HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٨٦

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحدثنا محمد بن رمح. أخبرنا الليث عن ابن شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ: مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ): أَرِنَا ذَهَبَكَ. ثُمَّ ائْتِنَا، إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا، نُعْطِكَ وَرِقَكَ. فَقَالَ عُمَرُ بن الخطاب: كلا، والله لتعطيه وَرِقَهُ. أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ. وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ. وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ. وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هاء وهاء).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص43
ج ٣ ص ١٢٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٥٩٤
قال أبو عمر: رجع ابن عباس، أو لم يرجع، بالسنّة كفايةٌ عن قول كل أحد، ومن خالفها جهلًا بها رُدَّ إليها. قال عمر بن الخطاب: رُدُّوا الجهالات إلى السنة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ باختصار . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٤٠٥١] (١٥٨٥)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٦٣٣)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٨١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٩٠)، و(البزّار) في «مسنده» (٢/ ٣٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٧٨) و«المعرفة» (٤/ ٢٩١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٦) - (بَابُ الصَّرْفِ، وَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ نَقْدًا) وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٥٢] (١٥٨٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ؛ أَنَّهُ قَال: أَقْبَلْتُ أَقُولُ: مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ، فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أرِنَا ذَهَبَكَ، ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَلَّا، وَاللهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ، أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) -بفتح المهملة، والمثلّثة- ابن سعد بن يربوع النَّصْريّ -بالنون- أبو سعيد المدنيّ، مختلف في صحبته، وهو ثقةٌ. رَوَى عن النبيّ -ﷺ- مرسلًا، وقيل: إنه رأى أبا بكر، وروى عن عمر، وعثمان، وعليّ، والعباس، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبي ذرّ. وروى عنه الزهريّ، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وعكرمة بن خالد، ومحمد بن جبير بن مطعم، وعبيد الله بن مِقْسم، وسلمة بن وَرْدان، وغيرهم. ذكره ابن سعد في طبقة من أدرك النبيّ -ﷺ-، ورآه، ولم يحفظ عنه شيئًا، قال: ويقولون: إنه ركب الخيل في الجاهلية، قال: وكان قديمًا، ولكنه تأخر إسلامه، وقال البخاريّ: قال بعضهم: له صحبة، ولا تصحّ، وقال أبو حاتم، وابن معين: لا تصح له صحبة، وقال عُقيل عن الزهريّ: ذكرت لعروة حديث مالك بن أوس، فقال: صدوق، وقال ابن خِرَاش: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: من زعم أن له صحبةً، فقد وَهِمَ. وأثبت له الصحبة أحمد بن صالح المصريّ، ذكره ابن عبد البر، وقال: إنه رَوَى عن العشرة، وقال أنس بن عياض، عن سلمة بن وَرْدان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كنا عند النبيّ -ﷺ-، فقال: «وجبت وجبت …» الحديث، ولكن سلمة ضعيف، وقال ابن منده: إن الصواب عن سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، وقال أبو القاسم البغويّ: يقال: إنه رأى النبيّ -ﷺ-، ولم تثبت له عنه رواية. قال الواقديّ، وآخرون: مات سنة اثنتين وتسعين، وقال يحيى بن بكير مرة أخرى: مات سنة إحدى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٥٨٦)، و(١٧٥٧) وأعاده بعده. ٢ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، جمّ المناقب، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء؛ فقتيبة أخذه سماعًا، وابن رُمح قراءة، وكذا اختلافهما في اسم شيخهما بإدخال عليه، وعدمه. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمة، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنّة، ومن المحدّثين من هذه الأمة -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) بفتحات (أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ: مَنْ) استفهاميّة (يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ) أي: من يبيعها بمقابلة الذهب، وهو افتعال من الصرف، وفي رواية للبخاريّ «أنه التمس صرفًا بمائة دينار»، ورواية له: «أنه قال: من عنده صرف؟»؛ أي: من عنده دراهم يُعَوِّضها بالدنانير؛ لأن الصرف بيع أحد النقدين بالآخر، يقال: صَرَفْتُ الذهب بالدراهم، من باب ضرب: إذا بعته، واسم الفاعل من هذا صيرفيّ، وصَيْرفٌ، وصرّافٌ للمبالغة، قال ابن فارس: الصرف فضل الدرهم في الجودة على الدرهم، ومنه اشتقاق الصيرفيّ، ذكره الفيّوميّ . وقال في «العمدة»: قال العلماء: بيع الذهب بالفضة يُسَمَّى صرفًا؛ لصرفه عن مقتضى البياعات، من جواز التفرَّق قبل التقابض، وقيل: من صريفهما، وهو تصويتهما في الميزان، كما أن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة يُسَمَّى مُرَاطَلَةً. انتهى . (فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) أحد العشرة المبشّرين بالجنّة -﵃-، استُشهد يوم الْجَمَل سنة (٣٦) تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٢/ ١٠٩. وقوله: (وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) -﵁- جملة في محلّ نصب على الحال من «طلحة» (أَرِنَا ذَهَبَكَ، ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسمية الخازن الذي أشار إليه طلحة. انتهى . (نُعْطيِكَ وَرِقَكَ) «نُعطيك» جواب «إذا» مرفوع، ولذا ثبتت الياء، ووقع في بعض النسخ: «نُعطك» بحذفها، ويوجّه على لغة الجزم بـ «إذا» الشرطيّة، وهو قليلٌ، كما في قول الشاعر [من الكامل]: اسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى … وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ وفي رواية البخاريّ: «فدعاني طلحة بن عُبيد الله، فتراوضنا ، حتى اصطرف منّي، فأخذ الذهب يُقلّبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه …» (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁-: (كَلَّا) أي: ارتدع وانزجر عما تقوله من تأخير العوض حتى يأتي خازنك (وَاللهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ) بفتح الواو، وكسر الراء؛ أي: فضّته (أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ) ثم بيّن عمر -﵁- متمسّكه في هذا الذي قاله لطلحة -﵁-، بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «الْوَرِقُ) بفتح الواو، وكسر الراء، وتُسكّن مع فتح الواو، وكسرها، تخفيفًا، وكَكَتف، وجَبَل، قال المجد ﵀:»الورق«مثلّثةً، وككَتِفٍ، وجبَل: الدراهم المضروبة، جمعها أوراق، ووِراقٌ. انتهى . وقال في«الفتح»: والوَرِق: الفضة، وهو بفتح الواو، وكسر الراء، وباسكانها على المشهور، ويجوز فتحهما، وقيل: بكسر الواو: المضروبة، وبفتحها: المال، والمراد هنا جميع أنواع الفضة، مضروبةً وغير مضروبة. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله:«الْوَرِقُ»-بكسر الراء-: الفضة، وهو اسم جنس معرَّف بالألف واللام الجنسيتين، فيتضمن ذلك الجنس كله، مسكوكه، ومصوغه، وتبره، ونقاره، وكذلك الذهب، فلا يجوز مصوغ بتبر إلا مثلًا بمثل، وكذلك جميع أنواعها، وليس له أن يستفضل قيمة الصنعة، ولا عُمالتها، وسيأتي لهذا مزيد بيان -إن شاء الله تعالى- . (بِالذَّهَبِ رِبًا) قال ابن عبد البرّ: لم يُخْتَلَف على مالك فيه، وحَمَله عنه الحفاظ، حتى رواه يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعيّ، عن مالك، وتابعه معمر، والليث، وغيرهما، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة، وشذَّ أبو نعيم عنه، فقال:«الذهب بالذهب»، كذلك رواه ابن إسحاق، عن الزهريّ. ويجوز في قوله:«الورق بالذهب»الرفعُ؛ أي: بيع الورق بالذهب، فحُذف المضاف للعلم به، أو المعنى: الورقُ يباع بالذهب، ويجوز النصب؛ أي: بيعوا الورق. قال في«الفتح»: والذهب: يُطلق على جميع أنواعه: المضروبة، وغيرها. (إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ) قال القرطبيّ ﵀: الرواية المشهورة في«هاء»: بالمد، وبهمز مفتوحة، وكذلك رويته، ومعناها: خذ. فكأنها اسم من أسماء الأفعال، كما تقول: هاؤم، وفيها أربع لغات: [إحداهما]: ما تقدَّم، وفيها لغتان: إحداهما: أنها تُقال للمذكر والمؤنث، والواحد والاثنين، والجمع، بلفظ واحد«هاء» من غير زيادة، قال السيرافيّ: كأنهم جعلوها صوتًا؛ كصَهْ، ومَهْ. وثانيهما: أنها تُلْحَق بها العلامات المفرَّقة، فتقول للمذكر: هاءَ، وللمؤنث: هائي. وللاثنين: هاءا، وللجمع: هاؤوا؛ كالحال في: هاؤم، وفي: هَلُمّ. [الثانية]: هَأْ، بالقصر والهمزة الساكنة، فتقول: هَأْ، كما تقول: خَفْ، وفيها اللغتان المتقدمتان، حكاها ثابت وغيره من أهل اللغة. [الثالثة]: هاءِ بالمدّ، وكسر الهمزة، وهي للواحد، والاثنين، والجمع بلفظ واحد، غير أنهم زادوا ياءً مع المؤنث، فقالوا: هائي. [الرابعة]: ها، بالقصر، وترك الهمز، حكاها بعض اللغويين، وأنكرها أكثرهم، وخُطِّئ من رواها من المحدِّثين كذلك. وقد حُكيت لغة خامسة: هاءَكِ، بمدَّةٍ، وهمزة مفتوحة، وكاف خطاب مكسورة للمؤنث. قال القرطبيّ: ولا بُعْد في أن يقال: إن «هاء» هذه هي اللغة الأولى، وإنما زادوا عليها كاف الخطاب المؤنث خاصة، فلا تكون خامسة. ومعنى: «هاء وهاء»: خذ وهات في هذه الحال من غير تراخ، كما قال: «يدًا بيد». انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال في «الفتح»: قوله: «إلا هاء وهاء» بالمدّ فيهما، وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون، وحُكِي القصرُ بغير همز، وخطّأها الخطابيّ، وردّ عليه النوويّ، وقال: هي صحيحة، لكن قليلة، والمعنى: خُذْ، وهَاتِ، وحُكي هاكِ بزيادة كاف مكسورة، ويقال: هاءِ بكسر الهمزة، بمعنى هات، وبفتحها بمعنى خذ، بغير تنوين. وقال ابن الأثير: هاءَ وهاءَ هو أن يقول كلُّ واحد من الْبَيِّعين: هاء، فيعطيه ما في يده، كالحديث الآخر: «إلا يدًا بيد»، يعني مقابضةً في المجلس، وقيل: معناه: خذ وأعط، قال: وغير الخطابيّ يجيز فيها السكون على حذف العوض، ويتنزل منزلة ها التي للتنبيه. وقال ابن مالك: «ها» اسم فعل بمعنى خُذْ، وإن وقعت بعد «إلّا»، فيجب تقدير قولٍ قبله، يكون به محكيًّا، فكأنه قيل: ولا الذهب بالذهب إلا مقولًا عنده من المتبايعين: هاء وهاء، وقال الخليل: كلمةٌ تُستَعمل عند المناولة. والمقصود من قوله: «هاء وهاء» أن يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه: هاء، فيتقابضان في المجلس. قال ابن مالك: حقُّها أن لا تقع بعد «إلّا»، كما لا يقع بعدها: خُذْ، قال: فالتقدير: لا تبيعوا الذهب بالورق إلا مقولًا بين المتعاقدين: هاء وهاء. واستُدِلّ به على اشتراط التقابض في الصرف في المجلس، وهو قول أبي حنيفة، والشافعيّ، وعن مالك: لا يجوز الصرف إلا عند الإيجاب بالكلام، ولو انتقلا من ذلك الموضع إلى آخر لم يصحّ تقابضهما، ومذهبه أنه لا يجوز عنده تراخي القبض في الصرف، سواء كانا في المجلس، أو تفرقا، وحَمَل قول عمر: «لا يفارقه» على الفور، حتى لو أخَّر الصيرفيّ القبض حتى يقوم إلى قَعْرِ دُكّانه، ثم يفتح صندوقه لَمَا جاز. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: وقد بالغ مالك -﵀- في هذا، حتى منع المواعَدة على الصرف، والحوالة، والوكالة على عقد الصرف دون القبض، ومنع أن يعقد الصرف، ويقوم إلى قَعْرِ دكانه، ثم يفتح صندوقه، ويخرج ذهبه؛ بناءً على ما تقدَّم من أصله، وهذا هو الذي فهمه عمر -﵁- عن الشرع حين قال: «وإن أنظرك إلى أن يَلِج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الربا»، وقال: «دَعُوا الربا والريبة». انتهى . (وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ) «الْبُرُّ» - بضم الموحّدة، ثم راء: من أسماء الحنطة، واحده: بُرّةٌ، والجمع: أبرار ، وقال الجوهريّ: البُرّ: جمع بُرّة، من الْقَمْح، ومَنَع سيبويه أن يُجمع الْبُرّ على أَبْرار، وجوّزه المبرّد قياسًا. انتهى . (وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ) - بفتح أوله: معروف، وحُكِي جواز كسره، وقال الفيّوميّ: الشعير: حَبّ معروف، قال الزجّاج: وأهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. انتهى . وقال ابن منظور -﵀-: الشعير: جنس من الحبوب معروفٌ، واحدته شعيرة، وبائعه شَعِيريّ، قال سيبويه: وليس مما بُني على فاعل، ولا فَعّال، كما يغلب في هذا النحو، وأما قول بعضهم: شِعِير، وبِعِيرٌ، ورِغِيفٌ، وما أشبه ذلك -يعني بكسر أولها وثانيها- لتقريب الصوت من الصوت -يعني للمناسبة- فلا يكون هذا إلا مع حروف الحلق. انتهى . (رِبًا إِلَّا هَماءَ وَهَماء) استُدِلّ بهذا على أن البرّ والشعير صنفان، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك مالك، والليث، والأوزاعيّ، فقالوا: هما صنف واحد، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ -﵀-: هذا دليل ظاهر في أن البر والشعير صنفان، وهو مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، والثوريّ، وفقهاء المحدثين، وآخرين، وقال مالك، والليث، والأوزاعيّ، ومعظم علماء المدينة، والشام، من المتقدمين: إنهما صنف واحد، وهو محكيّ عن عمر، وسعيد، وغيرهما من السلف -﵃-، واتفقوا على أن الدُّخْن صنف، والذُّرة صنف، والأرز صنف، إلا الليث بن سعد، وابن وهب، فقالا: هذه الثلاثة صنف واحد. انتهى . (وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ) واحدته تمرة، وجمعه: تمرات، وتُمورٌ، وتُمران، قاله المجد -﵀- . وقال