HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٦٥

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. جَمِيعًا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص34
ج ٣ ص ١١٩٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٤٠
[٣١٦] قيل: هذا في الرجل له بئر، وقربها مرعى، فإذا عطشت الماشية فجاءت لترد الماء منعها، كان كأنه منعها الكلأ ، لأنها لا تجتزئ بالكلإ عن الماء، فتكون ممنوعة عن الكلإ بمنعها عن الماء، وقيل: بيع فضل الماء إذا كان مجهولا غير محرر غير جائز.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٤٣٢
القضاء؛ لأنه ظالم له بعدما كان محرّمًا منه، لا يحلّ له اقتراضه، والطعن عليه، وقيل: عِرضه أن يُغْلِظَ له، وعُقُوبته: الحبس، وقيل: معناه: أنه يحلّ له شكايته منه، وقيل: معناه أن يقول: يا ظالم أنصِفني؛ لأنه إذا مَطَله، وهو غنيّ، فقد ظلمه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٣٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ بِالْفَلَاة، وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِرَعْيِ الْكَلإ، وَتَحْرِيمِ مَنْعِ بَذْلِه، وَتَحْرِيمِ بَيْعِ ضِرَابِ الْفَحْلِ) وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٩٧] (١٥٦٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، فَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين. ٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين. ٦ - (أَبُو الزبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرس، تقدّم قريبًا. ٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا، وشرح الحديث يأتي بعده. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٩٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَل، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَالأَرْضِ لِتُحْرَثَ، فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين، ومن لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره، فانتفت تهمة التدليس عن ابن جريج، وأبي الزبير. شرح الحديث: (عَن الزُّبَيْرِ) أَنَّهُ (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ) - بكسر الضاد المعجمة - أي: عن أخذ الكراء على ضِرابه، بل ينبغي لصاحب الفحل إعارته بلا كراء، فإن في المنع قطع النسل. وقال ابن الأثير: ضِراب الجمل: نَزْوه على الأنثى، والمراد بالنهي ما يؤخذ عليه من الأجرة، لا عن نفس الضِّراب، وتقديره: نَهَى عن ثمن ضراب الجمل، كنهيه عن عَسْبِ الفحل؛ أي: عن ثمنه، يقال: ضَرَبَ الجملُ الناقةَ يَضرِبها: إذا نزا عليها، وأضرب فلانٌ ناقته؛ أي: أنزى الفحل عليها. انتهى . (وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ) تقدّم في الرواية السابقة بلفظ: «عن بيع فضل الماء»، وهو الفاضل عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزرعه. قال ابن الأثير - ﵀ -: هو أن يسقي الرجل أرضه، ثم يبقى من الماء بقيّة، لا يحتاج إليها، فلا يجوز له أن يبيعها، ولا يمنع منها أحدًا ينتفع بها، إذا لم يكن الماء ملكه، أو على قول من يرى أن الماء لا يُملك. انتهى . وقال الشوكانيّ - ﵀ -: والظاهر أنه لا فرق بين الماء الكائن في أرض مباحة، أو في أرض مملوكة، وسواء كان للشُّرب، أو لغيره، وسواء كان لحاجة الماشية، أو الزرع، وسواء كان في فلاة، أو في غيرها. وقال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الفاضل، الذي يُشْرَب، فإنه السابق إلى الفهم. وقال النوويّ - ﵀ - حاكيًا عن أصحاب الشافعيّ: إنه يجب بذل الماء في الفلاة، بشروط: [أحدها]: أن لا يكون ماء آخر يُستغنَى به. [الثاني]: أن يكون البذل لحاجة الماشية، لا لسقي الزرع. [الثالث]: أن لا يكون مالكه