HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٠٩

حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك بن أبي شِهَابٍ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رسول الله ﷺ قال (لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ). قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللَّهِ! لَأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص57
ج ٣ ص ١٢٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٦١
[٣٤٤] وحديث أبي هريرة ﵁ في غرز الخشب في جدار الجار : في هذا الحديث دلالة على التعاون على الخير، والتَّبَاذُل واستعمال المروءة، وأن الرجل إذا وثق بأخيه ارتفق بجداره بإذنه وغير إذنه، وهذا على وجه الندب، فإن امتنع صاحب الجدار لم يجبر على ذلك، لقوله: (إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم حَرَامٌ عَلَيكُم) . وقال قوم من العلماء: يلزمه ذلك شاء أو أبى ، ومعنى قول الشافعي : إنما أمر به لمعنى ضرورة الجار، كما روي: (لَا يُمْنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ) : وذلك أن يكون للرجل بقعةٌ ضيِّقةٌ بين بناء رجلٍ؛ ليس لمالك البقعة إلا جدارٌ واحدٌ، ويكون جدار الجار محتملًا لخشب الجار، ولا يكون له أن يمنعه ما لا ضرر له فيه، وإن كان جداره ضعيفا يُضرُّ به خشبه ضررا بيِّنا؛ فلا يجوز له أن يغرزها في جداره، وإن كانت عرصَته التي بين ظهراني بناءٍ غير واسعة لم يكن له ذلك، ويبني لنفسه إن شاء أو يدع.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص١٠٧
(٥٠) - (بَابُ غَرْزِ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ الْجَارِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٢٣] (١٦٠٩) - (حَدُّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ»، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد. أنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ) قال في «الفتح»: كذا في «الموطأ»، وقال خالد بن مَخْلَد: «عن مالك، عن أبي الزناد» بدل الزهريّ، وقال بشر بن عُمَر: «عن مالك، عن الزهريّ، عن أبي سلمة» بدل الأعرج، ووافقه هشام بن يوسف، عن مالك، ومعمر، عن الزهريّ، ورواه الدارقطنيّ في «الغرائب»، وقال: المحفوظ عن مالك الأولُ، وقال في «العلل»: رواه هشام الدستوائيّ عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب بدل الأعرج، وكذا قال عُقيل: عن الزهريّ، وقال ابن أبي حفصة: عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن بدل الأعرج، والمحفوظ: عن الزهريّ، عن الأعرج، وبذلك جزم ابن عبد البرّ أيضًا، ثم أشار إلى أنه يَحْتَمِل أن يكون عند الزهريّ عن الجميع. انتهى . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَمْنَعْ) بالجزم على أن»لا«ناهية، ولأبي ذرّ في»صحيح البخاريّ «بالرفع على أنه خبر بمعنى النهي، ولأحمد:»لا يمنعنّ«بزيادة نون التوكيد، وهي تؤيّد رواية الجزم (أَحَدُكُمْ جَارَهُ) وفي رواية البخاريّ:»لا يمنع جارٌ جاره«. (أَنْ يَغْرِزَ) -بفتح حرف أوله، وكسر ثالثه-، يقال: غَرَزته غَرْزًا، من باب ضرب: أثبتّه بالأرض، وأغرزته بالألف لغةٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقوله: (خَشَبَةً) بالإفراد، وفي بعض النسخ:«خشبه»بالإضافة، قال القاضي عياض ﵀: روينا قوله:«خشبَةً»في«صحيح مسلم لا وغيره من الأصول، والمصنفات: »خَشَبَةً« بالإفراد، و»خشبه« بالجمع، قال: وقال الطحاويّ عن رَوْح بن الفرج: سألت أبا زيد، والحرث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى عنه، فقالوا كلهم: »خَشَبَةً« بالتنوين على الإفراد، قال عبد الغنيّ بن سعيد: كُل الناس يقولونه بالجمع إلا الطحاويّ. انتهى . وقال ابن عبد البرّ: رُوي اللفظان في «الموطأ»، والمعنى واحد؛ لأن المراد بالواحد الجنس. انتهى. قال في «الفتح»: وهذا الذي يتعيَّن للجمع بين الروايتين، وإلا فالمعنى قد يختلف باعتبار أن أمر الخشبة الواحدة أخفّ في مسامحة الجار، بخلاف الخشب الكثير، ورَوَى الطحاويّ عن جماعة من المشايخ أنهم رووه بالإفراد، وأنكر ذلك عبد الغنيّ بن سعيد، فقال: الناس كلهم يقولونه بالجمع إلا الطحاويّ، قال الحافظ: وما ذكرته من اختلاف الرواة في «الصحيح» يَرُدّ على عبد الغنيّ بن سعيد، إلا إن إراد خاصًّا من الناس، كالذين رَوَى عنهم الطحاويّ، فله اتجاه. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «خشبةً» بالإفراد والتنوين في رواية أبي ذرّ، وفي رواية غيره: «خَشَبًا» بصيغة الجمع، قال: ورأيت صاحب «التلويح» قد ضَبَط بيده «خُشْبًا» بضم الخاء، وسكون الشين، قلت : تُجمَع الْخَشَبة على خَشَب بفتحتين، وخُشْبٍ بضم الخاء، وسكون الشين، وخُشُب بضمتين، وخشبان. انتهى . (فِي جِدَارِهِ») قال في«الفتح»: استُدِلّ به على أن الجدار إذا كان لواحد، وله جار، فأراد أن يَضَعَ جذعه عليه جاز، سواء أَذِنَ المالك أم لا، فإن امتنع أُجْبِر، وبه قال أحمد، وإسحاق، وغيرهما من أهل الحديث، وابن حبيب من المالكية، والشافعيّ في القديم، وعنه في الجديد قولان: أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإن امتَنَعَ لم يُجْبَر، وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب، والنهي على التنزيه؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم، إلا برضاه، وفيه نظر، وجزم الترمذيّ وابن عبد البرّ عن الشافعيّ بالقول القديم، وهو نصّه في البويطيّ، قال البيهقيّ: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكمَ إلا عمومات، لا يُستنكر أن نَخُصّها، وقد حمله الراوي على ظاهره، وهو أعلم بالمراد بما حَدَّث به، يشير إلى قول أبي هريرة -﵁-: «ما لي أراكم عنها معرضين». انتهى . (قَالَ) الأعرج: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، وفي رواية ابن عيينة عند أبي داود: «فنكسوا رؤوسهم»، ولأحمد: «فلَمّا حدّثهم أبو هريرة بذلك طأطؤوا رؤوسهم» (مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا)؛ أي: عن هذه السُّنّة، أو عن هذه المقالة، قاله في «الفتح» ، وقال النوويّ: أي عن هذه السُّنّة، والخصلة، والموعظة، أو الكلمات. انتهى . فقوله: «ما لي» «ما» استفهاميّة مبتدأ، و«لي» خبره؛ أي: أيُّ شيء ثبت لي، وقوله: «أراكم إلخ …» جملة حاليّة، وقوله: «عنها» متعلّق بقوله: (مُعْرِضِينَ) وهو منصوب على الحال. قال القرطبيّ ﵀: هذا القول من أبي هريرة -﵁إنكارٌ عليهم لِمَا رأى منهم الإعراض، واستثقال ما سمعوه منه، وذلك أنهم لم يُقْبِلوا عليه، بل طأطؤوا رؤوسهم، كما رواه الترمذيّ في هذا الحديث. انتهى . (وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا) وفي رواية البخاريّ: «لأرمينّها»، وفي رواية أبي داود: عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبةً في جداره فلا يمنعه»، فنكسوا، فقال أبو هريرة: ما لي أراكم قد أعرضتم، لألْقِيَنَّها بين أكتافكم. والمعنى: لأشيعنّ هذه المقالة فيكم، ولأُقرّعنّكم بها كما يَضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه؛ ليستيقظ من غفلته. وقال القرطبيّ ﵀: أي لأحدّثنكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من غير مبالاة، ولا تَقِيّة، وأوقعها بينكم كما يُوقَعُ السهم بين الجماعة. انتهى . وقال الطيبيّ ﵀: ويجوز أن يرجع الضمير في قوله: «لأرمين بها» إلى الخشبة، ويكون كنايةً عن إلزامه بالحجة القاطعة على ما ادّعاه؛ أي: لا أقول: إن الخشبة تُرْمَى على الجدار، بل بين أكتافكم؛ لِمَا وَصَّى بالبرّ والإحسان في حقّ الجار، وحمل أثقاله. انتهى . (بَيْنَ أكتَافِكُمْ) قال ابن عبد البرّ ﵀: رَوَيناه في «الموطأ» بالمثناة، وبالنون، والأكناف بالنون: جمع كَنَف بفتحها، وهو الجانب، قال الخطابيّ: معناه: إن لم تَقبَلوا هذا الحكم، وتعملوا به راضين، لأجعلنّها؛ أي: الخشبة على رقابكم كارهين، قال: وأراد بذلك المبالغة، وبهذا التأويل جزم إمام الحرمين؛ تبعًا لغيره، وقال: إن ذلك وقع من أبي هريرة حين كان يَلِي إمرة