HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٣٧

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ (وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ). قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى. فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ. فَقَالَ (ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِي) فَتَنَازَعُوا. وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ. وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ. قَالَ (دعوني. فالذي أنا فيه خير. أوصيكم ثلاث: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ). قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثالثة. أو قال فَأُنْسِيتُهَا. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْحَدِيثِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص75
ج ٣ ص ١٢٥٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٤٦١
وأخرج الطبرانيّ في «الأوسط» من حديث عبد الرحمن بن عوف: قالوا: يا رسول الله أوصنا -يعني: في مرض موته- فقال: «أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين، وأبنائهم من بعدهم»، وقال: لا يُروَى عن عبد الرحمن إلا بهذا الإسناد، تفرد به عَتيق بن يعقوب. انتهى. قال الحافظ: وفيه من لا يعرف حاله. وفي سنن ابن ماجه من حديث عليّ، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أنا مِتُّ فغسّلوني بسبع قُرَب من بئر غَرْس» ، وكانت بقباء، وكان يشرب منها. وفي «مسند البزار»، و«مستدرك الحاكم» بسند ضعيف أنه -ﷺ- أوصى أن يصلّوا عليه أَرْسالًا بغير إمام. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٢٤] (١٦٣٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ -وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى، حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَجَعُهُ، فَقَالَ: «ائْتُونِي، أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِي»، فَتَنَازَعُوا، وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، قَالَ: «دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ»، قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَهَا، فَأُنْسِيتُهَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شعبة أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكّة، ثقةٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ) هو: سليمان بن أبي مسلم المكيّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقة [٥] تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٨. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر -﵄-، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. و«ابن أبي شيبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سليمان، عن سعيد، وفيه ابن عبّاس -﵄- حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتيا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (يَوْمُ الْخَمِيسِ) خبر لمحذوف؛ أي: هذا يوم الخميس، أو مبتدأ حُذف خبره؛ أي: يوم الخميس هذا، وقوله: (وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟) هذا يُستعمل عند إرادة تفخيم الأمر في الشدّة، والتعجّب منه، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «يوم الخميس، وما يوم الخميس؟» تعظيم، وتفخيم لذلك اليوم على جهة التفَجُّع على ما فاتهم في ذلك من كَتْب كتاب لا يكون معه ضلالٌ، وهو حقيقٌ بأكثر من ذلك التفجُّع، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ [القارعة: ١ - ٢]. انتهى . (ثُمَّ بَكَى) ابن عبّاس -﵄- (حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى) وفي رواية طلحة بن مصرف التالية: «ثم جَعَل تسيل دموعه حتى رأيتها على خديه كأنها نظام اللؤلؤ»، وللبخاريّ في أواخر «الجهاد»: «ثم بكى حتى خَضَبَ دمعه الحصى». قال في «الفتح»: وبكاء ابن عباس -﵄- هذا يَحْتَمِل لكونه تذكّر وفاة رسول الله -ﷺ-، فتجدّد له الحزن عليه، وَيحْتَمِل أن يكون انضاف إلى ذلك ما فات في مُعْتَقَده من الخير الذي كان يحصل لو كُتب ذلك الكتاب، ولهذا أطلق في الرواية الثالثة: أن ذلك رَزِيّة، ثم بالغ فيها، فقال: كُلّ الرزيّة. انتهى . قال سعيد بن جبير (فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟)؛ أي: أيّ شيء حصل فيه، حتى فخّمت شأنه؟ (قَالَ) ابن عبّاس -﵄- (اشْتَدُّ بِرَسُول اللهِ -ﷺ-) ببناء الفعل للفاعل، وقوله: (وَجَعُهُ) مرفوع على الفاعليّة، زاد عند البخاريّ في «الجهاد»: «يومَ الخميس»، وهذا يؤيّد أن ابتداء مرضه -ﷺ- كان قبل ذلك، ووقع في الرواية الثالثة: «لَمّا حُضِر رسول الله -ﷺ-»- بضم الحاء المهملة، وكسر الضاد المعجمة-؛ أي: حضره الموت، وفي إطلاق ذلك تجوّز، فإنه عاش بعد ذلك إلى يوم الاثنين، قاله في «الفتح» . (فَقَالَ) -ﷺ- («ائْتُوني، أكتُبْ لَكُمْ كتَابًا) قال القرطبيّ -﵀-: هذا الأمر الذي همَّ رسول الله -ﷺ- بكتابته يَحْتَمِل أن يكون تفصيل أمور مهمَّةٍ، وقعت في الشريعة مجملةً، فأراد تعيينها، وَيَحْتَمِل أن يريد به بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن، ومَن أَوْلى بالاتباع والمبايعة، وَيحْتَمِل أن يريد به بيان أمر الخلافة، وتعيين الخليفة بعده، وهذا أقربها، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي مال إليه القرطبيّ -﵀- من كون الذي أراد -ﷺ- كتابته هو تعيينَ الخليفة بعده هو الأرجح؛ لأنه يؤيّد ذلك ما يأتي لمسلم في «الفضائل»، عن عائشة -﵄-، قالت: قال لي رسول اللهِ -ﷺ- في مَرَضِهِ: «ادْعِي لي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ، حتى أكتب كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنِّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أنا أَوْلَى، وَيَأبَى الله، وَالْمُومِنُونَ إلا أَبَا بَكْرٍ». وفي رواية للبزّار: «معاذ الله أن يختلف الناس على أبي بكر». (لَا تَضِلُّوا بَعْدِي»)، وفي رواية طلحة بن مصرّف التالية:«لن تضلّوا بعده أبدًا»، وفي رواية عبيد الله الثالثة:«هَلُمّ أكتب لكم كتابًا لا تضلُّوا بعده»، وللبخاريّ:«هلمّوا أكتب لكم كتابًا، لا تضلّوا بعده». وقال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-:«ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده»لا شكّ في أن«ائتوني»أمرٌ وطلبٌ توجَّه لكل من حضر، فكان حقّ كل من حضر المبادرةُ للامتثال، ولا سيما وقد قرنه بقوله:«لا تضلُّون بعده»، لكن ظهر لعمر -﵁- ولطائفة معه أن هذا الأمر ليس على الوجوب، وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء، كما قال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٨٩]، مع ما كان فيه رسول الله -ﷺ- من الوجع، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشقّ ويثقل عليه، فظهر لهم: أن الأوَّلى ألا يكتب، وأرادت الطائفة الأخرى أن يكتب، متمسِّكةً بظاهر الأمر، واغتنامًا لزيادة الإيضاح، ورفع الإشكال، فيا ليتَ ذلك لو وقع وحصلَ! ولكن قدَّر الله، وما شاءَ فعل، ومع ذلك: فلا عتب، ولا لوم على الطائفة الأولى؛ إذ لم يعنّفهم النبيّ -ﷺ-، ولا ذمَّهم، بل قال للجميع: «دعوني، فالذي أنا فيه خير»، وهذا نحو مِمَّا جرى لهم حيث قال رسول الله -ﷺ- يوم الأحزاب: «لا يصلّين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة»، فتخوَّف ناسٌ فوت الوقت، فصَلَّوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله -ﷺ-، وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنَّف واحدًا من الفريقين. وسبب ذلك: أن ذلك كله إنَّما حمل عليه الاجتهاد المسوَّغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب ، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم، بل مأجور، كما قررناه في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا الله عنه: الصواب أن ما قاله عمر -﵁- ومن تبعه من عدم الكتابة هو الحقّ؛ لتقرير النبيّ -ﷺ- ذلك، وعدم نزول الوحي بنقضه، فإن هذا القول صدر منه -ﷺ- يوم الخميس، وتُوفّي يوم الاثنين، فلو كان في الكتابة خير لَمَا سكت عنه، فالذي نعتقده أن الله -﷿- أمره -ﷺ- أن يكتب لهم كتابًا يعتمدون عليه بعد موته، إن رأوا ذلك، وإلا فكتاب الله تعالى فيه الكفاية التامّة، فلمّا عرض عليهم النبيّ -ﷺ- ذلك اختلفوا فيه، فعلم بذلك أنه لا حاجة إليه، فتركه، وهذا نظير قوله -ﷺ- لعائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا …» الحديث، ثم ترك ذلك، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، وفي رواية: «معاذ الله أن يختلف الناس على أبي بكر»، كما تقدّم، فتبيّن بهذا أن عدم الكتابة فيه الخير. وهذا نظير ما ثبت في «الصحيحين» أنه -ﷺ- أُري ليلة القدر، فأراد أن يخبر الناس بها، فخرج لذلك، فتنازع رجلان، فرُفِعت، فقال -ﷺ-: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم …» الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَتَنَازَعُوا)؛ أي: اختلف الصحابة الحاضرون لديه -ﷺ- في ذلك، ففي رواية عبيد الله الثالثة: «فقال عمر: إن رسول الله -ﷺ- قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله -ﷺ- كتابًا لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر». وقوله: (وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ) قال في «الفتح»: هو من جملة الحديث المرفوع، وَيحْتَمل أن يكون مدرجًا من قول ابن عبّاس -﵄-، والصواب الأول، فقد وقع عند البخاريّ في «العلم» بلفظ: «ولا ينبغي عندي التنازع». والمعنى: أنه -ﷺ- لَمّا رأى تنازعهم في ذلك قال لهم: «وما ينبغي عندي تنازع»، وفي رواية عبيد الله: «فلَمّا أكثروا اللغو، والاختلاف عند رسول الله -ﷺ-، قال رسول الله -ﷺ-: قوموا». (وَقَالُوا: مَا شَأنهُ؟ أَهَجَرَ؟ استفْهِمُوهُ)؛ أي: اطلبوا منه فَهْم ما قاله في شأن الكتاب، قال في «الفتح»: قوله: «فقالوا: ما شأنه؟ أَهَجَر؟، بهمزة لجميع رواة البخاريّ، وفي الرواية التي في الجهاد بلفظ:»فقالوا: هجر«بغير همزة، ووقع للكشميهنيّ هناك:»فقالوا: هَجَرَ هَجَرَ رسول الله -ﷺ-«أعاد»هجر«مرتين. وقال القرطبيّ -﵀-: وقوله:«أهجرَ؟ استفهموه»كذا الرّواية الصحيحة في هذا الحرف«أهَجَرَ؟ »بهمزة الاستفهام،«وهَجَرَ»بالفتح بغير تنوين، على أنَّه فعل ماض، وقد رواه بعضهم:«اْهُجُرًا»بفتح الهمزة، وبضم الهاء، وتنوين الراء، على أن يجعله مفعولًا بفعل مضمر؛ أي: أقال هُجْرًا، وقد رُوي في غير مسلم:«هَجَرَ» بلا استفهام، والهَجْر: يراد به هذيان المريض، وهو الكلام الذي لا ينتظم، ولا يُعتدّ به؛ لعدم فائدته، ووقوع مثل هذا من النبيّ -ﷺ- في حال مرضه، أو صحته محال؛ لأن الله تعالى حَفِظَه من حين بعثه إلى حين قبضه عمَّا يُخِلّ بالتبليغ، ألا تسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقد شَهِد له بأنه على صراط مستقيم، وأنه على الحقّ المبين، إلى غير ذلك. ولذلك قال -ﷺ-: «خذوا عني في الغضب والرضا، فإني لا أقول على الله إلا حقًّا» ، ولما علم أصحابه هذا كانوا يأخذون عنه ما يقوله في كل حالاته، حتَّى في هذه الحالة، فإنهم تلقَّوا عنه، وقبلوا منه جميع ما وصَّى به عند موته، وعملوا على قوله: «لا نورث»، ولقوله: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، و«أجزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم»، إلى غير ذلك، ولم يتوقفوا، ولا شكُّوا في شيء منه. وعلى هذا: يستحيل أن يكون قولهم: أَهَجَرَ، لشكٍّ عَرَضَ لهم في صحة قوله زمن مرضه، وإنَّما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكَّأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف، أتظن: أنه قال هذيانًا؟ فدع التوقف وقرِّب الكتفَ، فإنه إنما يقول الحق، لا الْهَجْرَ، وهذا أحسنُ ما يُحْمَل ذلك عليه، فلو قدَّرنا: أن أحدًا منهم قال ذلك عن شكّ عرض له في صحَّة قوله؛ كان خطأ منه، وبعيدٌ أن يقرَّه على ذلك القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة وكبرائهم، وفضلائهم، هذا تقديرٌ بعيد، ورأيٌّ غير سديد. ويحتمل: أن يكون هذا صدَرَ عن قائله عن دهشٍ وحيرةٍ أصابه في ذلك المقام العظيم، والمصاب الجسيم، كما قد أصاب عمر وغيره عند موته. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . وقال في «الفتح»: قال القاضي عياض: معنى أهجر: أفحش، يقال: هجر الرجل: إذا هَذِيَ، وأهجر: إذا أفحش. وتُعُقّب بأنه يستلزم أن يكون بسكون الهاء، والروايات كلها إنما هي بفتحها، وقد تكلم عياض وغيره على هذا الموضع، فأطالوا، ولخصه القرطبيّ تلخيصًا حسنًا، ثم لخصته من كلامه. وحاصله أن قوله: «هَجَرَ» الراجح فيه إثبات همزة الاستفهام، وبفتحات، على أنه فعل ماض، قال: ولبعضهم: «أَهُجْرًا» بضم الهاء، وسكون الجيم، والتنوين، على أنه مفعول بفعل مضمر؛ أي: قال هُجْرًا، والهجر بالضم، ثم السكون: الهذيان، والمراد به هنا ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم، ولا يُعْتَدّ به؛ لعدم فائدته، ووقوعُ ذلك من النبيّ -ﷺ- مستحيل؛ لأنه معصوم في صحته ومرضه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾، ولقوله -ﷺ-: «إني لا أقول في الغضب والرضا إلا حقًّا». وإذا عُرِف ذلك فإنما قاله من قاله مُنكِرًا على من توقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة، فكأنه قال: كيف تتوقف؟ أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه؟ امتَثِلْ أمره، وأحضره ما طَلَب، فإنه لا يقول إلا الحقّ، قال: هذا أحسن الأجوبة. قال: ويَحْتَمِل أن بعضهم قال ذلك عن شكّ عرض له، ولكن يبعده أن لا ينكره الباقون عليه، مع كونهم من كبار الصحابة، ولو أنكروه عليه لنُقِل. ويَحْتَمِل أن يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة، كما أصاب كثيرًا منهم عند موته -ﷺ-. وقال غيره: ويَحْتَمِل أن يكون قائل ذلك أراد أنه اشتد وجعه، فأطلق اللازم، وأراد الملزوم؛ لأن الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ عن شدة وجعه، وقيل: قال ذلك؛ لإرادة سكوت الذين لَغَطُوا، ورفعوا أصواتهم عنده، فكأنه قال: إن ذلك يؤذيه، ويفضي في العادة إلى ما ذُكر. ويَحْتَمِل أن يكون قوله: «أهَجَرَ» فعلًا ماضيًا، من الهجر -بفتح الهاء، وسكون الجيم- والمفعول محذوف؛ أي: الحياة، وذكره بلفظ الماضي مبالغةً لَمّا رأى من علامات الموت. قال الحافظ: ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبيّ، ويكون قائل ذلك بعض من قرُب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتدّ عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أن يقوله، لجواز وقوع ذلك، ولهذا وقع في الرواية الثانية: «فقال بعضهم: إنه قد غلبه الوجع». ووقع عند الإسماعيليّ من طريق محمد بن خلاد، عن سفيان في هذا الحديث: «فقالوا: ما شأنه يهجر؟ استفهموه». وعند ابن سعد من طريق أخرى، عن سعيد بن جبير: «إن نبيّ الله ليهجر»، ويؤيده أنه بعد أن قال ذلك: «استفهموه» بصيغة الأمر بالاستفهام؛ أي: اختبروا أمْره بأن يستفهموه عن هذا الذي أراده، وابحثوا معه في كونه الأولى أو لا. وفي قوله في الرواية الثانية: «فاختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم» ما يُشعر بأن بعضهم كان مُصَمِّمًا على الامتثال، والردّ على من امتنع منهم، ولمّا وقع منهم الاختلاف ارتفعت البركة، كما جرت العادة بذلك عند وقوع التنازع والتشاجر. وقد مضى في «الصيام» أنه -ﷺ- خرج يخبرهم بليلة القدر، فرأى رجلين يختصمان، فرُفعت. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «فرُفعت البركة» فيه نظر لا يخفى، بل هذا مما لا يليق بمنصب الحافظ، فإنه لا شكّ أن البركة فيما اختاره الله لهذه الأمة، من عدم الكتابة، ويدلّ على ذلك ما ذكره نظيرًا له، وهو ارتفاع علم ليلة القدر، فإنه ليس فيه رفع للبركة قطعًا، بدليل قوله -ﷺ-: «وعسى أن يكون خيرًا لكم»، فهل بعد رفع البركة من خير يرجى، فتبصّر بالإنصاف. والحاصل أن الخير كلّ الخير فيما اختاره الله تعالى لهذه الأمة من بقاء دينها، وبقاء تمسّكها بكتاب ربها، وهذا هو الحاصل من الصدر منها، فإن الصحابة -﵃- اجتمعوا على من قال في حقه النبيّ -ﷺ-: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، وفي رواية: «معاذ الله أن يختلف الناس على أبي بكر»، ولله تعالى الحمد والمنة، ومنه التوفيق والعصمة. وقال المازريّ: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم بذلك لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلّت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختَلَف اجتهادهم، وصَمَّم عمر على الامتناع لِمَا قام عنده من القرائن بأنه -ﷺ- قال ذلك عن غير قصد جازم، وعزمه -ﷺ- كان إما بالوحي، وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي، فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضًا، وفيه حجة لمن قال بالرجوع إلى الاجتهاد في الشرعيات. قال الجامع: اجتهاده -ﷺ- في مثل هذا وحي؛ أي: إن الوحي أقرّه، حيث لم ينزل بنقضه، فدلّ على أن ما قاله، وسكت عنه اجتهادًا مما أقرّه الله تعالى عليه، فلا ينبغي الشكّ والتردّد في كونه هو الحقّ، فتبصّر. وقال النوويّ: اتفق قول العلماء على أن قول عمر: «حسبنا كتاب الله» من قوة فقهه، ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عَجَزُوا عنها، فاستحقّوا العقوبة؛ لكونها منصوصة، وأراد أن لا ينسدّ باب الاجتهاد على العلماء، وفي تركه -ﷺ- الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه رأيه، وأشار بقوله: «حسبنا كتاب الله» إلى قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ويَحْتَمِل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله -ﷺ- لَمّا رأى ما هو فيه من شدة الكرب، وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس مما لا يستغنون عنه؛ إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه -ﷺ- لأجل اختلافهم. قال: ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: «إن الرزية … إلخ»؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد النوويّ -﵀- في تحقيقه الجواب الشافي الكافي في هذه المسألة، فقد أشار إلى أن فقه عمر -﵁- أحقّ بالصواب، فإن كتاب الله فيه الكفاية التامة، وأيضًا فقد رأى -﵁- أنه -ﷺ- لو نصّ على شخص معيّن، فاختلف فيه الناس بعد التنصيص، فإنه يكون سببًا لنزول العقوبة عليهم، كما جرت بذلك سُنَّة الله في الأمم السالفة، بخلاف ما إذا كان أمرًا اجتهاديًّا، فإن الخلاف فيه هيّن يُعذر المخطئ، بل يؤجر عليه. وأيضًا فإن في ترك الكتابة مصالحَ فتح باب الاجتهاد للعلماء، فيحصل لهم الأجر والمثوبة في ذلك. وأيضًا راعى -﵁- حالة النبيّ -ﷺ-، فإنه في حال شدّة المرض، فلا ينبغي زيادة العناء عليه بشيء غير ضروريّ؛ إذ لو كانت الكتابة ضروريّة لَمَا تركها -ﷺ- من يوم الخميس إلى يوم الاثنين، فتأمل