الفيّوميّ -﵀-: التَّمْرُ من ثمر النخل؛ كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُتْرَك على النخل بعد إرطابه، حتى يَجِفّ، أو يقارب، ثم يُقْطَع، وُيتْرَك في الشمس حتى يَيْبَسَ، قال أبو حاتم: وربما جُدّت النخلةُ، وهي باسرة بعدما أَخَلَّتْ؛ ليُخَفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتترك حتى تكون تمرًا، الواحدة: تَمْرَةٌ، والجمع: تُمُورٌ، وتُمْرَانٌ، بالضمّ، والتَّمْرُ يُذَكَّر في لغة، ويُؤَنَّث في لغة، فيقال: هو التَّمْرُ، وهي التَّمْرُ، وتَمَرْتُ القومَ تَمْرًا، من باب ضَرَب: أطعمتهم التمر، ورجل تَامِرٌ، ولابِنٌ ذو تمر ولبن، قال ابن فارس: التَّامِرُ الذي عنده التمر، والتَّمَّارُ الذي يبيعه، وتَمَّرْتُهُ تَتْمِيرًا يَبَّسته، فَتَتَمَّرَ هو، وأَتْمَرَ الرُّطَبُ: حان له أن يصير تمرًا. انتهى . (رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ») قال النوويّ: قال العلماء: ومعناه: التقابض، ففيه اشتراط التقابض في بيع الربويّ بالربويّ إذا اتفقا في علة الربا، سواء اتَّفَق جنسهما، كذهب بذهب، أم اختَلَف، كذهب بفضة، ونبّه -ﷺ- في هذا الحديث بمختَلِف الجنس على متفقه، واستَدَلَّ أصحاب مالك بهذا على أنه يُشترط التقابض عقب العقد، حتى لو أخره عن العقد، وقبض في المجلس لا يصحّ عندهم، ومذهب الشافعيّة صحة القبض في المجلس، وإن تأخر عن العقد يومًا أو أيامًا، وأكثر ما لم يتفرقا، وبه قال أبو حنيفة، وآخرون، وليس في هذا الحديث حجة لأصحاب مالك، وأما ما ذكره في هذا الحديث أن طلحة بن عبد الله -﵁- أراد أن يصارف صاحب الذهب، فيأخذ الذهب، ويؤخر دفع الدراهم إلى مجيء الخادم، فإنما قاله؛ لأنه ظن جوازه، كسائر البياعات، وما كان بلغه حكم المسألة، فأبلغه إياه عمر -﵁-، فترك المصارفة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٤٠٥٢ و٤٠٥٣] (١٥٨٦)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢١٣٤ و٢١٧٠)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣/ ٢٤٨)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٤٣)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٧٣) و«الكبرى» (٤/ ٢٥)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢٥٩ و٢٢٦٠)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٦٣٦ و٦٣٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٥٥ و١٥٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٤٥٤١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٩٩ و١٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٤ و٣٥ و٤٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٥٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٦٥١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠١٣ و٥٠١٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ١٣٩ و١٨٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٧٧ و٣٧٨ و٣٧٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤) و«الصغرى» (٥/ ٣٣) و«المعرفة» (٤/ ٢٢٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم الربا في الأشياء المذكورة في هذا الحديث. ٢ - (ومنها): أن فيه أن الكبير يلي البيع والشراء لنفسه، وإن كان له وكلاء وأعوان يكفونه. ٣ - (ومنها): أن فيه المماكسةَ في البيع، والمراوضة، وتقليب السلعة، وفائدته الأمن من الغبن. ٤ - (ومنها): أنّ من العلم ما يخفى على الرجل الكبير القدر، حتى يُذَكِّره غيره. ٥ - (ومنها): أن الإمام إذا سَمِع، أو رأى شيئًا لا يجوز: ينهى عنه، ويرشد إلى الحقّ. ٦ - (ومنها): أن من أفتى بحكم حَسُنَ أن يذكر دليله. ٧ - (ومنها): أن على الإمام أن يتفقد أحوال رعيته، ويهتمّ بمصالحهم. ٨ - (ومنها): أن فيه اليمينَ لتأكيد الخبر. ٩ - (ومنها): أن فيه الاحتجاج بخبر الواحد، والاحتجاج على من خالف في حكم من الأحكام التي في كتاب الله تعالى، أو حديث رسوله -ﷺ-. ١٠ - (ومنها): أن النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالورق، وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنسيئة، فأحرى أن لا يجوز في الذهب بالذهب، وهو جنس واحد، وكذا الورق بالورق، يعني إذا لم تكن رواية ابن إسحاق ومن تابعه محفوظةً، فيؤخذ الحكم من دليل الخطاب، وقد نَقَل ابن عبد البر وغيره الإجماع على هذا الحكم؛ أي: التسوية في المنع بين الذهب بالذهب، وبين الذهب بالورق، فيستغني حينئذ بذلك عن القياس، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٤٠٥٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
مصادر المؤلف (٢٢)