المدينة، وقد وقع عند ابن عبد البرّ من وجه آخر: «لأَرْمِيَنّ بها بين أعينكم، وإن كرهتم»، وهذا يُرَجِّح التأويل المتقدّم، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ ﵀: قوله: «بين أكتافكم» هو بالتاء المثناة فوقُ؛ أي: بينكم، قال القاضي: قد رواه بعض رواة «الموطأ»: «أكنافكم» بالنون، ومعناه أيضًا: بينكم، والكَنَف الجانب، ومعنى الأول: إني أصرِّح بها بينكم، وأوجعكم بالتقريع بها، كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وأما رواية: «لأضربنّ بها أعينكم»، فهي على جهة الْمَثَل الذي قُصِد به الإغياء في الإنكار؛ لأنه فَهِمَ عنهم الإعراض عما قال، والكراهة، فقابلهم بذلك، والرواية المشهورة: «أكتافكم» -بالتاء باثنتين من فوقها- جمع: كَتَفٍ، وقد وقع في «الموطأ» من رواية يحيى: «أكنافكم» بالنون، جمع كنف، وهو: الجانب. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ٤١٢٣ و٤١٢٤] (١٦٠٩)، و(البخاريّ) في «المظالم» (٢٤٦٣ و٥٦٢٧ و٥٦٢٨)، و(أبو داود) في «سننه» (٣٦٣٤)، و(الترمذيّ) في «جامعه» (١٣٥٣)، و(ابن ماجه) في «سننه» (٢٣٣٥)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٧٤٥)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٢٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٥٤٩ و٧/ ٣٠٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٦١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٤٠ و٢٧٤ و٣٩٦ و٤٦٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٥٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤١٧ و٤١٨)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٢/ ٧٧٩ و٧٨٠ و٧٨١ و٧٨٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٦٨ و١٥٧) و«الصغرى» (٥/ ٣٢٢) و«المعرفة» (٤/ ٥٤٠ و٤٤٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نهي الجار عن منع غرز جاره خشبه في جداره، وقد اختَلَف العلماء هل النهي للتحريم، أو للكراهة؟ وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان شدّة عناية الشريعة بحقّ الجار على الجار، وأنه لا يجوز له منع ما طلبه منه من وضع الخشب على جداره، أو نحو ذلك، فهو كقوله -ﷺ-: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورّثه»، متّفقٌ عليه. ٣ - (ومنها): أن محلّ الوجوب -عند من قال به، وهو الحقّ- أن يحتاج إليه الجار، ولا يضع عليه ما يتضرر به المالك، ولا يُقَدَّم على حاجة المالك. ٤ - (ومنها): أنه لا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى نَقْب الجدار، أو لا؛ لأن رأس الجذع يَسُدّ المنفتح، ويقوّي الجدار. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه أبو هريرة -﵁- من الشدّة في بيان السُّنّة، والدعوة إليها. ٦ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن يكون حريصًا على نشر السُّنَّة، وإن كرِه من كره، وأعرض عنها من ضعفاء الإيمان، أو الجهلة. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: فيه من الفقه: تبليغُ العلم لمن لم يُرِده، ولا استدعاه، إذا كان من الأمور المهمة، ويظهر منه أن أبا هريرة كان يعتقد وجوب بذل الحائط لغرز الخشب، وأن السامعين له لم يكونوا يعتقدون ذلك. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم هذا الحديث: قال النووي ﵀: اختَلَف العلماء في معنى هذا الحديث، هل هو على الندب إلى تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره، أم على الإيجاب؟ وفيه قولان للشافعيّ، وأصحاب مالك، أصحهما في المذهبين: الندب، وبه قال أبو حنيفة، والكوفيون، والثاني: الإيجاب، وبه قال أحمد، وأبو ثور، وأصحاب الحديث، وهو ظاهر الحديث، ومن قال بالندب قال: ظاهر الحديث أنهم توقفوا عن العمل، فلهذا قال: «ما لي أراكم عنها معرضين»، وهذا يدلّ على أنهم فَهِمُوا منه الندب، لا الإيجاب، ولو كان واجبًا لما أطبقوا على الإعراض عنه، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: واستَدَلَّ المهلَّب من المالكية بقول أبي هريرة -﵁-: «ما لي أراكم عنها معرضين» بأن العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، قال: لأنه لو كان على الوجوب لَمَا جَهِلَ الصحابة -﵃- تأويله، ولا أعرضوا عن أبي هريرة حين حدّثهم به، فلولا أن الحكم قد تقرر عندهم بخلافه، لَمَا جاز عليهم جهل هذه الفريضة، فدلّ على أنهم حملوا الأمر في ذلك على الاستحباب. انتهى. وتعقّبه الحافظ فقال: وما أدري من أين له أن المعرضين كانوا صحابة، وأنهم كانوا عددًا لا يَجهَل مثلهم الحكم؟ ولم لا يجوز أن يكون الذين خاطبهم أبو هريرة بذلك كانوا غير فقهاء؟ بل ذلك هو المتعيَّن، وإلا فلو كانوا صحابة، أو فقهاء، ما واجههم بذلك، وقد قَوَّى الشافعيّ في القديم القول بالوجوب بأنّ عمر -﵁- قَضَى به، ولم يخالفه أحد من أهل عصره، فكان اتفاقًا منهم على ذلك. انتهى. قال: ودعوى الاتفاق هنا أولى من دعوى المهلَّب؛ لأن أكثر أهل عصر عمر -﵁- كانوا صحابةً، وغالب أحكامه منتشرة؛ لطول ولايته، وأبو هريرة إنما كان يلي إمرة المدينة نيابةً عن مروان في بعض الأحيان. وأشار الشافعيّ إلى ما أخرجه مالك، ورواه هو عنه بسند صحيح أن الضحاك بن خليفة، سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خَلِيجًا له، فيمرّ به في أرض محمد بن مسلمة، فامتنع، فكلّمه عمر في ذلك، فأبى، فقال: والله ليمرّنّ به، ولو على بطنك، فحمل عمر -﵁- الأمرَ على ظاهره، وعدّاه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره، وأرضه. وفي دعوى العمل على خلافه نظرٌ، فقد روى ابن ماجه، والبيهقيّ من طريق عكرمة بن سلمة: أن أخوين من بني المغيرة أَعْتَقَ أحدهما أن لا يغرز الآخر خشبًا في جُدُره، فلقيا مُجَمِّع بن يزيد الأنصاري، ورجالًا كثيرًا من الأنصار، فقالوا: نشهد أن رسول الله -ﷺ- أمر أن لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبًا في جداره، فقال الحالف: أي أخي قد علمت أنك مَقْضِيّ لك عليّ، وقد حلفت، فاجعل أسطوانًا دون جُدُري، فَفَعَل الآخر، فغرز في الأسطوانة خشبة، قال لي عمرو : فأنا نظرت إلى ذلك . ورَوَى ابن إسحاق في «مسنده»، والبيهقيّ من طريقه، عن يحيى بن جَعْدة أحدِ التابعين، قال: أراد رجل أن يضع خشبةً على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار يحدثون عن رسول الله -ﷺ- أنه نهاه أن يمنعه، فجُبِر على ذلك. وقيّد بعضهم الوجوب بما إذا تقدم استئذان الجار في ذلك مستندًا إلى ذكر الإذن في بعض طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود، وعقيل أيضًا وأحمد، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك: «من سأله جاره»، وكذا لابن حبان من طريق الليث، عن مالك، وكذا لأبي عوانة من طريق زياد بن سعد، عن الزهريّ، وأخرجه البزار من طريق عكرمة، عن أبي هريرة. ومنهم من حَمَل الضمير في «جداره» على صاحب الجذع؛ أي: لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه، ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلًا، ولا يخفى بُعْدُهُ. وقد تعقبه ابن التين بأنه إحداث قول ثالث في معنى الخبر، وقد ردّه أكثر أهل الأصول. قال الحافظ: وفيما قال نظرٌ؛ لأن لهذا القائل أن يقول: هذا مما يستفاد من عموم النهي، لا أنه المراد فقط، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن أرجح الأقوال في المسألة قول من قال بالوجوب؛ لقوّة حجّته. والحاصل أنه يجب على الجار إذا طلب منه جاره أن يضع خشبةً في جداره أن يأذن له؛ لظاهر حديث الباب، وهذا إذا لم يتضرّر، وأما إذا تضرّر بذلك فلا حرج عليه؛ لقوله -ﷺ-: «لا ضرر، ولا ضرار»، وهو حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في «سننه» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٢٤] (…) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيْى) تقدّم قبل باب. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهيرٌ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
مصادر المؤلف (٢٢)

