HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٧٥

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ، أُمَّ حَارِثَةَ، جَرَحَتْ إِنْسَانًا. فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ رسول الله ﷺ (الْقِصَاصَ. الْقِصَاصَ) فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ؟ وَاللَّهِ! لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا أُمَّ الرَّبِيعِ! الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ) قَالَتْ: لَا. وَاللَّهِ! لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا. قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ من لو أقسم على الله لأبره).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص105
ج ٣ ص ١٣٠٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٢٣٤
قال: غزوت مع النبيّ - ﷺ - جيش العُسرة، فكان من أوثق أعمالي في نفسي، فكان لي أجير، فقاتل إنسانًا، فعض أحدهما إصبع صاحبه، فانتزع إصبعه، فأندر ثنيته، فسقطت، فانطلق إلى النبيّ - ﷺ -، فأهدر ثنيته، وقال: «أفيدع إصبعه في فيك تقضمها - قال: أحسبه قال: - كما يقضم الفحل؟». قال ابن جريج: وحدّثني عبد الله بن أبي مليكة عن جدّه بمثل هذه الصفة، أن رجلًا عضّ يد رجل، فأندر ثنيته، فأهدرها أبو بكر - ﵁ -. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فِي الأَسْنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا) [٤٣٦٦] (١٦٧٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ، جَرَحَتْ إِنْسَانًا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْقِصَاصَ، الْقِصَاصَ»، فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ؟ وَاللهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «سُبْحَانَ اللهِ، يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللهِ»، قَالَتْ: لَا، وَاللهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا، قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في السند الماضي. ٢ - (عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) الباهليّ الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٣ - (حَمَّادُ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٥ - (أنسُ) بن مالك - ﵁ -، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فكوفيّ، وفيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وفيه ثابت أثبت الناس في أنس - ﵁ -، يقال: لزمه أربعين سنة، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة - ﵃ - في البصرة، وقد جاوز المائة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) بن مالك - ﵁ - (أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ) بضم الراء، وتشديد المثنّاة التحتانيّة، بصيغة التصغير (أُمَّ حَارِثَةَ) بالنصب بدل من «أُخْتَ» (جَرَحَتْ إِنْسَانًا) قال القرطبيّ - ﵀ -: كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم، قال القاضي عياض: المعروف أن الرُّبَيِّع هي صاحبة القصّة، وكذا جاء مفسّرًا في البخاريّ، في الروايات الصحيحة أنها الرُّبيّع بنت النضر، وأُخت أنس بن النضر، وعمّة أنس بن مالك، وأن الذي أقسم هو أخوها أنس بن النضر، وكذا في المصنّفات، وجاء مفسّرًا عند البخاريّ وغيره: أنها لطمت جاريةً، فكسرت ثنيّتها، ورواية البخاريّ هذه تدلّ على أن الإنسان المجروح المذكور في رواية مسلم هو جاريةٌ، فلا يكون فيه حجةٌ لمن ظنّ أنه رجلٌ، فاستدلّ به على أن القصاص جارٍ بين الذكر والأنثى فيما دون النفس، والصحيح أن الإنسان يطلق على الذكر والأنثى، وهو من أسماء الأجناس، وهي تعمّ الذكر والأنثى، كالفرس، يعمّ الذكر والأنثى. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية البخاريّ التي أشار إليها نصّها: (٤٥٠٠) - حدّثني عبد الله بن مُنير، سمع عبد الله بن بكر السهميّ، حدّثنا حميد، عن أنس: أن الرُّبَيِّع عمته، كسرت ثنيّة جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله - ﷺ -، وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله - ﷺ - بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الرُّبَيِّع؟ لا، والذي بعثك بالحقّ لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا أنس كتاب الله القصاص»، فرضي القوم، فعَفَوا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن من عباد الله، من لو أقسم على الله لأبرَّه». انتهى . وحال الاختلاف بينها وبين رواية مسلم هذه من وجهين: [أحدهما]: أن الجارية في روايته هي أخت الرُّبَيِّع، وفي رواية البخاريّ أنها الرُّبَيّع نفسها. [والثاني]: أن الحالف في رواية مسلم أن لا تكسر ثنيتها هي أم الرَّبِيع - بفتح الراء، وكسر الموحّدة - وفي رواية البخاريّ هو أنس بن النضر - ﵁ -. قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: المعروف في الروايات رواية البخاريّ، وقد ذكرها البخاريّ من طرقه الصحيحة، وكذا رواها أصحاب «كتب السنن». قال: إنهما قضيتان: أما الرُّبَيِّع الجارحة في رواية البخاريّ، وأخت الجارحة في رواية مسلم، فهي بضم الراء، وفتح الباء، وتشديد الياء، وأما أم الرَّبِيع الحالفة في رواية مسلم، فبفتح الراء، وكسر الباء، وتخفيف الياء. انتهى . وقال في «الفتح»: جزم ابن حزم بأنهما قصتان صحيحتان، وقعتا لامرأة واحدة: [إحداهما]: أنها جرحت إنسانًا، فقضي عليها بالضمان، والأخرى: أنَّها كسرت ثنيّة جارية، فقضي عليها بالقصاص، وحلفت أمها في الأولى، وأخوها في الثانية. وقال البيهقيّ - بعد أن أورد الروايتين -: ظاهر الخبرين يدل على أنهما قصتان، فإن قُبِل هذا الجمع، وإلا فثابت أحفظ من حميد. قال الحافظ: في القصتين مغايرات: منها: هل الجانية الرُّبَيِّع، أو أختها؟ وهل الجناية كسر الثنية، أو الجراحة؟ وهل الحالف أم الرَّبِيع، أو أخوها أنس بن النضر؟ وأما ما وقع في أول «الجنايات» عند البيهقيّ من وجه آخر، عن حميد، عن أنس، قال: لطمت الرُّبَيِّعُ بنت مُعَوِّذ جارية، فكسرت ثنيّتها، فهو غلط في ذكر أبيها، والمحفوظ أنها بنت النضر، عمة أنس - ﵁ - كما وقع التصريح به، في «صحيح البخاريّ». انتهى . (فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ») قال النوويّ - ﵀ -: هما منصوبان؛ أي: أَدُّوا القصاص، وسَلِّموه إلى مستحقه. انتهى. وقال القرطبيّ - ﵀ -: الرواية بنصب «القصاص» في اللفظين، ولا يجوز غيره، وهو منصوب بفعل مضمر، لا يجوز إظهاره، تقديره: ألزمكم القصاص، أو أقيموا القصاص، غير أن هذا الفعل لا تظهره العرب قطّ؛ لأنهم استغنوا عنه بتكرار اللفظ، كما قالوا: الجدارَ الجدارَ، والصبيَّ الصبيَّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أشار القرطبيّ - ﵀ - إلى أن نصب «القصاصَ» واجب؛ لأن قاعدة التحذير والإغراء إذا تكرر الاسم، أو كان بالعطف: النصب بفعل مضمر وجوبًا؛ لقيام التكرار مقامه، كقوله: أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لَا