وقوله: (وَفَي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ إلخ) يعني أن في رواية محمد بن فُضيل، عن الأعمش قال: «عن امرأة زيد بن حارثة» بدل أمّ مبشّر، وهي هي، كما تقدّم.
وقوله: (وَهي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ إلخ) يعني أن في رواية إسحاق ابن راهويه، عن أبي معاوية قال: (قَالَ: رُبَّمَا قَالَ: عَنْ أُمِّ مُبَشرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ) يعني أنه ربما ذكر بعد جابر قوله: «عن أم مبشّر»، فجعله من مسندها، وربما لم يذكر ذلك، بل قال: عن جابر، عن النبيّ - ﷺ -، فجعله من مسنده.
وقوله: (وَكُلُّهُمْ قَالُوا: عَنِ النَّبِيّ - ﷺ - إلخ) يعني أن هؤلاء الذين اختلفوا هل الحديث من مسند أم مبشر، أو من مسند جابر؟ اتفقوا على رفعه إلى النبيّ - ﷺ -.
وخلاصة القول: أن هذا الحديث مما اختلف فيه الحفّاظ هل هو من مسند جابر - ﵁ -، أو من مسند أم مبشّر - ﵂ -، رواه عنها جابر - ﵁ -؟ والظاهر أن كلا الطريقين صحيحان، ولعل جابرًا - ﵁ - سمعه من أم مبشّر، ثم سمعه من النبيّ - ﷺ -، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية هؤلاء الذين أشار مسلم إلى اختلافهم في جعل الحديث من مسند جابر، أو من مسند أم مبشّر، لم أجد من ساقها بتمامها كما أشار إليه، بل الذي وجدته من رواياتهم على خلاف ما أشار إليه، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٦] (١٥٥٣) - (حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ يَحْيى، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَان، أَوْ بَهِيمَة، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤.
٣ - (أبو عوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠.
٥ - (أنسُ) بن مالك بن النضر، أبو حمزة الصحابيّ الخادم الشهير، مات سنة (١ أو ٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٢.
و«قُتيبة» ذُكر في الباب، وشرح الحديث تقدّم في حديث جابر - ﵁ -.
وقوله: (فَيَأكُلُ مِنْهُ) الظاهر أنه بالنصب بـ«أن» مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببيّة، كما مرّ نظيره، لكن النسخ متّفقة على رفعه، فإن صحّ روايةً، فهو، وإلا فالأولى النصب، ووجه الرفع أن يُجعل من عطف الجملة على الجملة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٤/ ٣٩٦٦ و٣٩٦٧] (١٥٥٣)، و(البخاريّ) في «الحرث والمزارعة» (٢٣٢٠) و«الأدب» (٦٠١٢)، و(الترمذيّ) في «جامعه» (٣/ ٦٦٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٤٧ و٢٢٨ و٢٤٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٣٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥/ ٢٣٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٣٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٧] (…) - (وَحَدّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثنَا أبانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثنَا قَتَادَةُ، حَدثنَا أنسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ نَخْلًا لأُمِّ مُبَشِّرٍ - امْرَأةٍ مِنَ الأنصَارِ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ فَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟»، قَالُوا: مُسْلِمٌ، بِنَحْوِ حَدِيثهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهيمَ) الأزديّ الفراهيديّ مولاهم، أبو عمرو البصريّ الحافظ، ثقةٌ مأمونٌ مكثرٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢٢) وهو أكبر شيخ لأبي داود (ع).
رَوَى عن عبد السلام بن شداد، وجرير بن حازم، وأبان بن يزيد العطار، وأبي الأشهب العطارديّ، والأسود بن شيبان، وحماد بن سلمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى أبو داود أيضًا والباقون له بواسطة نصر بن عليّ الجهضميّ، ومحمد بن يحيى القطعيّ، وعبد بن حميد، والدارميّ، وأبو داود الحرانيّ، وأحمد بن الحسين بن خِرَاش، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة مأمونٌ، وقال نصر بن عليّ: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: قعدت مرةً أذاكر شعبة، عن خالد بن قيس، فقال: كدت تَلْقَى أبا هريرة، وقال العجليّ: كان ثقةً عَمِي بآخره، وقال الفضل بن سهل الأعرج: سمعت ابن معين يقدِّم مسلم بن إبراهيم على معاذ بن هشام، ويقول: لا أجعل رجلًا لم يرو إلا عن أبيه، كرجل روى عن الناس، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقة صدوق، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كَتَب مسلم بن إبراهيم عن قريب من ألف شيخ، وقال أيضًا: ما رحل مسلم إلى أحد، وكان يحفظ حديث قرة وهشام وأبان العطار يَهُذُّهُ هَذًّا، وهو أحب إلينا من ابن كثير، كان ابن كثير لا يحفظ، وكانت فيه سلامة.
قال البخاريّ: مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين، زاد غيره في صفر، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، ومات بالبصرة في صفر سنة اثنتين وعشرين، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من المتقنين، وقال ابن قانع: بصريّ صالح.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٥٥٣)، و(٢١٨٨): «العين حق …» الحديث.
٣ - (أبانُ بْنُ يَزِيدَ) العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفرادٌ [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) الظاهر أن الضمير لشيوخه الثلاثة المذكورين في السند الماضي، وهم: يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبيد الغبري، يعني أن عبد بن حميد روى هذا الحديث بنحو رواية هؤلاء الثلاثة.
[تنبيه]: رواية أبان بن يزيد، عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» ٣/ ١٩٢ فقال:
(١٣٠٢٢) - حدّثنا عبد الله حدّثني أبي، ثنا بهز، وحدّثنا عفان قالا: ثنا أبان، ثنا قتادة، ثنا أنس بن مالك؛ أن رسول الله - ﷺ - دخل نخلًا لأم مبشر امرأة من الأنصار، فقال: «من غَرَس هذا الغرس، أمسلم أم كافر؟» قالوا: مسلم، قال: «لا يغرس مسلم غَرْسًا، فيأكلَ منه إنسانٌ، أو دابةٌ، أو طائرٌ، إلا كان له صدقةً». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٥) - (بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ)
(اعلم): أن «الجوائح» جمع جائحة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الجائحة: الآفة، يقال: جاحت الآفةُ المالَ تَجُوحه جَوْحًا، من باب قال: إذا أهلكته، وتَجِيحه جِيَاحَةً لغةٌ، فهي جائحة، والجمع الجوائح، والمالُ مجوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثة، فهو مجاحٌ، واجتاحت المالَ، مثلُ جاحَتْه، قال الشافعيّ: الجائحة: ما أذهب الثمر بأمر سماويّ، وفي حديثٍ: «أمر بوضع الجوائح»: والمعنى: بوضع صدقات ذات الجوائح، يعني ما أُصيب من الثمار بآفة سماويّة، لا يؤخذ منه صدقة فيما بقي. انتهى.
وقال في «اللسان»: الْجَوْحةُ، والجائحةُ: الشدّةُ، والنازلةُ العظيمة التي تجتاح المالَ من سنة، أو فتنة، وكلّ ما استأصله، فقد جاحه، واجتاحه، وجاح الله ماله، وأجاحه بمعنىً؛ أي: أهلكه بالجائحة، وقال الأزهريّ، عن