أيها اللبيب هذا كلّه حقّ التأمل يظهر لك وجه الصواب، وبالله تعالى التوفيق. وقال الخطابيّ: لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبيّ -ﷺ- يريد كتابته، بل امتناعه محمول على أنه لَمّا رأى ما هو فيه من الكرب، وحضور الموت، خَشِي أن يجد المنافقون سبيلًا إلى الطعن فيما يكتبه، وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق، فكان ذلك سبب توقف عمر، لا أنه تعمد مخالفة قول النبيّ -ﷺ-، ولا جواز وقوع الغلط عليه، حاشا وكلّا. انتهى. قال الجامع: ينبغي أن يزاد في قول الخطابيّ أن عمر مع رؤيته ما ذُكر رأى أن الكتابة ليست ضروريّة؛ لأن في كتاب الله ما يغنينا عنها، بل هي كانت مجرّد إيضاح وبيان، فلا ينبغي زيادة المشقّة عليه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. زاد في رواية البخاريّ: قوله: «وقد ذهبوا يردّون عليه»، قال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن يكون المراد: يردّون عليه؛ أي: يعيدون عليه مقالته، ويستثبتونه فيها، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: يردّون عنه القول المذكور على من قاله. انتهى. (قَالَ) -ﷺ- («دَعُوني فَالَّذِي أنا فِيهِ خَيْرٌ) قال النوويّ -﵀-: معناه: دَعُوني من النزاع واللغط الذي شرعتم فيه، فالذي أنا فيه من مراقبة الله تعالى، والتأهب للقائه، والفكر في ذلك ونحوه، أفضل مما أنتم فيه. انتهى . وقال في«الفتح»: قال ابن الجوزيّ وغيره: يَحْتَمِل أن يكون المعنى: دعوني فالذي أعاينه من كرامة الله التي أعدّها لي بعد فراق الدنيا خير مما أنا فيه في الحياة، أو أن الذي أنا فيه من المراقبة، والتأهب للقاء الله، والتفكر في ذلك ونحوه، أفضل من الذي تسألونني فيه من المباحثة عن المصلحة في الكتابة، أو عدمها. ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: فإن امتناعي من أن أكتب لكم خير مما تدعونني إليه من الكتابة. قال الحافظ: وَيَحْتَمِل عكسه؛ أي: الذي أشرت عليكم به من الكتابة خير مما تدعونني إليه من عدمها، بل هذا هو الظاهر، وعلى الذي قبله كان ذلك الأمر اختبارًا وامتحانًا، فهدى الله عمر لمراده، وخفي ذلك على غيره. قال الجامع: استظاهر الحافظ العكس، وهو كون الكتابة خيرًا فيه نظر لا يخفى؛ لأنه يؤدّي أنه -ﷺ- مات وترك أمته على غير ما هو خير لهم؛ لأجل تنازعهم، وهذا من أخطر ما يُعتقد في الدين، بل العكس، هو الخير كلّ الخير، وهو الصواب الذي لا نعتقد سواه، وأن عمر ومن معه قد وُفّقوا لما هو الخير، ولهذا عدّ بعضهم هذا من موافقات عمر -﵁-، وما أحقّه بذلك!. قال: وأما قول ابن بطال: عمر أفقه من ابن عباس، حيث اكتفى بالقرآن، ولم يكتف ابن عباس به. فتعقب بأن إطلاق ذلك مع ما تقدم ليس بجيد، فإن قول عمر: «حسبنا كتاب الله» لم يُرد أنه يُكْتَفَى به عن بيان السُّنَّة، بل لِمَا قام عنده من القرينة، وخَشِي من الذي يترتب على كتابة الكتاب مما تقدمت الإشارة إليه، فرأى أن الاعتماد على القرآن لا يترتب عليه شيء مما خشيه، وأما ابن عباس، فلا يقال في حقه: لم يكتف بالقرآن، مع كونه حبر القرآن، وأعلم الناس بتفسيره وتأويله، ولكنه أسف على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه؛ لكونه أولى من الاستنباط، والله أعلم. انتهى . (أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ)؛ أي: في تلك الحالة، وهذا يدلّ على أن الذي أراد أن يكتبه لم يكن أمرًا، متحتمًا؛ لأنه لو كان مما أُمر بتبليغه لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب الله مَن حال بينه وبين تبليغه، ولبلّغه لهم لفظًا كما أوصاهم بإخراج المشركين، وغير ذلك، وقد عاش بعد هذه المقالة أيامًا، وحفظوا عنه أشياء لفظًا، فيَحْتَمِل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه، والله أعلم، قاله في «الفتح». قال الجامع: «وهذا يدلّ … إلخ» هذا مما أجاد فيه الحافظ من تحقيقاته المفيدة، خلاف ما مضى له، مما يُنتقد، ويُتعقّب فيه، فقد أوضح هنا أن ما أراده -ﷺ- من الكتابة لهم ليس من الأمور المتحتّمة، وإلا لَمَا تركه، وقد عاش بعده نحو أربعة أيام، وحفظ الصحابة خلالها منه سُننًا، فلو كان حتمًا لَمَا أهمله، وهذا هو الذي قرّرناه سابقًا، وهو الحقّ الذي لا نتردّد فيه. وأما ما ذكره من احتمال أن يكون مجموع هذه الأمور هو الذي أراد أن يكتبه، فمحلّ نظر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «أوصيكم بثلاث» نصٌّ في أنه -ﷺ- أوصى عند موته، وهو مخصِّصٌ لقول مَنْ قال: إنه -ﷺ- لم يوص بشيء، وقد تقدَّم ذلك. انتهى . (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) قال القرطبيّ -﵀-: يعني بالمشركين: اليهود؛ لأنه ما كان بقي مشرك في أرض العرب في ذلك الوقت غيرهم، فتعيَّنوا، وقد جاء في بعض طرقه: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب» مفسّرًا. و«الجزيرة»: فَعِيلة بمعنى مفعولة، وهي مأخوذة من الْجَزْر، وهو: القطع، ومنه: الْجَزّار، والْجِزَارة من الغنم، والجزور من الإبل؛ وكل ذلك راجع إلى القطع، وسُميَّت أرض العرب بالجزيرة؛ لانقطاعها بإحاطة البحار بها والحِرار، وأضيفت إلى العرب؛ لاختصاصهم بها، ولكونهم فيها ومنها. واختُلِف في حدِّها، فقال الأصمعيّ: هي ما بين أقصى عدن أبين إلى رِيف العراق في الطول، وفي العرض: من جُدَّة وما والاها إلى أطراف الشام، وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى الأشعريّ إلى أقصى اليمن، وما بين رمل يَبْرِين إلى منقطع السَّماوة، وقال المخزوميّ عن مالك: هي مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن، وحَكَى الهرويّ عنه: المدينة، والأول: المعروف عنه، فقال مالك: يُخرَج من هذه المواضع التي ذكر المخزوميّ كل من كان على غير دين الإسلام، ولا يُمنعون من التردُّد بها مسافرين، وكذلك قال الشافعيّ، غير أنه استثنى من ذلك اليمن، ويُضْرَب لهم أجل ثلاثة أيَّام، كما ضربه لهم عمر حين أجلاهم. وقال الشافعيّ: ولا يدفنون فيها موتاهم، ويُلجؤون إلى الدَّفن بغيرها. وقد رأى الطبريّ: أن هذا الحكم ليس خاصًّا بجزيرة العرب؛ فقال: الواجب على كل إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه المسلمون إذا لم يكن من بلادهم التي صولحوا عليها، إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم بها لعمارتها، فإذا كان ذلك؛ فلا يَدَعهم في مصر مع المسلمين أكثر من ثلاث، وليسكنهم خارجًا عنهم، ويمنعهم اتخاذ المساكن في أمصار المسلمين، فإن اتخذوها باعها عليهم، واستدَلّ على ذلك بما رواه عن النبيّ -ﷺ- من قوله: «لا تبقى قبلتان بأرض» ، وبقول «ابن عبَّاس: لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم، وبإخراج أهل الذِّمَّة من الكوفة إلى الحيرة، قال: وإنما خصَّ في الحديث جزيرة العرب؛ لأنه لم يكن يومئذ للإسلام ظهور إلا بها. قال القرطبيّ: وتخصيص الحكم بجزيرة العرب هو قولُ المتقدمين، والسلف الماضين، فلا يُعْدَلُ عنه، ولم يُعَرِّج أبو حنيفة على هذا الحديث، فأجاز استيطان المشركين بالجزيرة، ومخالفة مثل هذا جريرة. انتهى قول القرطبيّ -﵀-، وأجاد في قوله: «ومخالفة مثل هذا جريرة»، فإن مخالفة الحديث الصحيح، جريرة أي جريرة، لكن يُعتذر عن الإمام أبي حنيفة: بأنه لم يصل إليه هذا الحديث، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ -﵀-: قوله -ﷺ-: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»: قال أبو عبيد: قال الأصمعيّ: جزيرة العرب ما بين أقصى عدن اليمن إلى رِيف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جُدّة، وما والاها إلى أطراف الشام، وقال أبو عبيدة: هي ما بين حَفَر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما في العرض فما بين رَمْل يَبْرين إلى مُنقَطع السماوة. وقوله: «حَفَر» أبي موسى هو بفتح الحاء المهملة، وفتح الفاء أيضًا، قالوا: وسميت جزيرةً؛ لإحاطة البحار بها من نواحيها، وانقطاعها عن المياه العظيمة، وأصل الْجَزْر في اللغة القطع، وأضيفت إلى العرب؛ لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام، وديارهم التي هي أوطانهم، وأوطان أسلافهم. وحَكَى الهرويّ عن مالك أن جزيرة العرب هي المدينة، والصحيح المعروف عن مالك أنها مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن. وأخذ بهذا الحديث مالك، والشافعيّ وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعيّ خَصَّ هذا الحكم ببعض جزيرة العرب، وهو الحجاز، وهو عنده مكة والمدينة واليمامة، وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب، بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه. = فقد وثقه آخرون، راجع ترجمته في: «تهذيب التهذيب». قال العلماء: ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز، ولا يمكّنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعيّ وموافقوه: إلا مكة وحرمها، فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خفية وجب إخراجه، فإن مات ودُفن فيه نُبِش وأخرج، ما لم يتغير، هذا مذهب الشافعيّ، وجماهير الفقهاء. وجوّز أبو حنيفة دخولهم الحرم، وحجة الجماهير قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، والله أعلم. انتهى . (وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ)؛ أي: أعطوهم، والجائزة: العطية: وقيل: أصله أن ناسًا وَفَدوا على بعض الملوك، وهو قائم على قنطرة، فقال: أجيزوهم، فصاروا يُعطون الرجل، ويطلقونه، فيجوز على القنطرة متوجهًا، فسُمِّيت عطيةُ مَن يَقْدَم على الكبير جائزةً، وتُستعمل أيضًا في إعطاء الشاعر على مدحه، ونحو ذلك. وقوله: (بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ»)؛ أي: بقريب منه، وكانت جائزة الواحد على عهده -ﷺ- وقيّةً من فضة، وهي أربعون درهمًا، قاله في«الفتح». وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«وأجيزوا الوفد»: الوفد: جمع وافد؛ كصحب، وصاحب، وركب، وراكب، وجمع الوفد: أوفاد، ووفود، والوفادة: الاسم، وهو: القادم على القوم، والرسول إليهم، يقال: أو فدته: أرسلته، والإجازة: العطية، وهذا منه -ﷺ- عهدٌ ووصيةٌ لولاة المسلمين بإكرام الوفود، والإحسان إليهم، قضاءً لحقّ قصدهم، ورفقًا بهم، واستئلافًا لهم. قال القاضي أبو الفضل: وسواء في ذلك عند أهل العلم؛ كانوا مسلمين أو كفارًا؛ لأن الكافر إنَّما يَفِدُ في مصالح المسلمين، قال: وهذه سُنَّة لازمة للأمة بعد النبيّ -ﷺ-. انتهى . (قَالَ) سليمان الأحول (وَسَكَتَ)؛ يعني: سعيد بن جبير (عَنِ الثَّالِثَةِ)؛ أي: عن ذكر الخصلة الثالثة (أَوْ قَالَهَا)؛ أي: ذكرها سعيد (فَأُنسِيتُهَا) بضم أوله من الإنساء رباعيًّا؛ أي: أنسانيها الشيطان، ولفظ البخاريّ: «فنسيتها، من النسيان ثلاثيًّا. قال النوويّ: الساكت ابن عبّاس، والناسي سعيد. انتهى، وفيه نظر؛ لِمَا يأتي. وقال الحافظ -﵀-: قوله:«وسكت عن الثالثة، أو قال، فنسيتها»يَحْتَمِل أن يكون القائل ذلك هو سعيد بن جبير، ثم وجدت عند الإسماعيليّ التصريح بأن قائل ذلك هو ابن عيينة، وفي«مسند الحميديّ»، ومن طريقه أبو نعيم في«المستخرج»قال سفيان: قال سليمان -أي: ابن أبي مسلم-: لا أدري أذكر سعيد بن جبير الثالثة، فنسيتها، أو سكت عنها؟ وهذا هو الأرجح. قال الداوديّ: الثالثة: الوصية بالقرآن، وبه جزم ابن التين، وقال المهلَّب: بل هو تجهيز جيش أسامة، وقوّاه ابن بطال بأن الصحابة -﵃- لَمّا اختلفوا على أبي بكر -﵁- في تنفيذ جيش أسامة، قال لهم أبو بكر: إن النبيّ -ﷺ- عَهِدَ بذلك عند موته. وقال القاضي عياض: يَحْتَمِل أن تكون هي قوله:«ولا تتخذوا قبري وثنًا»، فإنها ثبتت في«الموطأ»مقرونة بالأمر بإخراج اليهود، وَيحْتَمِل أن يكون ما وقع في حديث أنس: أنها قوله:«الصلاة، وما ملكت أيمانكم»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسأئل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٤٢٢٤ و٤٢٢٥ و٤٢٢٦، (١٦٣٧)، و(البخاريّ) في«العلم»(١١٤) و«الجهاد»(٣٠٥٣) و«المغازي»(٤٤٣١ و٤٤٣٢) و«المرضى»(٥٦٦٩) و«الاعتصام»(٧٣٦٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٥/ ٤٣٨ و٦/ ٥٧ و١٠/ ٣٦١)، و(الحميديّ) في«مسنده»(١/ ٢٤١)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ٢٢٢ و٣٢٤ و٣٣٦ و٣٥٥)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٣/ ٤٣٣ و٤٣٤ و٣٦٠)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٤/ ٢٩٨)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣/ ٤٧٦ و٤٧٧ و٤٧٨)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٤/ ٥٦٢ - ٥٦٣)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٥/ ٢٨٨) و«الكبير»(١١/ ٣٦ و٤٤٥)، و(الحاكم) في«مستدركه»(٣/ ٥٤٢)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (٩/ ٢٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن النبيّ -ﷺ- ما أوصى في مرضه بالخلافة إلى أحد، بل همّ بذلك، ثم تركه؛ لِعِلْمه أنه مما لا تشتدّ إليه الحاجة؛ لأن الله تعالى تولّى حفظ هذا الدين، وأكمله، فلا يُخشى عليه، فكان كذلك فقد ألهم الله تعالى الصحابة على أن يتّفقوا على إمامة أبي بكر -﵁-. ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: (اعلم): أن النبيّ -ﷺ- معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته، وحال مرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أُمر ببيانه، وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس معصومًا من الأمراض، والأسقام العارضة للأجسام ونحوها، مما لا نقص فيه لمنزلته، ولا فساد لِمَا تمهد من شريعته، وقد سُحر -ﷺ- حتى صار يُخَيَّل إليه أنه فعل الشيء، ولم يكن فعله، ولم يصدر منه -ﷺ- في هذا الحال كلام في الأحكام مخالف لِمَا سبق من الأحكام التي قررها. فإذا علمت ما ذكرناه، فقد اختَلَف العلماء في الكتاب الذي هَمَّ النبيّ -ﷺ- به، فقيل: أراد أن يَنُصّ على الخلافة في إنسان معين؛ لئلا يقع نزاع وفتن، وقيل: أراد كتابًا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة؛ ليرتفع النزاع فيها، ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه، وكان النبيّ -ﷺ- هَمّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحى إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحى إليه بذلك، ونُسِخ ذلك الأمر الأول. انتهى. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀- أيضًا: اتَفَق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أن هذا الحديث من دلائل فقه عمر، وفضائله، ودقيق نظره؛ لأنه خَشِي أن يكتب -ﷺ- أمورًا ربما عجزوا عنها، فاستحقوا العقوبة عليها؛ لأنها منصوصة، لا مجال للاجتهاد فيها، ققال عمر -﵁-: حسبنا كتاب الله؛ لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فعَلِم أن الله تعالى أكمل دينه، فأمِن الضلال على الأمة، وأراد الترفيه على رسول الله -ﷺ-، فكان عمر -﵁- أفقه من ابن عباس وموافقيه. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقيّ -﵀- في أواخر كتابه «دلائل النبوة»: إنما قَصَد عمر -﵁- التخفيف على رسول الله -ﷺ- حين غلبه الوجع، ولو كان مراده -ﷺ- أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم، ولا لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وكما أَمَر في تلك الحال بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وغير ذلك، مما ذكره في الحديث. قال البيهقيّ: وقد حَكَى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه -ﷺ- أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر -﵁-، ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما عَلِمه من تقدير الله تعالى ذلك كما هَمّ بالكتاب في أول مرضه حين قال: «وارأساه»، ثم ترك الكتاب، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، ثم نبّه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة، قال البيهقيّ: وإن كان المراد بيانَ أحكام الدين، ورفع الخلاف فيها، فقد عَلِم عمر -﵁- حصول ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وعلم أنه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلا وفي الكتاب، أو السُّنَّة بيانها نصًّا، أو دلالةً، وفي تكلف النبيّ -ﷺ- في مرضه مع شدة وجعه كتابةَ ذلك مشقة، ورأى عمر -﵁- الاقتصار على ما سبق بيانه إياه نصّا، أو دلالةً؛ تخفيفًا عليه، ولئلا ينسدّ باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول، وقد كان سبق قوله -ﷺ-: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»، وهذا دليل على أنه وَكَل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، وجعل لهم الأجر على الاجتهاد، فرأى عمر -﵁- الصواب تركهم على هذه الجملة؛ لِمَا فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد، مع التخفيف عن النبيّ -ﷺ-، وفي تركه -ﷺ- الإنكار على عمر -﵁- دليل على استصوابه. قال الخطابيّ -﵀-: ولا يجوز أن يُحْمَل قول عمر -﵁- على أنه توهّم الغلط على رسول الله -ﷺ-، أو ظَنّ به غير ذلك، مما لا يليق به بحال، لكنه لَمّا رأى ما غلب على رسول الله -ﷺ- من الوجع، وقرب الوفاة، مع ما اعتراه من الكرب، خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض، مما لا عزيمة له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين، وقد كان أصحابه -ﷺ- يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في التحلّل، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أَمَر بالشيء أمر عزيمة، فلا يراجعه فيه أحد منهم. قال: وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم يُنزل عليه، وقد أجمعوا كلُّهم على أنه لا يُقَرّ عليه، قال: ومعلوم أنه -ﷺ- وإن كان الله تعالى قد رفع درجته فوق الخلق كلهم، فلم يُنَزِّهه عن سمات الحدث، والعوارض البشرية، وقد سَهَى في الصلاة، فلا يُنكَر أن يُظَنّ به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه، فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته، فلهذه المعاني وشِبْهِها راجعه عمر -﵁-. قال الخطابيّ: وقد رُوي عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «اختلاف أمتي رحمة» ، فاستصوب عمر ما قاله، قال: وقد اعتَرَض على حديث اختلاف أمتي رحمة رجلان: أحدهما مغموصٌ عليه في دينه، وهو عمرو بن بحر الجاحظ، والآخر معروف بالسخف والخلاعة، وهو إسحاق بن ابراهيم الموصليّ، فإنه لمّا وضع كتابه في الأغاني، وأمكن في تلك الأباطيل لم يرض بما تزوّد من إثمها حتى صدَّر كتابه بذمّ أصحاب الحديث، وزعم أنهم يروون ما لا يدرون، وقال هو والجاحظ: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابًا، ثم زعم أنه إنما كان اختلاف الأمة رحمة في زمن النبيّ -ﷺ- خاصة، فإذا اختلفوا سألوه فبيَّن لهم. والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد: أنه لا يلزم من كون الشيء رحمةً أن يكون ضده عذابًا، ولا يلتزم هذا ويذكره إلا جاهل، أو متجاهل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] فسمى