محتاجًا إليه، ويؤيِّد ما ذكرنا من دلالة الحديثين على المنع، من بيع الماء على العموم، حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الشيخين، مرفوعًا، بلفظ: «لا يُمنَعُ فضل الماء؛ ليُمنَع به فضل الكلأ»، وذكره صاحب «جامع الأصول» بلفظ: «لا يباع فضل الماء»، وهو لفظ مسلم، ويؤيِّد المنع من البيع أيضًا: حديث: «الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلإ، والنار». وقد حُمِل الماء المذكور على ماء الفحل، وهو مع كونه خلاف الظاهر مردود بما في حديث جابر - ﵁ - هذا بلفظ: «نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع فضل الماء، وعن منع ضِراب الفحل». وقد خُصِّص من عموم حديثي المنع من البيع للماء، ما كان منه مُحرزًا في الآنية، فإنه يجوز بيعه قياسًا على جواز بيع الحطب، إذا أَحرزه الحاطب؛ لحديث الذي أمره - ﷺ - بالاحتطاب؛ ليستغني به عن المسألة، وهو متفق عليه، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقد تقدم في «كتاب الزكاة»، وهذا القياس بعد تسليم صحته، إنما يصح على مذهب من جَوَّز التخصيص بالقياس، والخلاف في ذلك معروف في الأصول، ولكنه يُشكل على النهي عن بيع الماء على الإطلاق، ما ثبت في الحديث الصحيح من أن عثمان - ﵁ - اشترى بئر رُومة، من اليهوديّ، وسَبّلها للمسلمين، بعد أن سمع النبيّ - ﷺ -، يقول: «من يشتري بئر رُومة؟ فيوسّع بها على المسلمين، وله الجنة»، وكان اليهوديّ يبيع ماءها، الحديث، فإنه كما يدلّ على جواز بيع البئر نفسها، وكذلك العين بالقياس عليها، يدل على جواز بيع الماء؛ لتقريره - ﷺ - لليهودي على البيع. ويجاب بأن هذا كان في صدر الإسلام، وكانت شوكة اليهود في ذلك الوقت قوية، والنبي - ﷺ - صالَحهم، في بادئ الأمر على ما كانوا عليه، ثم استقرّت الأحكام، وشَرَع لأمته تحريم بيع الماء، فلا يعارضه ذلك التقرير، وأيضًا الماء هنا دخل لبيع البئر، ولا نزاع في جواز ذلك. انتهى كلام الشوكانيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ. (وَالأَرْضِ لِتُحْرَثَ) أي: نَهَى عن كراء الأرض للزرع. قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «نَهَى عن بيع الأرض لتُحرث» معناه: نَهَى عن إجارتها للزرع، قال: والجمهور يجوّزون إجارتها بالدراهم، والثياب، ونحوها، ويتأوّلون النهي تأويلين: [أحدهما]: أنه نَهْيُ تنزيه؛ ليعتادوا إعارتها، وإرفاق بعضهم بعضًا. [والثاني]: أنه محمول على إجارتها على أن يكون لمالكها قطعة معيّنة من الزرع، وحمله القائلون بمنع المزارعة على إجارتها بجزءٍ مما يخرج منها. انتهى . وقد تقدّم تفصيل ما ذُكر كلّه في «أبواب المزارعة» مستوفًى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ -) تأكيدٌ لما سبق من النهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٣٩٩٧ و٣٩٩٨] (١٥٦٥)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٣٠٦ و٣١٠) و«الكبرى» (٤/ ٥٤)، و(ابن ماجه) في «الرهون» (٢٤٧٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٥٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٤٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٩٥٣)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٦١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٥٩٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٣٩ و٦/ ١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم بيع فضل الماء. ٢ - (ومنها): وجوب بذل الماء مخانًا، من غير طلب عوض، وبه قال الجمهور، وحَكَى الخطابيّ عن قوم أنه تجب له القيمة مع وجوب ذلك، وهو مذهب ضعيف، والصواب الأول. وقال القرطبيّ - ﵀ - عند قوله: «نهى عن بيع فضل الماء»: ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الذي يشرب، فإنه