أَخَا لَهُ … كَسَاعٍ إِلَى الْهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحِ وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في «الخلاصة» حيث قال: «إِيَّاكَ وَالشَّرَّ» وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لِـ «إِيًّا» انْسُبْ وَمَا … سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا إِلَّا مَع الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كَـ «الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي» وَشَذَّ «إِيَّايَ» و«إِيَّاهُ» أَشَذّْ … وَعَنْ سَبِيلِ الْقَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا «إِيَّا» اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا (فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ) بفتح الراء، وكسر الموحّدة، وتخفيف الياء (يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ؟ لَا وَاللهِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا) «لا» الثانية تأكيد للأولى، وهذا إخبارٌ منها بأن الكسر لا يتحقّق، وليس ردًّا للحكم، قال النوويّ - ﵀ -: هذا ليس معناه ردّ حكم النبيّ - ﷺ -، بل المراد به الرغبة إلى مستحقّ القصاص أن يعفو، وإلى النبيّ - ﷺ - في الشفاعة إليهم في العفو، وإنما حلفت ثقةً بهم أن لا يُحَنِّثُوها، أو ثقة بفضل الله، ولطفه أن لا يحنّثها بل يلهمهم العفو. انتهى . وقال أبو العبَّاس القرطبيّ - ﵀ - ما حاصله: ولَمّا فهِم أنس بن النضر - على ما في الرواية الآتية، أو أم الربيع على في هذه الرواية - لزوم القصاص، عَظُم عليه أن تُكسر ثنية الجانية، فبذلوا الأرش، فلم يرضَ أولياء المجنيّ عليها به، فكُلِّم أهلها في ذلك، فأبَوا، فلما رأى امتناعهم من، ذلك، وأن القصاص قد تعيّن، قال: «أيُقتصّ من فلانة؟، والله لا يُقتصّ منها»، ثقةً منه بفضل الله تعالى، وتعويلًا عليه في كشف تلك الكُرْبة، لا أنه ردَّ حكم الله تعالى، وعانده، بل هو منزّهٌ عن ذلك؛ لِمَا عُلم من فضله، وعظيم قدره، وبشهادة النبيّ - ﷺ - بما له عند الله تعالى من المنزلة، وهذا التأويل أولى من تأويل من قال: إن ذلك القَسَم كان منه على جهة الرغبة للنبيّ - ﷺ -، أو للأولياء؛ لأن النبيّ - ﷺ - قد أنكر ذلك عليه بقوله: «سبحان الله، كتاب الله القصاص»، ولو كان رغبةً لَمَا أنكره، وأيضًا فإن النبيّ - ﷺ - قد سمّاه قَسَمًا، وأخبر أنه قسمٌ على الله، وأن الله تعالى قد أبرّه فيه؛ لَمَّا قال: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه». انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «سُبْحَانَ اللهِ) تعجبًّا من تأكيد نفيها القصاص بالحلف، ولفظِ»أبدًا«، ووجه تعجّبه - ﷺ - أن هذه المرأة أقسمت على نفي فعل غيرها مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل، فكان قضيّة ذلك في العادة أن تحنث في يمينها، فألهم الله تعالى الغير العفوَ، فبَرّ قسمها، والله تعالى أعلم. (يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللهِ») وفي رواية البخاري: «يا أنس كتاب الله القصاص»، قال في «الفتح»: اختُلف في ضبط: «كتاب الله القصاص»: فالمشهور أنهما مرفوعان، على أنَّهما مبتدأ وخبر، وقيل: منصوبان على أنه مما وُضع فيه المصدر موضع الفعل؛ أي: كَتَبَ اللهُ القصاصَ، أو نصب «كتاب الله» على الإغراء، و«القصاصَ» بدل منه، فينصب، أو ينصب بفعل محذوف، ويجوز رفعه، بأن يكون خبر مبتدأ محذوف. واختُلف أيضًا في المعنى، فقيل: المراد