HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٠٠

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو معاوية عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا. فَدَعَاهُمْ ﷺ فقا (هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟) قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ. فَقَالَ (أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟) قَالَ: لَا. وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ. نَجِدُهُ الرَّجْمَ. وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا. فَكُنَّا، إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ. وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ. قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ. فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اللَّهُمَّ! إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أمرك إذا أَمَاتُوهُ). فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يا أيها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [٥ /المائدة] يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ. فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ. وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [٥ /المائدة]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [٥ /المائدة]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [٥ /المائدة]. في الكفار كلها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص122
ج ٣ ص ١٣٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٥٥١
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٣٢] (١٧٠٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا، مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ - ﷺ -، فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا : تَعَالَوْا، فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ، مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ»، فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا - ﷺ -، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ، وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ، فَاحْذَرُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الْخَارفيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٧. ٦ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، نزل الكوفة، استُصغِر يوم بدر، مات - ﵁ - سنة (٧٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه يحيى، فنيسابوريّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) - ﵄ - أنه (قَالَ: مُرَّ) بالبناء للمفعول، (عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا) منصوب على الحال، والمحَمَّم: اسم مفعول من التحميم، وهو التسويد بالْحُمَم، بضمّ الحاء المهملة، وفتح الميم، واحدته: حُمَمةٌ، وزانُ رُطَبة، وهو ما أُحرق من خشب، ونحوه، يقال: حَمَّ الْجَمْرُ يَحَمُّ حَمَمًا، من باب تَعِبَ: إذا اسودّ بعد خُمُوده، وتُطلق الْحَمَمَة على الجمر مجازًا باسم ما يؤول إليه، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وقال المجد - ﵀ -: والْحُمَم، كصُرَدٍ: الْفَحْمُ، واحدته بِهاء، وحَمَّمَ: سَخَّمَ الوجهَ به. انتهى . وقوله: (مَجْلُودًا) منصوب على الحال أيضًا، فتكون من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة، و«الْمَجْلُودُ»: اسم مفعول من جَلَدْتُ الجاني جَلْدًا، من باب ضَرَبَ: إذا ضربته بالْمِجْلَدِ، بكسر الميم، وهو السوط . (فَدَعَاهُمْ - ﷺ -، فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟) ظاهر هذا الحديث يعارض ما سبق في حديث ابن عمر - ﵄ -، حيث إن فيه أنهم ابتدءوا بالسؤال قبل إقامة الحدّ عليه، وفي هذا أنهم أقاموا الحدّ قبل السؤال، وقد تقدّم أن الحافظ ذكر هذا التعارض، وأجاب بإمكان التعدّد، أو بأنهم بادروا فجلدوا، ثم سألوا، فاتفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك، فأمر بإحضارهما، فوقع ما وقع، والله تعالى أعلم. (قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ) الظاهر أنه عبد الله بن صُوريا المتقدّم ذكره. (فَقَالَ:«أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ »)؛ أي: التوراة، (قَالَ: لَا)؛ أي: لا نجد التحميم، والجلد في كتابنا، (وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا)؛ أي: بقولك المغلّظ، حيث قُلت:«أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى»، (لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ)؛ أي: حدّ الزاني (الرَّجْمَ) منصوب على أنه مفعول ثان لـ«نجد»، (وَلَكِنَّهُ)؛ أي: الزنى (كَثُرَ) بضمّ الثاء المثلّثة، (فِي أَشْرَافِنَا)؛ أي: في الملوك، وأعوانهم، (فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ) لشرفه (وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ) لعدم من يحميه، (قُلْنَا) وفي بعض النسخ:«فقلنا»؛ أي: قال بعضنا لبعض: (تَعَالَوْا) بفتح اللام، وإنما فُتح، وإن كان آخر الفعل يُضمّ للواو؛ لأن اللام ليست آخر الفعل حقيقةً، إذ أصله: تعالَيُوا، بوزن تقاتَلُوا، فقُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثمّ حُذفت الألف؛ للالتقاء الساكنين؛ أي: الألف المنقلبة، وواو الجماعة، فبقي ما قبل الواو مفتوحًا على أصله، وما قبلها محذوف، فافهم. (فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ)؛ أي: تسويد الوجه بالْحُمَم، وهو الفحم، وفسّره بعضهم بصبّ الماء الحارّ على الوجه، (وَالْجَلْدَ، مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ)؛ أي: في شأن الرجم (إِذْ أَمَاتُوهُ»)؛ أي: أماته اليهود، حيث تركوا العمل به، (فَأَمَرَ) بالبناء للفاعل، أمر - ﷺ - (بِهِ)؛ أي: برجم ذلك اليهوديّ الزاني، (فَرُجِمَ) بالبناء للمفعول. قال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في «تفسيره» بعد إيراده الأحاديث المتقدّمة ما نصّه: فهذه أحاديث دالة على أن رسول الله - ﷺ - حَكَم بموافقة حُكْم التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمديّ لا محالةَ، ولكن هذا بوحي خاص من الله - ﷿ - إليه بذلك، وسؤالُهُ إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم، مما تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهورَ الطويلة، فلما اعترفوا به مع عَملهم على خلافه، بأن زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لِمَا يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول - ﷺ - إنما كان عن هوى منهم، وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، لهذا قالوا: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ [المائدة: ٤١]؛ أي: الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾؛ أي: اقبلوه، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]؛ أي: من قبوله واتباعه. انتهى . (فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا - ﷺ -، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ، وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ)؛ أي: اقبلوا حكمه، واعملوا به، (وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ، فَاحْذَرُوا)؛ أي: لا تقبلوا حكمه، (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾)، وقوله: (فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا) يعني: أن هؤلاء الآيات كلها إنما نزلت في شأن الكفّار، لا في المسلمين. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ يحتجُّ بظاهره من يُكفِّرُ بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّ هذه الآيات نزلت في اليهود المحرِّفين كلام الله تعالى، كما جاء في هذا الحديث، وهم كفار، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب نزولها، وبيان هذا: أن المسلم إذا علم حكم الله تعالى في قضيَّة قطعًا، ثم لم يحكم به؛ فإن كان عن جَحْدٍ كان كافرًا، لا يُخْتَلَف في هذا، وإن كان لا عن جَحْدٍ كان عاصيًا مرتكب كبيرة؛ لأنَّه مُصَدّق بأصل ذلك الحكم، وعالم بوجوب تنفيذه عليه، لكنه عصى بترك العمل به، وهكذا في كل ما يُعلم من ضرورة الشرع حُكمه، كالصلاة، وغيرها من القواعد المعلومة، وهذا مذهب أهل السُّنَّة، وقد تقدم ذلك في «كتاب الإيمان» حيث بيَّنَّا: أن الكفر هو الجحد والتكذيب بأمرٍ معلوم ضروريّ من الشرع، فما لا يكن كذلك فليس بكفر، ومقصود هذا البحث: أن هذه الآيات المراد بها: أهل الكفر، والعناد، وأنها كانت ألفاظها عامة، فقد خرج منها المسلمون؛ لأنَّ ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وترك الحكم بذلك ليس بشرك بالاتفاق، فيجوز أن يُغفر، والكفر لا يُغفر، فلا يكون ترك العمل بالحكم كفرًا. ويعتضد هذا بالقاعدة المعلومة من الشرع المتقدمة، والظلم والفسق في هاتين الآيتين المراد بهما: الكفر؛ لأنَّ الكافر وَضَعَ الشيء في غير موضعه، وخرج عن الحق، فصدق على الكافر: أنَّه ظالم وفاسق، بل هو أحق بذينك الاسمين ممن ليس بكافر؛ لأنَّ ظُلمه أعظم الظلم، وفسقه أعظم الفسق. وقد تقدَّم في الإيمان بيان كُفر دون كُفر، وظُلم دون ظُلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: حديث البراء بن عازب - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٤٤٣٢ و٤٤٣٣] (١٧٠٠)، و(أبو داود) في «الحدود» (٤٤٤٧ و٤٤٤٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٩٤ و٦/ ٣٣٤)، و(ابن ماجه) في «الحدود» (٢٣٣٧ و٢٥٥٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٨٦ و٢٩٠ و٣٠٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٤٤ و١٤٥)، و(ابن أبي عاصم) في «الأوائل» (١/ ٩٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٢١٤ و٢٤٦)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٣٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ: «فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَرُجِمَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ نُزُولِ الآيَةِ).
مصادر المؤلف (٧)

١. وفي نسخة: «فقلنا».

٢. وفي نسخة: «قال رسول الله - ﷺ -».

٣. «المصباح المنير»١/ ١٥٢.

٤. «القاموس المحيط»٣٢٤.

٥. «المصباح المنير»١/ ١٠٤.

٦. «تفسير ابن كثير» ٣/ ١١٦.

٧. «المفهم» ١٦/ ٣٦.