الليل رحمة، ولم يلزم من ذلك أن يكون النهار عذابًا، وهو ظاهر لا شك فيه. قال الجامع عفا الله عنه: تعب الخطابيّ بهذا التأويل الذي ذكره عجيب، فإن حديث: «اختلاف أمتي رحمة»، حديث لا أصل له، بل هو موضوع، فلا داعي إلى التكلّف بالتأويل، وقد حقّق الكلام فيه الشيخ الألبانيّ -﵀- في كتبه، فراجعه تستفد . وقال المازريّ -﵀-: إن قيل: كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب، مع قوله -ﷺ-: «ائتوني أكتب»، وكيف عصوه في أمره؟. فالجواب: أنه لا خلاف أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال: أصلها للندب، ومن الوجوب إلى الندب عند من قال: أصلها للوجوب، وتنقل القرائن أيضًا صيغة افْعَلْ إلى الإباحة وإلى التخيير، وإلى غير ذلك من ضروب المعاني، فلعله ظهر منه -ﷺ- من القرائن ما دلّ على أنه لم يوجب عليهم، بل جعله إلى اختيارهم، فاختَلَف اختيارهم بحسب اجتهادهم، وهو دليل على رجوعهم إلى الاجتهاد في الشرعيات، فأدَّى عمر -﵁- اجتهاده إلى الامتناع من هذا، ولعله اعتقد أن ذلك صدر منه -ﷺ- من غير قصد جازم، وهو المراد بقولهم: «أهَجَرَ»، وبقول عمر -﵁-: «غَلَبَ عليه الوجع»، وما قارنه من القرائن الدالة على ذلك، على نحو ما يَعهدونه من أصوله -ﷺ- في تبليغ الشريعة، وأنه يجري مجرى غيره من طرق التبليغ المعتادة منه -ﷺ-، فظهر ذلك لعمر دون غيره، فخالفوه، ولعل عمر خاف أن المنافقين قد يتطرقون إلى القدح فيما اشتَهَر من قواعد الإسلام، وبلَّغه -ﷺ- الناسَ بكتاب يُكتب في خلوة وآحاد، ويضيفون إليه شيئًا ليشبّهوا به على الذين في قلوبهم مرض، ولهذا قال: عندكم القرآن حسبنا كتاب الله. انتهى كلام المازريّ -﵀- ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن قوله -ﷺ-: «وأجيزوا الوفد … إلخ» أمر منه -ﷺ- بإجازة الوفود، وضيافتهم، وإكرامهم؛ تطبيبًا لنفوسهم، وترغيبًا لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم، وإعانةً على سفرهم، قال القاضي عياض: قال العلماء: سواء كان الوفد مسلمين، أو كفّارًا؛ لأن الكافر إنما يَفِد غالبًا فيما يتعلق بمصالحنا ومصالحهم. انتهى. ٥ - (ومنها): جواز كتابة العلم وقد سبق بيان هذه المسألة مرات، وذكرنا أنه جاء فيها حديثان مختلفان، هذا الحديث، وأمثاله، في «الصحيحين»، وحديث: «لا تكتبوا عني، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه» الحديث، رواه مسلم. فاختلف السلف في ذلك، ثم أجمع من بعدهم على جوازها وبينّا تأويل حديث المنع، فلا تنس نصيب، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): جواز استعمال المجاز؛ لقوله -ﷺ-: «أكتُب لكم»؛ أي: آمر بالكتابة. ٧ - (ومنها): أن الأمراض ونحوها لا تنافي النبوة، ولا تدل على سوء الحال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): رأيت لبعض المحقّقين كلامًا في طعن الشيعة على الصحابة -﵃- بهذا الحديث، أحببت إيراده؛ لحسنه، ودونك ما قال: وقد طعنت الشيعة الرافضة من أجل هذا الحديث في الصحابة -﵃-، ولا سيما في عمر بن الخطّاب -﵁- بوجوه متعدّدة: (الأول): أن عمر -﵁- ومن وافقه من الصحابة -﵃- خالفوا أمر رسول الله -ﷺ-، حيث أمرهم بأن يأتوا باللوح والدواة، فأبوا عليه ذلك. (الثاني): أنهم قد منعوا الأمة الإسلاميّة حقّها، فإن الكتاب الذي كان النبيّ -ﷺ- يريد كتابته إنما كان لوقاية الأمة عن الضلالة، وقد أدّى عدم كتابته إلى اختلاف كثير وقع في طوائف الأمة، وجميع ذلك يرجع سببه إلى من امتنع من الكتابة. (الثالث): أنه -ﷺ- كان يريد أن يكتب الخلافة لعليّ -﵁-، ولذلك تعرّض عمر بن الخطاب -﵁-، فمنعه عن ذلك؛ لتسليط غير أهل البيت عليها. (الرابع): أن عمر -﵁- قد نَسَب رسول الله -ﷺ- إلى الْهَذَيان، حيث قال: أهجر رسول الله -ﷺ-، مع أن رسول الله -ﷺ- معصوم عن الجنون، والهذيان، وأمثالهما من العوارض. فأما الطعن الأول والثاني، فنجيب عنهما إجمالًا، وإلزامًا، ثم تفصيلًا وتحقيقًا. فأما الجواب الإجماليّ، فإنه لو كان امتناع الصحابة -﵃- عن الإتيان باللوح والدواة في مثل تلك الحال معصيةً -والعياذ بالله- فإنه لم ينفرد به عمر -﵁-، بل شاركه فيه جميع أهل البيت الذين كانوا حاضرين في ذلك الوقت والمقام، ولا سيما علي بن أبي طالب -﵁-، فإنه فعل في تلك الحال عين ما فعله عمر -﵁-، فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» (١/ ٩٠) عن عليّ بن أبي طالب -﵁- قال: أمرني النبيّ أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضلّ أمته من بعده، قال: فخشيت أن تفوتني نفسه، قال: فقلت: إني أحفظ وأعي، قال: أُوصي بالصلاة، والزكاة، وما ملكت أيمانكم« . قال: وإن هذه الرواية تقطع جميع مطاعن الشيعة من شأفتها، فإنها صريحة في أنه لم يكن في ذلك الوقت أيما فرق بين موقف عمر وموقف عليّ -﵄-، فإن كانت واقعة هذه الرواية عين واقعة الباب، فإن كليهما امتنعا عن الكتابة؛ إشفاقًا على رسول الله -ﷺ-، فقال عمر -﵁-: إن رسول الله -ﷺ- غلب عليه الوجع، وقال عليّ: فخشيت أن تفوتني نفسه، وإن كانت واقعة هذه الرواية غير واقعة الباب، فإن جميع ما طعنت به الشيعة في عمر -﵁- يتوجه إلى عليّ -﵁- في واقعة «مسند أحمد»، فما جوابهم فيه، فهو جوابنا في عمر -﵁-. وبالتالي تدلّ هذه الرواية على أن الوصيّة التي كان رسول الله -ﷺ- يريد أن يكتبها في ذلك الوقت لم تكن في شيء من أمر الخلافة، وإنما كانت تأكيد أحكام الصلاة، والزكاة، والعبيد، والإماء، وأمثالها. وأما الجواب التحقيقيّ عن الطعن الأول، فإن عمر -﵁-، ومن وافقه لم يُخالفوا أمر رسول الله -ﷺ- معصيةً منهم أو عنادًا، وحاشاهم عن ذلك، وإنما قصدوا أن لا يلحق النبيّ -ﷺ- تعبٌ في هذه الحالة الشديدة من المرض، وقد صَرَّح ابن عبّاس -﵄- في أول هذا الحديث أن رسول الله -ﷺ- اشتَدّ وجعه في ذلك اليوم، وإنما اجتمع أصحابه وأهل بيته لعيادته وتمريضه، وكم يقع مثل ذلك لرجل مريض يشتدّ مرضه، فيجتمع حوله أهل بيته، ويريد أن يفعل شيئًا، فيمنعه أهل البيت من ذلك؛ مخافة اشتداد مرضه، فلا يَفهم أحد أنهم يعاندونه، أو يعصونه، وإنما يستحسن منهم مثل هذا في مثل ذلك الوقت؛ لأنه يدلّ على عنايتهم بأحوال المريض، وإشفاقهم عليه، واجتهادهم في صيانته عن الوقوع في المتاعب. ثم إن عمر -﵁- إنما فَعَل ذلك؛ لأنه كان يزعم أن رسول الله -ﷺ- لا يموت حتى يُفني المنافقين، ويُظهر كلمة الإسلام على فارس والروم، فكان يقدّر أنه -ﷺ- لو امتنع عن الكتابة في مثل هذه الشدّة لأمكن له ذلك في وقت آخر يخفّ فيه مرضه، أو يبرأ فيه تمامًا، فلم يكن في زعمه شيء يفوت الأمة لو لم يُكتب ذلك الكتاب في مثل تلك الشدّة. ويدلّ على ذلك ما أخرجه ابن سعد في «طبقاته» (٢/ ٢٤٤) من طريق الواقديّ، عن ابن عبّاس -﵄-: أن النبيّ -ﷺ- قال في مرضه الذي مات فيه: «ائتوني بدواة وصحيفة، أكتب لكم كتابًا لن تضلّوا بعده أبدًا»، فقال عمر بن الخطاب: من لفلانة وفلانة مدائن الروم؟ إن رسول الله -ﷺ- ليس بميت حتى نفتحها. وقد ثبت في غير رواية أنه -﵁- لم يعترف بوفاة رسول الله -ﷺ- حتى قال: لن يموت رسول الله -ﷺ- حتى يفني المنافقين، كما في «طبقات ابن سعد» (٢/ ٢٦٧)، وقال من الغد: كنت أرجو أن يعيش رسول الله -ﷺ- حتى يُدبرنا، يريد بذلك أن يكون آخرنا، كما رواه البخاريّ في «الأحكام». فهذا كلّه يدلّ على أن عمر -﵁- لم يخطر بباله أبدًا أن رسول الله -ﷺ- سيُتوفّى في مرضه هذا، وإنما كان يعتقد أنه يبرأ، فيعيش حتى يُفني المنافقين، ويَظهر على فارس والروم، حتى يكون آخر من في عهده وفاةً، ثم كان يعتقد في جانب آخر أنه -ﷺ- لم يكن ليترك شيئًا مما أُمر بتبليغه إلا بلّغه إلى الأمة، ولئن كان شيء يريد أن يوصي به لأمكن أن يوصي به في وقت آخر بعد برئه، أو خفّة مرضه، فلا حاجة إلى هذا التعجيل في مثل هذه الشدّة التي يخاف فيها التعب على رسول الله -ﷺ-، ومن أجل هذا قال في حديث الباب: إن رسول الله -ﷺ- غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. وكم أبدى عمر -﵁- أمام النبيّ -ﷺ- من آراء وافقه عليها رسول الله -ﷺ-، فكان هذا القول أيضًا رأيًا رآه في ذلك الوقت، فأبداه، ولو كان خطأ لمنعه النبيّ -ﷺ-، وما أقرّه عليه، ولكنه -ﷺ- لم ينكره عليه، ولا منعه، فظهر أنه لم يكن عنادًا، ولا معصيةً -والعياذ بالله العظيم-. ثم لو فرعنا أن ذلك الرأي كان خطأ، فإنما كان ذلك باجتهاد، ولم ينفرد به عمر -﵁-، بل شاركه فيه جميع من كان في البيت؛ لأنه لم يأت أحد بالصحيفة، ولا بالدواة، ولم يكن عمر -﵁- ليُمسك بيد أحد يأتي بهما، وإنما كان يرى رأيًا، فتكلّم به، فلمّا لم يتقدّم أحد بذلك تبيّن أن ذلك الأمر لم يكن للوجوب عند سائر من كان في البيت، وإلا لامتثله من يزعمه للوجوب رغم رأي الآخرين. وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- في «منهاج السُّنَّة» (٣/ ١٣٦)، وهو يتحدّث عن طعن الروافض في عمر -﵁- من أجل حديث الباب، يقول: «ولو أن عمر -﵁- اشتبه عليه أمر، ثم تبيّن له، أو شَكّ في بعض الأمور، فليس هو أعظم ممن يُفتي، ويقضي بأمور، ويكون النبيّ -ﷺ- قد حكم بخلافها مجتهدًا في ذلك، ولا يكون قد عَلِمَ حكم النبيّ -ﷺ-، فإن الشكّ في الحقّ أخفّ من الجزم بنقيضه، وكلّ هذا باجتهاد سائغ، كان غايته أن يكون من الخطأ الذي رَفع الله المؤاخذة به، كما قضى عليّ -﵁- في الحامل المتوفَّى عنها زوجها أنها تعتدّ أبعد الأجلين، مع ما ثبت في الصحاح عن النبيّ -ﷺ- أنه لَمّا قيل له: إن أبا السنابل بن بَعْكَك أفتى بذلك سُبيعة الأسلميّة، فقال رسول الله -ﷺ-: «كذب أبو السنابل، حللتِ، فانكحي من