حُكم كتاب الله القصاص، فهو على تقدير حذف مضاف، وقيل: المراد بالكتاب الحكم؛ أي: حكم الله القصاص، وقيل: أشار به إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقيل: إلى قوله: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقيل: إلى قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، بناءً على أنَّ شَرْع من قبلنا شَرْع لنا، ما لم يَرِدْ في شرْعنا ما يرفعه. انتهى . (قَالَتْ: لَا وَاللهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا، فَمَا زَالَتْ)؛ أي: في ترديد كلامها المذكور مرّةً بعد أخرى (حَتَّى قَبِلُوا) بكسر الباء الموحّدة (الدِّيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ، مَنْ لَوْ أقسَمَ عَلَى اللهِ)؛ أي: متوكِّلًا عليه في حصول المحلوف عليه (لَأَبَرَّهُ»)؛ أي: لأبرّ قسمه، فلا يحنثه؛ لكرامته عليه. وقال في «الفتح» في شرح قصّة أنس بن النضر - ﵁ - ما نصّه: وأشار بقوله: «إن من عباد الله. . . إلخ» إلى أن هذا الاتفاق إنما وقع؛ إكرامًا من الله تعالى لأنس بن النضر - ﵁ -؛ ليبرَّ يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يُجيب دعاءهم، ويُعطيهم أَرَبهم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - متّفقٌ عليه، وإن اختلفت القصّة، على ما بيّناه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٣٦٦] (١٦٧٥)، و(البخاريّ) في «الصلح» (٢٧٩٣) و«الجهاد» (٢٨٠٦) و«التفسير» (٤٤٩٩ و٤٥٠٠ و٤٦١١) و«الديات» (٦٨٩٤)، و(أبو داود) في «الديات» (٤٦٩٥)، و(النسائيّ) في «القسامة» (٨/ ٢٧ - ٢٨) و«الكبرى» (٤/ ٢٢٢ و٢٢٣ و٥/ ٧٨ و٦/ ٣٣٥)، و(ابن ماجه) في «الديات» (٢٦٤٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٨ و١٦٧ و٢٨٤)، و(عبد بن حُميد) (١/ ٤٠٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٤٩٠ و٦٤٩١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ١٢٤ و٢٣١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٩٦ و٩٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٦٦٤)، و(البيهقيّ) في «الكبير» (٨/ ٢٥ و٦٤)، و«الصغرى» (٧/ ٣٥ و٦٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٥٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب القصاص في السنّ، قال النوويّ - ﵀ -: وهو مُجْمَع عليه، إذا قلعها كلها، فإن كسر بعضها، ففيه، وفي كسر سائر العظام خلاف مشهور للعلماء، والأكثرون على أنه لا قصاص. انتهى ، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): جواز الحلف فيما يظنه الإنسان. ٣ - (ومنها): جواز الثناء على من لا يُخاف عليه الفتنة بذلك. ٤ - (ومنها): استحباب العفو عن القصاص. ٥ - (ومنها): استحباب الشفاعة في العفو. ٦ - (ومنها): أن الخِيَرَة في القصاص والدية إلى مستحقه، لا إلى المستَحَقّ عليه. ٧ - (ومنها): إثبات القصاص بين الرجل والمرأة، وفيه ثلاثة مذاهب: [أحدها]: مذهب عطاء والحسن: أنه لا قصاص بينهما في نفس، ولا طرف، بل تتعيّن دية الجناية؛ تعلقًا بقوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. [الثاني]: وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بَعدهم: ثبوت القصاص بينهما في النفس، وفيما دونها، مما يقبل القصاص، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وهذا وإن كان شرعًا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف مشهور للأصوليين، فإنما الخلاف إذا لم يَرِد شرعنا بتقريره، وموافقته، فإن