السَّابق إلى الفهم، وقد حمله بعض العلماء على ماء الفحل. وفيه بُعْدٌ، لا سيما وقد قرنه في الحديث الآخر بالنهي عن ضراب الجمل، فدل على أنه ليس هو، فإنَّه كان يكون تكرارًا بلا فائدة. وقد اختُلف في المسألتين. فأما بيع الماء: فالمسلمون مُجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلًا، فقد ملكه، وأن له بيعه. قال بعض مشايخنا: فيه خلاف شاذٌّ، لا يلتفت إليه. وأما ماء الأنهار، والعيون، وآبار الفيافي، التي ليست بمملوكة: فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك. وأما فضل ماء في ملك: فهذا هو محل الخلاف، هل يُجْبر على بذل فضله لمن احتاجه، أو لا يُجبر؟ وإذا أجبر، فهل بالقيمة أو لا؟ قولان سببهما معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه. والأرجح - إن شاء الله تعالى - حمل الخبر على عمومه، فيجب بذل الفضل بغير بذل قيمة، ويفرّق بينه وبين الطعام بكثرة الماء غالبًا، وعدم المشاحة فيه، وقلَّة الطعام غالبًا، ووجود المشاحة فيه. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين - ﵀ -: إن لوجوب بذل الماء شروطًا مأخوذة من الحديث: [أحدها]: أن يكون ذلك الماء فاضلًا عن حاجته، وهو صريح الحديث، فإن المنهيّ عنه منع الفضل، لا منع الأصل، ولذلك بوّب عليه البخاريّ في «صحيحه»، فقال: من قال: إن صاحب الماء أحقّ بالماء حتى يَرْوَى؛ لقول النبيّ - ﷺ -: «لا يُمنع فضل الماء». [الثاني]: أن يكون البذل للماشية، وسائر البهائم، ولا يجب عليه بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره على الصحيح عند الشافعيّة، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوريّ. وعن أحمد روايتان، وقال مالك: يجب عليه بذله للزرع أيضًا، إذا خشي عليه الهلاك، ولم يضرّ ذلك بصاحب الماء، واختلف أصحابه في أنه يستحقّ على ذلك عوضًا، أم لا؟ وحديث أبي هريرة - ﵁ -: «لا يمنع فضل الماء ليُمنَع به الكلأ» حجة للأولين، فإنه لا يلزم من منع سقي الزرع به منع الكلإ، وهو المعنى الذي عُلّل به الحديث، وإنما يلزم ذلك في منع البهائم، ويدلّ لمالك، ومن وافقه حديث جابر - ﵁ - هذا، فإنه منع عن بيع فضل الماء، ولم يقيّده بمنع فضل الكلإ، لكنه عند غيره محمول على الحديث الآخر. [الثالث]: أن لا يجد صاحب الماشية ماء مباحًا، ويدلّ لهذا قوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «ليُمنع به الكلأ»، فإنه متى وجد ذلك لا يلزم من منع الماء منع الكلإ؛ للاستغناء عنه بذلك الماء المباح. [الرابع]: أن يكون هناك كلأ يُرعى، فلو خلت تلك الأرض عن الكلإ فله المنع؛ لانتفاء العلّة المعتبرة في الحديث. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ - . ٤ - (ومنها): أنه استَدّلّ ابن حبيب المالكيّ على أن البئر إذا تهايأ فيها مالكاها لهذا يوم، ولهذا يومٌ، فاستغنى صاحب النوبة عن الماء في ذلك اليوم، إما بعد أن سقى زرعه، أو لم يسق؛ لعدم احتياجه لذلك، فلشريكه أن يستقي في غير نوبته؛ لأن هذا ماء قد فضل عنه، وقد نهى النبي - ﷺ - عن منع فضل الماء، وخالفه في ذلك الأكثرون من المالكيّة وغيرهم، وقالوا: الأصل المنع من مال الغير بغير إذنه، إلا ما خرج بدليل، وهذه الصورة ليست الصورة التي ورد فيها الحديث المخصّص، قاله ولي الدين - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأكثرون هو الظاهر عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أخرج ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه»، من طريق ابن وهب، عن حيوة، عن أبي هانئ بن أبي سعيد مولى بني عفان، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ، فيَهزل المالُ، وتجوع العيال»، وفي هذه الرواية التصريح بالنهي عن بيع الكلأ، فيَحتَمِل أن تعود إلى الرواية المشهورة في النهي عن بيعه