شئتِ»، فقد كذّب النبيّ -ﷺ- هذا الذي أفتى بهذا، وأبو السنابل لم يكن من أهل الاجتهاد، وما كان له أن يفتي بهذا مع حضور النبيّ -ﷺ-. وأما عليّ، وابن عبّاس -﵃-، وإن كانا أفتيا بذلك، لكن كان ذلك عن اجتهاد، وكان ذلك بعد موت النبيّ -ﷺ-، ولم يكن بلغهما قصّة سُبيعة، وهكذا سائر أهل الاجتهاد من الصحابة -﵃- إذا اجتهدوا، فأفتوا، وقضَوا، وحَكموا بأمر، والسُّنة بخلافه، ولم تبلغهم السُّنَّة كانوا مثابين على اجتهادهم». ثم إن رسول الله -ﷺ- لم يعاتب أحدًا ممن امتنع عن الكتابة، ولم يعاتبه، سوى أن قال:«قوموا عنّي»، مع أنه قد عاقب في مرض وفاته أهل البيت الذين لَدُّوه -ﷺ- زعمًا منهم بأنه مبتلى بذات الجنب، فلم يكتف -ﷺ- بمعاتبتهم في ذلك قولًا، وإنما عاقبهم جميعًا بأن يُلدّوا إلا العبّاس -﵁-، فإنه لم يشهدهم حين لدّوه، والقصّة مشهورة في«الصحيحين»، وغيرهما، فلو كان الامتناع عن الكتابة في ذلك الوقت معصيةً أو ذنبًا، لَمَا تركهم رسول الله -ﷺ- دون عتاب، أو عقاب. الجواب عن الطعن الثاني: وأما الطعن الثاني: فالجواب عنه أن الأمر الذي أراد النبيّ -ﷺ- كتابته في ذلك الوقت لا يخلو من حالين: إما أن يكون شيئًا تحتم عليه تبليغه، وُيخشى بجهله الضلال على الأمة قطعًا، وإما أن يكون تاكيدًا لِمَا بلّغه في الماضي، فأراد أن يكتبه؛ ليكون أبقى أثرًا. فإن كان الحال هو الأول، فلا يمكن من رسول الله -ﷺ- أن يترك تبليغ ما أُمر بتبليغه لمنع المانعين، أو مخالفة بعض المخالفين، فإن المعهود منه -ﷺ- أنه بلّغ كلّ ما أُمر به، ولو على قيمة نفسه، وماله، ووطنه، فكيف يترك بيان ما تضلّ الأمة بغيره؛ لمجرّد أن بعض الصحابة منعوه من ذلك؟. وقال الإمام البيهقيّ -﵀- في أواخر كتابه «دلائل النبوّة»: ولو كان مراده -ﷺ- أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم، ولا لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، كما لم يترك تبليغ غير ذلك؛ لمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، حكاه النوويّ: -﵀-. ثم إن النبيّ -ﷺ- عاش بعد هذه الواقعة نحوًا من أربعة أيام؛ لأن واقعة القرطاس وقعت يوم الخميس، وتوفّي رسول الله -ﷺ- يوم الاثنين، فلو كان الشيء الذي أراد كتابته وصيّة واجبة عليه لأوصى به في هذه الأيام، وقد ثبت عنه -ﷺ- هذه الأيام عدّة أحكام، وقد ثبت في عدّة روايات خفّة مرضه -ﷺ- خلال هذه المدّة، فلو كانت الكتابة شيئًا لا تستغني عنه الأمة لَمَا تركها رسول الله -ﷺ-. وإن كان الحال هو الثاني، ولم يكن الشيء المقصود بالكتابة شيئًا جديدًا، يبلغه إلى الأمة، وإنما كان تأكيدًا لِمَا بيّنه من قبلُ، فلا سبيل إلى الطعن فيمن خالف الكتابة؛ لشدّة وجعه -ﷺ-، فإنهم لم يفوّتوا الأمة شيئًا من رسول الله -ﷺ-. فتبيّن من هذا أن ما قصده النبيّ -ﷺ- إما أن يكون تأكيدًا محضًا لِمَا بيّنه من قبلُ، ولذلك تركه؛ اعتمادًا على بيانه السابق، أو كان شيئًا لا يجب عليه تبليغه، وإنما أراد بيانه؛ شفقةً على الأمة، ثم بدا له باجتهاده، أو بوحي من الله تعالى أن ترك كتابته أولى، فتركه، ولا يُتصوّر من رسول الله -ﷺ- أن يمنعه بعض أصحابه عن إبداء ما فيه خير وصلاح للمسلمين. الجواب عن الطعن الثالث: وأما الطعن الثالث، فإنما هو مجرّد دعوى لا سبيل للاستدلال عليه، ومن أين علم هؤلاء أن رسول الله -ﷺ- كان يريد أن يكتب الخلافة لعليّ -﵁-؟ ولئن كان يريد ذلك لَمَا منعه الثقلان عنه، وكيف يمسك عن إظهار هذا الحقّ بمجرّد مخالفة عمر -﵁-؟ أفكان -والعياذ بالله- يخاف عمر بن الخطّاب؟ وهو الذي لم يخف عمر، ولا أحدًا أقوى منه، ولا أشجع في حالة كفره، فكيف يخافه بعد إسلامه؟ أفلا يرى هؤلاء الطاعنون أن طعنهم هذا ليس طعنًا في عمر -﵁- فحسب، وإنما هو طعن في تبليغ رسول الله -ﷺ-، وفي رسالته، وفي شجاعته، وهكذا الشحناء تُعمي أبصار الرجال، والعصبيّة تجعل الرجل لا يعرف ما يقول. ولئن كان المقصود بهذه الكتابة استخلاف أحد لكان المقصود كتابة الخلافة لأبي بكر الصدّيق -﵁- قطعًا، فإنه هو الذي استخلفه رسول الله -ﷺ- في الحجّ، وفي الصلوات طول مرضه الذي توفّي فيه، وكان ذلك إشارة واضحةً إلى استخلافه في الإمامة الكبرى، ولذلك قال عليّ -﵁-: فلما قُبض رسول الله -ﷺ- نظرت، فإذا الصلاة علم الإسلام، وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله -ﷺ- لديننا، فبايعنا أبا بكر، ذكره ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» . وقد ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه قال لعائشة -﵂-: «لقد هممت أو أردت أرسل إلى أبي بكر، وابنه، فأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنّى المتمنّون، ثم قلت: يأبى الله، ويدع المؤمنون، أو يدفع الله، ويأبى المؤمنون»، كما رواه البخاريّ في «المرضى»، و«الأحكام». فلم لا يجوز أن يكون النبيّ -ﷺ- دعا الكتف والدواة ليكتب الخلافة لأبي بكر -﵁-، ثم بدا له أن يترك الأمر شورى بين المسلمين؛ لِمَا كان يَعرف أن المؤمنين يأبون إلا أبا بكر -﵁-؟ وقد ثبت في بعض كتب الشيعة أيضًا أن علي بن أبي طالب -﵁- قد اعترف بأنه لم يَعهد إليه رسول الله -ﷺ- شيئًا، وإنما أخذ منه الميثاق لبيعة أبي بكر -﵀-، فقد ذكر في «نهج البلاغة» أنه قال: رضينا عن الله قضائه، وسلّمنا لله أمره، أتراني أكذب على رسول الله -ﷺ-؟ والله لأنا أول من صدّقه، فلا أكون أول من كذب عليه، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري. راجع الخطبة من «نهج البلاغة» (١/ ٨٩). والظاهر من هذا الكلام أنه -﵁- يتحدّث عن بيعته لأبي بكر الصديق -﵁-، وأنه بايع أبا بكر -﵁- وفاء لميثاق يظهر أن رسول الله -ﷺ- وثّقه به، والله -﷾- أعلم. الجواب عن الطعن الرابع: وأما الطعن الرابع، فهو أن عمر بن الخطّاب -﵁- نسب إلى رسول الله -ﷺ- الهذيان في الكلام بقوله: «أهجر رسول الله -ﷺ-؟» والجواب عنه أني لم أجد في شيء من الروايات الصحيحة أن قائل هذا الكلام هو عمر -﵁-، وإنما ذكر ابن عبّاس -﵄- أن الصحابة اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: «أهجر رسول الله -ﷺ-؟»، ولم يصرّح بأن قائله عمر، وحينئذ فهذا الكلام يَحْتَمل وجوهًا: (منها): ما ذكره العلامة الشيخ عبد العزيز المحدّث الدهلويّ -﵀- في كتابه الفارسيّ المعروف بـ «التحفة الاثنا عشريّة» ص ٤٥٣ أن هذا الكلام قاله الذين كانوا يحبون أن يكتب لهم رسول الله -ﷺ- الكتاب، وكان استفهامهم هذا للإنكار، وأرادوا أننا يجب علينا الامتثال بما أمر به النبيّ -ﷺ-؛ لأنه -ﷺ- لا يهجر في كلامه، وإنما هو مُجِدّ في أمره بالكتابة، فكأنهم خاطبوا عمر، ومن وافقه بقولهم: أهجر رسول الله -ﷺ- في زعمكم؟ حيث لا تمتثلون أمره، والمراد أنه لم يهجر، وأمره هذا جدّ. وحينئذ فلا إشكال على أحد، فإنه لم ينسب أحد رسول الله -ﷺ- إلى الهذيان، وإنما كان ذلك استفهامًا للإنكار. (ومنها): أن يكون هذا من كلام عمر، أو أحد ممن وافقه، والمراد: استفهموا رسول الله -ﷺ-، هل أمره هذا جدّ وعزيمة؟ أو أنه جرى على لسانه في شدّة المرض، كما يجري على ألسنة المرضى كلام لا عزيمة فيه؟ وإنما قالوا ذلك لأن النبيّ -ﷺ- لا يمتنع عليه المرض، ولا آثاره وعلائمه، وكان إذ ذاك في شدّة الوجع، ولا يمكن لنا أن نتصوّر مدى اضطراب الصحابة في ذلك الوقت، وكان من أهمّ المهمّات عند الصحابة حينئذ أن يزول عنه ذلك الوجع، ولا يلحقه تعب يفضي إلى ازدياد فيه، وكانوا في جانب آخر مستيقنين بأنه -ﷺ- لم يقصّر في أداء الرسالة، وتبليغ الأمانة، وكانوا في جانب ثالث يعرفون أن كتابة غير القرآن مما لا يستحسنه رسول الله -ﷺ- إلا في الضرورة الشديدة؛ لئلا يلتبس بالقرآن، فلو زعم منهم زاعم في هذه الأحوال أن أمره بالكتابة في هذا المرض الشديد ليس عزيمة، فأراد أن يستفهمه، هل هو من عزائم الأمور، أو هو شيء جرى على لسانه دون جدّ أو عزيمة؟ فإنه ليس من سوء الأدب في جانبه -ﷺ- في شيء، وإنما هو من الاضطراب الطبيعيّ الذي ابتلي به الصحابة -﵃- في ذلك الحين الشديد. (ومنها): أن يكون الهجر في هذا الكلام بمعنى الفراق، لا بمعنى الهذيان، وقد صرّح علماء اللغة بأن قولهم: هجر يهجر يستعمل بمعنى الترك والمفارقة أيضًا، راجع «تاج العروس» (٣/ ٦١١)، وعليه فالمراد: واستفهموا رسول الله -ﷺ-، هل هو يفارقنا؟ حيث يأمرنا بكتابة وصيّته؟، ويؤيّده ما ذكرنا في الجواب عن الطعن الأول أن عمر -﵁- كان يزعم أن رسول الله -ﷺ- لا يتوفّى حتى يفني المنافقين، ويظهر الإسلام على فارس والروم، فلو كان هو أو أحد غيره من الصحابة أراد أن يسأله -ﷺ-، هل حان فراقه إيانا؟ لَمَا كان فيه شيء يُطعن به فيهم، وإنما كان صدر هذا الكلام منهم؛ لفرط حبهم لرسول الله -ﷺ-، وكراهيتهم لفراقه. فاندحضت المطاعن جميعًا بحذافيرها، والحمد لله رب العالمين. انتهى منقولًا من «تكملة فتح الملهم» للشيخ محمد تقي العثمانيّ الهنديّ . (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان بِهَذَا الْحَدِيثِ). قال الجامع عفا الله عنه: «أبو إسحاق إبراهيم» هذا هو: إبراهيم بن محمد بن سفيان، أبو إسحاق الفقيه الزاهد النيسابوريّ، تلميذ الإمام مسلم -﵀- راوي «صحيحه» عنه، توفّي في رجب سنة (٣٠٨ هـ) تقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٧٣. و«الحسن بن بشر»: هو السلميّ، قاضي نيسابور، صدوق [١١] (ت ٢٤٤) لم يرو عنه مسلم، وإنما روى عنه أبو إسحاق المذكور في مواضع علا فيها إسناده، وقد تقدّمت ترجمته في «الطلاق» ٣/ ٣٦٧٩. و«سفيان» هو: ابن عيينة المذكور في السند السابق. وإنما أتى أبو إسحاق بهذا بعد روايته الحديث عن مسلم؛ لأنه علا بدرجة، فساوى مسلمًا فيه، حيث روى الحديث عن الحسن، عن سفيان، فكان بينه وبين سفيان واسطة واحدة، بعد أن رواه عن مسلم، عن شيوخه الأربعة، عن سفيان، فكان بينه وبين سفيان واسطتان، فعلا السند له برجل، فساوى مسلمًا بذلك، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤئف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٤٢٢٥] (…) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أنهُ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ جَعَلَ تسِيلُ دُمُوعُهُ، حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ؛ كأنها نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ائتُوى بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ -أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ- أكتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبدًا»، فَقَالُوا: إِن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يهْجُرُ). رجال هذا الحديث: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (كَأنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ) من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: كأنها اللؤلؤ المنظوم. وقوله: (ائتُوني بِالْكَتِفِ) المراد به هنا عَظْم الكتف، فإنهم كانوا يكتبون فيه. وقوله: (وَالدَّوَاةِ) قال في «اللسان»: الدواة: ما يُكتب منه، معروفة، جمعها: دَوى- بالفتح- ودُويّ- بالضمّ- ودِوِيّ- بالكسر-. انتهى بإيضاح . وقوله: (أَوِ اللَّوْحِ) قال الفيّوميّ -﵀-: اللوح بالفتح: كلُّ صَحيفة، من خشب، وكَتِف، إذا كُتب عليه سُمّي لَوْحًا، والجمع ألواح. انتهى . وقوله: (يَهْجُرُ) مضارع هَجَرَ، يقال: هَجَر المريض في كلامه هَجْرًا، من باب نصر؛ أي: خَلَط وهَذَى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة. وبالسند المتصل إلى المؤلف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٤٢٢٦] (…) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ- أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَفي الْبَيْتِ رِجَالٌ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «هَلُمَّ أكتُبْ لَكُمْ كِتَابًا، لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ»، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَدْ غلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكثَرُوا اللَّغْوَ، وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «قُومُوا»، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. و«ابن عباس -﵄-» ذُكر قبله. وقوله: (لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: حضره الموت. وقوله: (فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ)؛ أي: الصحابة الذين كانوا عنده -ﷺ- في البيت، وليس المراد أهل بيت النبيّ -ﷺ-. وقوله: (فَلَمَّا أَكثَرُوا اللَّغْوَ)؛ أي: الكلام الساقط، يقال: لغا الرجلُ: تكلّم باللغو، وهو أخلاط الكلام، قاله الفيّوميّ . وقوله: («قُومُوا») وفي رواية ابن سعد: «فقال: قوموا عنّي». وقوله: (إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزيَّةِ) -بفتح الراء، وكسر الزاي، بعدها ياء، ثم همزة، وقد تسهل الهمزة، وتشدد الياء- ومعناها: المصيبة، وفي «العباب»: الرزء: المصيبة، والجمع الأرزاء، وكذلك المرزية، والرزيئة، وجمع الرزيئة الرزايا، وقد رزأته رَزِيئةٌ؛ أي: أصابته مصيبةٌ، ورزأته رُزأ بالضم، ومرزئةً: إذا أصبت منه خيرًا ما كان، ويقول: ما رزأت ماله، وما رَزِئته بالكسر؛ أي: ما نقصته، قاله في «العمدة» . وقوله: (مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- ...... إلخ) «ما» موصولة خبر «إنّ». وقوله: (مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ) بيان لـ «ما حال»، واللغط -بالتحريك- الصوت والْجَلَبة، وقال الكسائيّ: اللَّغْطُ بسكون الغين لغةٌ فيه، والجمع ألغاط، وقال الليث: اللغط أصوات مُبْهمّة لا تُفْهَم، تقول: لَغَطَ القوم، من باب نَفَع، وألغط القوم، مثل لَغَطُوا. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل باب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * ٢٥ - (كِتَابُ النَّذْرِ) «النَّذْرُ» -بفتح، فسكون- هو في الأصل مصدر نَذَر ينذِرُ، من باب ضرب، وفي لغة من باب قتل، أفاده الفيّوميّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: النذر: عبارة عن التزام فعل الطاعات بصيغ مخصوصة؛ كقوله: لله عليّ صومٌ، أو صلاةٌ، أو صدقةٌ. انتهى . وقال في «القاموس»، و«شرحه»: ونذَرَ على نفسه ينذِر -بالكسر- وينذُرُ -بالضمّ- نَذْرًا- بالفتح- ونُذُورًا- بالضمّ-: أوجبه؛ كانتذر، ونذَرَ ماله، ونذَر لله ﷾ كذا: أوجبه على نفسه تبرّعًا، من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك، وفي الكتاب العزيز: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، قالته امرأة عمران، أم مريم، قال الأخفش: تقول العرب: نَذَرَ على نفسه نذْرًا، ونَذَرْتُ مالي، فأنا أنذْره نذرًا، رواه يونس عن العرب. أو النذر: ما كان وعدًا على شرط، فَعَليّ إن شفَى اللهُ مريضي كذا، نذْرٌ، وعليَّ أن أتصدّق بدينارٍ، ليس بنذر. انتهى . وقال ابن الأثير ما حاصله: يقال: نذَرتُ أنذِرُ، وأنذُر، من بابي ضرب، ونصر: إذا أوجبت على نفسك شيئًا تبرّعًا، من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك. أفاده في «النهاية» . وقال أيضًا: وقد تكرّر في أحاديث النذر ذكر النهي عنه، وهو تأكيد لأمره، وتحذيرٌ عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجرَ عنه حتى لا يُفعَلَ، لكان في ذلك إبطالُ حكمه، وإسقاطُ لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصيةً، فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمرٌ لا يجرُّ لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرِف عنهم ضرًّا، ولا يردّ قضاءً، فقال: لا تنذِرُوا على أنكم قد تدركون بالنذر شيئًا لم يُقدّره الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم، ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. انتهى . وقال في «الفتح»: وأصله الإنذار، بمعنى التخويف، وعرّفه الراغب بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر. انتهى . وقال في موضع آخر: والنذر في اللغة: التزام خير، أو شرّ، وفي الشرع: التزام المكلّف شيئًا، لم يكن عليه، منجّزًا، أو معلّقًا، وهو قسمان: نذر تبرّر، ونذر لَجَاجٍ، ونذر التبرّر قسمان: [أحدهما]: ما يُتقرّب به ابتداء، كـ: لله عليّ أن أصوم كذا، ويلتحق به ما إذا قال: لله عليّ أن أصوم كذا شُكرًا على ما أنعم به عليّ من شفاء مريضي مثلًا، وقد نقل بعضهم الاتفاق على صحّته، واستحبابه، وفي وجه لبعض الشافعيّة أنه لا ينعقد. [والثاني]: ما يُتقرّب به معلّقًا بشيء ينتفع به إذا حصل له، كإن قدم غائبي، أو كفاني الله شرّ عدوّي، فعليّ صوم كذا مثلًا، والمعلّق لازم اتّفاقًا، وكذا المنجّز في الراجح. ونذر اللَّجَاج قسمان: [أحدهما]: ما يعلّقه على فعل حرام، أو ترك واجب، فلا ينعقد في الراجح، إلا إن كان فرض كفاية، أو كان في فعله مشقّةٌ، فليزمه، ويلتحق به ما يُعلّقه على فعل مكروه. [والثاني]: ما يعلّقه على فعل خلاف الأولى، أو مباح، أو ترك مستحبّ، وفيه ثلاثة أقوال للعلماء: الوفاء، أو كفّارة يمين، أو التخيير بينهما، واختَلَف الترجيح عند الشافعيّة، وكذا عند الحنابلة، وجزم الحنفيّة بكفّارة اليمين في الجميع، والمالكيّة بأنه لا ينعقد أصلًا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما قاله المالكيّ؛ لحديث: «إنما النذر ما ابتغي به وجه الله»، رواه أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فهو وإن كان في إسناده مقال، إلا أن له شواهد من حديث عقبة بن عامر، ومن حديث ابن عبّاس -﵃-، كما بيّنته في «شرح النسائيّ». والحاصل أن الأرجح أنه لا شيء في النذر في المكروه، وخلاف الأولى، والمباح المحض، والله تعالى أعلم. وقال العلامة ابن قُدامة ﵀: الأصل في النذر الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، أما الكتاب، فقول الله ﷿: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. وأما السُّنَّة، فروت عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ-، قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، رواه البخاريّ. وعن عمران بن حصين -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»- قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين، أو ثلاثًا، بعد قرنه- «ثم يجيء قوم ينذُرون، ولا يَفُون، ويخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون، ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السِّمَن»، رواه البخاريّ. قال: وأجمع المسلمون على صحّة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به. انتهى . وقال ابن قُدامة أيضًا: صيغة النذر أن يقول: لله عليّ أن أفعل كذا، وإن قال: عليّ نذرُ كذا لزمه أيضًا؛ لأنه صرّح بلفظ النذر، وإن قال: إن شفاني الله فعليّ صوم شهر، كان نذرًا. وإن قال: لله عليّ المشي إلى بيت الله، قال ابن عمر، في الرجل يقول: عليّ المشي إلى الكعبة لله، قال: هذا نذرٌ، فليمشِ، ونحوه عن القاسم بن محمد، ويزيد بن إبراهيم التيميّ، ومالك، وجماعة من العلماء، واختُلف فيه على سعيد بن المسيِّب، والقاسم بن محمد، فروي عنهما
مصادر المؤلف (٤٠)

