HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٩٩

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الهمداني. حدثنا أَبِي. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ) (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ. وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ. كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى. يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى. أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ. أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. ألا وهي القلب).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص50
ج ٣ ص ١٢١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٧٠٤
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٤٠٨٦] (١٥٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٠٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٦٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٩٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٣٧٧ و٤٥٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٧٥) و«الصغرى» (٥/ ٢٦)، و(البغويّ) في «تفسيره» (١/ ٢٦٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤١) - (بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ) «الشبهات»- بضمّتين، أو بضمّ، فسكون: هي الأمور الملتبسات، قال الفيّوميّ ﵀: واشتبهت الأمور، وتشابهت: التبست، فلم تتميّز، ولم تظهر، ومنه: اشتبهت القبلة، ونحوها، والشبْهَة في العقيدة: المأخذ الملبَّسُ، سُمّيت شبهة؛ لأنها تشبه الحقّ، والشبهة: الْعُلْقَة، والجمع فيهما شُبَهٌ، وشُبُهات، مثلُ غُرْفة، وغُرَف، وغُرُفات، قال: والاشتباه: الالتباس. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٨٧] (١٥٩٩) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ- وَأهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنيْهِ-: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّن، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّن، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاث، لَا يَعْلَمُهُن كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألَا وَإِنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمًى، ألَا وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وَهِيَ الْقَلْبُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ) أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ سُنيّ، صاحب حديث، من كبار [٩] (ت ١٩٩) وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٥. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فَيْروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يُدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في«الإيمان»٨٣/ ٤٤٩. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيةٌ مشهور فاضلٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٠. ٥ - (النُّعْمَان بْنُ بَشِيرِ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنةً (ع) تقدم في«الإيمان»٩٧/ ٥٢٢. [تنبيه] من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالكوفيين، وقد دخل النعمان الكوفة، ووَلي إمرتها، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وصحابيّه ابن صحابيّ -﵄-. شرح الحديث: (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل الفقيه المشهور (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) -﵄- (قَالَ) الشعبيّ (سَمِعْتُهُ) أي: النعمان -﵁- (يَقُولُ) وفي رواية عون بن عبد الله، عن الشعبيّ الآتية:«أنه سمع نعمان بن بشير، وهو يخطب الناس بحمص»، ولأبي عوانة في«صحيحه»من طريق أبي حَرِيز -وهو بفتح الحاء المهملة، وآخره زاي- عن الشعبيّ؛ أن النعمان بن بشير خَطَب به بالكوفة. قال في«الفتح»: ويُجْمَع بينهما بأنه سَمِع منه مرتين، فإنه وَلي إمرة البلدين، واحدةً بعد أخرى (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ -وَأهْوَى النُّعْمَانُ بِإِبَعَيْهِ اِلَى أُذُنَيْهِ-) قال في«الفتح»: وفي هذا ردّ لقول الواقديّ، ومن تبعه: إن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله -ﷺ-، وفيه دليل على صحة تحمل الصبيّ المميِّز؛ لأن النبي -ﷺ- مات، وللنعمان ثمان سنين، وزكرياء موصوف بالتدليس، قال الحافظ: ولم أره في«الصحيحين»، وغيرهما من روايته عن الشعبيّ إلّا معنعنًا، ثم وجدته في«فوائد ابن أبي الهيثم»من طريق يزيد بن هارون، عن زكريا، حدّثنا الشعبيّ، فحَصَل الأمن من تدليسه. انتهى . [فائدة]: ادَّعَى أبو عمرو الدانيّ أن هذا الحديث لم يروه عن النبيّ -ﷺ- غير النعمان بن بشير -﵄-، قال الحافظ: فإن أراد من وجه صحيح فمُسَلَّم، وإلا فقد رويناه من حديث ابن عمر، وعمّار، في«الأوسط»للطبرانيّ، ومن حديث ابن عباس في«الكبير»له، ومن حديث واثلة في«الترغيب»للأصبهانيّ، وفي أسانيدها مَقالٌ. وادَّعَى أيضًا أنه لم يروه عن النعمان غير الشعبيّ، وليس كما قال، فقد رواه عن النعمان أيضًا خيثمة بن عبد الرحمن، عند أحمد وغيره، وعبد الملك بن عُمير عند أبي عوانة وغيره، وسماك بن حرب، عند الطبراني، لكنه مشهور عن الشعبيّ، رواه عنه جمع جَمٌّ، من الكوفيين، ورواه عنه من البصريين عبد الله بن عون، وقد ساق البخاريّ إسناده في«البيوع»، ولم يسق لفظه، وساقه أبو داود، وسنشير إلى ما فيه من فائدة -إن شاء الله تعالى. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: رواية عبد الله بن عون هي الرواية الآتية للمصنّف بعد حديثين، وسنتكلّم عليها هناك -إن شاء الله تعالى-. («إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ) أي: في عينهما، ووصفهما بأدلّتهما الظاهرة، قال القرطبيّ ﵀: يعني أن كل واحد منهما مُبَيَّن بأدلته في كتاب الله تعالى، وسنّة رسوله -ﷺ- تأصيلًا وتفصيلًا، فمن وقف على ما في الكتاب والسُّنة من ذلك وجد فيهما أمورًا جلية التحليل، وأمورًا جلية التحريم، وأمورًا مترددة بين التحليل والتحريم، وهي التي تتعارض فيها الأدلة، فهي المتشابهات. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قوله -ﷺ-: «الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّنٌ»، فمعناه: أن الأشياء ثلاثة أقسام: حلال بَيِّنٌ واضحٌ لا يخفى حِلّه؛ كالخبز، والفواكه، والزيت، والعسل، والسمن، ولبن مأكول اللحم، وبيضه، وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام، والنظر، والمشي، وغير ذلك من التصرفات فيها حلال بَيِّن واضح، لا شكّ في حله، وأما الحرام الْبَيِّنُ؛ فكالخمر، والخنزير، والميتة، والبول، والدم المسفوح، وكذلك الزنى، والكذب، والغيبة، والنميمة، والنظر إلى الأجنبية، وأشباه ذلك، وأما المشتبهات، فمعناه أنها ليست بواضحة الحلّ، ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنصّ، أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك. انتهى . (وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ) بوزن مُفْتَعِلات بتاء مفتوحة، وعين خفيفة مكسورة، والمعنى: أنها موحّدة اكتَسَبت الشَبَهَ من وجهين متعارضين، ووقع في بعض روايات البخاريّ بلفظ: «مشَبَّهات» بتشديد الموحّدة المفتوحة؛ أي: شُبّهت بغيرها مما لم يتبيّن به حكمها على التعيين، وفي رواية الدارميّ: «وبينهما متشابهات». (لَا يَعْلَمُهُنَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي: لا يعلم حكمهنّ، وجاء واضحًا في رواية الترمذيّ بلفظ: «لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي، أم من الحرام؟»، ومفهوم قوله: «كثيرٌ» أن معرفة حكمها ممكن، لكن للقليل من الناس، وهم المجتهدون، فالشبهات على هذا في حقّ غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين، قاله في «الفتح» . وقال القرطبي ﵀: قوله: «لا يعلمهن كثير من الناس» أي: لا يعلم حكمهنّ من التحليل والتحريم، وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث إنها مشكلة؛ لترددها بين أمور محتمِلة، فإذا عَلِمَ بأي أصل تُلحَق زال كونها شبهة، وكانت إما من الحلال، أو من الحرام، وفيه دليل: على أن الشبهة لها حكم خاصّ بها، عليه دليل شرفي، يمكن أن يصل إليه بعض الناس، فمن ظَفِرَ به فهو المصيب كما بيّناه، في الأصول. قال: وقد اختُلِف في حكمها، فقيل: مواقعتها حرام؛ لأنها توقع في الحرام، وقيل: مكروهة، والورع تركها، وقيل: لا يقال فيها واحد منهما، والصواب الثاني؛ لأن الشرع قد أخرجها من قسم الحرام، فلا توصف به، وهي مما يرتاب فيه، وقد قال -ﷺ-: «دَعْ ما يَرِيبك إلى ما لا يَرِيبك»، وهذا هو الورع، وقد قال فيها بعض الناس: إنها حلال ويُتَورَّع عنها. قال القرطبيّ: وليست بعبارة صحيحة؛ لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله وتركه، فيكون مباحًا، وما كان كذلك لم يُتَصَّور فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين، فإنَّه إن ترجَّح أحد طرفيه على الآخر خرج عن كونه مباحًا، وحينئذ يكون تركه راجحًا على فعله، وهو المكروه، أو فعله راجحًا على تركه، وهو المندوب. [فإن قيل]: فهذا يؤدِّي إلى رفع معلوم من الشرع، وهو: أن النبيّ -ﷺ- والخلفاء بعده، وأكثر أصحابه -﵃- كانوا يزهدون في المباح، فإنَّهم رَفَضُوا التنعم بأكل الطيبات من الأطعمة، وبلباس اللَّين الفاخر من الملابس، وبسكنى المباني الأنيقة من المساكن، ولا شك في إباحة هذه الأمور، ومع هذا فآثروا أكل الخشن، ولباس الخشن، وسكنى الطين واللَّبن، وكل هذا معلوم من حالهم، منقول من سيرتهم. فالجواب أن تركهم التنعم بالمباح لا بدّ له من موجب شرعيّ أوجب ترجيح الترك على الفعل، وحينئذ يلزم عليه خروج المباح عن كونه مباحًا، فإن حقيقته التساوي من غير رجحان، فلم يزهدوا في مباح، بل في أمير تَرْكُهُ خيرٌ من فعله شرعًا، وهذه حقيقة المكروه. فإذًا إنما زهدوا في مكروه، غير أن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو، كما كره لحوم السِّباع، وتارة يكرهه لما يؤدي إليه، كما يكره القبلة للصَّائم، فإنها تُكره لِمَا يُخاف منها من فساد الصوم، وتركهم للتنعم من هذا القبيل، فإنَّه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا على نفوسهم منه مفاسد إما في الحال، كالرُّكون إلى الدنيا، وإما في المال كالحساب عليه، والمطالبة بالشكر، وغير ذلك ممَّا ذُكر في كتب الزهد، وعلى هذا فقد ظهر ولاح: أنهم لم يزهدوا ولا تورعوا عن مباح. انتهى . وقال النوويّ ﵀: معنى قوله: «لا يعلمهنّ كثير من الناس» أنها ليست بواضحة الحل، ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنصّ، أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحلّ والحرمة، ولم يكن فيه نصّ، ولا إجماع، اجتَهَدَ فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعيّ، فإذا ألحقه به صار حلالًا، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البيّن، فيكون الورع تركه، ويكون داخلًا في قوله -ﷺ-: «فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه»، وما لم يَظهر للمجتهد فيه شيء، وهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله، أم بحرمته، أم يُتَوَقَّف فيه؟ ثلاثة مذاهب، حكاها القاضي عياض وغيره، والظاهر أنها مُخَرَّجة على الخلاف المذكور في الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب: الأصح أنه لا يُحكم بحلّ، ولا حرمةُ ولا إباحة، ولا غيرها؛ لأن التكليف عند أهل الحقّ لا يثبت إلا بالشرع، والثاني أن حكمها التحريم، والثالث الإباحة، والرابع التوقف، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح القول بالإباحة في المنافع، وبالتحريم في المضارّ؛ لقوله تعالى في معرض الامتنان: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩] ولا يمتنّ الله تعالى إلا بما أباحه، ولمَا صحّ من قوله -ﷺ-: «لا ضَرَر، ولا ضِرار»، حديث صحيح، رواه أحمد، وغيره؛ أي: لا يجوز في ديننا إلحاق الضرر بنفسه، أو بغيره، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: واختُلِف في حكم الشبهات، فقيل: التحريم، وهو مردود، وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف، وهو كالخلاف فيما قبل الشرع. وحاصل ما فسّر به العلماء الشبهات أربعة أشياء: [أحدهما]: تعارض الأدلة، كما تقدم. [ثانيها]: اختلاف العلماء، وهي منتزعة من الأولى. [ثالثها]: أن المراد بها مسمى المكروه، لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك. [رابعها]: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هذا أن يَحمله على متساوي الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي الطرفين، باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج. ونقل ابن الْمُنَيِّر في مناقب شيخه القباريّ عنه أنه كان يقول: المكروهُ عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرّق إلى الحرام، والمباحُ عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرَّق إلى المكروه، وهو مَنْزَعٌ حسن، ويؤيِّده رواية ابن حبان من طريقٍ، ذَكَر مسلم إسنادها، ولم يسق لفظها، فيها من الزيادة: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سُترة من الحلال، مَن فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه». والمعنى أن الحلال حيث يُخشى أن يؤول فعله مطلقًا إلى مكروه، أو محرّم ينبغي اجتنابه، كالإكثار مثلًا من الطيبات، فإنه يُحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقلّ ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان. قال الحافظ: والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول على ما سأذكره، ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادًا، وَيختلف ذلك باختلاف الناس، فالعالم الفَطِن لا يخفى عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح، أو المكروه، كما تقرر قبلُ، ودونه تقع له الشبهة في جميع ما ذُكر، بحسب اختلاف الأحوال، ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تفسير فيه جُرأة على ارتكاب المنهيّ في الجملة، أو يَحمله اعتياده ارتكابَ المنهيّ غير المحرم على ارتكاب المنهيّ المحرم، إذا كان من جنسه، أو يكون ذلك لشبهة فيه، وهو أن من تعاطى ما نُهِي عنه يصير مظلم القلب؛ لفقدان نور الورع، فيقع في الحرام، ولو لم يختر الوقوع فيه. ووقع عند البخاريّ في «البيوع» من رواية أبي فَرْوة، عن الشعبيّ في هذا الحديث: «فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم، كان لِمَا استبان له أترك، ومن اجترأ على ما يَشُكّ فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان»، قال الحافظ ﵀: وهذا يُرَجِّح الوجه الأول، كما أشرت إليه. [تنبيه]: استَدَلّ به ابن المنير على جواز بقاء المجمل بعد النبيّ -ﷺ-، قال الحافظ: وفي الاستدلال بذلك نظرٌ، إلا إن أراد به أنه مُجْمَلٌ في حق بعض دون بعض، أو أراد الردّ على منكري القياس، فيَحْتَمِل ما قال، والله أعلم . (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ) بضمّ الموحّدة: جمع شُبُهة؛ أي: حَذِرَ منها، وفي رواية للبخاريّ: «فمن اتّقى المشبّهات»، قال في «الفتح»: والاختلاف في لفظها بين الرواة نظير التي قبلها. انتهى. (اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) «استبرأ» بالهمز، بوزن استَفْعَل، من البراءة؛ أي: بَرَأَ دينُهُ من النقص، وعِرْضُهُ من الطعن فيه؛ لأن من لم يُعْرَف باجتناب الشبهات لم يَسْلَم لقول من يَطعن فيه، وفيه دليل على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه، فقد عَرَّض نفسه للطعن فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين، ومراعاة المروءة . وقال ابن رجب ﵀: معنى «استبرأ»: طلب البراءة لدينه وعرضه مِنَ النَّقْص والشَّين، والعِرْضُ: هو موضعُ المدح والذمِّ من الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدحٌ، وبذكره بالقبيح قدحٌ، وقد يكون ذلك تارةً في نفس الإنسان، وتارة في سلفه، أو في أهله، فمن اتَّقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حَصَّنَ عِرْضَهُ مِنَ القَدح والشَّين الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أنَّ من ارتكب الشُّبهات، فقد عرَّض نفسه للقدح فيه والطَّعن، كما قال بعض السَّلف: من عرَّض نفسه للتُّهم، فلا يلومنَّ من أساء به الظنَّ. انتهى كلام ابن رجب ﵀ . وقال الطيبيّ ﵀: قوله: «استبرأ … إلخ» أي: احتاط لنفسه، وطلب البراءة، وقال النوويّ: أي حَصَّل البراءة لدينه من الذّمّ الشرعيّ، وصان عِرضه من كلام الطاعن، وقال في «شرح السنّة»: فيه دليل على جواز الجرح والتعديل، وأن من لم يتوقّ الشبَه في كسبه ومعاشه، فقد عرّض دينه، وعرّضه للطعن. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» أي: من ترك ما يَشتبه عليه سَلِم دينه مما يفسده، أو ينقصه، وعرضه مما يَشينه، ويَعيبه، فيسلم من عقاب الله وذمِّه، ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثناء الله تعالى وثوابه، لكن لا يصحّ اتقاء الشبهات حتى تُعْرَف، ومعرفتها على التعيين والتفصيل يستدير تفصيلًا طويلًا، لكن نعقد فيه عقدًا كليًّا يكون إن شاء الله تعالى عن التفصيل مُغنيًا، فنقول: المكلف بالنسبة إلى الشرع: إما أن يترجح فعله على تركه، أو تركه على فعله، أو لا يترجح واحد منهما، فالراجح الفعل أو الترك؛ إما أن يجوز نقيضه بوجه ما، أو لا يجوز نقيضه، فإن لم يجز نقيضه فهو المعلوم الحكم من التحليل؛ كحِلِّيةِ لحوم الأنعام، أو من التحريم؛ كتحريم الميتة والخنزير على الجملة، فهذان النوعان هما المرادان بقوله: «الحلال بيِّن، والحرام بيِّن»، وأما إن جُوِّز نقيض ما ترجَّح عنده: فإمَّا أن يكون ذلك التجويز بعيدًا لا مستند له أكثر من توهم، وتقدير، فلا يُلتَفت إلى ذلك، ويُلغى بكل حال، وهذا كترك النكاح من نساء بلدة كبيرة مخافة أن يكون له فيها ذات محرم من النسب أو الرِّضاع، أو كترك استعمال ماء باق على أوصافه في فلاة من الأرض مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه، أو كترك الصلاة على موضع لا أثر، ولا علامة للنجاسة فيه، مخافة أن يكون فيها بول قد جفّ، أو كتكرار غسل الثوب مخافة طروء نجاسة لم يشاهدها، إلى غير ذلك مما في معناه. فهذا النوع يجب ألا يُلتَفت إليه، والتوقف لأجل ذلك التجويز هَوَسٌ، والورع فيه وسوسة شيطانية؛ إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء، وقد دخل الشيطان على كثير من أهل الخير من هذا الباب، حتى يُعطِّل عليهم واجبات، أو يُنقص ثوابها لهم، وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية، وأحكامها. قال في «العمدة»: وقد حَكَى الشيخ عبد الله بن يوسف، والد إمام الحرمين عن قوم أنهم لا يلبسون ثيابًا جُدُدًا حتى يغسلوها؛ لما فيها ممن يعاني قصر الثياب، ودقّها، وتجفيفها، وإلقاءها وهي رطبة على الأرض النجسة، ومباشرتها بما يغلب على الظنّ نجاسته من غير أن يُغسل بعد ذلك، فاشتد نكيره عليهم، وقال: هذه طريقة الخوارج الحروريّة، أبلاهم الله تعالى بالغلق في غير موضع القلق، وبالتهاون في موضع الاحتياط، وفاعل ذلك معترض على أفعال النبيّ -ﷺ- والصحابة، والتابعين، فإنهم كانوا يلبسون الثياب الجدد قبل غسلها، وحال الثياب في أعصارهم كحالها في أعصارنا، ولو أمر رسول الله -ﷺ- بغسلها ما خفي؛ لأنه مما تعمّ به البلوى. وذكر أيضًا أن قومًا يغسلون أفواههم إذا أكلوا الخبز؛ خوفًا من روث الثيران عند الدياس، فإنها تقيم أيامًا في المداسة، ولا يكاد يخلو طحينٌ عن ذلك، قال: وهذا غلوّ، وخروج عن عادة السلف، وما روي عن أحد من الصحابة والتابعين أنهم رأوا غسل الفم من ذلك. انتهى، ذكر حكايةَ الجوينيّ العينيُّ ﵀ . قال القرطبي: [فإن قيل]: كيف يقال هذا، وقد فعل النبيّ -ﷺ- مثل ذلك لَمّا دخل بيته، فوجد فيه تمرة، فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها»، ودخول الصدقة بيت رسول الله -ﷺ- بعيد؛ لأنها كانت محرمة عليه وعلى آله، لكنه راعى الاحتمال البعيد، والاحتمالات في الصور التي ذكرتم ليس بأبعد من هذا الاحتمال، فما وجه الانفصال؟ [قلنا]: لا نسلّم أن ما توقعه النبيّ -ﷺ- كان بعيدًا؛ لأنهم كانوا يأتون بصدقات التَّمر للمسجد، وحجرته متصلة بالمسجد، فتوقع أن يكون صبيّ أو من يغفل عن ذلك يدخل التمرة من الصدقة في البيت، فاتقى ذلك؛ لِقُربه بحسب ما ظهر له مِمَّا قرب ذلك التقدير، وليس من تلك الصور في شيء؛ لأنها خلية عن الأمارات، وإنما هي محض تجويزات. وأما إن كان ذلك التجويز له مستند معتبر بوجه ما، فالأصل العمل بالراجح، والورع الترك إن لم يلزم منه ترك العمل بترك بالراجح. وبيانه بالمثال، وهو: أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ في مشهور مذهب مالك، فلا يجوز أن يستعمل في شيء من المائعات؛ لأنها تَنْجَس إلا الماء وحده، فإنه يدفع النجاسة عن نفسه؛ لأنه لا ينجس إلا إذا تغيَّر، هذا الذي ترجَّح عنده، ثم إنه اتقى الماء في خاصة نفسه. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نقله القرطبيّ ﵀ من أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ خلاف السنة الصحيحة الصريحة: «أيما إهاب دُبغ، فقد طهُر» ، فلا يُلتَفت إليه، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: ونحو ذلك حُكي عن أبي حنيفة أو سفيان الثوريّ أنه قال: لَأَنْ أخرَّ من السَّماء أهون عليَّ من أن أفتي بتحريم قليل النبيذ، وما شربته قط، ولا أشربه، فقد أعملوا الراجح في الفتيا، وتورعوا عنه في أنفسهم، وقد قال بعض المحققين: من حكم الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام، ويضيق على نفسه؛ يعني به ذلك المعنى. ومنشأ هذا الورع الالتفات إلى مكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح، وهذا الالتفات ينشأ من القول: بأن المصيب واحد، وهو مشهور قول مالك، ومنه مثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف، كما بينَّاه في الأصول، غير أن تلك التجويزات المعتبرة -وإن كانت مرجوحة- فهي على مراتب في القرب والبعد، والقوة والضعف، وذلك بحسب الموجب لذلك الاعتبار، فمنها ما يوجب حزازة في قلب المتقي، ومنها ما لا يوجب ذلك، فمن لم يجد ذلك، فلا ينبغي له أن يتوقف؛ لأنه يلتحق ذلك بالقسم الأول عنده، ومن وجد ذلك توقف وتورَّع وإن أفتا المفتون بالرَّاجح؛ لقوله -ﷺ-: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس» ، وهنا يصدق قولهم : استفت قلبك وإن أفتوك، لكن هذا إنما يصحّ ممن نوَّر الله قلبه بالعلم، وزيَّن جوارحه بالورع، بحيث يجد للشبهة أثرًا في قلبه، كما يحكى عن كثير من سلف هذه الأمَّة، كما نقل عنهم في «الحلية» و«صفة الصفوة»، وغيرهما من كتب ذلك الشأن. وأما إن لم يترجح الفعل على الترك، ولا الترك على الفعل، فهذا هو الأحق باسم الشبهة، والمتشابه؛ لأنه قد تعارضت فيه الأشباه، فهذا النوع يجب فيه التوقف إلى الترجيح؛ لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان حكم بغير دليل، فيحرم؛ إذ لا دليل مع التعارض، ولعل الذي قال: إن الإقدام على الشبهة حرام؛ أراد هذا النوع، والذي قال: إن ذلك مكروه؛ أراد النوع الذي قبل هذا، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ) قال في «الفتح»: فيها أيضًا ما تقدّم من اختلاف الرواة (وَقَعَ فِي الْحَرَامِ) قال التوربشتيّ ﵀: الوقوع في الشيء السقوط فيه، وكلّ سقوط شديد يُعبّر عنه بذلك، وإنما قال: «وقع في الحرام» تحقيقًا لمداناته الوقوع، كما يقال: من أتبع نفسه هواها، فقد هلك. وقال الأشرف ﵀: إنما قال: «وقع في الحرام»، ولم يقل: يوشك أن يقع تحقيقًا لمداناة الوقوع، كما يقال: من أتبع نفسه هواها، فقد هلك. = في «مسنده» ٤/ ٢٢٨ عن وابصة الأسديّ، قال: أتيت رسول الله -ﷺ-، وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البرّ والإثم إلا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين، يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله -ﷺ-، فقلت: دعوني، فأدنوَ منه، فإنه أحب الناس إليّ أن أدنو منه، قال: «دعوا وابصة، ادن يا وابصة» مرتين، أو ثلاثًا، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، فقال: «يا وابصة أخبرك، أو تسألني؟» قلت: لا، بل أخبرني، فقال: «جئت تسألني عن البرّ والإثم»، فقال: نعم، فجمع أنامله، فجعل ينكت بهن في صدري، ويقول: «يا وابصة استفت قلبك، واستفت نفسك -ثلاث مرات- البرّ ما اطمأنّت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس، وأفتوك»، وهو حديث حسن لغيره، كما قال الشيخ الألبانيّ ﵀ في «صحيح الترغيب والترهيب». قال الطيبيّ ﵀: ولعلّ السرّ فيه أن حِمَى الأملاك حدوده محسوسة، يُدركها كل ذي بصر، فيحترز أن يقع فيه، اللهمّ إلا أن يغفل، أو تغلبه الدابّة الْجَمُوح، وأما حِمى ملك الأملاك، وهو محارمه، فمعقول صِرْفٌ، لا يدركه إلا الألبّاء من ذوي البصائر، كما قال -ﷺ-: «لا يعلمهنّ كثير من الناس» يحسب أحدهم أنه يرتع حول الحمى -يعني الشبهات- إذا هو في وسط محارمه، ومن ثَمّ ورد النهي في التنزيل عن القربان منها في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ لأن قربانها هو الوقوع فيها. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وقع في الحرام» وذلك يكون بوجهين: [أحدهما]: أن من لم يتق الله تعالى، وتجرَّأ على الشبهات، أَفْضَتْ به إلى المحرمات بطريق اعتياد الجرأة، والتساهل في أمرها، فيحمله ذلك على الجرأة على الحرام المحض؛ ولهذا قال بعض المتقين: الصغيرة تجر إلى الكبيرة، والكبيرة تجر إلى الكفر، ولذلك قال -ﷺ-: «المعاصي بريد الكفر» ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]. [وثانيهما]: أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه، لفقدان نور العلم، ونور الورع، فيقع في الحرام، ولا يشعر به، وإلى هذا النور الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]، وإلى ذلك الإظلام الإشارة بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. انتهى . (كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى) قال الطيبيّ ﵀: «الحمى» هو المرعى الذي حماه الإمام، ومنع من أن يُرعَى فيه، وشبّه المحارم من حيث إنها ممنوعة الوقوع فيها، والتخطّي لحدودها، واجبة التجنّب عن جوانبها وأطرافها بحِمَى السلطان، وكما يَحتاط الراعي، ويتحرّز عن مقاربة الحمى؛ حَذَرًا عن أن تتخطّاه ماشيته، فيَتعرّض لسخط السلطان، ويستوجب تأديبه، ينبغي أن يتورعّ المكلّف عن الشبهات، ويتجنّب عن مقاربتها، كيلا يقع في المحارم، ويستحقّ به السخط العظيم، والعذاب الأليمِ، ولَمّا كان التورعّ، والتهتّك مما يتبع ميلان القلب إلى الصلاح والفجور، نبّه على ذلك بقوله: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه»؛ ليُقبل المكلّف عليه، فيُصلحه، وَيمنعه عن الانهماك في الشهوات، والإسراع إلى تحصيل المشتهيات، حتى لا يتبادر إلى الشبهات، ولا يستعمل جوارحه في اقتراف المحرّمات. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ ، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: هذا مَثَلٌ ضربه النبيّ -ﷺ- لمحارم الله تعالى، وأصله: أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصّة بها، وتُحرَّجُ بالتوعد بالعقوبة على من قربها، فالخائف من عقوبة السلطان يَبْعُد بماشيته من ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع فيه، وإن أكثر الحذر؛ إذ قد تنفرد الفاذّة، وتشذّ الشاذّة، ولا تنضبط، فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يَأْمَن فيها من وقوع الشاذة والفاذّة، وكذلك محارم الله تعالى، لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها على الطريقتين المتقدمتين. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «كراعِ يرعى … إلخ» جملة مستأنفة، وردت على سبيل التمثيل؛ للتنبيه بالشاهد على الغائب، والحمى: الْمَحْمِيّ، أُطلق المصدر على اسم المفعول، وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة، وهي أن ملوك العرب كانوا يَحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثّل لهم النبيّ -ﷺ- بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يَبْعُد عن ذلك الحمى؛ خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبُعْدُهُ أسلم له، ولو اشتدّ حَذَرُهُ، وغير الخائف المراقب يقرب منه، وَيرْعَى من جوانبه فلا يأمن أن تنفرد الفاذّة، فتقع فيه بغير اختياره، أو يمحل المكان الذي هو فيه، ويقع الْخِصب في الحمى، فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله سبحانه وتعالي هو الملك حقًّا، وحِماه محارمه. [تنبيه]: قال الحافظ ﵀: ادَّعَى بعضهم أن التمثيل من كلام الشعبيّ، وأنه مدرج في الحديث، حَكَى ذلك أبو عمرو الداني، ولم أقف على دليله إلا ما وقع عند ابن الجارود، والإسماعيليّ من رواية ابن عون، عن الشعبيّ، قال ابن عون في آخر الحديث: لا أدري المثل من قول النبيّ -ﷺ-، أو من قول الشعبيّ؟ قال الحافظ: وتردُّد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مُدرجًا؛ لأن الإثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يَقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرواة، كأبي فَرْوة، عن الشعبيّ لا يقدح فيمن أثبته؛ لأنهم حُفّاظ. قال: ومما يقوِّي عدم الإدراج رواية ابن حبان الماضية، وكذا ثبوت المثل مرفوعًا في رواية ابن عباس، وعمار بن ياسر أيضًا. انتهى . (يُوشِكُ) بكسر الشين المعجمة، مضارع أوشك، يقال: يوشك أن يكون كذا، وهي من أفعال المقاربة، والمعنى: الدنوّ من الشيء، قال الفارابيّ: الإيشاك: الإسراع، وقال النحاة: استعمال المضارع أكثر من الماضي، واستعمال اسم الفاعل منها قليل، وقال بعضهم: وقد استعملوا ماضيًا ثلاثيًّا، فقالوا: وَشُكَ، مثلُ قَرُبَ وُشْكًا، أفاده الفيّوميّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: معنى «يوشك» هنا: يقع في الحرام بسرعة. (أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ) بفتحٍ حرف المضارعة، والتاء، مضارع رَتَعَ، يقال: رَتَعَت الماشية رَتْعًا، من باب نفعَ، ورُتُوعًا: رَعَتْ كيف شاءت، وأرتع الغيثُ إرتاعًا: أنبت ما ترتع فيه الماشية، فهو مُرتِعٌ، والماشية راتعةٌ، والجمع رِتَاع بالكسر، والْمَرْتَع بالفتح: موضع الرتوع، والجمع المراتع، قاله الفيّوميّ ﵀ . (ألَا) أداة استفتاح وتنبيه، وقال الطيبيّ ﵀: «ألا» مركبّة من همزة الاستفهام، وحرف النفي؛ إعطاء معنى التنبيه على تحقّق ما بعدها. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ألا» للتنبيه على صحة ما بعدها، وفي إعادتها وتكريرها دليل على عِظَم شأن مدلولها. انتهى. (وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ) وفي رواية للبخاريّ: «ألا إن حمى الله في أرضه محارمه»، قال في «الفتح»: والمراد بالمحارم فعل المنهيّ المحرّم، أو ترك المأمور الواجب، ولهذا وقع في رواية أبي فَرْوة التعبير بالمعاصي بدل المحارم. انتهى . (ألَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً) أي: قَدْرَ ما يُمْضَغ، وعَبّر بها هنا عن مقدار القلب في الرؤية، وسُمِّي القلبُ قلبًا؛ لتقلبه في الأمور، أو لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل شيء قلبه، أو لأنه وُضِع في الجسد مقلوبًا، قاله في «الفتح». وقال القرطبيّ ﵀: المضغة: القطعة من اللحم، وهي قدر ما يَمضغه الماضغ، يعني بذلك صغير جرمها، وعظيم قدرها. انتهى . (إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) قال القرطبيّ ﵀: رَوَيناه بفتح العين في الماضي، ومضارعُه يصح بضمها، وكذلك مقابلها، وهي فسد، يفسد، ومعناه: إذا صارت تلك المضغة ذات صلاح أو ذات فساد، وقد يقال: صَلُح، وفَسُد -بضم العين فيهما-: إذا صار الصلاح أو الفساد هيئة لازمة لها، كما يقال: ظَرُف، وشَرُف. انتهى. وقال في «الفتح»: قوله: «إذا صلحت، وإذا فسدت» هو بفتح عينهما، وتضمّ في المضارع، وحَكَى الفرّاء الضمّ في ماضي صَلُح، وهو يُضَمّ وفاقًا إذا صار له الصلاح هيئة لازمة لشرف ونحوه، والتعبير بـ «إذا»؛ لتحقق الوقوع غالبًا، وقد تأتي بمعنى «إِنْ» كما هنا، وخَصَّ القلبَ بذلك؛ لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحثّ على صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرًا فيه، والمراد: المتعلق به من الفهم الذي ركبه الله فيه. ويُسْتَدَلّ به على أن العقل في القلب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ﴾ [الحجّ: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] قال المفسرون: أي عقل، وعبّر عنه بالقلب؛ لأنه محل استقراره. [فائدة]: قال في «الفتح»: لم تقع هذه الزيادة التي أوّلها: «ألا وإن في الجسد مضغةً» إلا في رواية الشعبيّ، ولا هي في أكثر الروايات عن الشعبيّ، إنما تفرد بها في «الصحيحين» زكريا بن أبي زائدة عنه، وتابعه مجاهد عند أحمد، ومغيرة وغيره عند الطبرانيّ، وعَبَّر في بعض رواياته عن الصلاح والفساد بالصحة والسقم، ومناسبتها لِمَا قبلها بالنظر إلى أن الأصل في الاتّقاء والوقوع هو ما كان بالقلب؛ لأنه عماد البدن. انتهى . وقوله: (ألَا وَهِيَ الْقَلْبُ) قال القرطبي ﵀: هذا اللفظ في الأصل مصدر قَلَبْتُ الشيءَ، أقلبه قلبًا: إذا رددته على بدأته، وقَلَبتُ الإناءَ: إذا رددته على وجهه، وقلبتُ الرَّجُلَ عن رأيه: إذا صرفته عنه، وعن طريقه كذلك، ثم نُقِل هذا اللفظ، فسُمِّي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان؛ لسرعة الخواطر فيه، ولترددها عليه، وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى فقال [من البسيط]: مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلُّبِهِ … فَاحْذَرْ عَلَى الْقَلْبِ من قَلْبٍ وتَحْوِيلِ ثم لما نَقَلت العرب هذا المصدر لهذا العضو التَزَمَت فيه تفخيم قافه؛ تفريقًا بينه وبين أصله، وليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم، وما يعقلها إلا كل ذي فهم مستقيم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلبِهِ … وَالرَّأْيُ يَصْرِفُ بالإنْسَانِ أَطْوَارَا مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٤٠٨٧ و٤٠٨٨ و٤٠٨٩ و٤٠٩٠] (١٥٩٩)، و(البخاريّ) في «الإيمان» (٥٢) و«البيوع» (٢٠٥١)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٣٢٩ و٣٣٣٠)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٠٥)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٤١) و«الأشربة» (٨/ ٣٢٤) و«الكبرى» (٣/ ٤٦٨ و٤٦٩)، و(ابن ماجه) في «الفِتَن» (٣٩٨٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١٠٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٤٤٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩١٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٦٧ و٢٦٩ و٢٧٠ و٢٧١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٩٧ و٤٠١)، و(الدارميّ) في «مسنده» (٢/ ٢٤٥)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٥٥٥)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٣٧٣)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٢/ ٢١٩ و٢٢٢)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٤/ ٢٧٠ و٣٣٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٢١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٦٤ و٢٦٤) و«الصغرى» (١/ ١١٨) و«شعب الإيمان» (٥٧٤٠ و٥٧٤١ و٥٧٤٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٣١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الحثّ على الأخذ بالحلال، واجتناب الشبهات في الكسب. ٢ - (ومنها): بيان عظم موقع هذا الحديث، وأنه ذو شأن، ونباهة، فلذا قد توارد أكثر أئمة الحديث الذين خرّجوه على إيراده في «كتاب البيوع»؛ لأن الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله أيضًا تعلّق بالنكاح، وبالصيد، والذبائح، والأطعمة، والأشربة، وغير ذلك، من أبواب المعاملات، كما لا يخفى على من تأمّل ذلك. ٣ - (ومنها): بيان أن الحلال، والحرام بيّنان واضحان لكلّ من له علم بالنصوص الشرعيّة. ٤ - (ومنها): أن بين الحلال والحرام مرتبة ينبغي التنبّه لها، وأخذ الحذر منها، ألا وهي الشبهات، فعلى العاقل أن يُحاسب نفسه عندها، ويأخذ حذره منها، فإنه إذا أرخى العنان لنفسه فيها، جرّه ذلك إلى التجاوز إلى الحرام، فليتّق الله تعالى عند الشبهات، ليسهل عليه البعد عن المحرّمات، وإلا وقع في المهلكات. ٥ - (ومنها): ضرب المثل لإيضاح الأحكام. ٦ - (ومنها): أن من وقع في الشبهات، فقد عرّض دينه، وعرضه للطعن. ٧ - (ومنها): أن فيه تقسيمَ الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيح؛ لأن الشيء إما أن يُنصّ على طلبه مع الوعيد على تركه، أو يُنصّ على تركه، مع الوعيد على فعله، أو لا ينصّ على واحد منهما، فالأول الحلال البيّن، والثاني الحرام البيّن، فمعنى قوله: «الحلال بيَّن» أي: لا يحتاج إلى بيانه، ويشترك في معرفته كلّ أحد، والثالث: مشتبه؛ لخفائه، فلا يُدرى هل هو حلالٌ، أو حرامٌ، وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه؛ لأنه إن كان في نفس الأمر حرامًا، فقد برئ من تبعتها، وإن كان حلالًا، فقد أُجر على تركها بهذا القصد؛ لأن الأصل في الأشياء مختلف فيه حظرًا، وإباحةً، والأوّلان قد يَرِدان جميعًا، فإن عُلم المتأخّر منهما، وإلا فهو من حيّز القسم الثالث، قاله في «الفتح» . ٨ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز الجرح والتعديل، قاله البغويّ في «شرح السنّة». ٩ - (ومنها): أن بعضهم استنبط منه منع إطلاق الحلال والحرام على ما لا نصّ فيه؛ لأنه من جملة ما لم يستبن، لكن قوله -ﷺ-: «لا يعلمها كثير من الناس» يُشعر بأن منهم من يعلمها، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم من التنويه بشأن هذا الحديث: قال النوويّ ﵀: أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث: «الأعمال بالنيّات»، وحديث: «لا يؤمن أحدكم حتّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه»، وقيل: حديث: «ازهد في الدنيا يُحبّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبّك الناس»، قال العلماء: وسبب عظم موقعه أنه -ﷺ- نبّه فيه على إصلاح المطعم، والمشرب، والملبس، وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذّر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بيّن أهمّ الأمور، وهو مراعاة القلب، فقال -ﷺ-: «ألا إن في الجسد مضغة» إلخ، فبيّن -ﷺ- أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه. انتهى«. وقال القاضي عياض ﵀: رُوي عن أبي داود السجستانيّ، قال: كتبت عن رسول الله -ﷺ- خمسمائة ألف حديث، الثابت منها أربعة آلاف حديث، وهي ترجع إلى أربعة أحاديث: قوله -ﷺ-:«إنما الأعمال بالنيّات»، وقوله:«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقوله:«الحلال بيّن، والحرام بيّن»، وقوله:«لا يكون المرء مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه»، وروي مكان هذا:«ازهد في الدنيا يحبّك الله»الحديث، قال: وقد نظم هذا أبو الحسن طاهر بن مفوّز في بيتين، فقال [من الخفيف]: عُمْدَةُ الدّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ … مُسْنَدَات مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيهْ اتْرُكِ الْمُشْبَهَاتِ وَازْهَدْ وَدَعْ مَا … لَيْسَ يَعْنِيكَ وَاعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ وقال في«الفتح»، ما حاصله: وقد عظّم العلماء أمر هذا الحديث، فعَدُّوه رابع أربعة، تدور عليها الأحكام، كما نُقل عن أبي داود، وفيه البيتان المشهوران، قال: والمعروف عن أبي داود، عَدُّ:«ما نهيتكم عنه فاجتنبوه»الحديث، بدل:«ازهد فيما في أيدي الناس»، وجعله بعضهم ثالثَ ثلاثة، حذف الثاني، وأشار ابن العربي إلى أنه يُمكن أن ينتزع منه وحده، جميع الأحكام، قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن تردّ جميع الأحكام إليه، والله المستعان. انتهى . وقال المازريّ ﵀: وإنما نبّه أهل العلم على عِظم هذا الحديث؛ لأن الإنسان إنما يعبد بطهارة قلبه وجسمه، فيكثر المذامّ المحظورات إنما تنبعث من القلب، وأشار -ﷺ- لإصلاحه، ونبّه على أن إصلاحه هو إصلاح الجسم، وأنه الأصل، وهذا صحيح، يؤمن به حتّى من لا يؤمن بالشرع، وقد نصّ عليه الفلاسفة، والأطبّاء، والأحكام، والعبادات آلة يتصرّف الإنسان عليها بقلبه وجسمه فيها، يقع في مشكلات، وأمور ملتبسات، تكسب التساهل فيها، وتعويد النفس الجراءة عليها، وتكسب فساد الدين والعرض، فنبّه -ﷺ- على توقّي هذه، وضرب لها مثلًا محسوسًا؛ لتكون النفس له أشدّ تصوّرًا، والعقل أعظم قبولًا، فأخبر أن الملوك لهم أحمية، وكانت العرب تعرضي الجاهليّة أن العزيز فيهم يحمي مُرُوجًا، وأفنيةً، ولا يتجاسر عليها، ولا يدنو منها أحدٌ مهابةً من سطوته، وخوفًا من الوقوع في حوزته، وهكذا محارم الله سبحانه وتعالي مَنْ تَرَك منها ما قرب، فهو من توسطها أبعد، ومن تحامى طرف النهي أُمن عليه أن يتوسّط، ومن قرب توسّط. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم في كلام القاضي وغيره، ما نصّه: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة ﵏ أجمعين حسن، غير أنهم لو أمعنوا النظر في هذا الحديث كلّه من أوّله إلى آخره لوجدوه متضمّنًا لعلوم الشريعة كلّها، ظاهرها وباطنها، وإن أردت الوقوف على ذلك، فأعد النظر فيما عقدناه من الجمل في الحلال والحرام، والمتشابهات، وما يُصلح القلوب، وما يُفسدها، وتعلّق أعمال الجوارح بها، وحينئذ يستلزم ذلك الحديث معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلّها، أصولها، وفروعها، والله هو المسؤول أن يستعملنا بما علّمنا، ويوفّقنا لما يرضى به عنّا، إنه وليّ ذلك، والقادر عليه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في قوله -ﷺ-: «الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس»: قال الحافظ ابن رجب ﵀: معناه: أنَّ الحلال المحض بَيِّنٌ لا اشتباه فيه، وكذلك الحرامُ المحضُ، ولكن بين الأمرين أمورٌ تشتبه على كثيرٍ من الناس، هل هي من الحلال أم من الحرام؟ وأما الرَّاسخون في العلم، فلا يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون من أيِّ القسمين هي. فأما الحلالُ المحضُ: فمثل أكلِ الطيبات من الزروع، والثمار، وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباسِ ما يحتاج إليه من القطن والكتَّان، أو الصوف أو الشعر، وكالنكاح، والتسرِّي وغير ذلك إذا كان اكتسابُه بعقدٍ صحيح كالبيع، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة. والحرام المحض: مثلُ أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الأكساب المحرَّمة كالرِّبا، والميسر، وثمن ما لا يحل بيعه، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب، أو تدليس، أو نحو ذلك. وأما المشتبه: فمثلُ أكل بعضِ ما اختلفَ في حلِّه أو تحريمهِ، إمَّا من الأعيان كالخيلِ والبغالِ والحميرِ، والضبِّ، وشربِ ما اختلف من الأنبذة التي يُسكِرُ كثيرُها، ولبسِ ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العِينة، والتورّق ، ونحو ذلك، وبنحو هذا المعنى فسَّرَ المشتبهات أحمدُ وإسحاق وغيرهما من الأئمة. وحاصلُ الأمر أنَّ الله تعالى أنزل على نبيّه -ﷺ- الكتاب، وبيّن فيه للأمة ما يحتاجُ إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] قال مجاهد وغيرُه: لكلِّ شيءٍ أُمِرُوا به، أو نُهوا عنه، وقال تعالى في آخر سورة النساء التي بَيَّنَ الله فيها كثيرًا من أحكام الأموال، والأبضاع: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، ووكل بيان ما أشكل من التنْزيل إلى الرسول -ﷺ-، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وما قُبض -ﷺ- حتّى أكمل له ولأُمته الدينَ، ولهذا أنزل عليه بعرفة قَبْلَ موته بمدة يسيرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال -ﷺ-: «تَركتُكُم على بَيضاءَ نقية، لَيلُها كنهارِها، لا يَزِيغُ عنها إلَّا هالِكٌ» . وقال أبو ذرٍّ -﵁-: توفي رسولُ الله -ﷺ-، وما طائِرٌ يُحرِّكُ جناحَيهِ في السَّماءِ إلَّا وقد ذَكَرَ لنا منه عِلمًا . ولمَّا شكَّ النَّاسُ في موته -ﷺ-، قال عمُّه العباس -﵁-: والله ما ماتَ رسولُ الله -ﷺ- حتّى تركَ السبيلَ نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلالَ وحرَّم الحرامَ، ونكَحَ وطلَّق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال يَخْبِطُ عليها العِضاةَ بمِخْبَطهِ، وَيمْدُرُ حوضَها بيده بأنصَب ولا أدأب من رسول الله -ﷺ- كانَ فيكُم . ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يُوافق قولُه الحقَّ، فيكون هو العالِم بهذا الحكم، وغيرُه يكون الأمر مشتبهًا عليه، ولا يكون عالمًا بهذا، فإنَّ هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهرُ أهلُ باطلها على أهلِ حقِّها، فلا يكونُ الحقُّ مهجورًا غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال رسول الله -ﷺ- في المشتبهات: «لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من النَّاس»، فدلّ على أنَّ من الناس من يعلمها، وإنَّما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء. وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر، وهو أنَّ مِن الأشياء ما يعلم سببُ حِلِّه وهو الملك المتيقن، ومنها ما يُعلم سببُ تحريمه وهو ثبوتُ ملك الغير عليه، فالأوَّل لا تزولُ إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهمَّ إلا في الأبضاع عندَ من يُوقعُ الطلاقَ بالشك فيه كمالكٍ، أو إذا غلب على الظن وقوعُه كإسحاق ابن راهويه، والثاني: لا يزول تحريمُه إلا بيقينِ العلم بانتقال الملك فيه. وأمَّا ما لا يُعلم له أصلُ مُلكٍ كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري: هل هو له أو لغيره؟ فهذا مشتبه، ولا يحرم عليه تناوُله؛ لأنَّ الظاهر أنَّ ما في بيته ملكُه لثبوت يده عليه، والورعُ اجتنابه، فقد قال النَّبيُّ -ﷺ-: «إنِّي لأنقلب إلى أهلي فأجدُ التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أنْ تكون صدقةً، فألقيها»، متّفقٌ عليه. فإنْ كان هناك من جنس المحظور، وشكَّ هل هو منه أم لا؟ قويت الشبهةُ، وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- أصابه أرقٌ من الليل، فقال له بعضُ نسائه: يا رسول الله أرقت الليلة، فقال: «إني كنتُ أصبتُ تمرة تحت جنبي، فأكلتُها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيتُ أنْ تكون منه» . ومن هذا أيضًا ما أصلهُ الإباحة كطهارة الماء، والثوب، والأرض إذا لم يتيقن زوال أصله، فيجوز استعمالُه، وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان، فلا يحلُّ إلا بيقين حلّه من التذكية والعقد، فإنْ تردَّد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فبنى عليه، فيبني فيما أصله الحرمة على التحريم، ولهذا نهى النَّبيُّ -ﷺ- عن أكل الصيدِ الذي يجدُ فيه الصائد أثر سهمٍ غير سهمه، أو كلبٍ غير كلبهِ، أو يجده قد وقع في ماء. متّفقٌ عليه، وعَلَّل بأنَّه لا يُدرى: هل مات من السبب المبيح له أو من غيره؟ فيرجع فيما أصله الحلُّ إلى الحِلِّ، فلا ينجسُ الماءُ والأرض والثوبُ بمجرّد ظنِّ النجاسة، وكذلك البَدَنُ إذا تحقق طهارته، وشكَّ: هل انتقضت بالحدث؟ عند جمهور العلماء خلافًا لمالك: إذا لم يكن قد دخل في الصلاة، وقد صحَّ عن النَبيِّ -ﷺ-: «أنَّه شُكي إليه الرجلُ يُخَيَّل إليه أنَّه يجد الشيءَ في الصلاة»، فقال: «لا ينصرف حتّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، متّفق عليه. وفي بعض الروايات: «في المسجد» بدل: «الصلاة». وهذا يعمُّ حالَ الصلاةِ وغيرها، فإنْ وُجِدَ سبب قويٌّ يغلب معه على الظنِّ نجاسة ما أصلُه الطهارة مثل أنْ يكونَ الثوبُ يلبسه كافر لا يتحرَّزُ من النجاسات، فهذا محلّ اشتباه، فمن العلماء من رخّص فيه أخذًا بالأصل، ومنهم من كرهه تنزيهًا، ومنهم من حرّمه إذا قوي ظن النجاسة مثل أنْ يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحتُه أو يكون ملاقيًا لعورته كالسراويل والقميص، وترجع هذه المسائل وشبهها إلى قاعدةِ تعارض الأصل والظاهر، فإنَّ الأصل الطهارة والظاهر النجاسة، وقد تعارضت الأدلَّةُ في ذلك. فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن الله أحلَّ طعام أهل الكتاب، وطعامهم إنَّما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم، وقد أجاب النَّبيُّ -ﷺ- دعوة يهودي، وكان هو وأصحابه يلبسون ويستعملون ما يُجلَب إليهم مما نَسَجَه الكفارُ بأيديهم من الثياب والأواني، وكانوا في المغازي يقتسمون ما وقع لهم من الأوعية والثياب، ويستعملونها، وصحَّ عنهم أنَّهم استعملوا الماء مِنْ مزادة مشركة، رواه البخاريّ. وقد فسَّر الإمام أحمد الشبهة بأنَّها منْزلةٌ بينَ الحلال والحرام، يعني: الحلالَ المحض والحرام المحض، وقال: من اتَّقاها، فقد استبرأ لدينه، وفسَّرها تارةً باختلاط الحلال والحرام. ويتفرَّعُ على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإنْ كان أكثرُ ماله الحرامَ، فقال أحمد: ينبغي أنْ يجتنبه إلا أنْ يكونَ شيئًا يسيرًا، أو شيئًا لا يُعرف، واختلف أصحابه: هل هو مكروه أو محرَّم؟ على وجهين. وإنْ كان أكثرُ ماله الحلال، جازت معاملته والأكلُ من ماله، وقد روى الحارث عن عليِّ أنَّه قال في جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يُعطيكم من الحلال أكثر مما يُعطيكم من الحرام، وكان النبي -ﷺ- وأصحابه يُعاملون المشركين وأهلَ الكتاب مع علمهم بأنَّهم لا يجتنبون الحرامَ كلَّه. وإنْ اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركُه. قال سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إليَّ. وقال الزُّهريُّ ومكحول: لا بأس أنْ يؤكل منه ما لم يعرف أنَّه حرامٌ بعينه، فإنْ لم يُعلم في ماله حرام بعينه، ولكنه علم أنَّ فيه شبهةٌ، فلا بأس بالأكل منه، نصَّ عليه أحمد في رواية حنبل. وذهب إسحاق ابنُ راهويه إلى ما رُوي عن ابن مسعود وسلمانَ وغيرِهما منَ الرُّخصة، وإلى ما رُوي عَنِ الحسنِ وابنِ سيرين في إباحةِ الأخذ مما يقضي من الرِّبا والقمار، نقله عنه ابنُ منصور. وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إنْ كان المالُ كثيرًا، أخرج منه قدرَ الحرام، وتصرَّف في الباقي، وإنْ كان المالُ قليلًا، اجتنبه كلَّه، وهذا لأنَّ القليل إذا تناول منه شيئًا، فإنَّه تَبْعُدُ معه السلامةُ من الحرام بخلاف الكثير، ومن أصحابه مَنْ حَمَل ذلك على الورع دُون التَّحريم، وأباح التصرُّف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قولُ الحنفيَّة وغيرهم، وأخذ به قومٌ مِنْ أهل الورع منهم بشرٌ الحافي. ورخَّص قومٌ من السَّلف في الأكل ممن يُعلم في ماله حرام ما لم يُعلم أنّه من الحرام بعينه، كما تقدَّم عن مكحولٍ والزُّهريِّ، وروي مثلُه عن الفُضيل بن عياض. وروي في ذلك آثارٌ عن السَّلف، فصحَّ عن ابن مسعود أنَّه سُئِلَ عمَّن له جارٌ يأكلُ الرِّبا علانية ولا يتحرَّجُ من مالٍ خبيثٍ يأخُذُه يدعوه إلى طعامه، قال: أجيبوهُ، فإنَّما المَهْنأ لكم والوِزْرُ عليه ، وفي رواية أنَّه قال: لا أعلمُ له شيئًا إلّا خبيثًا أو حرامًا، فقال: أجيبوه، وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود، ولكنَّه عارضه بما رُوي عنه أنَّه قال: الإثم حَوَازُّ القلوب . وروي عن سلمان مثلُ قولِ ابنِ مسعود الأول ، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومُورِّق العِجْليّ، وإبراهيم النَّخعيّ، وابنِ سيرين وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في كتاب «الأدب» لحُمَيد ابن زَنجويه، وبعضها في كتاب «الجامع» للخلال، وفي مصنَّفَي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم. ومتى علم أنَّ عينَ الشيء حرامٌ، أُخِذَ بوجه محرم، فإنَّه يحرم تناولُه، وقد حَكى الإجماعَ على ذلك ابنُ عبد البرِّ وغيرُه، وقد رُوي عن ابن سيرين في الرجل يُقضى من الربا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يُقضى من القمار قال: لا بأس به، خرَّجه الخلال بإسناد صحيح، ورُوي عن الحسن خلاف هذا، وأنَّه قال: إنَّ هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها شبه المضطَر. وعارض المروي عن ابن مسعود وسلمان، ما روي عن أبي بكر الصدِّيق أنَّه أكل طعامًا ثم أُخبر أنَّه من حرام، فاستقاءه . وقد يقع الاشتباه في الحكم، لكون الفرع متردِّدًا بين أصول تجتذبهُ، وقوله: «حواز القلوب»: رواه شمر بتشديد الواو، من حاز يحوز، أي: يجمع القلوب ويغلب عليها، والمشهور بتشديد الزاي، وهو المشهور عند المحدّثين: جمع حازة، وهي الأمور التي تَحُزُّ في القلوب وتَحُكُّ وتؤثر. انظر: «النهاية» ١/ ٤٥٩، «تاج العروس» ١٥/ ١٢٥ (حرز). كتحريم الرجل زوجته، فإنَّ هذا متردِّد بين تحريم الظهار الذي ترفعه الكفَّارةُ الكبرى، وبين تحريم الطَّلقة الواحدة بانقضاء عدتها الذي تُباحُ معه الزوجة بعقدٍ جديدٍ، وبين تحريم الطَّلاق الثلاث الذي لا تُباح معه الزوجةُ بدون زوج وإصابة، وبين تحريم الرجل عليه ما أحلَّه الله له مِنَ الطَّعام والشراب الذي لا يحرمه، وإنَّما يُوجب الكفَّارة الصُّغرى، أو لا يُوجب شيئًا على الاختلاف في ذلك، فمن ها هنا كَثُرَ الاختلافُ في هذه المسألة في زمن الصحابة فمن بعدهم. وبكل حال فالأمور المشتبهة التي لا تتبين أنَّها حلال ولا حرام لكثير من الناس، كما أخبر به النَّبيُّ -ﷺ-، قد يتبيَّنُ لبعضِ النَّاس أنَّها حلال أو حرام، لِمَا عِنده مِنْ ذلك من مزيدِ علمٍ، وكلام النَّبيِّ -ﷺ- يدلُّ على أنَّ هذه المشتبهات مِنَ النَّاسِ من يعلمُها، وكثيرٌ منهم لا يعلمها، فدخل فيمن لا يعلمها نوعان: [أحدهما]: من يتوقَّف فيها؛ لاشتباهها عليه. [والثاني]: من يعتقدُها على غيرِ ما هي عليه، ودل كلامُه على أنَّ غير هؤلاء يعلمها، ومرادُه أنَّه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أنَّ المصيبَ عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلفِ فيها واحدٌ عند الله -ﷺ-، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى أنَّه غيرُ مصيب الحاكم الله فيها في نفس الأمر، وإنْ كان يعتقدُ فيها اعتقادًا يستندُ فيه إلى شبهة يظنُّها دليلًا، ويكون مأجورًا على اجتهاده، ومغفورًا له خطؤه لعدم اعتماده. انتهى كلام ابن رجب ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فيما يتعلّق بقوله -ﷺ-: «فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه»: قال الحافظ ابن رجب ﵀: قسَّم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنَّما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو ممن لا يعلمها، فأمَّا مَنْ كان عالمًا بها، واتَّبع ما دلَّه علمهُ عليها، فذلك قسمٌ ثالثٌ، لم يذكره لظهور حكمه، فإنَّ هذا القسم أفضلُ الأقسام الثلاثةِ؛ لأنَّه عَلِمَ حكمَ الله في هذه الأمور المشتبهة على النَّاس، واتَّبع علمَه في ذلك. وأما من لم يعلم حكم الله فيها، فهم قسمان: [أحدهما]: من يتقي هذه الشبهات؛ لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه. وفي روايةٍ للترمذيّ في هذا الحديث: «فمن تركها استبراءً لدينه وعرضه، فقد سَلِمَ»، والمعنى: أنَّه يتركُها بهذا القصد -وهو براءةُ دينه وعرضه من النقص- لا لغرضٍ آخر فاسدٍ من رياءٍ ونحوه. وفيه دليل على أنَّ طلب البراءة للعرض ممدوحٌ كطلب البراءة للدَّين، ولهذا ورد: «أنَّ ما وقى به المرءُ عِرضَه، فهو صدقةٌ» . وفي رواية في «الصحيحين» في هذا الحديث: «فمن ترك ما يشتبه عليه مِنَ الإثمِ، كان لما استبانَ أتركَ» يعني: أنَّ من ترك الإثمَ مع اشتباهه عليه، وعدم تحققه، فهو أولى بتركه إذا استبان له أنَّه إثمٌ، وهذا إذا كان تركه تحرُّزًا من الإثم، فأمَّا من يَقصِدُ التصنعَ للناسِ، فإنَّه لا يتركُ إلا ما يَظُنُّ أنَّه ممدوحٌ عندهم تركُهُ. [القسم الثاني]: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهةً عنده، فأمَّا مَنْ أتى شيئًا مما يظنُّه الناس شبهةً، لعلمه بأنَّه حلال في نفس الأمر، فلا حَرَج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشيَ من طعن الناس عليه بذلك، كان تركُها حينئذ استبراءً لعرضه، فيكون حسنًا، وهذا كما قال النَّبيُّ -ﷺ- لمن رآه واقفًا مع صفية: «إنَّها صفيَّةُ بنتُ حُيى»، متفقٌ عليه. وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى الناسَ قد صلّوا ورجعوا، فاستحيى، ودخل موضعًا لا يراهُ النَّاس فيه، وقال: «من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله»، وخرّجه الطبراني مرفوعًا، ولا يصحُّ . وإنْ أتى ذلك لاعتقاده أنَّه حلال، إمَّا باجتهادٍ سائغٍ، أو تقليدٍ سائغٍ، وكان مخطئًا في اعتقاده، فحكمهُ حكمُ الذي قبلَه، فإنْ كان الاجتهادُ ضعيفًا، أو التقليدُ غيرَ سائغٍ، وإنَّما حمل عليه مجرّد اتباع الهوى، فحكمُهُ حكمُ من أتاه مع اشتباهه عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، فقد أخبر عنه النَّبيُّ -ﷺ- أنَّه وقع في الحرام، وهذا يفسَّر بمعنيين: [أحدهما]: أنْ يكونَ ارتكابُهُ للشبهة مع اعتقاده أنَّها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنَّه حرام بالتدريج والتسامح، وفي رواية في «الصحيحين» لهذا الحديث: «ومن اجترأَ على ما يشكُّ فيه مِنَ الإثمِ، أوْشَكَ أنْ يُواقِعَ ما استبانَ»، وفي رواية: «ومَنْ يُخالطِ الرِّيبةَ، يوشِكُ أن يَجْسُرَ» أي: يَقرُب أنْ يُقْدِم على الحرام المحضِ، والْجَسورُ: المقدام الذي لا يهابُ شيئًا، ولا يُراقب أحدًا، ورواه بعضهم: «يجشُر» بالشِّين المعجمة؛ أي: يرتع، والجَشْر: الرَّعْيُ، وجَشَرتُ الدابة: إذا رعيتها، وفي مراسيل أبي المتوكل الناجيّ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: «مَنْ يرعى بجنباتِ الحرامِ، يوشكُ أنْ يخالطهُ، ومن تهاون بالمحقِّرات، يُوشِكُ أنْ يُخالِطَ الكبائر» . [والمعنى الثاني]: أنَّ من أقدم على ما هو مشتبهٌ عنده، لا يدري: أهو حلالٌ أو حرام، فإنَّه لا يأمن أنْ يكون حرامًا في نفس الأمر، فيُصادِفُ الحرام وهو لا يدري أنَّه حرامٌ. وقد رُوي من حديث ابن عمر عنِ النَّبيِّ -ﷺ-. قال: «الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيَّن وبينهما مُشتبهاتٌ، فمن اتَّقاها، كان أنزَه لدينِهِ وعِرضه، ومن وقعَ في الشُّبهَاتِ أوشَكَ أنْ يقع في الحَرامِ، كالمرتع حَولَ الحِمى، يُوشِكُ أنْ يُواقعَ الحِمى وهو لا يشعر»، خرَّجه الطبراني وغيره. واختلف العلماء: هل يُطيع والديه في الدُّخول في شيءٍ من الشُّبهة أم لا يُطيعهما؟ فرُوي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشُّبهةِ، وعن محمد بن مقاتل العبَّادانيِّ قال: يُطيعهما، وتوقف أحمد في هذه المسألة، وقال: يُداريهما، وأبى أنْ يُجيبَ فيها. وقال أحمد: لا يشبعُ الرَّجل مِنَ الشُّبهة، ولا يشتري الثوبَ للتَجمُّل من الشبهة، وتوقف في حدِّ ما يُؤكل وما يُلبس منها، وقال في التَّمرة يلقيها الطيرُ: لا يأكلها، ولا يأخذها، ولا يتعرَّضُ لها. وقال الثوريّ في الرجل يجد في بيته الأفلُسَ أو الدَّراهِم: أحبُّ إليَّ أنْ يتنزّه عنها، يعني: إذا لم يدرِ من أين هي، وكان بعضُ السَّلف لا يأكلُ إلا شيئًا يعلمُ من أينَ هو، ويسأل عنه حتى يقفَ على أصله، وقد رُويَ في ذلك حديثٌ مرفوعٌ، إلا أنَّ فيه ضعفًا ، ذكر ذلك كلّه ابن رجبّ ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في قوله -ﷺ-: «كالرَّاعي يرعى حولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يرتَعَ فيه، ألا وإنَّ لكل ملكٍ حِمى، وإنَّ حِمى اللهِ محارمه»، قال ابن رجب ﵀: هذا مَثَلٌ ضربه النَّبيُّ -ﷺ- لمن وقع في الشبهات، وأنَّه يقرُب وقوعه في الحرام المحض، وفي بعض الروايات أنَّ النبي -ﷺ- قال: «وسأضرب لذلك ذكره الهيثمي في«المجمع»١٠/ ٢٩١ قال:«وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف»، وقال الذهبي في«تلخيص المستدرك»٤/ ١٢٦:«ابن أبي مريم واهٍ». مثلًا»، ثم ذكر هذا الكلامَ، فجعل النَّبيُّ -ﷺ- مثلَ المحرمات كالحِمى الذي تحميه الملوكُ، ويمنعون غيرهم من قُربانه، وقد جعل النَّبي -ﷺ- حول مدينته اثني عشر ميلًا حمى محرَّمًا لا يُقطعُ شجرُه ولا يُصادُ صيدُه، رواه مسلم، وحمى عمرُ وعثمان أماكنَ ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة، رواه البخاريّ. والله ﷿ حمى هذه المحرَّمات، ومنع عباده من قربانها وسمَّاها حدودَه، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] وهذا فيه بيان أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهم وما حرَّم عليهم، فلا يقربوا الحرامَ، ولا يتعدَّوا الحلال، ولذلك قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وجعل من يرعى حول الحمى، أو قريبًا منه جديرًا بأنْ يَدخُلَ الحِمى ويرتع فيه، فكذلك من تعدَّى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنَّه قد قارب الحرام غايةَ المقاربة، فما أخلقَهُ بأنْ يُخالِطَ الحرامَ المحضَ، ويقع فيه، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّه ينبغي التباعد عن المحرَّماتِ، وأنْ يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزًا. وقد خرّج الترمذيّ، وابن ماجه مِنْ حديثِ عبد الله بن يزيد، عن النَّبيِّ -ﷺ- قال: «لا يبلغُ العبدُ أنْ يكونَ من المتَّقين حَتّى يَدَعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأسٌ» . وقال أبو الدرداء: تمامُ التقوى أنْ يتقي الله العبدُ، حتّى يتقيَه مِنْ مثقال ذرَّة، وحتّى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلال، خشيةَ أنْ يكون حرامًا، حجابًا بينه وبينَ الحرام. وقال الحسنُ: ما زالتِ التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام. وقال الثوريّ: إنما سُمّوا المتقين؛ لأنَّهم اتَّقَوْا ما لا يُتَّقى، وروي عن ابن عمر قال: إنِّي لأحبُّ أنْ أدعَ بيني وبين الحرام سترةً من الحلال لا أخرقها. وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلالُ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال. وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبينَ الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدعَ الإثم وما تشابه منه. وَيَستدِلُّ بهذا الحديثِ مَنْ يذهب إلى سدِّ الذرائع إلى المحرَّمات وتحريم الوسائل إليها، وَيدُلُّ على ذلك أيضًا من قواعدِ الشَّريعة تحريمُ قليلِ ما يُسكر كثيرُه، وتحريمُ الخلوة بالأجنبية، وتحريمُ الصَّلاة بعد الصُّبح وبعدَ العصرِ سدًّا لذريعة الصَّلاة عند طُلوع الشَّمس وعندَ غروبها، ومنعُ الصَّائم من المباشرة إذا كانت تحرِّكُ شهوتَه، ومنع كثيرٍ من العلماءِ مباشرةَ الحائضِ فيما بين سرّتها ورُكبتها إلا مِنْ وراء حائلٍ، كما كان النَّبيُّ -ﷺ- يأمر امرأتَه إذا كانت حائضًا أنْ تَتَّزر، فيباشِرُها مِنْ فوق الإزار، متّفقٌ عليه. ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النَّبيُّ -ﷺ-: من سيَّب دابَّته ترعى بقُرْب زرع غيرِه، فإنَّه ضامن لما أفسدته من الزرع، ولو كان ذلك نهارًا، وكذا الخلاف لو أرسل كلبَ الصَّيدِ قريبًا من الحرم، فدخل الحرمَ فصاد فيه، ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل: يضمنه بكلِّ حال، ذكر هذا كلّه ابن رجب ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في قوله -ﷺ-: «ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب»، قال الحافظ ابن رجب ﵀: فيه إشارةٌ إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارحه، واجتنابه للمحرَّمات واتَّقاءه للشُّبهات بحسب صلاحِ حركةِ قلبِه. فإنْ كان قلبُه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرَّمات كلها، وتَوَقٍّ للشبهات حذرًا مِنَ الوقوعِ في المحرّمات. وإنْ كان القلبُ فاسدًا، قدِ استولى عليه اتباعُ هواه، وطلب ما يحبُّه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب. ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإنْ كان فاسدًا كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلّا القلبُ السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] وكان النَّبيُّ -ﷺ- يقول في دعائه: «اللهم إني أسألُكَ قلبًا سليمًا» ، فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله، وخشية الله، وخشية ما يُباعد منه. وفي «مسند الإمام أحمد» عن أنس، عن النَّبيِّ -ﷺ-، قال: «لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه» . والمراد باستقامة إيمانه: استقامةُ أعمال جوارحه، فإنَّ أعمالَ الجوارحِ لا تستقيمُ إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب: أنْ يكونَ ممتلئًا مِنْ محبَّةِ الله، ومحبَّة طاعته، وكراهة معصيته. وقال الحسن لرجل: داوِ قلبكَ؛ فإنَّ حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم، يعني: أنَّ مراده منهم ومطلوبه صلاحُ قلوبهم، فلا صلاحَ للقلوب حَتَّى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبّته وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليهِ، وتمتلئَ مِنْ ذَلِكَ، وهذا هوَ حقيقةُ التوحيد، وهو معنى «لا إله إلا الله»، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحبُّه وتخشاه هوَ الله وحده لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض، كما قالَ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فَعُلِم بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَمٍ العلويِ والسُّفليّ معًا حتى تكونَ حركاتُ أهلها كلُّها لله، وحركاتُ الجسدِ تابعة لحركةِ القلب وإرادته، فإنْ كانت حركتُه وإرادتُه لله وحدَه، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كلِّه، وإنْ كانت حركةُ القلب وإراداته لغيرِ الله تعالى فسدَ، وفسدت حركاتُ الجسد بحسب فسادِ حركة القلب. وروى الليثُ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] قال: لا تحبُّوا غيري. وفي «صحيح الحاكم» عن عائشة، عن النَّبيِّ -ﷺ- قال: «الشركُ أخفى من دبيب الذرِّ على الصفا في اللَّيلة الظَّلماء، وأدناهُ أنْ تُحِبَّ على شيءٍ من الجور، وأنْ تُبغض على شيءٍ من العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغض؟ قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]». فهذا يدلُّ على أنَّ محبةَ ما يكرهه الله، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي، ويدل على ذلك قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباعَ رسولِهِ، فدلَّ على أنَّ المحبة لا تتمُّ بدون الطاعة والموافقة. قال الحسن: قال أصحابُ النَّبيِّ -ﷺ-: يا رسول الله، إنّا نُحِبُّ ربنا حبًا شديدًا، فأحبَّ الله أنْ يجعل لحبِّه عَلَمًا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ومن هنا قال الحسن: اعلم أنَّك لن تُحِبَّ الله حتى تُحِبَّ طاعته. وسئل ذو النون: متى أُحِبُّ ربي؟ قالَ: إذا كانَ ما يُبغضه عندك أمرَّ من الصبر، وقال بشر بن السَّرِي: ليس من أعلام الحبّ أنْ تُحبَّ ما يُبغِضُه حبيبك، وقال أبو يعقوب النهرجوري: كلُّ من ادَّعى محبة الله ﷿، ولم يُوافق الله في أمره ونهيه، فدعواه باطل. وقال رُويم: المحبة: الموافَقة في كل الأحوال، وقال يحيى بنُ معاذ: ليس بصادقٍ من ادَّعى محبة الله ولم يحفظ حدوده، وعن بعض السَّلف قال: قرأتُ في بعض الكتب السالفة: من أحبَّ الله لم يكن عنده شيء آثرَ من رضاه، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه. وفي «السنن» عن النَّبيِّ -ﷺ- قال: «مَنْ أعطى للهِ، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل الإيمان» ، ومعنى هذا أنَّ حركات القلب والجوارح إذا كانت كلَّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه، وعما يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه، وإنْ لم يتيقن ذلك. قال الحسن: ما نظرتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي حتّى أنظر على طاعةٍ أو على معصية، فإنْ كانت طاعةٌ تقدمت، وإنْ كانت معصية تأخَّرت. وقال محمد بن الفضل البَلخيّ: ما خطوتُ منذ أربعين سنة خطوةً لغير الله، وقيل لداود الطاليّ: لو تنحيتَ من الظلِّ إلى الشمس، فقال: هذه خُطا لا أدري كيف تكتب. فهؤلاء القوم لمّا صلحت قلوبُهم، فلم يبق فيها إرادةٌ لغير الله ﷿، صلحت جوارحُهم، فلم تتحرّك إلا لله ﷿، وبما فيه رضاه، والله تعالى أعلم. ذكر ذلك كلّه ابن رجب ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة التاسعة): قال أبو العبّاس القرطبي ﵀: ثم اعلم أن الله تعالى خصّ جنس الحيوان بهذا العضو المسمّى بالقلب، وأودع فيه المعنى الذي تنتظم به المصالح المقصودة من ذلك النوع، فتجد البهائم تدرك مصالحها، ومنافعها، وتميّز بين مفاسدها ومضارّها، مع اختلاف أشكالها، وصُوَرها، إذ منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يطير بجناحيه، ثم خصّ الله تعالى من بين سائر الحيوان نوع الإنسان الذي هو المقصود الأول من الكونين، والمعنيّ في العالمين بهذا القلب المخصوص المشتمل على هذا المعنى المخصوص الذي به تميَّز الإنسان، ووقع بينه وبين سائر الحيوان الفرقان، وهو المعنى الذي به يفهم القلب المفهومات، ويحصل به على معرفة الكلّيّات والجزئيّات، ويعرف به فَرقَ ما بين الواجبات، والجائزات، والمستحيلات، وقد أضاف الله تعالى العقل إلى القلب، كما أضاف السمع إلى الأذن، والإبصار إلى العين، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]، وهو ردّ على من قال من أهل الضلال: إن العقل في الدماغ، وهو قول من زلّ عن الصواب، وزاغ، كيف لا، وقد أخبرنا عن محلّه خالقه القدير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤] وقد روي ذلك عن أبي حنيفة، وما أظنّها عنه معروفة. وإذا فهمت أن الإنسان إنما شرّفه الله تعالى على سائر الحيوان بهذا القلب، وأن هذا القلب لم يَشْرُف من حيث صورته الشكليّة، فإنها موجودة لغيره من الحيوانات البهيميّة، بل من حيث هو مقرّ لتلك الخاصيّة الإلهيّة، علمت أنه أشرف الأعضاء، وأعزّ الأجزاء؛ إذ ليس ذلك المعنى موجودًا في شيء منها. ثم إن الجوارح مسخّرةٌ له، ومطيعة، فما استقرّ فيه ظهر عليها، وعملت على مقتضاه، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرّ، وعند هذا انكشف لك معنى قوله -ﷺ-: «إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه»، ولمّا ظهر ذلك وجبت العناية بالأمور التي يصلح بها القلب؛ ليتّصف بها، وبالأمور التي تفسد القلب؛ ليتجنّبها، ومجموع ذلك علومٌ، وأعمالٌ، وأحوال: فالعلوم ثلاثة: [الأول]: العلم بالله تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتصديق رسله فيما جاؤوا به. [والثاني]: العلم بأحكامه عليهم، ومراده منهم. [والثالث]: العلم بمساعي القلوب، من خواطرها، وهمومها، ومحمود أوصافها، ومذمومها. وأما أعمال القلوب، فالتحلّي بالمحمود من الأوصاف، والتخلّي من المذموم منها، ومنازلة المقامات، والترقّي عن مفضول المنازلات، إلى سنيّ الحالات. وأما الأحوال، فمراقبة الله تعالى في السرّ والعلن، والتمكّن من الاستقامة على السنن، وإلى هذا أشار رسول اللهﷺ- حيث قال: «أن تعبد الله كأنك تراه» متّفق عليه، وتفصيل هذه المعاقد الْجُمليّة توجد في تصانيف محقّقي الصوفيّة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل هي مفصّلة في الكتاب والسنّة، فمن أمعن النظر، وأجال الفكر ظفر بمقاصدها، وأما ما اصطلح عليه المتأخّرون من الألفاظ المصطلحيّة، فلا حاجة للمكلّف إليها، ولا هي مما تكلّم بها النبيّ -ﷺ- الذي جعل الله تعالى هداية الأمة على يديه، ولا كان يعرفها الصحابة الكرام -﵃-، ولا التابعون لهم بإحسان، ولو سئلوا عنها لما استطاعوا أن يفهموها، فضلًا عن أن يجيبوا عنها، ولو طُلب من الأئمة الأربعة الفقهاء المحققين، أو من الأئمة الستة المحدثين الناقدين أن يحُلّوا بعض غوامضها لما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فهيهات هيهات أن يكون هذا من مقاصد الدين، الذي أكمله الله سبحانه وتعالي، وأتمّه، والنبيّ -ﷺ- حيّ بين ظهراني أصحابه، فلا يقبل الزيادة ولا النقص، قال الله ﷿ في محكم كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣] وقد حذّر النبيّ -ﷺ- من محدثات الأمور، فكان يقول في خطبته: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار»، رواه النسائيّ رقم (١٥٧٨) بسند صحيح. وأخرج الترمذيّ من حديث العرباض بن سارية -﵁-، قال: وعظنا رسول الله -ﷺ- يومًا، بعد صلاة الغداة، موعظة بليغة، ذَرَفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مُودِّع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدٌ حبشي، فإنه من يعش منكم، يرى اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم، فعليه بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ». وذكر الإمام الذهبيُّ ﵀ في «ميزان الاعتدال» عن الحافظ سعيد بن عمرو البردعيّ، أنه قال: شَهِدت أبا زرعة، وقد سئل عن الحارث بن أسد المحاسبيّ، وكتبه؟ فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بِدَعٍ وضلالات، وعليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يُغنيك، قيل له: في هذه الكتب عبرة، فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان، ومالكًا، والأوزاعيّ صنّفوا هذه الكتب في الخطرات، والوساوس، ما أسرع الناس إلى البدع. قال الذهبيّ: مات الحارث سنة (٢٤٣) وأين مثل الحارث؟ فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين، كـ «القوت» لأبي طالب، وأين مثل «القوت»؟ كيف لو رأى «بهجة الأسرار» لابن جهضم، و«حقائق التفسير» للسلميّ، لطار لبّه، كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسيّ في ذلك على كثرة ما في «الإحياء» من الموضوعات، كيف لو رأى «الغنية» للشيخ عبد القادر، كيف لو رأى «فصوص الحكم» و«الفتوحات المكيّة»، بلى لَمّا كان الحارث لسان القوم في ذلك العصر، كان معاصره ألف إمام في الحديث، فيهم مثل أحمد بن حنبل، وابن راهويه، ولَمّا صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسيّ، وابن شحانة، كان قطب العارفين كصاحب «الفصوص»، وابن سفيان، نسأل الله العفو، والمسامحة، آمين. انتهى كلام الذهبيّ ﵀ . وبالجملة فمن لم يستغن بكتاب الله تعالى، وكتب السنة المطهرة، كالكتب الستة، وغيرها، فلا يرجى منه خير أبدًا، فعليه أن يبكي على نفسه، ويتوب إلى الله تعالى، وشماله أن يصلح قلبه، وقالبه، والله تعالى أعلم. ولنعد إلى كلام القرطبيّ، قال ﵀: [تنبيه]: الجوارح، وإن كانت تابعة للقلب، فقد يتأثّر القلب بأعمالها، للارتباط الذي بين الباطن والظاهر، والقلب مع الجوارح كالملك مع الرعيّة، إن صلح صلحت، ثم يعود صلاحها عليه بزيادة مصالح ترجع إليه، ولذلك قيل: المَلِكُ سوقٌ، ما نفق عنده جُلب إليه. وقد نصّ على هذا المعنى النبيّ -ﷺ-، فقال: «إن الرجل ليصدق، فينكت في قلبه نكتة بيضاء، حتى يُكتب عند الله صدّيقًا، وإن الرجل ليكذب الكذبة، فيسودّ قلبه حتى يُكتب عند الله كذّابًا» . وأخرج أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي هريرة -﵁-، عن رسول اللهﷺ-، قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر، وتاب صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. وقال مجاهد: القلب كالكفّ تقبض منه بكل ذنب أصبع، ثم يُطبع، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله -ﷺ-: «إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه» متّصلًا بقوله: «الحلال بيّن، والحرام بيّنٌ»؛ إشعارًا بأن أكل الحلال ينوّره، ويُصلحه، وأكل الحرام، والشبهة يُفسده، ويقسيه، ويُظلمه، وقد وجد ذلك أهلُ الورع، حتّى قال بعضهم: استسقيت جنديًّا، فسقاني شَرْبة ماء، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا، وقيل: الأصل المصحّح للقلوب والأعمال أكل الحلال، وُيخاف على آكل الحرام، والمتشابه أن لا يُقبل له عملٌ، ولا تُسمع له دعوةٌ، ألا تَسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وآكل الحرام المسترسل في الشبهات ليس بمتّقٍ على الإطلاق، وقد عضد ذلك قوله -ﷺ-: «أيها الناس إن الله طيّبٌ، ولا يقبل إلا طيّبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الآية [المؤمنون: ٥١]، ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث، أغبر، يقول: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنّى يُستجاب له»، رواه مسلم، والترمذيّ، ولَمّا شرب أبو بكر جرعة لبن من شبهة استقاءها، فأجهده ذلك حتى تقيّأها، فقيل له: أكل ذلك في شربة؟ فقال: والله لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:«كلّ لحم نبت من سُحت فالنار أولى به» . وعند هذا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها، وعِظَم المحنة التي ابتُلي بها، إذ المكاسب في هذه الأوقات قد فسدت، وأنواع الحرام والشبهات قد عمّت، فلا يكاد أحد منّا اليوم يتوصّل إلى الحلال، ولا ينفكّ عن الشبهات، فإن الواحد منا، وإن اجتهد فيما يعلمه، فكيف يعمل فيمن يعامله؟ مع استرسال الناس في المحرّمات، والشبهات، وقلّة من يتّقي ذلك، من جميع الأصناف، والطبقات، مع ضرورة المخالطة، والاحتياج للمعاملة، وعلى هذا فالخلاص بعيدٌ، والأمر شديدٌ، ولولا النهي عن القنوط واليأس، لكان ذلك الأولى بأمثالنا من الناس، لكنّا إذا دفعنا عن أنفسنا أصول المحرّمات، واجتهدنا في ترك ما يمكننا من الشبهات، فعفو الله تعالى مأمولٌ، وكرمه مرجوّ، فلا ملجأ إلا هو، ولا مفزع إلا إليه، ولا استعانة إلا به، ولا حول، ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٨٨] (…) - (وَحَدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدثنا زَكَرِيَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) أو (١٩١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله. [تنبيه]: رواية وكيع، وعيسى بن يونس، كلاهما عن زكريا بن أبي زائدة لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٨٩] (…) - (وَحَدَّثنا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، وَأَبِي فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَعْبِيَّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيَّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَن حَدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أتمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَأكثَرُ) . رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (مُطَرَّفُ) بن طَرِيف أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة فاضلٌ، من صغار [٦] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٢. ٣ - (أَبُو فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيُّ) عروة بن الحارث الْهَمْدانيّ، أبو فَرْوة الأكبر، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبيّ، وأبي الضُّحَى، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، وسليمان التيميّ، والسفيانان، وجرير، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». روى له البخاري مقرونًا بغيره، قلت: لم يذكر له المؤلف شيخًا من الصحابة، وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين وحديثه في مسند الدارمي، فالله أعلم. أخرج له البخاريّ مقرونًا بغيره، والمصنّف مقرونًا أيضًا بمطرّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: من يكنى بأبي فروة في الرواة ثلاثة : ١ - أبو فروة الهمْدانيّ، عروة بن الحارث هذا. ب- وأبو فروة الْجُهَنيّ، مسلم بن سالم الكوفيّ، وهو الأصغر، صدوق من السادسة، أخرج له الجماعة، إلا الترمذيّ، وسيأتي عند مسلم في «كتاب اللباس والزينة» برقم (٢٠٦٧)، وليس له عنده إلا هذا الحديث. ج- وأبو فَرْوة الْجَزَريّ الرُّهاويّ، واسمه يزيد بن سِنان التميميّ، ضعيف، من كبار السابعة، وهو من أفراد الترمذيّ، وابن ماجه. ٤ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٥ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدني، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٥. ٦ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد المدنيّ، صدوقٌ، إلا أنه اختَلَطت عليه أحاديث أبي هريرة -﵁-[٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. ٧ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ) بن وهب الْهَمْدانيّ الْخَيْوَانيّ -بخاء معجمة- الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، والشعبيّ، وأبي حازم سلمان الأشجعيّ، وعائشة، ولم يدركها. وروى عنه عبد الملك بن عُمير، وهو من أقرانه، والأعمش، ومالك بن مِغْوَل، ومحمد بن عجلان، وشعبة، وخالد الحذاء، وغيرهم. قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: قال في «تهذيب التهذيب»: وقع عند مسلم في «البيوع» من طريق يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن ابن عجلان، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن الشعبيّ، عن النعمان بن بشير حديث: «الحلالُ بَيِّنٌ»، ووقع عند أبي عوانة في «صحيحه»، وابن حبان من طريق عبد الله بن عياش القتبانيّ، عن ابن عجلان، عن سعيد بن عبد الرحمن الهمدانيّ، عن الشعبيّ، ورواه أبو عوانة أيضًا من طريق أبي ضَمْرة، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن سعد، عن الشعبيّ، فكأنه اختُلِف في اسمه، والله أعلم. انتهى . والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ) أي: روى كلّ هؤلاء الثلاثة، وهم: مُطرِّف بن طريف، وأبو فروة الْهَمْدانيّ، وعبد الرحمن بن سعيد هذا الحديث عن الشعبيّ، عن النعمان بن بشير -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-. وقوله: (أتمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَأكثَرُ) ووقع في بعض النسخ: «وأكبر» بالباء، قال النوويّ ﵀: قوله: «أتمّ من حديثهم، وأكبر» هو بالباء الموحّدة، وفي كثير من النسخ بالمثلثّة، والله أعلم. انتهى . [تنبيه]: رواية مطرّف بن طَرِيف، عن الشعبيّ ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٣/ ٣٩٨) فقال: وحدثنا إسماعيل القاضي، قثنا على بن عبد الله، قثنا جرير، عن مُطَرِّف، عن الشعبيّ، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: «لكل ملك حمى، وإن حمى الله حلاله وحرامه، والمشتبهات بين ذلك، كما أن راعيًا لو رَعَى بجانب الحمى لم تلبث غنمه أن ترتع وسطه، فاجتنبوا المشتبهات». ورواية أبي فَرْوة الْهَمْدانيّ، عن الشعبي، ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: وحدّثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن عيينة، عن أبي فَرْوة، سمعت الشعبيّ، سمعت النعمان بن بشير -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- (ح) وحدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن أبي فَرْوة، عن الشعبيّ، عن النعمان بن بشير -﵄-، قال: قال النبيّ -ﷺ-: «الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يَشُكّ فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حِمَى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه». انتهى. ورواية عبد الرحمن بن سعيد عن الشعبيّ ساقها أيضًا أبو عوانة في «مسنده»، مقرونًا بالحارث بن يزيد الْعُكليّ- لكنه سمّاه سعيد بن عبد الرحمن، وقد سبق أنه مختلف في اسمه- فقال (٣/ ٣٩٩): (٥٤٦٨) - حدّثنا عليّ بن عثمان النفيليّ، قثنا سعيدبن عيسى بن تَلِيد، قثنا الْمُفَضَّل، قال: حدّثني ابن عجلان، عن الحارث بن يزيد الْعُكْليّ، وسعيد بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبيّ، سمع النعمان بن بشير يقول: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سُتْرةً من الحلال، مَن جَعَل ذلك كان أشدّ استبراءًا لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه، وإن لكل ملك حِمًى، وإن حمى الله في الأرض محارمه». انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤئف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٠] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ؛ أنهُ سَمِعَ نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِحِمْصَ، وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّن، وَالْحَرَامُ بَينٌ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، إِلَى قَوْلِهِ: «يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نبيلٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام الشهير، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمَحيّ، أو السَّكْسكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقةٌ فقيةٌ [٦] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، صدوق، يقال: اختلط [٦] مات بعد (١٣٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. ٦ - (عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات قبل (١٢٠) (م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٧/ ١٣٦١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ) وفي الرواية السابقة: «النعمان بن بشير» بـ «أل»، وكلاهما صحيح؛ لأنها زائدة للمح الأصل، فيجوز إثباتها، وحذفها، كما قال ابن مالك -﵁- في «الخلاصة»: وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فِذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ وقوله: (بِحِمْصَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، آخره صاد مهملة، مصروفًا وغير مصروف، بلدة معروفة بالشام. [تنبيه]: رواية عون بن عبد الله، عن الشعبيّ ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٣/ ٣٩٩) فقال: (٥٤٧٠) - حدّثنا عباس الدُّوريّ، وأحمد بن عليّ الخراز، قالا: ثنا شُجاع بن أشرس، قثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله، عن عامر الشعبيّ، أنه سمع النعمان بن بشير بن سعد، صاحب رسول الله -ﷺ-، وهو يخطب الناس بِحِمْصَ، وهو يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الحلال بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن ترك ذلك، فهو أسلم لدينه ولعرضه، ومن وقع فيهنّ فيوشك أن يقع في الحرام، كالمرتِع إلى جانب الحمى، يوشك أن يقع فيه». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٢) - (بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ) قال القرطبيّ ﵀: البعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، يقال للجمل: بعير، وللناقة: بعير، تقول العرب: صَرَعني بعيرك، وشَرِبتُ من لبن بعيري، وإنما يقال له: بعير إذا أجذع ، والجمع أبعرة، وأباعر، وبُعران. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: البَعِيرُ: مثل الإنسان، يقع على الذكر والأنثى، يقال: حَلَبتُ بَعِيرِي، والجَمَلُ: بمنزلة الرجل يختص بالذكر، والنَّاقَةُ: بمنزلة المرأة تختص بالأنثى، والبَكْرُ، والبَكْرَةُ: مثل الفتى والفتاة، والقَلُوصُ؛ كالجارية، هكذا حكاه جماعة، منهم ابن السِّكِّيت، والأزهريّ، وابن جنيّ، ثم قال الأزهريّ: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواصّ أهل العلم باللغة، ووقع في كلام الشافعيّ ﵀ في الوصية: لو قال: أعطوه بعيرًا، لم يكن لهم أن يعطوه ناقةً، فحَمَل البعير على الجمل، ووجهه أن الوصية مبنية على عرف الناس، لا على مُحْتَمِلات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواصّ، وحَكَى في «كفاية المتحفظ» معنى ما تقدَّم، ثم قال: وإنما يقال: جملٌ، أو ناقةٌ، إذا أَربعا، فأما قبل ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرٌ، وبَكْرَةٌ، وقَلُوصٌ، وجمع البَعِيرِ: أَبْعِرَةٌ، وأَبَاعِرُ، وبُعْرَانُ، بالضم. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩١] (٧١٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ -ﷺ-، فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، قَالَ: «بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ»، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ»، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ ، وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَالَ: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ، وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا في البابين الماضيين، و«زكرياء» هو: ابن أبي زائدة، و«عامر» هو: الشعبيّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ، ومسلسلٌ بالتحديث إلا موضعًا واحدًا، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه جابر -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ) بن شَرَاحيل الشعبيّ، وفي رواية للبخاريّ: «سمعت عامرًا» (حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄- (أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ) لم يذكر في هذه الرواية مكان سفره، وفي رواية مغيرة التالية: «قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ-»، وفي رواية سالم بن أبي الجعد: «قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله -ﷺ-»، وفي رواية أبي نضرة: «كنّا مع النبيّ -ﷺ- في سفر»، وفي رواية أبي المتوكّل: «سافرت مع رسول الله -ﷺ- في بعض أسفاره، أظنّه غازيًا»، وهذه الروايات كلها عند مسلم. قال في «الفتح»: وكذا أبهمه أكثر الرواة عن جابر، ومنهم من قال: «كنت في سفر»، ومنهم من قال: «كنت في غزوة تبوك»، ولا منافاة بينهما، وفي رواية أبي المتوكل في «الجهاد»: «لا أدري غزوة، أو عمرة»، ويؤيد كونه كان في غزوة، قوله في آخر رواية أبي عوانة، عن مغيرة: «فأعطاني الجمل وثمنه، وسهمي مع القوم»، لكن جزم ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، بأن ذلك كان في غزوة ذات الرقاع، من نخل، وكذا أخرجه الواقديّ، من طريق عطية بن عبد الله بن أنيس، عن جابر، قال الحافظ ﵀: وهي الراجحة في نظري؛ لأن أهل المغازي أضبط لذلك، من غيرهم، وأيضًا فقد وقع في رواية الطحاويّ: أن ذلك وقع في رجوعهم من طريق مكة إلى المدينة ، وليست طريقُ تبوك ملاقية لطريق مكة، بخلاف طريق غزوة ذات الرقاع، وأيضًا فإن في كثير من طرقه: أنه -ﷺ- سأله في تلك القصة: «هل تزوجت؟»، قال: نعم، قال: «أتزوجت بكرًا، أم ثيبًا؟»، الحديث، وفيه اعتذاره بتزوجه الثيب، بأن أباه استُشهِد بأحد، وترك أخواته، فتزوج ثيبًا لتمشطهن، وتقوم عليهن، فأشعر بأن ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه، فيكون وقوع القصة في ذات الرقاع أظهر، من وقوعها في تبوك؛ لأن ذات الرقاع كانت بعد أُحد بسنة واحدة، على الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، والله أعلم، لا جرم جزم البيهقيّ في «الدلائل» بما قال ابن إسحاق. انتهى . (عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا) أي: تَعِبَ (فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ) أي: يطلقه، وليس المراد أن يجعله سائبة، لا يركبه أحد، كما كانوا يفعلون في الجاهلية؛ لأنه لا يجوز في الإسلام، ففي أول رواية مغيرة، عن الشعبيّ التالية: «قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ-، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي قد أعيا، ولا يكاد يسير»، والناضح -بنون، وضاد معجمة، ثم حاء مهملة- هو الجمل الذي يُستَقَى عليه، سُمِّي بذلك لنضحه بالماء حال سقيه، واختُلِف في تعيين هذه الغزوة، كما سيأتي بعد هذا، ووقع عند البزار من طريق أبي المتوكل، عن جابر: أن الجمل كان أحمر، قاله في «الفتح» . (قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ -ﷺ-) بكسر الحاء المهملة؛ أي: أدركني، يقال: لَحِقْتُهُ، ولَحِقْتُ به أَلْحَقُ، من باب تَعِبَ لَحَاقًا بالفتح: أدركته، وأَلْحَقْتُهُ، بالألف مثله، وأَلْحَقْتُ زيدًا بعمرو: أتبعته إياه، فَلَحِقَ هو، وأَلْحَقَ أيضًا، وفي الدعاء: «إن عذابك بالكفار مُلِحَقٌ»، يجوز بالكسر: اسم فاعل، بمعنى لَاحِق، ويجوز بالفتح: اسم مفعول؛ لأن الله تعالى أَلْحَقَهُ بالكفار؛ أي: يُنْزِله بهم، وأَلْحَقَ القائفُ الولدَ بأبيه: أخبر بأنه ابنه؛ لِشَبَه بينهما يظهر له، واسْتَلْحَقْتُ الشيءَ: ادّعيته، ولَحقِهَ الثمنُ لُحُوقًا: لزمه، فاللُّحوقُ: اللزوم، والَّلحاقُ: الإدراك، قاله الفيّوميّ ﵀ . (فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ) وفي رواية للبخاريّ: «فمرّ النبيّ -ﷺ-، فضربه، فدعا له»، قال في «الفتح»: كذا فيه بالفاء فيهما كأنه عَقَّب الدعاءَ له بضربه، ولأحمد من هذا الوجه: «فضربه برجله، ودعا له» (فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ) وفي رواية يونس بن بُكير، عن زكريا، عند الإسماعيليّ: «فضربه رسول الله -ﷺ-، ودعا له، فمشى مِشْيَةً ما مشى قبل ذلك مثلها»، وفي رواية مغيرة الآتية: «فزجره، ودعا له». وفي رواية عطاء وغيره، عن جابر -﵁- عند البخاريّ في «الوكالة»: «فمَرّ بي النبيّ -ﷺ-، فقال: من هذا؟ قلت: جابر بن عبد الله، قال: ما لك؟ قلت: إني على جمل ثِفَال، فقال: أمعك قَضِيب؟ قلت: نعم، قال: أعطنيه، فأعطيته، فضربه، فزجره، فكان من ذلك المكان من أول القوم». وللنسائيّ من هذا الوجه: «فأَزْحَف، فزجره النبيّ -ﷺ-، فانبَسَط، حتى كان أمام الجيش». وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر عند البخاريّ في «البيوع»: «فتخلف، فنزل، فحَجَنه بِمْحجنه، ثم قال: اركب، فركبت، فقد رأيته أَكُفّه عن رسول الله -ﷺ-». وعند أحمد من هذا الوجه: «فقلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا، قال: أَنِخْه، وأناخ رسول الله -ﷺ-، ثم قال: أعطني هذه العصا، أو اقطع لي عصًا من شجرة، ففعلت، فأخذها، فنخسه بها نَخَسَات، فقال: اركب، فركبت». وللطبرانيّ من رواية زيد بن أسلم، عن جابر: «فأبطأ عليّ، حتى ذهب الناس، فجعلت أرقبه، ويُهِمّني شأنه، فإذا النبيّ -ﷺ-، فقال: أجابر؟ قلت: نعم، قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ عليّ جملي، فَنَفَث فيها -أي: العصا- ثم مَجَّ من الماء في نحره، ثم ضربه بالعصا، فوثب». ولابن سعد من هذا الوجه: «ونضح ماءً في وجهه، ودُبُره، وضربه بعُصَيّة، فانبعَثَ، فما كِدت أُمسكه». وفي رواية أبي الزبير، عن جابر الآتية عند مسلم: «فكنت بعد ذلك أَحبس خِطامه؛ لأسمع حديثه»، وله من طريق أبي نَضْرة، عن جابر: «فنخسه، ثم قال: اركب بسم الله»، زاد في رواية مغيرة التالية: «فقال لي: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتك». (قَالَ) -ﷺ- («بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ») بالواو، وفي بعض النسخ: «بأوقيّة» بالهمزة، وكلاهما صحيح، وقال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ «بوقيّة»، وهي لغة صحيحة، سَبَقت مرارًا، ويقال: أوقيّة، وهي أَشْهَر، وفيه أنه لا بأس بطلب البيع من مالك السلعة، وإن لم يَعْرِضها للبيع. انتهى . وقال في «الفتح»: و«الوُقيّة» من الفضة كانت في عُرف ذلك الزمان أربعين درهمًا، وفي عرف الناس بعد ذلك عشرة دراهم، وفي عرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهمًا ، وسيأتي بيان الاختلاف في قدر الثمن قريبًا -إن شاء الله تعالى-. (قُلْتُ: لَا) أي: لا أبيعه، وفي رواية أحمد: «فكرهت أن أبيعه»، وفي رواية مغيرة التالية: «قال: أتبيعنيه؟ فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، فقلت: نعم»، وللنسائيّ من هذا الوجه: «وكانت لي إليه حاجة شديدة». وعند أحمد من رواية نُبيح -وهو بالنون، والموحَّدة، والمهملة، مصغرًا-: «قال: فقال لي رسول الله -ﷺ-: أنت بائعي جملك هذا؟ قال: قلت: نعم، قال: بكم؟ قال: قلت: بوقية، قال: قال لي: بخ بخ، كم في أوقية من ناضح وناضح؟ قال: قلت: يا نبي الله ما بالمدينة ناضح أحبّ أنه لنا مكانه، قال: فقال النبيّ -ﷺ-: قد أخذته بوقية». وفي رواية عطاء: «قال: بعنيه، قلت: بل هو لك يا رسول الله، قال: بعنيه»، زاد النسائي من طريق أبي الزبير: «قال: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه»، ولابن ماجه من طريق أبي نضرة، عن جابر: «فقال: أتبيع ناضحك هذا؟ والله يغفر لك»، زاد النسائيّ من هذا الوجه: «وكانت كلمة تقولها العرب: افعل كذا، والله يغفر لك»، ولأحمد: «قال سليمان -يعني بعض رواته-: فلا أدري كم من مرة» يعني: قال له: والله يغفر لك«. وللنسائيّ من طريق أبي الزبير، عن جابر:»استَغْفَر لي رسول الله -ﷺ- ليلة البعير خمسًا وعشرين مرةً«، وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر، عند أحمد:»أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت: بل أهبه لك، قال: لا، ولكن بعنيه«. قال الحافظ ﵀: وفي كل ذلك رَدٌّ لقول ابن التين: إن قوله:«لا»ليس بمحفوظ في هذه القصّة. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- («بِعْنِيهِ»، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ) وفي رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر، الآتية: ثُمَّ قَالَ لِي:«بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا»، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ، قَالَ:«لَا، بَلْ بِعْنِيهِ»، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:«لَا، بَلْ بعْنِيهِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ:«قَدْ أًخَذْتُهُ»، ولابن سعد، وأبي عوانة، من هذا الوجه:«فلما أكثر عليّ قلت: إن لرجل عليّ أوقيةً من ذهب، هو لك بها، قال: نعم»، وفي رواية أحمد من هذا الوجه:«فقال: بعنيه، قلت: هو لك، قال: قد أخذته بوقية». (وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي)«الْحُمْلان»بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم: الحمل، والمفعول محذوف؛ أي: استثنيتُ حمله إياي، وقد رواه الإسماعيليّ بلفظ:«واستثنيت ظهره إلى أن نَقْدَم»، وفي رواية جرير، عن مغيرة الآتية بعد هذا عند مسلم:«فبعته إياه، على أن لي فَقَار ظهره حتى أبلغ المدينة»، ولأحمد من طريق شريك، عن مغيرة:«اشتَرَى مني بعيرًا على أن يُفْقِرني ظهره سفري ذلك»، وقد ذكر البخاريّ ﵀ الاختلاف في ألفاظه على جابر -﵁-، وسيأتي بيانه قريبًا -إن شاء الله تعالى-. (فَلَمَّا بَلَغْتُ) أي: المدينة، وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ التالية:«قال: فقلتُ له: يا رسول الله إني عَروسٌ، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت الناس إلى المدينة، حتى انتهيتُ، فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرته بما صنعتُ فيه، فلامني فيه». ووقع عند أحمد من رواية نبيح المذكورة:«فأتيت عمتي بالمدينة، فقلت لها: ألم تري أني بعت ناضحنا؟ فما رأيتها أعجبها ذلك». وجزم بعضهم بأنه جَدُّ -بفتح الجيم، وتشديد الدال- ابن قيس، وأما عمته فاسمها هند بنت عمرو، ويَحْتَمِل أنهما جميعًا لم يعجبهما بيعه؛ لأنه لم يكن عنده ناضح غيره. وفي رواية للبخاريّ في«الجهاد»:«ثم قال: ائت أهلك، فتقدّمتُ الناس إلى المدينة»، وفي رواية وهب بن كيسان في«البيوع»:«وقدم رسول الله -ﷺ- المدينة قبلي، وقَدِمت بالغداة، فجئت إلى المسجد، فوجدته، فقال: الآن قَدِمتَ؟ قلت: نعم، قال: فَدَعِ الجمل، وادخل، فصلِّ ركعتين». قال الحافظ ﵀: وظاهرهما التناقض؛ لأن في إحداهما أنه تقدم الناس إلى المدينة، وفي الأخرى أن النبيّ -ﷺ- قبله، فيَحْتَمِل في الجمع بينهما أن يقال: إنه لا يلزم من قوله: فتقدمت الناس أن يستمرّ سبقه لهم؛ لاحتمال أن يكونوا لَحِقُوه بعد أن تقدمهم، إما لنزوله لراحة، أو نوم، أو غير ذلك، ولعله امتثل أمره -ﷺ- بأن لا يدخل ليلًا، فبات دون المدينة، واستمرّ النبيّ -ﷺإلى أن دخلها سَحَرًا، ولم يدخلها جابر حتى طلع النهار، والعلم عند الله تعالى. انتهى . (أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ) وفي رواية مغيرة: «قال: فلما قَدِمَ رسول الله -ﷺ- المدينةَ غدوت إليه بالبعير»، وفي رواية أبي المتوكل، عن جابر عند البخاريّ: «فدخلت -يعني المسجد- إليه، وعَقَلت الجمل، فقلت: هذا جملك، فخرج، فجَعَل يُطيف بالجمل، ويقول: جملنا، فبعث إليّ أواقٍ من ذهب، ثم قال: استوفيتَ الثمنَ؟ قلت: نعم». (فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ) أي: أعطانيه إياه، يقال: نقدت الرجلَ الدراهمَ نَقْدًا، من باب نصر: أعطيته إياه، فهو متعدّ إلى مفعولين، ويقال: نقدتها له على الزيادة أيضًا، وأما نَقَدتُ الدراهم، من باب نصر أيضًا: إذا نظرتها لتعرف جيّدها، وزيْفَها، فهو متعدّ إلى مفعول، والفاعل ناقد، والجمع نقّاد، مثلُ كافر وكُفّار، أفاده الفيّوميّ ﵀ . (ثُمَّ رَجَعْتُ) ولفظ البخاريّ: «ثم انصرفتُ»، وفي روايهْ مغيرة التالية: «فأعطاني ثمنه، وردّه عليّ»، وعند البخاريّ في «الاستقراض»: «فأعطاني ثمن الجمل، والجملَ، وسهمي مع القوم»، وهي كلها بطريق المجاز؛ لأن العطية إنما وقعت له بواسطة بلال، كما يأتي في رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر: «فلما قَدِمت المدينة، قال رسول الله -ﷺ- لبلال: أعطه أوقيّةً من ذهب، وزده، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا، فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله -ﷺ-، قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرّة». ولأحمد، وأبي عوانة من طريق وهب بن كيسان: «فوالله ما زال يَنْمِي ويزيد عندنا، ونرى مكانه من بيتنا، حتى أصيب أمس فيما أصيب الناس يوم الحرة». وفي رواية أبي الزبير، عن جابر عند النسائيّ: «فقال: يا بلال أعطه ثمنه، فلما أدبرت دعاني، فخِفْتُ أن يرُدّه عليّ، فقال: هو لك»، وفي رواية للبخاريّ في «النكاح» من طريق وهب بن كيسان، عن جابر: «فأمر بلالًا أن يزن لي أوقية، فوزن بلال وأرجح لي في الميزان، فانطلقت، حتى وَلَّيت، فقال: ادْعُ جابرًا، فقلت: الآن يردّ عليّ الجمل، ولم يكن شيء أبغض إليّ منه، فقال: خذ جملك، ولك ثمنه». قال الحافظ ﵀: وهذه الرواية مشكلة مع قوله: «ولم يكن لنا ناضح غيره»، وقوله: «وكانت لي إليه حاجة شديدة، ولكني استحييت منه»، ومع تنديم خاله له على بيعه. قال: ويمكن الجمع بأن ذلك كان في أول الحال، وكان الثمن أوفر من قيمته، وعَرَف أنه يمكن أن يشتري به أحسن منه، ويبقى له بعض الثمن، فلذلك صار يكره ردّه عليه. ولأحمد من طريق أبي هبيرة، عن جابر: «فلما أتيته دفع إليّ البعير، وقال: هو لك، فمررت برجل من اليهود، فأخبرته، فجعل يَعْجَبُ، ويقول: اشترى منك البعير، ودفع إليك الثمن، ثم وهبه لك؟ قلت: نعم» . (فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي) ولفظ البخاريّ: «على أثري»، وهو بفتحتين، أو بكسر، فسكون، يقال: جئتُ في أَثَرِهِ، وفي إِثْرِهِ؛ أي: تَبِعته عن قُرْب . (فَقَالَ: «أَتُرَانِي) بضمّ التاء؛ أي: أتظنّني (مَاكَسْتُكَ) قال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: المماكسة: هي المكالمة في النقص من الثمن، وأصلها النقص، ومنه مَكْسُ الظالم، وهو ما ينتقصه، ويأخذه من أموال الناس. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«ماكستك»هو من المماكسة؛ أي: المناقصة في الثمن، وأشار بذلك إلى ما وقع بينهما من المساومة عند البيع، كما تقدم. (لآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ، وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ») ولفظ البخاريّ: «ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك، فهو مالك»، ولأبي نعيم في «المستخرج»: «أتُراني إنما ماكستك لآخذ جملك، خذ جملك، ودراهمك، هما لك». ووقع لأحمد عن يحيى القطان، عن زكريا، بلفظ: «قال: أظننت حين ماكستك، أذهب بجملك؟ خذ جملك، وثمنَهُ، فهما لك». قال في «الفتح»: وهذه الرواية، وكذلك رواية البخاريّ توضح أن اللام في قوله: «لآخذ» للتعليل، وبعدها همزة ممدودة، ووقع لبعض رواة مسلم، كما حكاه عياض: «لا» بصيغة النفي، «خذ» بصيغة الأمر، ويلزم عليه التكرار في قوله: «خذ جملك». انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «خذ جملك ودراهمك، فهو لك» هذا يدلُّ على أن هذا من رسول الله -ﷺ- عطية مبتدأة بعد صحة شرائه، وملكه للبعير، وهذا مبطل لتأويل بعض الشافعية في هذا الحديث؛ إذ قال: إن ذلك لم يكن من النبيّ -ﷺ- شراء للبعير، ولا بيعًا من جابر حقيقة، وهذا من قائله تغيير وتحريف، لا تأويل، وكيف يقبل هذا التأويل مع قوله: «أتبيعنيه بأوقية، فقال: قد بعته منك بأوقية، على أن لي ظهره إلى المدينة»، بعد المماكسة؟ وهذا نصٌّ لا يقبل التأويل، وكذلك قوله: «فهو لك» بعد قوله: «خذ جملك ودراهمك»، وذلك واضح لمن تأمل أفراد تلك الكلمات ومركّباتها. انتهى . وقال ابن الجوزيّ ﵀: هذا من أحسن التكرم؛ لأن من باع شيئًا فهو في الغالب محتاج لثمنه، فإذا تعوّض من الثمن بقي في قلبه من المبيع أَسَفٌ على فراقه، كما قيل [من الطويل]: وَقَدْ تُخْرِجُ الْحَاجَاتُ يَا أُمَّ مَالِكٍ … نَفَائِسَ مِنْ رَبٍّ بِهِنَّ ضَنِينُ فإذا رُدّ عليه المبيع مع ثمنه ذهب الهمّ عنه، وثبت فرحه، وقُضيت حاجته، فكيف مع ما انضم إلى ذلك من الزيادة في الثمن. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵁- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه : أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٤٠٩١ و٤٠٩٢ و٤٠٩٣ و٤٠٩٤ و٤٠٩٥ و٤٠٩٦ و٤٠٩٧ و٤٠٩٨ و٤٠٩٩ و٤١٠٠] وتقدم في «كتاب صلاة المسافرين وقصرها» [١٢/ ١٦٥٦ و١٣/ ١٦٥٧ و١٦٥٨] (٧١٥)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٤٣) و«البيوع» (٢٠٩٧) و«الوكالة» (٢٣٠٩) و«الهبة» (٢٦٠٤)، و(أبو داود) (٣/ ٢٨٣)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٥٣)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٩٧ و٢٩٨) و«الكبرى» (٤/ ٤٤)، و(ابن ماجه) ٢٢٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٢٢٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٥٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٩٩ و٣٩٢)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١٠٦٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤/ ٤٥٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٤٨ و٢٤٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٤١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٣٧) و«المعرفة» (٤/ ٣٧٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان جواز بيع البعير، واستثناء ركوبه. ٢ - (ومنها): بيان أنه إذا باع بشرط لا يتنافى مع مقصود العقد، جاز البيع والشرط. ٣ - (ومنها): جواز المساومة لمن يُعَرِّض سلعته للبيع. ٤ - (ومنها): جواز المماكسة في المبيع قبل استقرار العقد، وابتداء المشتري بذكر الثمن. ٥ - (ومنها): أن القبض ليس شرطًا في صحة البيع. ٦ - (ومنها): أن إجابة الكبير بقول: «لا» جائز في الأمر الجائز. ٧ - (ومنها): جواز التحدث بالعمل الصالح؛ للإتيان بالقصة على وجهها، لا على وجه تزكية النفس، وإرادة الفخر. ٨ - (ومنها): أن فيه تفقدَ الإمام، والكبير لأصحابه، وسؤاله عما ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسر من حال، أو مال، أو دعاء. ٩ - (ومنها): بيان تواضعه -ﷺ-. ١٠ - (ومنها): جواز ضرب الدابة للسير، وإن كانت غير مكلفة، ومحله ما إذا لم يتحقق أن ذلك منها، من فَرْط تعب، وإعياء. ١١ - (ومنها): أن فيه توقيرَ التابع لرئيسه. ١٢ - (ومنها): أن فيه الوكالةَ في وفاء الديون، ونحوها. ١٣ - (ومنها): أن وزن الثمن على المشتري. ١٤ - (ومنها): جواز الشراء بالنسيئة. ١٥ - (ومنها): أن فيه ردَّ العطية قبل القبض؛ لقول جابر: هو لك، قال: «لا، بل بعنيه». ١٦ - (ومنها): أن فيه جوازَ إدخال الدوابّ، والأمتعة إلى رحاب المسجد، وحواليه. ١٧ - (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم على طهارة أبوال الإبل، وتعقّبه الحافظ بأنه لا حجة فيه، وقد تقدّم في «الطهارة» أن الحقّ طهارة أبوال الإبل، وغيرها، فراجعه تستفد. ١٨ - (ومنها): أن فيه المحافظة على ما يُتبرك به؛ لقول جابر -﵁-: «لا تفارقني الزيادة». ١٩ - (ومنها): أن فيه جوازَ الزيادة في الثمن، عند الأداء، والرجحان في الوزن، لكن برضى المالك، وهي هبة مستأنفة، حتى لو رُدّت السلعة بعيب مثلًا، لم يجب ردّها، أو هي تابعة للثمن، حتى تردّ؟ فيه احتمال، والأظهر الأول. ٢٠ - (ومنها): استحباب نكاح البكر. ٢١ - (ومنها): استحباب ملاعبة الرجل لزوجته. ٢٢ - (ومنها): استحباب الابتداء بالمسجد، وصلاة ركعتين فيه عند القدوم من السفر. ٢٣ - (ومنها): استحباب الدلالة على الخير. ٢٤ - (ومنها): أن فيه فضيلةً لجابر -﵁- حيث ترك حظ نفسه، وامتثل أمر النبيّ -ﷺ- له ببيع جمله، مع احتياجه إليه. ٢٥ - (ومنها): أن فيه أيضًا فضيلة لجابر -﵁- حيث ترك حظّ نفسه من نكاح البكر، واختار مصلحة أخواته في نكاح ثيّب تقوم بمصالحهنّ. ٢٦ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ -ﷺ-، في انبعاث جمل جابر -﵁-، وإسراعه بعد إعيائه. ٢٧ - (ومنها): استحباب التبرّك بآثار رسول الله -ﷺ-؛ لقول جابر -﵁-: «لا تفارقه زيادة رسول الله -ﷺ-». ٢٨ - (ومنها): جواز تقدّم بعض الجيوش الراجعين بإذن الأمير. ٢٩ - (ومنها): جواز إضافة الشيء إلى من كان مالكه قبل ذلك، باعتبار ما كان. ٣٠ - (ومنها): أنه استدَلّ به بعضهم على صحة البيع بغير تصريح بإيجاب، ولا قبول؛ لقوله فيه: «قال: بعنيه بأوقية، فبعته»، ولم يذكر صيغة. وتعقّبه في «الفتح»، بأنه لا حجة فيه؛ لأن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوقوع، وقد وقع في رواية عطاء عند البخاريّ في «الوكالة»: «قال: بعنيه، قال: قد أخذته بأربعة دنانير»، قال: فهذا فيه القبول، ولا إيجاب فيه، وفي رواية له في «الجهاد»: «قال: بل بعنيه، قلت: لرجل عليّ أوقية ذهب، فهو لك بها، قال: قد أخذته»، ففيه الإيجاب والقبول معًا، وأبين منها رواية ابن إسحاق، عن وهب ابن كيسان، عند أحمد: «قلت: قد رضيت، قال: نعم، قلت: فهو لك بها، قال: قد أخذته»، فيستدل بها على الاكتفاء في صيغ العقود بالكنايات. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط الإيجاب والقبول قول لا دليل عليه، لا من الكتاب، ولا من السنّة، ولا من الإجماع، فالحقّ أن البيع ينعقد بكلّ ما تعارفه الناس، من الأقوال، أو الأفعال، كالمعاطاة، وقد تقدّم تحقيق ذلك في «البيوع»، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. [تكميل]: قال الحافظ ﵀: آل أمرُ جمل جابر -﵁- هذا؛ لِمَا تقدم له من بركة النبيّ -ﷺ-، إلى مآل حسن، فرأيت في ترجمة جابر -﵁- من «تاريخ ابن عساكر»، بسنده إلى أبي الزبير، عن جابر -﵁-، قال: فأقام الجمل عندي زمانَ النبيّ -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، فعجز، فأتيت به عمر -﵁-، فعرف قصته، فقال: اجعله في إبل الصدقة، وفي أطيب المراعي، ففعل به ذلك، إلى أن مات. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات في وقوع الاشتراط في قضة بيع جمل جابر -﵁- المذكورة: قال البخاريّ: ﵀: الاشتراط أكثر، وأصح عندي: أي أكثر طُرُقًا، وأصح مخرجًا، وأشار بذلك إلى أن الرواة اختلفوا عن جابر، في هذه الواقعة، هل وقع الشرط في العقد عند البيع، أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحةً من النبيّ -ﷺ- بعد شرائه، على طريق العارية؟ وأصرح ما وقع في ذلك رواية النسائي من طريق ابن عُيينة، عن أيوب، بلفظ: «وقد أعرتك ظهره إلى المدينة»، لكن اختَلَف فيها حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وحماد أعرف بحديث أيوب، من سفيان. والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا، من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه الترجيح، فيكون أصح، ويترجح أيضًا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط، معهم زيادة، وهم حفاظ، فتكون حجة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط، منافية لرواية من ذكره؛ لأن قوله: «لك ظهره»، و«أفقرناك ظهره»، و«تبلغ عليه»، لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك، وقد رواه عن جابر بمعنى الاشتراط أيضًا أبو المتوكل، عند أحمد، ولفظه: «فبعني، ولك ظهره إلى المدينة»، لكن أخرجه البخاريّ في «الجهاد» من طريق أخرى، عن أبي المتوكل، فلم يتعرض للشرط إثباتًا ولا نفيًا، ورواه أحمد من هذا الوجه، بلفظ: «أتبيعني جملك؟ قلت: نعم، قال: أقدم عليه المدينة»، ورواه أحمد من طريق أبي هبيرة، عن جابر، بلفظ: «فاشترى مني بعيرًا، فجعل لي ظهره حتى أقدم المدينة»، ورواه ابن ماجه، وغيره، من طريق أبي نضرة، عن جابر، بلفظ: «فقلت: يا رسول الله، هو ناضحك، إذا أتيت المدينة»، ورواه أيضًا عن جابر نُبَيحٌ الْعَنَزِيّ، عند أحمد، فلم يذكر الشرط، ولفظه: «قد أخذته بوقية، قال: فنزلت إلى الأرض، فقال: ما لك؟ قلت: جملك، قال: اركب، فركبت حتى أتيت المدينة»، ورواه أيضًا من طريق وهب بن كيسان، عن جابر، فلم يذكر الشرط، قال فيه: «حتى بلغ أوقية، قلت: قد رضيتَ؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال: قد أخذته، ثم قال يا جابر: هل تزوجت؟»، الحديث. قال الحافظ: وما جنح إليه البخاريّ، من ترجيح رواية الاشتراط، هو الجاري على طريقة المحققين، من أهل الحديث؛ لأنهم لا يتوقفون عن تصحيح المتن، إذا وقع فيه الاختلاف، إلا إذا تكافأت الروايات، وهو شرط الاضطراب، الذي يُرَدُّ به الخبر، وهو مفقود هنا، مع إمكان الترجيح. قال ابن دقيق العيد: إذا اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعض، تَوَقَّف الاحتجاجُ بشرط تعادل الروايات، أما إذا وقع الترجيح لبعضها، بأن تكون رُواتُها أكثر عددًا، أو أتقن حفظًا، فيتعيّن العمل بالراجح، إذ الأضعف لا يكون مانعًا من العمل بالأقوى، والمرجوحُ لا يمنع التمسك بالراجح. وقد جنح الطحاويّ إلى تصحيح الاشتراط، لكن تأوّله بأن البيع المذكور، لم يكن على الحقيقة؛ لقوله في آخره: «أتُراني ماكستك … إلخ»، قال: فإنه يُشعر بأن القول المتقدم، لم يكن على التبايع حقيقة. وردّه القرطبي بأنه دعوى مجردة، وتغيير، وتحريف، لا تأويل، قال: وكيف يَصنَع قائله في قوله: «بعته منك بأوقية»، بعد المساومة؟ وقوله: «قد أخذته»؟ وغير ذلك من الألفاظ المنصوصة في ذلك. واحتج بعضهم بأن الركوب، إن كان من مال المشتري، فالبيع فاسد؛ لأنه شَرَطَ لنفسه ما قد ملكه المشتري، وإن كان من ماله ففاسد؛ لأن المشتري لم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنما ملكها؛ لأنها طرأت في ملكه. وتُعُقّب بأن المنفعة المذكورة، قُدِّرت بقدر من ثمن المبيع، ووقع البيع بما عداها، ونظيره مَن باع نخلًا، قد أُبرت، واستثنى ثمرتها، والممتنع إنما هو استثناء شيء مجهول للبائع والمشتري، أما لو علماه معًا، فلا مانع، فيحمل ما وقع في هذه القصة على ذلك. وأغرب ابن حزم، فزعم أنه يؤخذ من الحديث أن البيع لم يتم؛ لأن البائع بعد عقد البيع، مخيَّر قبل التفرق، فلما قال في آخره: «أتُراني ماكستك»، دَلّ على أنه كان اختار ترك الأخذ، وإنما اشترط لجابر ركوب جمل نفسه، فليس فيه حجة، لمن أجاز الشرط في البيع. قال الحافظ: ولا يخفى ما في هذا التأويل من التكلف. وقال الإسماعيليّ: قوله: «ولك ظهره»، وَعْدٌ قام مقام الشرط؛ لأن وعده لا خلف فيه، وَهِبَتُه لا رجوع فيها؛ لتنزيه الله تعالى له عن دناءة الأخلاق، فلذلك ساغ لبعض الرواة أن يعبِّر عنه بالشرط، ولا يلزم أن يجوز ذلك في حق غيره. وحاصله أن الشرط لم يقع في نفس العقد، وإنما وقع سابقًا، أو لاحقًا، فتبرع بمنفعته أولًا، كما تبرع برقبته آخرًا. ووقع في كلام القاضي أبي الطيب الطبريّ، من الشافعية: أن في بعض طرق هذا الخبر: «فلما نقدني الثمن شرطت حُمْلاني إلى المدينة»، واستُدل بها على أن الشرط تأخر عن العقد. قال الحافظ: لكن لم أقف على الرواية المذكورة، وإن ثبتت، فيتعيّن تأويلها على أن معنى: «نقدني الثمن» أي: قرره لي، واتفقنا على تعيينه؛ لأن الروايات الصحيحة صريحة، في أن قبضه الثمن إنما كان بالمدينة، وكذلك يتعيّن تأويل رواية الطحاويّ: «أتبيعني جملك هذا؟ إذا قدمنا المدينة بدينار»، الحديث، فالمعنى: أتبيعني بدينار أُوفِيكَهُ، إذا قدمنا المدينة. وقال المهلَّب: ينبغي تأويل ما وقع في بعض الروايات، من ذكر الشرط، على أنه شرط تفضّل، لا شرط في أصل البيع؛ ليوافق رواية من رَوَى: «أفقرناك ظهره»، و«أعرتك ظهره»، وغير ذلك مما تقدم، قال: ويؤيده أن القصة جرت كلها على وجه التفضل والرفق بجابر، ويؤيده أيضًا قول جابر: «هو لك، قال: لا، بل بعنيه»، فلم يقبل منه إلا بثمن؛ رفقًا به، وسبق الإسماعيلي إلى نحو ذلك، وزعم أن النكتة في ذكر البيع؛ أنه -ﷺ-، أراد أن يَبَرّ جابرًا على وجه، لا يحصل لغيره طمع في مثله، فبايعه في جمله، على اسم البيع؛ ليتوفر عليه بِرّه، ويبقى البعير قائمًا على ملكه، فيكون ذلك أهنأ لمعروفه، قال: وعلى هذا المعنى أَمْرُهُ بلالًا، أن يزيده على الثمن، زيادة مبهمة في الظاهر، فإنه قصد بذلك زيادة الإحسان إليه، من غير أن يحصل لغيره تأميل في نظير ذلك. وتُعُقّب بأنه لو كان المعنى ما ذكر، لكان الحال باقيًا في التأميل المذكور، عند ردّه عليه البعير المذكور، والثمن معًا. وأجيب بأن حالة السفر غالبًا تقتضي قلّة الشيء، بخلاف حالة الحضر، فلا مبالاة عند التوسعة من طمع الآمل. قال الحافظ: وأقوى هذه الوجوه في نظري، ما تقدم نقله عن الإسماعيلي، من أنه وَعْدٌ حَلَّ محل الشرط. وأبدى السُّهَيليّ في قصة جابر -﵁- مناسبة لطيفة، غير ما ذكره الإسماعيليّ، مُلَخَّصها: أنه -ﷺ-، لَمّا أخبر جابرًا بعد قتل أبيه بأُحد، أن الله أحياه، وقال: ما تشتهي فأزيدك؟، أكد -ﷺ- الخبر بما يشتهيه، فاشترى منه الجمل، وهو مطيّته بثمن معلوم، ثم وَفّر عليه الجمل والثمن، وزاده على الثمن، كما اشترى الله من المؤمنين أنفسهم، بثمن هو الجنة، ثم رَدَّ عليهم أنفسهم، وزادهم، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] انتهى ملخّصًا من «الفتح» ، وهو بحث نفيس جدًّا، وحاصله ترجيح الاشتراط لجابر -﵁- ليركب جمله إلى المدينة، كما صنع ذلك إمام أهل هذه الصناعة البخاريّ رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان اختلاف الروايات في مقدار ثمن الجمل: قد أشار البخاريّ أيضًا في كلامه السابق إلى هذا الاختلاف، وحاصل الاختلاف عنده: أوقية، وهي رواية الأكثر، كما أشار إليه البخاريّ، وأربعة دنانير، وهي لا تخالفها كما تقدم، وأوقية الذهب، وأربع أواق، وخمس أواق، ومائتا درهم، وعشرون دينارًا، هذا ما ذكر البخاريّ. ووقع عند أحمد، والبزار، من رواية علي بن زيد، عن أبي المتوكل: ثلاثة عشر دينارًا، وقد جمع عياض وغيره، بين هذه الروايات، فقال: سبب الاختلاف أنهم رووا بالمعنى، والمراد أوقيةُ الذهب، والأربعُ أواق، والخمسُ بقدر ثمن الأوقية الذهب، والأربعة دنانير، مع العشرين دينارًا، محمولة على اختلاف الوزن والعدد، وكذلك رواية الأربعين درهمًا، مع المائتي درهم، قال: وكان الإخبار بالفضة عما وقع عليه العقد، وبالذهب عما حصل به الوفاء، أو بالعكس. انتهى، ملخصًا. وقال الداوديّ: المراد أوقية ذهب، ويُحمَل عليها قول من أطلق، ومن قال: خمس أواق، أو أربع، أراد من فضة، وقيمتها يومئذ أوقية ذهب، قال: وَيحْتَمِل أن يكون سبب الاختلاف، ما وقع من الزيادة على الأوقية، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التعسف. وقال القرطبيّ: اختلفوا في ثمن الجمل، اختلافًا لا يقبل التلفيق، وتَكَلُّفُ ذلك بعيد عن التحقيق، وهو مبني على أمر، لم يصح نقله، ولا استقام ضبطه، مع أنه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، وإنما تحصل من مجموع الروايات؛ أنه باعه البعير، بثمن معلوم بينهما، وزاده عند الوفاء، زيادة معلومة، ولا يضر عدم العلم بتحقيق ذلك. قال الإسماعيليّ: ليس اختلافهم في قدر الثمن بضارّ؛ لأن الغرض الذي سيق الحديث لأجله، بيان كرمه -ﷺ-، وتواضعه، وحُنُوّه على أصحابه، وبركة دعائه، وغير ذلك، ولا يلزم من وَهْم بعضهم في قدر الثمن، توهينه لأصل الحديث. قال الحافظ: وما جنح إليه البخاريّ من الترجيح أقعد، وبالرجوع إلى التحقيق أسعد، فَلْيُعْتَمَدْ ذلك، وبالله التوفيق. انتهى ملخّصًا من «الفتح» ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، وحاصله ترجيح من قال بأن الثمن كان أوقيّة، كما مرّ بيانه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الشرط في البيع: قد تكلّم العلامة ابن قُدامة ﵀ في «المغني» في هذه المسألة، وفصّلها تفصيلًا حسنًا، أحببتُ إيراده هنا ملخّصًا؛ تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة: قال ﵀، ما خلاصته: ثبت عن أحمد ﵀؛ أنه قال: الشرط الواحد لا بأس به، إنما نُهي عن الشرطين في البيع، ذهب أحمد إلى ما رَوَى عبد الله بن عمرو، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تَبعْ ما ليس عندك»، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح ، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط في البيع؟ فنفض يده، وقال: الشرط الواحد، لا بأس به في البيع، إنما نَهَى رسول الله -ﷺ- عن شرطين في البيع، وحديث جابر -﵁- يدل على إباحة الشرط، حين باعه جمله، وشرط ظهره إلى المدينة. واختُلِف في تفسير الشرطين المنهي عنهما، فرُوي عن أحمد أنهما شرطان صحيحان، ليسا من مصلحة العقد، فحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق فيمن اشترى ثوبًا، واشترط على البائع خياطته، وقصارته، أو طعامًا، واشترط طحنه وحمله، إن اشترط أحد هذه الأشياء، فالبيع جائز، وإن اشترط شرطين فالبيع باطل، وكذلك فسر القاضي في «شرحه» الشرطين المبطلين بنحو من هذا التفسير. وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين أن يشتريها على أنه لا يبيعها من أحد، وأنه يطؤها، ففسّره بشرطين فاسدين. وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين في البيع: أن يقول إذا بعتكها، فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدُمني سنة. وظاهر كلام أحمد؛ أن الشرطين المنهيّ عنهما، ما كان من هذا النحو، فأما إن شرط شرطين، أو أكثر من مقتضى العقد، أو مصلحته، مثل أن يبيعه بشرط الخيار، والتأجيل، والرهن، والضمين، أو بشرط أن يُسَلِّم إليه المبيع، أو الثمن، فهذا لا يؤثر في العقد، وإن كثر. وقال القاضي في «المجرد»: ظاهر كلام أحمد أنه متى شَرَط في العقد شرطين بطل، سواء كانا صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته؛ أخذًا من ظاهر الحديث، وعملًا بعمومه، ولم يفرق الشافعيّ، وأصحاب الرأي، بين الشرط والشرطين، ورووا أن النبيّ -ﷺ-، نَهَى عن بيع وشرط؛ ولأن الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثر، والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد، والحديث الذي رويناه يدل على الفرق، ولأن الغرر اليسير إذا احتُمِل في العقد، لا يلزم منه احتمال الكثير، وحديثهم لم يصح، وليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مرويًّا في مسند، ولا يُعَوَّل عليه، وقول القاضي: إن النهي يبقى على عمومه في كل شرطين، بعيد أيضًا، فإنّ شرطَ ما يقتضيه العقد، لا يؤثر فيه بغير خلاف، وشرط ما هو من مصلحة العقد، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، وشرط صفة في المبيع؛ كالكتابة، والصناعة، فيه مصلحة العقد، فلا ينبغي أن يؤثر أيضًا في بطلانه، قَلَّت، أو كثرت، ولم يذكر أحمد في هذه المسألة شيئًا من هذا القسم، فالظاهر أنه غير مراد له. قال: والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام: [أحدها]: ما هو من مقتضى العقد؛ كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض في الحال، فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكمًا، ولا يؤثر في العقد. [الثاني]: تتعلق به مصلحة العاقدين؛ كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، والشهادة، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع؛ كالصناعة، والكتابة، ونحوها، فهذا شرط جائز، يلزم الوفاء به، ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافًا. [الثالث]: ما ليس من مقتضاه، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان: أحدهما: اشتراط منفعة البائع في المبيع، فهذا قد مضى ذكره. الحماني: أن يشترط عقدًا في عقد، نحو أن يبيعه شيئًا بشرط أن يبيعه شيئًا آخر، أو يشتري منه، أو يُؤَجّره، أو يزوجه، أو يُسلفه، أو يصرف له الثمن أو غيره، فهذا شرط فاسد، يفسد به البيع، سواء اشترطه البائع، أو المشتري. [الرابع]: اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، وهو على ضربين: [أحدهما]: اشتراط ما بني على التغليب والسراية، مثل أن يشترط البائع على المشتري عتق العبد، فهل يصح؟ على روايتين: إحداهما: يصح، وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعيّ؛ لأن عائشة -﵂-، اشترت بريرة، وشَرَط أهلها عليها عتقها، وولاءها، فأنكر النبيّ -ﷺ- شرط الولاء، دون العتق، والثانية: الشرط فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد؛ لأنه شرط عليه إزالة ملكه عنه، فأشبه ما لو شرط أن لا يبيعه، وليس في حديث عائشة، أنها شرطت لهم العتق، وإنما أخبرتهم بإرادتها لذلك من غير شرط، فاشترطوا الولاء. [الضرب الثاني]: أن يشترط غير العتق، مثل أن يشترط أن لا يبيع، ولا يهب، ولا يُعتق، ولا يطأ، أو يشترط عليه أن يبيعه، أو يقفه، أو متى نفق المبيع، وإلا ردّه، أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثمن، وإن أعتقه فالولاء له، فهذه وما أشبهها شروط فاسدة، وهل يفسد بها البيع؟ على روايتين: قال القاضي: المنصوص عن أحمد: أن البيع صحيح، وهو ظاهر كلام الخرقيّ ههنا، وهو قول الحسن، والشعبيّ، والنخعيّ، وابن أبي ليلى، وأبي ثور، والثانية: البيع فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ؛ لأن النبيّ -ﷺ-، نهى عن بيع وشرط، ولأنه شرط فاسد، فأفسد البيع، كما لو شرط فيه عقدًا آخر، ولأن الشرط إذا فسد وجب الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وذلك مجهول، فيصير الثمن مجهولًا، ولأن البائع إنما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه، والمشتري كذلك، إذا كان الشرط له، فلو صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه، والبيع من شرطه التراضي. قال: ولنا ما روت عائشة -﵂-، قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك، أن أَعُدَّها لهم عَدَّة واحدة، ويكون لي ولاؤك فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم: فأبوا عليها، فجاءت من عندهم، ورسول الله -ﷺ- جالس، فقالت: إني عرضت عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبيّ -ﷺ-، فأخبرت عائشة النبيّ -ﷺ-، فقال: «خذيها، واشترطي الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق»، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله -ﷺ- في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد ما بال رجال، يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحقّ، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق»، متفق عليه، فأبطل الشرط، ولم يبطل العقد، قال ابن المنذر: خبر بريرة ثابت، ولا نعلم خبرًا يعارضه، فالقول به يجب. [فإن قيل]: المراد بقوله: «اشترطي لهم الولاء» أي: عليهم، بدليل أنه أمرها به، ولا يأمرها بفاسد. [قلنا]: لا يصح هذا التأويل لوجهين: [أحدهما]: أن الولاء لها بإعتاقها، فلا حاجة إلى اشتراطه. [الثاني]: أنهم أبوا البيع، إلا أن يشترط الولاء لهم، فكيف يأمرها بما يعلم أنهم لا يقبلونه منها؟ وأما أمره بذلك، فليس هو أمرًا على الحقيقة، وإنما هو صفة الأمر، بمعنى التسوية بين الاشتراط وتركه، كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ الآية [الطور: ١٦]، والتقدير: واشترطي لهم الولاء، أو لا تشترطي، ولهذا قال عقيبه: «فإنما الولاء لمن أعتق»، وحديثهم لا أصل له، على ما ذكرنا، وما ذكروه من المعنى في مقابلة النص، غير مقبول. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٢] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى -يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ- عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْن عَبْدِ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بوزن جعفر- المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و«زكريّا» هو: ابن أبي زائدة، و«عامر» هو: الشعبيّ. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن زكريّا بن أبي زائدة هذه ساقها ابن حبان في «صحيحه» (١٤/ ٤٥٠) فقال: (٦٥١٩) - أخبرنا محمد بن إسحاق بن سعيد السعديّ، قال: حدّثنا عليّ بن خَشْرَم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن زكريا، عن عامر، قال: حدّثني جابر بن عبد الله؛ أنه كان يسير على جمل له قد أعيى، فأراد أن يُسَيِّبه، قال: فلحقني النبيّ -ﷺ-، فدعا له، وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، وقال: «بعنيه بأوقية»، فقلت: لا، ثم قال: «بعنيه بأوقية»، فقلت: لا، ثم قال: «بعنيه بأوقية»، فبعته بأوقية، واستثنيتُ حُمْلانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته، فقال لي -ﷺ-: «أتُراني ماكستك لآخذ جملك، ودراهمك؟ فهما لك». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل الى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٣] (…) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ اِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَتَلَاحَقَ بِي، وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي، قَدْ أَعْيَا، وَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: «مَا لِبَعِيرِكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: عَلِيلٌ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَزَجَرَهُ، وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الإِبِلِ، قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: «كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: «أَفَتَبِيعُنِيهِ؟»، فَاسْتَحْيَيْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ، فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى انْتَهَيْتُ، فَلَقِيَنِي خَالِي، فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، فَلَامَنِي فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: «مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟»، فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا، قَالَ: «أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا، تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي -أَوِ اسْتُشْهِدَ- وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ، وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا، لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ، وَتُؤَدِّبَهُنَّ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية، و«إسحاق بن إبراهيم» هو: ابن راهويه، و«جرير» هو: ابن عبد الحميد الضبيّ، و«مُغيرة» هو: ابن مِقْسَم الضبيّ. وقوله: (غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) تقدّم أن الأرجح أن هذه الغزوة هي ذات الرقاع، وقوله: (وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِى) «الناضح»: اسم فاعل من نضَح البعير الماءَ، من بابي ضرب، ونَفَع: إذا حمله من نهر، أو بئر؛ ليسقي الزرع، فهو ناضح، والأُنثى ناضحةٌ بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه ينضح العطشَ؛ أي: يبُلُّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء. أفاده الفيّوميّ ﵀ . وقوله: (قَدْ أَعْيَا) أي: تَعِبَ، وعَجَز عن السير، قال الفيّوميّ ﵀: عَيِيَ بالأمر، وعن حُجّته يَعْيَا، من باب تَعِب عِيًّا: عَجَز عنه، وقد يُدغم الماضي، فيقال: عَيَّ، فالرجل عَيٌّ، وعَيِيٌّ، على فَعْلٍ، وفَعِيلٍ، وعَيِيَ لم يَهتد لوجهه، وأعياني كذا بالألف: أتعبني، فأعييت، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، وأعيا في مشيه، فهو مُعْيٍ، منقوص. انتهى . وقوله: (قُلْتُ: عَلِيلٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هو عليل؛ أي: مريض. وقوله: (فَزَجَرَهُ) تقدّم أنه ضربه بقضيب، وفي رواية حجنه بمِحْجن. وقوله: (قُدَّامَهَا يَسِيرُ) «قُدّامها» منصوب على الظرفيّة متعلّق بما بعده، والجملة حال مؤكّدة عن قوله: «بين يدي الإبل». وقوله: (فَقَارَ ظَهْرِهِ) بفتح الفاء، ثم قاف: جمع فقارة بالهاء، وهو كناية عن ركوب الظهر، ومنه أفقرت الرجلَ: إذا أعرته ذلك، والْفَقَار: جمع فَقَارة، وهي خَرَزات الصلب، قاله القرطبيّ ﵀ . وقال الفيّوميّ ﵀: فَقَارة الظهر بالفتح: الْخَرَزة، والجمع فَقَارٌ، بحذف الهاء، مثلُ سحابة وسَحاب، قال ابن السِّكِّيت: ولا يقال: فِقَارة بالكسر، والفِقْرة لغة في الْفَقَار، وجمعها فِقَرٌ، وفِقَرات، مثلُ سِدْرة وسِدَرات. انتهى . وقال المجد ﵀: والْفِقْرة بالكسر، والْفَقْرَة، والْفَقَارةُ بفتحهما: ما انتَضَدَ من عظام الصُّلْب من لدن الكاهل إلى الْعَجْب، جمعه كعِنَبٍ، وسَحاب، وفِقْرات بالكسر، أو بكسرتين، وكعِنَبَات. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله المجد أن الفِقْرة يجوز كسر فائها، وفتحه، فتنبّه. وقوله: (إِنِّي عَرُوسٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا يقال للرجل: عَرُوس، كما يقال ذلك للمرأة، لفظها واحد، لكن يختلفان في الجمع، فيقال: رجل عَرُوسٌ، ورجال عُرُس -بضمّ العين، والراء، وامرأة عَرُوس، ونِسوة عَرائس. انتهى . وقوله: (فَلَقِيَنِي خَالِي) تقدّم أنه الْجَدّ بن قيس. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل الى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٤] (…) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَاعْتَلَّ جَمَلِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِي: «بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا»، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ، قَالَ: «لَا، بَلْ بِعْنِيهِ»، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «لَا، بَلْ بِعْنِيهِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ: «قَدْ أَخَذْتُهُ، فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ»، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِبِلَالٍ: «أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزِدْهُ»، قَالَ: فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزَادَنِي قِيرَاطًا، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِي زَيادَةُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: فَكَانَ في كِيسٍ لِي، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريبًا. ٢ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يُرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ١٩٨) (ع) تقدم في «الحيض» ٨/ ٧٢٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ) تقدّم أن الراجح أنه كان في غزوة ذات الرقاع، فيكون معنى قوله هنا: «أقبلنا من مكة … إلخ» أي: من جهة مكة؛ لأن ذات الرقاع كانت بين مكة والمدينة، وليس المراد أنهم رجعوا من مكة نفسها، فتنبّه. وقوله: (فَاعْتَلَّ جَمَلِي) أي: أصابته علّة، وهي الإعياء. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) فاعل «ساق» ضمير سالم بن أبي الجعد، وَيحْتمل أن يكون ضمير شيخه عثمان بن أبي شيبة، والأول أظهر. وقوله: (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِبِلَالٍ) هو ابن رباح مؤذّن النبيّ -ﷺ-. وقوله: (أَعْطِهِ، وَزِدْهُ) فيه دليل على صحة الوكالة، وعلى جواز الزيادة في القضاء، وهي من باب قوله -ﷺ-: «إن خيركم أحسنكم قضاء»، متّفقٌ عليه. قال القرطبيّ ﵀: وهذا لا يُختَلَف فيه إذا كان من بيع، وإنما يُختلف فيه إذا كان من قرض، فاتُّفِق على جوازه في الزيادة في الصفة؛ إذا كان بغير شرط، ولا عادة، وزاد أصحابنا -المالكيّة-: ولا قصد من المقرض للزيادة، لقوله -ﷺ-: «كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا»، وأما الزيادة في العدد والوزن، فمنعها مالك في مجلس القضاء حسمًا للذريعة. وأجازها ابن حبيب، ولم يُختلف في جواز ذلك؛ إذا كانت الزيادة بعد مجلس القضاء. انتهى . وقوله: (فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ) قال أبو جعفر الداوديّ: ليس لأوقية الذهب وزن يُعْرَف، وأما أوقية الفضة فأربعون درهمًا، وفيه دليل على أن وزن الثمن وكَيْلَهُ على المشتري، كما أنه على البائع إن كان المبيع مما يكال، أو يوزن، ولأن على كل واحد منهما أن يسلِّم ما لزمه دفعه، ولا يتحقق التسليم إلا بذلك . وقوله: (وَزَادَنِي قِيرَاطًا) قال الفيّوميّ ﵀: «القِيرَاطُ» يقال: أصله قِرَّاطٌ، لكنه أبدل من أحد المضعّفين ياء؛ للتخفيف، كما في دينار ونحوه، ولهذا يُرَدّ في الجمع إلى أصله، فيقال: قَرَارِيطُ، قال بعض الحُسّاب: القِيرَاطُ في لغة اليونان حبة خُرْنُوب، وهو نصف دانق، والدرهم عندهم اثنتا عشرة حبة، والْحُسّاب يقسمون الأشياء أربعة وعشرين قيراطًا؛ لأنه أول عدد له ثمن، وربع، ونصف، وثلث صحيحات، من غير كسر. انتهى . وقوله: (فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي) قال الفيّوميّ ﵀: الكِيسُ: ما يُخاط من خِرَق، والجمع أكياس، مثلُ حِمْل وأحمال، وأما ما يُشْرَجُ من أَدِيم، وخِرَق، فلا يقال له: كيسٌ، بل خَرِيطة. انتهى . وقوله: (فَأَخَدَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ) يعني حرّة المدينة؛ أي: يوم حارب أهلُ الشام أهلَ المدينة في الحرّة -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء-: موضع بالمدينة، فيه حجارة سُودٌ، ويُطلق على كلّ أرض ذات حجارة سُود، والمعنى: أن تلك الزيادة أخذها أهل الشام في ذلك اليوم الذي كان فيه هناك قتالٌ، ونَهْبٌ منهم، وذلك سنة ثلاث وستّين من الهجرة. [تنبيه]: رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر -﵁- هذه ساقها النسائيّ في «المجتبى» (٧/ ٢٩٨) فقال: (٤٦٣٩) - حدّثنا محمد بن العلاء، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت مع رسول الله -ﷺ- في سفر، وكنت على جمل، فقال: «ما لك في آخر الناس؟» قلت: أعيا بعيري، فأخذ بذنَبه، ثم زجره، فإن كنت إنما أنا في أول الناس، يُهِمّني رأسه، فلما دنونا من المدينة، قال: «ما فعل الجمل؟ بعنيه»، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قال: «لا، بل بعنيه» قلت: لا، بل هو لك، قال: «لا، بل بعنيه، قد أخذته بوُقيّة، اركبه، فإذا قَدِمت المدينة، فأتنا به»، فلما قَدِمت المدينة جئته به، فقال لبلال: «يا بلالُ زِنْ له أُوقيّةً، وزده قيراطًا»، قلت: هذا شيء زادني رسول الله -ﷺ-، فلم يفارقني، فجعلته في كِيسٍ، فلم يزل عندي، حتى جاء أهل الشام يوم الحرّة، فأخذوا منّا ما أخذوا. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٥] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَتَخَلَّفَ نَاضِحِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ لِي: «ارْكَبْ بِاسْمِ اللهِ»، وَزَادَ أَيْضًا: قَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي، وَيَقُولُ: «وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم للجريريّ، وقد اختلَط، وعبد الواحد ليس ممن روى عنه قبل اختلاطه؟. [قلت]: إنما أخرج له في المتابعة، وقد سبق أن رجّحنا أن ما روي عن المختلِط يُقبل بأحد شرطين: إما عن طريق من أخذ عنه قبل الاختلاط، وإما ما وافق فيه الثقات، وهذا منه، فتنبّه، وقد حقّقت هذا البحث في نظمي «عمدة المحتاط»، وشرحه «عدّة أولي الاغتباط»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَةَ الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. و«جابر بن عبد الله -﵁-» ذُكر قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير أبي نضرة، وَيحْتَمل أن يكون ضمير شيخه أبي كامل، والأول أظهر، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أي: طعنه، يقال: نَخَست الدابّةَ نَخْسًا من باب نصر: طعنته بعُود، أو غيره، فهاج، والفاعل: نَخّاسٌ مبالغةٌ، ومنه قيل لدلّال الدوابّ ونحوها: نَخَّاس، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقوله: («ارْكَبْ بِاسْمِ اللهِ») فيه دليلٌ على استحباب التبرك ببسم الله عند افتتاح كل فعل، وإن كان من المباحات، فليس مخصوصًا بالقُرَب، فإنه كما قال في الوضوء: «توضؤوا باسم الله» قال هنا في الركوب: «اركب باسم الله» . وقوله: (فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي) أي: في الثمن، كما بيّنه في رواية ابن ماجه الآتية في التنبيه ولفظه: «فقال لي:»أتبيع ناضحك هذا بدينار؟ والله يغفر لك«، قلت: يا رسول الله، هو ناضحكم، إذا أتيت المدينة، قال:»فتبيعه بدينارين؟ والله يغفر لك«، قال: فما زال يزيدني دينارًا دينارًا، ويقول مكان كل دينار:»والله يغفر لك«حتى بلغ عشرين دينارًا». وقوله: (وَيَقُولُ: «وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ») زاد في رواية النسائيّ من طريق سليمان التيميّ، عن أبي نضرة: «قال أبو نضرة: وكانت كلمةً يقولها المسلمون: افعل كذا وكذا، والله يغفر لك». والمعنى: أن قوله -ﷺ-: «والله يغفر لك» كلمة اعتاد المسلمون قولها عندما يأمر بعضهم بعضًا، ولعلهم أخذوا ذلك من هذا الحديث. فالكلمة هنا المراد بها الكلام، كما قال في «الخلاصة»: وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ وقال القرطبيّ بعد ذكر كلام أبي نضرة هذا، ما نصّه: قلت: وهو كلامٌ يُخرجه فرط المحبّة، والشفقة، وإرادة الخير للمسلمين، وهو على معنى الدعاء. انتهى . [تنبيه]: رواية أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله -﵄- هذه ساقها ابن ماجه في «سننه» (٢/ ٧٤٣) فقال: (٢٢٠٥) - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت مع النبيّ -ﷺ- في غزوة، فقال لي: «أتبيع ناضحك هذا بدينار؟ والله يغفر لك»، قلت: يا رسول الله، هو ناضحكم، إذا أتيت المدينة، قال: «فتبيعه بدينارين؟ والله يغفر لك»، قال: فما زال يزيدني دينارًا دينارًا، ويقول مكان كل دينار: «والله يغفر لك» حتى بلغ عشرين دينارًا، فلما أتيت المدينة، أخذت برأس الناضح، فأتيت به النبيّ -ﷺ-، فقال: «يا بلال أعطه من الغنيمة عشرين دينارًا»، وقال: «انطلق بناضحك، فاذهب به إلى أهلك». انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺوَقَدْ أَعْيَا بَعِيرِي- قَالَ: فَنَخَسَهُ، فَوَثَبَ، فَكُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْبِسُ خِطَامَهُ لأَسْمَعَ حَدِيثَهُ، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: «بِعْنِيهِ»، فَبِعْتُهُ مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ، قَالَ: قُلْتُ: عَلَى أَنَّ لِي ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: «وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ»، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَزَادَنِي وُقِيَّة ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِي). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل باب. و«جابر -﵁-» ذُكر قبله. وقوله: (لأَسْمَعَ حَدِيثَهُ) أي: حديث النبيّ -ﷺ-. وقوله: (بِخَمْسِ أَوَاقٍ) تقدّم أن الأرجح كون الثمن وُقيّة، كما رجحه البخاريّ ﵀، فتنبّه. وقوله أيضًا: (فَبِعْتُهُ مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا في جميع النسخ: «فبعته منه»، وهو صحيح، جائز في العربيّة، يقال: بعته، وبعت منه، وقد كثُر ذكر نظائره في الحديث، وقد أوضحته في «تهذيب اللغات». انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: وبِعْتُ زيدًا الدارَ يتعدى إلى مفعولين، وكثُر الاقتصار على الثاني؛ لأنه المقصود بالإسناد، ولهذا تتم به الفائدة، نحوُ بعتُ الدارَ، ويجوز الاقتصار على الأول عند عدم اللبس، نحوُ بعتُ الأميرَ؛ لأن الأمير لا يكون مملوكاَ يباع، وقد تدخل «مِنْ! على المفعول الأول على وجه التوكيد، فيقال: بعت من زيد الدارَ، كما يقال: كتمته الحديثَ، وكتمت منه الحديثَ، وسرَقتُ زيدًا المالَ، وسرقت منه المالَ، وربما دخلت اللام مكان»مِنْ«، يقال: بعتك الشيءَ، وبعته لك، فاللام زائدة زيادَتها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية [الحج: ٢٦]، والأصل بوأنا إبراهيمَ. انتهى . وقوله: (فَزَادَنِي وُقِيَّة) بالواو، وفي بعض النسخ:«أوقيّة»بالهمزة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٧] (…) - (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي بَعْضِ أَسْفَارهِ -أَظُنُّهُ قَالَ: غَازِيًا- وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ:«يَا جَابِرُ أَتَوَفَّيْتَ الثَّمَنَ؟ »قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:«لَكَ الثَّمَنُ، وَلَكَ الْجَمَلُ، لَكَ الثَّمَنُ، وَلَكَ الْجَمَلُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (م د ت ق) تقدم في«الإيمان» ٢٧/ ٢٢٠. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الْحَضْرميّ مولاهم، أبو محمد المقرئ النحويّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن جدّه زيد بن عبد الله، والأسود بن شيبان، وسوادة بن أبي الأسود، وسليمان بن معاذ الضبيّ، وسليم بن حَيّان، وزائدة بن قدامة، وغيرهم. وروى عنه عمرو بن عليّ الفلاس، وأبو الربيع الزهرانيّ، وعبد الله بن محمد بن يحيى الطَّرَسوسيّ، وعقبة بن مُكرَم العَمّيّ، وغيرهم. قال أحمد، وأبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: ليس هو عندهم بذاك الثبت، يذكرون أنه حَدّث عن الرجال لقيهم، وهو صغير. قال البخاريّ، عن أحمد بن سعيد الرِّباطيّ: مات سنة خمس ومائتين، وفيها أرّخه غير واحد، وزاد بعضهم: في ذي الحجة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، في «الشمائل»، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧١٥)، وحديث (١٤٢): «ما من أمير يلي أمر المسلمين …»، وحديث (٢٥٤٥): «أنّ في ثقيف كذّابًا ومبيرًا …». ٣ - (بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ) الناجيّ الساميّ -بالمهملة- ويقال فيه: الأزديّ، أبو عَقِيل -بفتح العين- الدَّوْرقيّ البصريّ، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن أبي المتوكل، وأبي نضرة، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وغيرهم. وروى عنه بهز بن أسد، وابن مهديّ، وهُشيم، والقطان، وغيرهم. قال أبو حاتم، عن مسلم بن إبراهيم: ثقةٌ، وقال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح الحديث، قال: قلت: يُحتجّ بحديثه؟ قال: صالح الحديث، وقال الفلاس: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: أظنه من دَوْرَق. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والترمذيّ في «الشمائل»، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧١٥)، وحديث (١٩٥١): «إن الله لَعَن، أو غَضِب على سبط من بني إسرائيل …». ٤ - (أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ) عليّ بن داود، ويقال: دُؤاد، تقدّم قريبًا. و«جابر -﵁-» ذُكر قبله. وقوله: (سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ … إلخ) تقدّم أن الأرجح أنها غزوة ذات الرقاع. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) فاعل «اقتَصَّ» ضمير أبي المتوكّل، ويَحْتَمل أن يكون ضمير شيخه عقبة بن مكرم، والأول أظهر. وقوله: (أَتَوَفَّيْتَ الثَّمَنَ؟) وفي بعض النسخ: «أستوفيتَ الثمن»، وهو بمعناه، والهمزة للاستفهام، وحُذفت همزة الوصل؛ للاستغناء عنها. وقوله: («لَكَ الثَّمَنُ، وَلَكَ الْجَمَلُ، لَكَ الثَّمَنُ، وَلَكَ الْجَمَلُ») كرّره للتوكيد. [تنبيه]: رواية أبي المتوكّل الناجيّ، عن جابر بن عبد الله -﵄- هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٢٧٠٦) - حدّثنا مسلم ، حدَّثنا أبو عَقِيل، حدّثنا أبو المتوكل الناجيّ، قال: أتيت جابر بن عبد الله الأنصاريّ، فقلت له: حدِّثني بما سمعت من رسول الله -ﷺ-، قال: سافرت معه في بعض أسفاره، قال أبو عَقِيل: لا أدري غزوةً، أو عمرةً، فلما أن أقبلنا قال النبيّ -ﷺ-: «من أحب أن يتعجل إلى أهله، فليعجل»، قال جابر: فأقبلنا، وأنا على جمل لي أَرْمَكَ ليس فيه شِيَةُ، والناس خلفي، فبينا أنا كذلك إذ قام عليّ، فقال لي النبيّ -ﷺ-: يا جابر استمسك، فضربه بسوطه ضربةً، فوَثَبَ البعير مكانه، فقال: «أتبيع الجمل؟»، قلت: نعم، فلما قدمنا المدينة، ودخل النبيّ -ﷺ- المسجد في طوائف أصحابه، فدخلت إليه، وعَقَلت الجمل في ناحية البَلاط، فقلت له: هذا جملك، فخرج، فجعل يُطِيف بالجمل، ويقول: «الجمل جملنا»، فبعث النبيّ -ﷺ- أواقٍ من ذهب، فقال: «أعطوها جابرًا»، ثم قال: «استوفيت الثمن؟» قلت: نعم، قال: «الثمنُ، والجمل لك». انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل الى المؤلّفرحمه الله أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٨] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَعِيرًا بِوُقِيَّتَيْنِ، وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ، قَاَلَ: فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرَةٍ، فَذُبِحَتْ، فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ، فَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ الْبَعِيرِ، فَأَرْجَحَ لِي). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (مُحَارِبُ) بن دِثَار السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٠/ ١٠٦٩. و«جابر -﵁-» ذُكر قبله. وقوله: (فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا) قال النوويّ ﵀: هو بصاد مهملة مفتوحة، ومكسورة، والكسر أفصح وأشهر، ولم يذكر الأكثرون غيره، قال القاضي: وهو عند الدارقطنيّ، والخطابيّ، وغيرهما، وعند أكثر شيوخنا صِرار: بصاد مهملة مكسورة، وتخفيف الراء، وهو موضع قريب من المدينة، قال: وقال الخطابيّ: هي بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة، على طريق العراق، قال القاضي: والأشبه عندي أنه موضع لا بئر، قال: وضبطه بعض الرواة في مسلم، وبعضهم في البخاريّ: ضِرار، بكسر الضاد المعجمة، وهو خطأ، ووقع في بعض النسخ المعتمدة: «فلما قَدِم صرار» غير مصروف، والمشهور صرفه. انتهى . وقال في «الفتح»: صِرار بكسر الصاد المهملة، والتخفيف، ووهِمَ من ذكره بمعجمة أوّله، وهو موضع بظاهر المدينة على ثلاثة أميال منها، من جهة المشرق. انتهى . وقوله: (أَمَرَ بِبَقَرَةٍ، فَذُبِحَتْ) فيه أن السنّة في البقر الذبح، لا النحر، ولو عكس جاز، وأما قوله في الرواية الأخرى: «أَمَرَ ببقرة، فنُحِرت»، فالمراد بالنحر الذبح؛ جمعًا بين الروايتين، قاله النوويّ ﵀ . وقوله: (أَمَرَنِي أَنْ آِتيَ الْمَسْجِدَ، فَاُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ) فيه أنه يُستحبّ للقادم من السفر أن يبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، وفيه أن نافلة النهار يُستحبّ كونها ركعتين ركعتين، كصلاة الليل، قال النوويّ: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وسبق بيانه في «كتاب الصلاة». انتهى . وقوله: (وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ الْبَعِيرِ، فَأَرْجَحَ لِي) فيه مشروعيّة إرجاح الوزن فيما يدفعه من الثمن، أو غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٩] (…) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا مُحَارِبٌ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّﷺ- بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُقِيَّتَيْنِ، وَالدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ، وَقَالَ: أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قَسَمَ لَحْمَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عبيد الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٠٠] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: «قَدْ أَخَذتُ جَمَلَكَ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. ٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح، واسمه أسلم، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. وقوله: (بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ) تقدّم بيان الاختلاف في ثمن الجمل، وترجيح الراجح، فلا تنس. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء السابع والعشرين من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» وقت الضحى يوم الأحد المبارك، وهو اليوم التاسع من شهر ربيع الثاني (٩/ ٤/ ١٤٣٠ هـ الموافق ٥ إبريل ٢٠٠٩ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الثامن والعشرون مفتتحًا بـ (٤٣) - (بَابُ جَوازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابِ تَوْفِيَتِهِ خَيْرًا مِمَّا عَلَيْهِ) رقم الحديث [٤١٠١] (١٦٠٠). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يوم الأحد التاسع من شهر ربيع الثاني ٩/ ٤/ ١٤٣٠ هـ أول الجزء الثامن والعشرين من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالى. (٤٣) - (بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابِ تَوْفِيَتِهِ خَيْرًا مِمَّا عَلَيْهِ) قال الفيّوميّ ﵀: القَرْض: ما تُعطيه غيرك من المال؛ لتُقضاه، والجمع: قُرُوض، مثلُ: فَلْسٍ وفُلُوس، وهو اسم من أقرضته المالَ إقراضًا، واستقرض: طلب القرض، واقترض: أخذه، وتقارضا الثناء: أثنى كلّ واحد على صاحبه، وقارضه من المال قِراضًا، من باب قاتل، وهو المضاربة. انتهى . وقال ابن قُدامة ﵀: القرض نوع من السَّلف، وهو جائز بالسُّنَّة، والإجماع، أما السُّنَّة: فحديث أبي رافع -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ-، استسلف من رجل بَكْرًا، فقَدِمت على النبيّ -ﷺ- إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَه، فرجع إليه أبو رافع، فقال: يا رسول الله، لم أجد فيها إلا خيارًا رَبَاعيًا، فقال: أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء»، رواه مسلم. وعن ابن مسعود -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «ما من مسلم يُقرض مسلمًا قرضًا مرتين، إلا كان كصدقة مرة» ، وعن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «رأيت ليلة أُسري بي على باب الجنة مكتوبًا: الصدقةُ بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة» ، رواهما ابن ماجه، وأجمع المسلمون على جواز القرض. انتهى.
مصادر المؤلف (١٢٣)