ورد كان شرعًا لنا بلا خلاف، وقد ورد شرعنا بتقريره في حديث أنس - ﵁ - هذا، والله أعلم. [والثالث]: وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه: يجب القصاص بين الرجال والنساء في النفس، ولا يجب فيما دونها. ٨ - (ومنها): أن فيه إثباتَ كرامات الأولياء. ٩ - (ومنها): إثبات القصاص بين النساء في الجراحات، وفي الأسنان. ١٠ - (ومنها): جواز الصلح على الدية، وجريان القصاص في كسر السن، ومحله فيما إذا أمكن التماثل، بأن يكون المكسور مضبوطًا، فَيُبْرَد من سن الجاني ما يقابله بالْمِبْرَد مثلًا، قال أبو داود في «السنن»: قلت لأحمد: كيف؟ فقال: يُبرد، ومنهم من حمل الكسر في هذا الحديث على القلع، وهو بعيد من هذا السياق، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في القصاص بالسنّ: قال العلامة ابن قُدامة - ﵀ -: أجمع أهل العلم على القصاص في السن؛ للآية، وحديث الرُّبَيِّع، ولأن القصاص فيها ممكن؛ لأنها محدودة في نفسها، فوجب فيها القصاص، كالعين، وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة، وتؤخذ المكسورة بالصحيحة؛ لأنه يأخذ بعض حقه، وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي؟ فيه وجهان. قال: ولا يُقتَصّ إلَّا من سنّ من أَثْغَر؛ أي: سقطت رَوَاضعه، ثم نبتت، يقال لمن سقطت رواضعه: ثُغِرَ، فهو مثغور، فإذا نبتت قيل: أَثْغَر، واثَّغَرَ، لغتان، وإن قُلِع سن من لَمْ يُثغِر، لَمْ يُقتَصَّ من الجاني في الحال، وهذا قول مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي؛ لأنها تعود بحكم العادة، فلا يقتص منها، كالشِّعر، ثم إن عاد بدل السن في محلها مثلها، على صفتها، فلا شيء على الجاني، كما لو قلع شعرة، ثم نبتت، وإن عادت مائلة عن محلها، أو متغيرة عن صفتها، كان عليه حكومة؛ لأنها لو لم تَعُد ضمن السن، فإذا عادت ناقصة، ضَمِن ما نقص منها بالحساب، ففي ثلثها ثلث ديتها، وفي ربعها ربعها، وعلى هذا، وإن عادت والدم يسيل، ففيها حكومة؛ لأنه نقصٌ حصل بفعله، وإن مضى زمن عودها، ولم تعد سئل أهل العلم بالطب، فإن قالوا: قد يُئِس من عودها، فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن، فإن مات المجني عليه قبل الإياس من عودها، فلا قصاص؛ لأن الاستحقاق له غير متحقق، فيكون ذلك شبهة في درئه، وتجب الدية؛ لأن القلع موجود، والعود مشكوك فيه. ويحتمل أنه إذا مات قبل مجيء وقت عودها، أن لا يجب شيء؛ لأن العادة عودها، فأشبه ما لو حلق شعره، فمات قبل نباته. فاما إن قلع سن من قد أثغر وجب القصاص له في الحال؛ لأن الظاهر عدم عودها، وهذا قول بعض أصحاب الشافعيّ، وقال القاضي: يُسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: لا تعود فله القصاص في الحال، وإن قالوا: يُرجى عودها إلى وقتٍ ذكروه، لم يقتص حتى يأتي ذلك الوقت، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأنها تحتمل العود، فأشبهت سنّ من لم يُثغر. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن وجوب القصاص في السنّ مجمع عليه بين أهل العلم؛ للآية المذكورة، وحديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في القصاص في سائر عظام الجسد: قال العلامة ابن بطّال - ﵀ -: أجمع العلماء على أن هذه الآية؛ يعني: قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ الآية [المائدة: ٤٥] في العمد، فمن أصاب سنّ أحد عمدًا، ففيه القصاص على حديث أنس - ﵁ -، واختَلَف العلماء في سائر عظام الجسد إذا كُسرت عمدًا، فقال مالك: عظام الجسد كلّها فيها القَوَد، إذا كُسرت عمدًا: الذراعان، والعضدان، والساقان، والقدمان، والكعبان، والأصابع إلا ما كان مجوَّفًا، مثل الفخذ، وشبهه، كالمأمومة، والمنقّلة، والهاشمة، والصلب، ففي ذلك الدية. وقال الكوفيّون: لا قصاص في عظم يُكسر إلا السنّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وهو قول الليث، والشافعيّ. واحتجّ الشافعيّ، فقال: إن دون العظم حائلًا من جلد، ولحم، وعَصَب، فلو استيقنّا أنا نكسر عظمة كما كسر عظمة، لا يزيد، ولا ينقص فعلناه، ولكنا لا نصل إلى العظم حتى ننال منه ما دونه، مما ذكرنا أنا لا نعرف قدره، مما هو أقلّ، أو أكثر مما نال غيره، وأيضًا فإنا لا نقدر أن يكون كسر ككسر أبدًا، فهو ممنوع. وقال الطحاويُّ: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فكذلك سائر العظام. والحجة لمالك حديث أنس - ﵁ -: أن النبيّ - ﷺ - قال في سنّ الربيّع: «كتاب الله القصاص»، فلمّا جاز القصاص في السنّ إذا كُسرت، وهي عظم، فكذلك سائر العظام، إلا عظمًا أجمعوا أنه لا قصاص فيه؛ لخوف ذهاب النفس منه، وأنه لا يقدر على الوصول فيه إلى مثل الجناية بالسواء، فلا يجوز أن يُفعل ما يؤدّي في الأغلب إلى التلف، إذا كان الجارح الأول لم يؤدِّ فعله إلى التلف. وقال ابن المنذر: ومن قال: لا قصاص في عظم، فهو مخالفٌ للحديث، والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر. انتهى كلام ابن بطّال - ﵀ - . وقال في «الفتح»: اختلفوا في سائر عظام الجسد، فقال مالك: فيها القود، إلا ما كان مُجَوَّفًا، أو كان كالمأمومة، والْمُنَقِّلة، والهاشمة، ففيها الدية، واحتج بالآية، ووجه الدلالة منها: أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا ورد على لسان نبينا - ﷺ - بغير إنكار، وقد دلّ قوله: ﴿وَالسِّنَّ باِلسِّنِّ﴾ على إجراء القصاص في العظم؛ لأن السن عظم، إلا ما أجمعوا على أن لا قصاص فيه، إما لخوف ذهاب النفس، وإما لعدم الاقتدار على المماثلة فيه. وقال الشافعي، والليث، والحنفية: لا قصاص في العظم، غير السن؛ لأن دون العظم حائلًا من جلد، ولحم، وعصب، يتعذر معه المماثلة، فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص، ولكنه لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه، مما لا يعرف قدره. وقال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فليلتحق بها سائر العظام. وتُعُقب بأنه قياس مع وجود النص، فإن في حديث الباب أنها كَسَرت الثنيةَ، فأَمَر - ﷺ - بالقصاص، مع أن الكسر لا تطّرد فيه المماثلة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك - ﵀ - من وجوب القصاص في العظام التي يمكن مماثلتها هو الحقّ؛ لآية: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولحديث الباب، حيث إنه - ﷺ - قال في كسر السنّ، وهو من العظام: «كتاب الله القصاص»، فبيّن الحكم العامّ فيه، وفي أمثاله، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «صحيح البخاري» ٢/ ٧٩٠.

٢. »المفهم«٥/ ٣٤ - ٣٥.

٣. «صحيح البخاريّ» ٤/ ١٦٣٦.

٤. «شرح مسلم» ١١/ ١٦٤ - ١٦٥.

٥. «الفتح» ١٦/ ٥٣، كتاب «الديات» رقم (٦٨٨٦).

٦. «المفهم» ٥/ ٣٦.

٧. «شرح النوويّ» ١١/ ١٦٣.

٨. «المفهم» ٥/ ٣٦.

٩. «الفتح» ١٦/ ٦٩ - ٧٠.

١٠. «شرح مسلم» ١١/ ١٦٥.

١١. «الفتح» ١٦/ ٧٠، كتاب «الديات» رقم (٦٨٩٤).

١٢. «المغني» ١١/ ٥٥٢ - ٥٥٤.

١٣. «شرح صحيح البخاري» لابن بطال ٨/ ٥٢٢ - ٥٢٣.

١٤. «الفتح» ١٦/ ٦٨، كتاب «الديات» رقم (٦٨٩٤).