فقال: معناه: يطلب الكلأ، وكأنه فسّره بالمقصود من الزجر؛ لأنه يزجرها عن المرعى الوَبِيل إلى المرعى الوسيم. انتهى . (فَيَجدَانِهَا وَحْشًا)؛ أي: خاليةً ليس بها أحدٌ، والوحش من الأرض: الخلاء، أَو كثيرة الوحش لَمّا خلت من سكانها، ورواه البخاريّ بلفظ: «وحُوشًا»؛ أي: يجدانها ذات وحش، أو يجدان أهلها قد صاروا وُحُوشًا، قال في «الفتح»: وهذا على أن الرواية بفتح الواو؛ أي: يجدانها خاليةً. وقال النوويّ: الصحيح أن معناه يجدانها ذات وحوش، قال: وقد يكون وَحْشًا بمعنى وحوش، وأصل الوحش كلُّ شيء توحَّش من الحيوان، وجمعه وُحُوشٌ، وقد يعبّر بواحده عن جمعه، وحُكِي عن ابن المرابط أن معناه أن غنم الراعيين المذكورين تصير وُحوشًا، إما بأن تنقلب ذاتها، وإما أن تتوحش وتنفر منهما، وعلى هذا فالضمير في «يجدانها» يعود على الغنم، والظاهر خلافه، قال النوويّ: الصواب الأول. وقال القرطبيّ: القدرة صالحة لذلك. انتهى. قال الحافظ: ويؤيده أن في بقية الحديث: أنهما يخران على وجوههما إذا وصلا إلى ثنية الوداع، وذلك قبل دخولهما المدينة بلا شكّ، فيدلّ على أنهما وجدا التوحش المذكور قبل دخول المدينة، فيقوى أن الضمير يعود على غنمهما، وكان ذلك من علامات قيام الساعة، ويوضح هذا رواية عمر بن شبة في «أخبار المدينة» من طريق عطاء بن السائب، عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة موقوفًا، قال: «آخر من يحشر رجلان: رجل من مزينة، وآخر من جهينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة، فلا يريان إلا الثعالب، فينزل إليهما ملكان، فيسحبانهما على وجوههما، حتى يلحقاهما بالناس». (حَتَّى إِذَا بَلَغَا) أي: الراعيان (ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ) قال المجد -﵀-: الثنيةُ: العَقَبةُ، أو طريقها، أو الجبل، أو الطريقة فيه، أو إليه. انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: الثنيّةُ في الجبل كالعَقَبة فيه، وقيل: هو الطريق العالي فيه، وقيل: أعلى المسيل في رأسه. انتهى . و«الوَداع» بفتح الواو اسم من التوديع، قال الفيّوميّ -﵀-: ودّعتُهُ توديعًا، والاسم: الوَداع بالفتح، مثلُ سلّ سَلَامًا، وهو أن تُشَيِّعه عند سفره. انتهى . وسُمّي ثنيّة الوداع؛ لأن الخارج من المدينة يمشي معه الموَدِّعُون إليها، قاله في «العمدة» . وقوله: (خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا») كناية عن سقوطهما ميتين، وتقدّم في رواية البخاريّ:«وآخر من يحشر راعيان من مزينة»، قال في«الفتح»: لم يذكر في الحديث -يعني في رواية مسلم هذه- حشرهما، وإنما ذكر مقدمته؛ لأن الحشر إنما يقع بعد الموت، فذكر سبب موتهما، والحشر يعقبه، وقوله على هذا:«خَرّا على وجوههما»: سقطا ميتين، أو المراد بقوله:«خَرَا على وجوههما»؛ أي: سقطا بمن أسقطهما، وهو الملَك، كما تقدم في رواية عمر بن شبة، وفي رواية للعقيليّ: أنهما كانا ينزلان بجبل وَرْقان، وله من حديث حذيفة بن أَسِيد: أنهما يفقدان الناس، فيقولان: ننطلق إلى بني فلان، فيأتيانهم، فلا يجدان أحدًا، فيقولان:«ننطلق إلى المدينة، فينطلقان، فلا يجدان بها أحدًا، فينطلقان إلى البقيع، فلا يريان إلا السباع والثعالب»، وهذا يوضح أحد الاحتمالات المتقدمة. وقد رَوَى ابن حبان من طريق عروة، عن أبي هريرة، رفعه:«آخر قرية في الإِسلام خرابًا المدينة»، وهو يناسب كون آخر من يُحْشَر يكون منها. [تنبيه]: أنكر ابن عمر على أبي هريرة تعبيره في هذا الحديث بقوله:«خير ما كانت»، وقال: إن الصواب:«أَعْمَرَ ما كانت»، أخرج ذلك عمر بن شبة في«أخبار المدينة»من طريق مُساحق بن عمرو؛ أنه كان جالسًا عند ابن عمر، فجاء أبو هريرة، فقال له: لِمَ ترُدّ عليّ حديثي؟ فواللَّه لقد كنتُ أنا وأنت في بيت، حين قال النبيّ -ﷺ-:«يخرج منها أهلها خير ما كانت»، فقال ابن عمر: أجل، ولكن لم يقل: خير ما كانت، إنما قال:«أعمر ما كانت»، ولو قال: خير ما كانت، لكان ذلك، وهو حيّ وأصحابه، فقال أبو هريرة: صدقت، والذي نفسي بيده. ورَوَى مسلم من حديث حذيفة؛ أنه لما سأل النبيّ -ﷺ- عمن يُخْرِج أهل المدينة من المدينة، ولعمر بن شبة من حديث أبي هريرة: قيل: يا أبا هريرة، من يخرجهم؟ قال: أمراء السوء، ذكره في«الفتح»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مصادر المؤلف (١٣)

١. هذا رقم مكرّر، فتنبّه.

٢. راجع: «مغني اللبيب» ١/ ٤١٩.

٣. «تهذيب الكمال»١٥/ ٣٥، و«تهذيب التهذيب»٢/ ٣٤٦.

٤. راجع:«المصباح المنير»١/ ١٢١ - ١٢٢.

٥. «المفهم» ٣/ ٥٠١.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٨.

٧. «القاموس المحيط» ٣/ ٢٨٦.

٨. «الفتح» ٥/ ١٩١.

٩. «القاموس المحيط»٤/ ٣٠٩.

١٠. «النهاية»١/ ٢٢٦.

١١. «المصباح المنير»٢/ ٦٥٣.

١٢. «عمدة القاري»١٠/ ٢٣٨.

١٣. «الفتح» ٥/ ١٩٢.