١. «المصباح المنير»١/ ٣٠٣ - ٣٠٤.

٢. «الفتح» ١/ ٢٢٨ «كتاب الإيمان» رقم (٥٢).

٣. «المفهم» ٤/ ٤٨٨.

٤. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٧ - ٢٨.

٥. «الفتح» ١/ ٢٢٩.

٦. «المفهم» ٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩.

٧. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٧ - ٢٨.

٨. «الفتح» ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠.

٩. «الفتح» ١/ ٢٢٩.

١٠. «جامع العلوم والحكم» ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤.

١١. «الكاشف عن حقائق السنن» ٧/ ٢٠٩٩.

١٢. «عمدة القاري» ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.

١٣. حديث صحيح، أخرجه النسائيّ، وغيره.

١٤. أخرجه الترمذيّ رقم (٢٤٥١) وابن ماجه رقم (٤٢١٥) وهو ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن يزيد الدمشقيّ، وهو ضعيف.

١٥. بل هو حديث مرفوع من حديث وابصة بن معبد -﵁-، فقد أخرجه الإمام أحمد =

١٦. «المفهم» ٤/ ٤٩١ - ٤٩٢.

١٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٧/ ٢١٠٠.

١٨. قال في «كشف الخفا»: قال ابن حجر المكيّ في «شرح الأربعين»: أظنه من قول السلف، وقيل: إنه حديث.

١٩. «المفهم» ٤/ ٤٩٣.

٢٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٧/ ٢٠٩٩.

٢١. «المفهم» ٤/ ٤٩٣.

٢٢. «الفتح» ١/ ٢٣٠ - ٢٣١ «كتاب الإيمان» رقم (٥٢).

٢٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦١.

٢٤. «المصباح المنير» ١/ ٢١٨.

٢٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٧/ ٢٠٩٩.

٢٦. «الفتح» ١/ ٢٣١.

٢٧. «المفهم» ٤/ ٤٩٤.

٢٨. «الفتح»١/ ٢٣١ - ٢٣٢.

٢٩. وأنشده في «لسان العرب»، و«تاج العروس» هكذا:

٣٠. «المفهم» ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥.

٣١. «الفتح» ٥/ ٥٠٥ - ٥٠٦ «كتاب البيوع» رقم (٢٠٥١).

٣٢. «الفتح» ٥/ ٥٠٦.

٣٣. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٧.

٣٤. «الفتح» ١/ ٢٣٢ «كتاب الإيمان» رقم (٥٢).

٣٥. «المفهم» ٤/ ٤٩٩ - ٥٠٠.

٣٦. «العِينة، تقع من رجل مضطر إلى نقد؛ لأن الموسر يضنّ عليه بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها؛ فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة، وإنْ باعها من غيره فهي التورق. انظر: حاشية ابن القيم ٩/ ٢٥٠.

٣٧. قطعة من حديث حسن، رواه أحمد (٤/ ٢٦)، وابن ماجه (٤٣)، واللالكائيّ في «شرح أصول الاعتقاد» (٧٩).

٣٨. رواه أحمد ٥/ ١٦٢ والطبرانيّ، وإسناد الطبراني صحيح.

٣٩. رواه ابن سعد في «الطبقات» ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧ ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل.

٤٠. حديث حسن، رواه أحمد ٢/ ١٨٣ و١٩٣.

٤١. أخرجه: عبد الرزاق (١٤٦٧٥ و١٤٦٧٦) وإسناده صحيح.

٤٢. قول ابن مسعود هذا، أخرجه: هناد في «الزهد» (٩٣٤)، والطبراني في «الكبير» (٨٧٤٨ و٨٧٤٩) وذكره الهيثميّ في «المجمع»١/ ١٧٦ وقال: رواه الطبرانيّ كلّه بأسانيد رجالها ثقات.

٤٣. أخرجه: عبد الرزاق (١٤٦٧٧).

٤٤. أخرجه: البخاري ٥/ ٥٣ (٣٨٤٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٧٧٠) من حديث عائشة -﵂-، قالت: «كان لأبي بكر غلامٌ يخرج له الخرج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يومًا بشيءٍ فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسنُ الكهانة إلا أني خدعتهُ فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه».

٤٥. أخرجه: الدارقطني ٣/ ٢٨، والحاكم ٢/ ٥٠، وهو حديث ضعيف ضعّفه الذهبي في «التلخيص»؛ لأن في سنده عبد الحميد بن الحسن الهلاليّ ضغفوه، وأقره ابن الملقن في «مختصر استدراك الذهبي» ١/ ٥٥٦.

٤٦. هكذا عزاه ابن رجب إلى «الصحيحين»، والظاهر أنها رواية للبخاريّ، لا لمسلم، فليُتنبّه.

٤٧. رواه الطبرانيّ في: «الأوسط» (٧١٥٩)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٨/ ٢٧، وفيه جماعة لم أعرفهم.

٤٨. هي رواية للبخاريّ، فقط، كما قال بعض المحقّقين، فليُتنبّه.

٤٩. هي رواية لأبي داود (٣٣٢٩)، والنسائيّ (٨/ ٣٢٧)، وابن حبّان (٧٢١).

٥٠. وهو ضعيف لإرساله.

٥١. قال الهيثميّ ﵀ في «المجمع»: رواه الطبرانيّ في «الأوسط»، وفي إسناده سعد بن زنبور، قال أبو حاتم: مجهول.

٥٢. أخرجه: ابن أبي الدنيا في«الورع»(١١٥)، والطبراني في«الكبير»٢٥/ ٤٢٨، والحاكم ٤/ ١٢٥ - ١٢٦، وأبو نعيم في«الحلية»٦/ ١٠٥ من حديث أم عبد الله أخت شداد بن أوس، أنَّها بعثت إلى النَّبيِّ -ﷺ- بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في طول النهار وشدة الحر، فردّ إليها الرَّسول:«أنى لك هذا اللبن؟ »قالت: من شاةٍ لي؛ فردّ إليها رسولها:«أنى لك هذا الشاة؟ »، قالت: اشتريتها من مالي؛ فشرب، فلما كان من غد، أتت أم عبد الله النبي -ﷺ-، فقالت: يا رسول الله: بعثت إليك بذلك اللبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحرِّ، فرددت فيه إليَّ الرسول، فقال النَّبيِّ -ﷺ-:«بذلك أُمِرت الرسل قبلي، أنْ لا تأكل إلا طيبًا، ولا تعمل إلّا صالحًا».

٥٣. «جامع العلوم والحكم»١/ ٢٠٣ - ٢٠٦.

٥٤. رواه الترمذيّ (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥)، وقال الترمذيّ: حسن غريب. مع أن في سنده عبد الله بن يزيد الدمشقيّ، وهو ضعيف.

٥٥. «جامع العلوم والحكم» ١/ ٢٠٣ - ٢١٠.

٥٦. أخرجه: أحمد ٤/ ١٢٣ و١٢٥، والترمذي (٣٤٠٧)، والنسائي ٣/ ٥٤، وفي «الكبرى» له (١٠٦٤٨)، وابن حبان (١٩٧٤)، والطبراني في «الكبير» (٧١٣٥، و٧١٧٥)، والحاكم ١/ ٥٠٨ من حديث شداد بن أوس، به. وإسناده فيه سعيد الجريريّ، مختلط، وحماد بن سلمة روى عنه بعد الاختلاط، لكن صححه الشيخ الألباني في «السلسلة الصحيحة» رقم (٣٢٢٨).

٥٧. وتمامه: «ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنّة لا يأمن جاره بوائقه»، وذكره الهيثميّ في «المجمع» (١/ ٥٣) وقال: فيه علي بن مسعدة، وثّقه جماعة، وضعّفه آخرون. انتهى. وقال في «التقريب»: صدوق له أوهام، من السابعة.

٥٨. قال الترمذيّ ﵀: حديث حسن، وهو كما قال.

٥٩. «جامع العلوم والحكم» ١/ ٢١٠ - ٢١٤.

٦٠. «ميزان الاعتدال» (١/ ٤٣٠ - ٤٣١).

٦١. هكذا ساقه القرطبيّ، ولم يذكر من أخرجه، والذي في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صدّيقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».

٦٢. عزاه في الهامش إلى الطبرانيّ في «الكبير» (١٩/ ١٣٦) ويحتاج إلى التأكّد، والله أعلم.

٦٣. «المفهم» ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٨.

٦٤. وفي نسخة: «وأكبر».

٦٥. أما أبو فروة الأشجعيّ عند النسائيّ في «عمل اليوم والليلة» فصوابه: فروة الأشجعيّ، بدون «أبو»، فتنبّه.

٦٦. «تهذيب التهذيب» ٦/ ١٦٩.

٦٧. «شرح النوويّ» ١١/ ٣٠.

٦٨. قوله: «قثنا» في الموضعين مختصر من «قال: حدّثنا»، فتنبّه.

٦٩. «الجَذَعَ» من الإبل: ما استكمل أربعة أعوام، ودخل في السنة الخامسة.

٧٠. «المفهم» ٤/ ٥٠١.

٧١. «المصباح المنير» ١/ ٥٤.

٧٢. هذا مكرّر، فتنبّه.

٧٣. وفي نسخة: «بأوقيّة» في الموضعين.

٧٤. هذه الرواية عند مسلم، كما أسلفته، فكان الأولى عزوها إليه، فتنبّه.

٧٥. «الفتح» ٥/ ٦٦٤ - ٦٦٥.

٧٦. «الفتح» ٦/ ٥٩٨ «كتاب الشروط» رقم (٢٧١٨).

٧٧. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٠.

٧٨. «شرح النوويّ»١١/ ٣١.

٧٩. «الفتح»٦/ ٦٠٠.

٨٠. «الفتح»٦/ ٢٩٩ - ٦٠٠.

٨١. «الفتح»٦/ ٦٠٠ - ٦٠١.

٨٢. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٦٢٠.

٨٣. «الفتح»٦/ ٦٠١ - ٦٠٢.

٨٤. «المصباح»١/ ٤.

٨٥. «شرح النوويّ»١١/ ٣١.

٨٦. «المفهم» ٤/ ٥٠٤.

٨٧. راجع: «الفتح» ٦/ ٦٠٢.

٨٨. سبق تخريج هذا الحديث في «كتاب الصلاة»، وإنما أعدته هنا لأني نسيت تخريج ما في هذا الكتاب هناك، فتنبّه.

٨٩. المراد فوائد حديث جابر -﵁- بجميع رواياته المختلفة المذكورة عند المصنّف، وعند غيره التي أشرت إليها في الشرح، فتنبّه.

٩٠. «الفتح» ٦/ ٦٠٩ - ٦١٠.

٩١. «الفتح» ٦/ ٦١٠.

٩٢. راجع: «الفتح» ٦/ ٦٠٥ - ٦٠٦.

٩٣. راجع: «الفتح» ٦/ ٦٠٨ - ٦٠٩.

٩٤. هو كما قال صحيح.

٩٥. «المغني» ٦/ ٣٢١ - ٣٢٦.

٩٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٩ - ٦١٠.

٩٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤١.

٩٨. «المفهم»٤/ ٥٠٢.

٩٩. «المصباح المنير»٢/ ٤٧٨٩.

١٠٠. «القاموس المحيط»ص ١٠٠٥.

١٠١. «شرح النوويّ»١١/ ٣٢.

١٠٢. «المفهم» ٤/ ٥٠٣.

١٠٣. «المفهم» ٤/ ٥٠٣.

١٠٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٨.

١٠٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥٤٦.

١٠٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٦.

١٠٧. «المفهم» ٤/ ٥٠٥.

١٠٨. «المفهم» ٤/ ٥٠٤.

١٠٩. وفي نسخة: «أوقيّةً».

١١٠. «شرح النوويّ»١١/ ٣٤.

١١١. «المصباح المنير»١/ ٦٩.

١١٢. وفي نسخة: «أستوفيتَ الثمنَ».

١١٣. «مُكْرَمٌ» بضمّ الميم، وإسكان الكاف، وفتح الراء، وأما «الْعَمّيّ» فبتشديد الميم: منسوب إلى بني العمّ، من تميم. انتهى. «شرح النوويّ» ١١/ ٣٤.

١١٤. «الناجيّ» بالنون والجيم: منسوب إلى ناجية، وهم من بني أسامة بن لُؤيّ، وقال أبو عليّ الغسّانيّ ﵀: هم: أولاد ناجية، امرأة كانت تحت أُسامة بن لؤيّ. انتهى. «شرح النوويّ» ١١/ ٣٤ - ٣٥.

١١٥. هو ابن إبراهيم الأزديّ الفراهيديّ البصريّ.

١١٦. بِراء، وكاف، وزانُ أحمر، والمراد: ما خالط حمرته سواد.

١١٧. «شرح النوويّ» ١١/ ٣٥.

١١٨. «الفتح» ٧/ ٣٤١ «كتاب الجهاد» رقم ٣٠٨٩.

١١٩. «شرح النوويّ» ١١/ ٣٥.

١٢٠. «شرح النوويّ» ١١/ ٣٥.

١٢١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٨.

١٢٢. حديث صحيح، رواه ابن ماجه في «سننه» (٢/ ٨١٢).

١٢٣. حديث ضعيف، رواه ابن ماجه في «سننه» (٢/ ٨١٢)، وفي سنده خالد بن يزيد =