١. في «القاموس»: غَرْس بفتح، فسكون.

٢. قال الإمام أحمد ﵀: ثقة ثقةٌ - مكرّرًا، قاله في «ت».

٣. «الفتح» ٩/ ٥٩٠، كتاب «المغازي» رقم (٤٤٣١).

٤. «المفهم» ٤/ ٥٥٨.

٥. «الفتح» ٩/ ٥٩٠ - ٥٩١.

٦. «الفتح» ٩/ ٥٩٠ - ٥٩١، كتاب «المغازي» رقم (٤٤٣١).

٧. «المفهم» ٤/ ٥٥٨.

٨. هذا غير صحيح، بل الصحيح أن المصيب واحد، ولكن غيره لا يأثم، بل يؤجر على اجتهاده، وقد أوضحت هذا أتم إيضاح في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٩. «المفهم»٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩.

١٠. حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في«مسنده»٢/ ١٦٢ عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله -ﷺ- أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله -ﷺ-، ورسول الله -ﷺ- بشر، يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ-، فقال:«اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حقّ». انتهى.

١١. «المفهم» ٤/ ٥٥٩ - ٥٦٠.

١٢. «شرح النوويّ»١١/ ٩٣.

١٣. «الفتح» ٩/ ٥٩٣ - ٥٩٤، كتاب «المغازي» رقم (٤٤٣١).

١٤. «المفهم» ٤/ ٥٦١.

١٥. رواه أبو داود في«سننه»(٣٠٣٢)، والترمذيّ في«جامعه»(٦٣٣) بلفظ:«لا تكون قبلتان في بلد واحد»، فيه قابوس بن أبي ظبيان، قال فيه في«التقريب»: فيه لين، وضعّف الحديث الشيخ الألبانيّ، وهو محلّ نظر؛ لأن قابوس وإن ضعّفه بعضهم، =

١٦. «شرح النوويّ» ١١/ ٩٣ - ٩٤.

١٧. «الفتح» ٩/ ٥٩٤ - ٥٩٥.

١٨. «المفهم» ٤/ ٥٦٢.

١٩. حديث منكر، بل موضوع، انظر كلام الشيخ الألبانيّ -﵀- في: «السلسلة الضعيفة» ٤/ ٤٤٧.

٢٠. راجع: «صفة صلاة النبيّ -ﷺ-» ص ٥٨ و٦١، و«السلسلة الضعيفة» ٤/ ٤٤٧.

٢١. راجع: «شرح النوويّ» ١١/ ٩٢ - ٩٣.

٢٢. هو الشيخ محمد تقيّ العثمانيّ الهنديّ، صاحب «تكملة فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم».

٢٣. ضعيف، في سنده نعيم بن يزيد مجهول، إلا أن الشيعة يستدلون بروايات في إسنادها من هو أكثر جهالة من هذا، قاله بعض المحققين.

٢٤. «الاستيعاب» ٢/ ٢٤٢.

٢٥. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٢/ ١٣٩ - ١٤٦ نقلت منه مع حذف بعض الآثار التي لم يتبيّن لي صحّتها، فتنبّه.

٢٦. [تنبيه]: لم أجعل لهذا السند رقمًا خاصّا؛ لأنه ليس من «صحيح مسلم»، وإنما هو من إلحاق أبي إسحاق زاده على مسلم؛ لعلّوه فيه، كما بينته في الشرح، فتنبّه.

٢٧. «لسان العرب» ١٤/ ٢٧٩.

٢٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٠.

٢٩. راجع: «المصباح» ٢/ ٦٣٤.

٣٠. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٥.

٣١. «عمدة القاري» ٣/ ٣٢٥.

٣٢. «عمدة القاري» ٣/ ٣٢٥ بزيادة يسيرة من «المصباح» ٢/ ٥٥٥.

٣٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٩.

٣٤. «المفهم» ٤/ ٦٠٤.

٣٥. راجع: «القاموس المحيط»، و«شرحه تاج العروس» ٣/ ٥٦١.

٣٦. «النهاية» ٥/ ٣٩.

٣٧. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٣٩.

٣٨. «الفتح» ١٣/ ٣٦١.

٣٩. «الفتح» ١٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤.

٤٠. «المغني» لابن قُدامة ﵀ ١٣/ ٦٢١.