١. وفي نسخة: «خَشَبَهُ» بالإضافة.

٢. «الفتح» ٦/ ٢٨١، كتاب «المظالم» رقم (٢٤٦٣).

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٥.

٤. راجع: «شرح النوويّ» ١١/ ٤٧.

٥. «الفتح» ٦/ ٢٨٢، كتاب «المظالم» رقم (٢٤٦٣).

٦. القائل هو صاحب «العمدة».

٧. «عمدة القاري» ١٣/ ٩.

٨. «الفتح» ٦/ ٢٨٢، كتاب «المظالم» رقم (٢٤٦٣).

٩. «الفتح» ٦/ ٢٨٢.

١٠. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٧.

١١. «المفهم» ٤/ ٥٣٢.

١٢. «المفهم» ٤/ ٥٣٢.

١٣. راجع: «مرقاة المفاتيح» ٦/ ١٤٧.

١٤. «الفتح» ٦/ ٢٨٢، كتاب «المظالم» رقم (٢٤٦٣).

١٥. «شرح النووي» ١١/ ٤٧.

١٦. «المفهم» ٤/ ٥٣٢.

١٧. «المفهم» ٤/ ٥٣٢.

١٨. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٧ - ٤٨.

١٩. هو عمرو بن دينار أحد الرواة في السند.

٢٠. «السنن الكبرى» للبيهقيّ ٦/ ١٥٧.

٢١. «الفتح» ٦/ ٢٨٢ - ٢٨٤.

٢٢. راجع: «صحيح ابن ماجه» للشيخ الألباني ﵀ ٢/ ٧٨٤، و«السلسلة الصحيحة» له ١/ ٤٩٨.