١. الاستذكار ٦/ ٣٥١ - ٣٥٤.

٢. وفي نسخة: «نعطيك».

٣. «المصباح المنير» ١/ ٣٣٨.

٤. «عمدة القاري» ١١/ ٢٩٣.

٥. «الفتح»٥/ ٦٤٣.

٦. أي تجارينا الكلام في قدر العوض بالزيادة والنقص.

٧. «القاموس المحيط»ص ١٣٩٣.

٨. «الفتح»٥/ ٦٤٣.

٩. «المفهم» ٤/ ٤٧٢.

١٠. «المفهم» ٤/ ٤٧٠ - ٤٧١.

١١. «الفتح» ٥/ ٦٤٤.

١٢. «المفهم» ٤/ ٤٧٢.

١٣. راجع: «المصابيح» ١/ ٤٣، و«القاموس» ص ٩٤.

١٤. «الصحاح» ص ٨٤.

١٥. «المصباح المنير» ١/ ٣١٥.

١٦. «لسان العرب» ٤/ ٤١٠.

١٧. «الفتح»٥/ ٦٤٤.

١٨. «شرح النوويّ»١١/ ١٣.

١٩. «القاموس»ص ١٦٠.

٢٠. «المصباح المنير» ١/ ٧٦ - ٧٧.

٢١. «شرح النوويّ» ١١/ ١٣.

٢٢. «الفتح» ٥/ ٦٤٤ - ٦٤٥.