بالتسبب بأن يمنع الماء، فيكون سببًا لمنع الكلأ، ويَحْتَمِل أن لا يُؤَوَّل بذلك، بل تجعل على ظاهرها من النهي عن بيع الكلأ، وهو محمول على غير المملوك، وهو الكلأ النابت في الموات، فمنعه مجرد ظلم؛ إذ الناس فيه سواء، أما الكلأ النابت في أرضه المملوكة له بالإحياء، فمذهب الشافعيّة جواز بيعه، وفيه خلاف عند المالكية، صحح ابن العربي الجواز، وقال ابن القاسم ومطرف: يبيع ويمنع ما في مروجه وحماه من ملكه، ويباح ما فضل عنه مما في فحوصها من التور والعفاء، إلا أن يكتنفه زرعه فله منعهم؟ للضرر، وسوّى ابن الماجشون بينهما في بيعه، إلا ما فضل عنه من العفاء، وسوّى أشهب في منعه، وقال: هو كالماء الجاري، لا يحل منع ما فضل عنه، ولا بيعه، إلا أن يحرزه، ويحمله، فيبيعه، حَكَى هذا الخلاف ابن شاس، وابن الحاجب، وحكى ابن بطال عن الكوفيين، والشافعيّ أن صاحب الأرض لا يملك الكلأ حتى يأخذه، فيحوزه، وما حكاه عن الشافعيّ مردود. وقوله: «فيهزل المال، وتجوع العيال» تعليل للنهي عن بيع الكلأ، فإنه يترتب عليه هُزال المال، وهو الماشية؛ إذ ليس كل أحد يقدر على العلف، فإذا مُنع رعي ماشيته في الكلأ هزلت، فينشأ عن ذلك قلة اللبن، أو فقده، فتجوع العيال الذين يقتاتون باللبن، وما ينشأ عنه من الجبن وغيره، ذكره وليّ الدين - ﵀ - ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): رَوَى ابن ماجه - ﵀ - بإسناد صحيح عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاث لا يُمْنَعْنَ: الماء، والكلأ، والنار». وروى ابن ماجه أيضًا عن عبد الله بن سعيد، عن عبد الله بن خِرَاش بن حَوْشَب الشيبانيّ، عن العَوّام بن حَوْشَب، عن مجاهد، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المسلمون شركاء في ثلاث، في الماء، والكلأ، والنار، وثمنه حرام»، قال أبو سعيد: يعني الماء الجاري. قال وليّ الدين - ﵀ -: والظاهر أن أبا سعيد هذا هو عبد الله بن سعيد شيخ ابن ماجه، وهو الأشجّ، وكان أحد الحفاظ، وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن خِرَاش، وهو بكسر الخاء، وبالشين المعجمتين، وفي ترجمته أورده ابن عديّ في «الكامل». ورَوَى أبو داود من رواية رجل من المهاجرين، من أصحاب النبيّ - ﷺ - مرفوعًا: «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار». قال الخطابيّ: هذا معناه الكلأ يَنبت في موات الأرض، يرعاه الناس، ليس لأحد أن يختص به دون أحد، ويحجزه عن غيره، وكان أهل الجاهلية إذا عَزّ الرجلُ منهم حَمَى بُقْعَةً من الأرض لماشيته ترعاها، يذود الناسَ عنها، فأبطل النبيّ - ﷺ - ذلك، وجعل الناس فيه شركاء، يتعاورونه بينهم، فأما الكلأ إذا نبت في أرض مملوكة لمالك بعينه، فهو مال له ليس لأحد أن يَشْرَكه فيه إلا بإذنه. قال: وقوله: «والنار» فسَّره بعض العلماء بالحجارة التي تُوري النار، فلا يُمنع أحد أن يأخذ منها حجرًا يَقْدَح به النار، فأما التي يوقدها الإنسان، فله أن يمنع غيره من أخذها، وقال بعضهم: له أن يمنع من يريد أن يأخذ منها جذوة من الحطب قد احترق، فصار جمرًا، وليس له أن يمنع من أراد أن يستصبح منها مصباحًا، أو يدني منها ضِغْثًا يُشعل بها؛ لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئًا. انتهى. وقال صاحب «العدة» من الشافعيّة: لو أضرم نارًا في حطب مباح بالصحراء، لم يكن له منع من ينتفع بتلك النار، فلو جمع الحطب ملكه، فإذا أضرم فيه النار، كان له منع غيره منها. انتهى. وأما الماء فالمراد به هنا المياه المباحة النابعة في موضع لا يختص بأحد، ولا صنع للآدميين في إنباعها وإجرائها، كالفرات، وجيحون، والنيل، وسائر أودية العالم، والعيون في الجبال، وسيول الأمطار، فالناس فيها سواء، لكن من أخذ منها شيئًا في إناء، أو جعله في حوض ملكه، ولم يكن لغيره مزاحمته فيه. وقوله في حديث ابن عباس: «وثمنه حرام» أي: المذكور فأعاد الضمير مفردًا، وإن تقدم ذكر ثلاث، وإنما كان ثمنه حرامًا؛ لأنه غير مملوك فلا يجوز بيعه، وحَمْلُ أبي سعيد وهو الأشجّ له على الجاري هو الغالب، فلو كان الماء المباح غير جار، كماء السيول الراكدة في المستنقعات، فحكمها كذلك، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ - ، وهو بحث نفيسُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع ضِراب الْفَحْل: قال النووي في «شرح مسلم»: اختَلَف العلماء في إجارة الفحل وغيره من الدواب؛ للضراب، فقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وآخرون: استئجاره لذلك باطل، وحرام، ولا يُستَحَقُّ فيه عِوَضٌ، ولو أنزاه المستأجر لا يلزمه المسمى من أجره، ولا أجرة مثل، ولا شيء من الأموال، قالوا: لأنه غرر مجهول، وغير مقدور على تسليمه. وقال جماعة من الصحابة، والتابعين، ومالك، وآخرون: يجوز استئجاره لضرب مدة معلومة، أو لضربات معلومة؛ لأن الحاجة تدعو اليه، وهي منفعة مقصودة، وحملوا النهي على التنزيه، والحثِّ على مكارم الأخلاق، كما حملوا عليه ما قرنه به من النهي عن إجارة الأرض، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ - ما حاصله: بيع ماء الفحل لا يُختَلف في فساده إذا وقع بلفظ البيع، وأريد تحصيل العوض الذي هو حصول ماء الفحل في محلّ الرحم، وعَقُوق الأنثى، فإنه غررٌ، ومجهولٌ، وأما على معنى إجارة الفحل للطَّرْق أعوامًا معلومةً، أو إلى مدّة معلومة، فأجازه مالكٌ؛ لكمال شروط الإجارة، مع أن أخذ الأجرة على ذلك ليس من مكارم الأخلاق، ولا يفعله غالبًا إلا أولو الدناءة، ويكون هذا كله كالحجامة، وقد ذهب أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور إلى منع ذلك جملة، والأرجح إن شاء الله تعالى ما صار إليه مالك؛ لِمَا ذكرناه، وبأنه قول جماعة من الصحابة، والتابعين على ما حكاه القاضي عياض. انتهى . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: إجارة الفحل للضِّراب حرام، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وحُكي عن مالك جوازه، قال ابن عقيل: ويَحْتَمِل عندي الجواز؛ لأنه عقد على منافع الفحل ونزوه، وهذه منفعة مقصودة، والماء تابع، والغالب حصوله عقيب نزوه، فيكون كالعقد على الظئر؛ ليحصل اللبن في بطن الصبيّ. وحجة الأولين ما رَوَى ابن عمر - ﵄ -: «أن النبيّ - ﷺ - نهى عن بيع عَسْب الفحل»، رواه البخاريّ، وعن جابر - ﵁ - قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع ضراب الجمل»، رواه مسلم، ولأنه مما لا يُقدر على تسليمه، فأشبه إجارة الآبق، ولأن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته، ولأن المقصود هو الماء، وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد، وهو مجهول، وإجارة الظئر خولف فيه الأصل؛ لمصلحة بقاء الآدميّ، فلا يقاس عليه ما ليس مثله، فعلى هذا إذا أعطى أجرة لعسب الفحل، فهو حرام على الآخذ؛ لما ذكرناه، ولا يحرم على المعطي؛ لأنه بذل ماله لتحصيل مباح، يحتاج إليه، ولا يمتنع هذا كما في كسب الحجام، فإنه خبيث، وقد أعطى النبيّ - ﷺ - الذي حجمه، وكذلك أجرة الكسح، والصحابة أباحوا شراء المصاحف، وكرهوا بيعها، وإن أَعطى صاحب الفحل هدية، أو أكرمه من غير إجارة جاز، وبه قال الشافعيّ؛ لما روى
مصادر المؤلف (١٢)

١. «لسان العرب» ٧/ ١٧١.

٢. «النهاية» ٣/ ٧٩.

٣. «النهاية» ٣/ ٤٥٥.

٤. «نيل الأوطار» ٥/ ١٥٥.

٥. «شرح النوويّ» ١٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠.

٦. «المفهم» ٤/ ٤٤١.

٧. «طرح التثريب» ٦/ ١٨٠ - ١٨١.

٨. «طرح التثريب» ٦/ ١٨٢.

٩. «طرح التثريب» ٦/ ١٨٢ - ١٨٣.

١٠. «طرح التثريب» ٦/ ١٨٣ - ١٨٤.

١١. «شرح النوويّ» ١٠/ ٢٣٠.

١٢. «المفهم» ٤/ ٤٤٢ - ٤٤٣.