HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٠٥

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ السُّدِّيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ. مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لم يحص. فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ. فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا. فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ. فَخَشِيتُ، إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا، أَنْ أَقْتُلَهَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. فقال (أحسنت).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص125
ج ٣ ص ١٣٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٥٨١
قال: أنبا معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد الجهنيّ، وأبي هريرة، أنهما قالا: سئل رسول الله - ﷺ - عن الأمة التي لم تُحصن، قال: «إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، إما قال في الثالثة، أو في الرابعة - شَكَّ - فبيعوها، ولو بضفير». انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ تَأْخِيرِ الْحَدِّ عَنِ النُّفَسَاءِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٤٢] (١٧٠٥) - (حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثنا سُلَيْمَانُ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ السُّدِّيّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عبد الرَّحْمَن، قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٢ - (سُلَيْمَانُ أَبُو دَاوُدَ) ابن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ٧٣. ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ٥٣. ٤ - (السُّدِّيُّ) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالتشيّع [٤] (ت ١٢٧) (م ٤) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٨/ ١٦٤٠. [تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج مسلم هذا الحديث، من رواية السدّيّ، وقد تفرّد به، وهو متكلَّم فيه؟. [قلت]: هو وإن تكلّم فيه بعضهم، فقد وثّقه آخرون، كعبد الرحمن بن مهديّ، وأحمد بن حنبل في رواية أبي طالب عنه، والعجليّ، وقال ابن عديّ: هو عندي مستقيم الحديث، صدوقٌ لا بأس به، وقال النسائيّ: صالح، وقال أيضًا: ليس به بأس، ولهذا قال الحاكم في «المدخل» في باب الرواة الذين عِيب على مسلم إخراج حديثهم: تعديل عبد الرحمن بن مهديّ أقوى عند مسلم ممن جَرَحه بجَرْح غير مفسَّر. انتهى . ٥ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. ٦ - (أَبُو عبد الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة، أبو عبد الرحمن السّلَميّ الكوفيّ المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة [٢] مات بعد السبعين (ع) تقدم في «الرضاع» ٣/ ٣٥٨١. ٧ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبو الحسن الخليفة الرابع، استُشهد في رمضان سنة أربعين، وله (٦٣) على الأرجح (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالكوفيين من زائدة، والباقيان بصريّان، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: السدّيّ، عن سعد، عن أبي عبد الرحمن، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عم المصطفى - ﷺ -، وزوج ابنته، وأول من آمن من الصبيان، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد الخلفاء الراشدين الأربعة، ومات وهو يومئذ أفضل أهل الأرض من بني آدم بإجماع أهل السُّنّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عبد الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب السُّلَميّ أنه (قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ) ابنُ أبي طالب - ﵁ - (فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ) أراد المسلمين، (أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ) جمع رقيق، كشديد، وأشدّاء،. قال في «الخلاصة»: وَلكَرِيمٍ وَبَخِيلٍ فُعَلَا … كَذَا لِمَا ضَاهَاهُمَا قَدْ جُعِلَا وَنَابَ عَنْهُ أَفْعِلَاءُ في الْمُعَلّْ … لَامًا وَمُضْعَفٍ وَغَيْرُ ذَاكَ قَلّ وقوله: (الْحَدَّ) منصوب على المفعوليّة لـ«أقيموا»، وفيه أن السيّد يقيم الحدّ على رقيقه، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لهذا الحديث، وللحديث الماضي: «إذا زنت أمة أحدكم، فتبيّن زناها، فليجدها الحدّ …»، وهو أصرح في المقصود، وخالف في ذلك الحنفيّة، وأوَّلوا الحديث بتأويل متكلّف، ومتعسّف، والحقّ أحقّ أن يُتبع، فلا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ) بالبتاء للفاعل، والإحصان في الأصل: المنع، والمراد به هنا التزوّج، قال في «العمدة»: والمرأة تكون محصنة بالإسلام، والعفاف،. والحريّة، والتزوج، يقال: أحصنت المرأة فهي مُحصِنة، وكذا الرجل، والمحصَن بالفتح يكون بمعنى الفاعل، والمفعول، وهو أحد الثلاثة التي جئن نوادر، يقال: أحصن فهو محصَن، وأسهب فهو مسْهَب، وأفلج فهو مُفلَج. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: والحَصَانُ بالفتح: المرأة العفيفة، وجمعها: حُصُنٌ، وقد حَصُنَتْ مثلث الصاد، وهي بَيِّنة الحَصَانَةِ بالفتح؛ أي: العِفّة، وأَحْصَنَ الرجل بالألف: تزوج، والفقهاء يزيدون على هذا: وطئ في نكاح صحيح، قال الشافعيّ: إذا أصاب الحرّ البالغ امرأته، أو أُصيبت الحرة البالغة بنكاح، فهو إِحْصَانٌ في الإسلام، والشرك، والمراد: في نكاح صحيح، واسم الفاعل من أَحْصَنَ إذا تزوج: مُحْصِن، بالكسر على القياس، قاله ابن القطاع، ومُحْصَنٌ بالفتح على غير قياس، والمرأة: مُحْصَنَةٌ بالفتح أيضًا على غير قياس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]؛ أي: وتحرم عليكم المتزوجات، وأما أَحْصَنَتِ المرأة فرجها: إذا عَفَّت، فهي مُحْصِنَةٌ بالفتح والكسر أيضًا، وقرئ بذلك في السبعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] والمراد: الحرائر العفيفات، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمراد: الحرائر أيضًا. انتهي . (فَإِنَّ) بالفاء التعليليّة؛ أي: لأن (أَمَةً لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) لا يعُرف اسمها . قال القرطبيّ ﵀: قوله: «فإن أمة لرسول الله - ﷺ - زنت»، كذا جاء في كتاب مسلم، وفي كتاب أبي داود: «فَجَرت جارية لآل رسول الله - ﷺ -»، وظاهره: أن هذه الجارية كانت لبعض عشيرته. وهذه الزيادة أحسن من رواية مسلم، وأليق بحال من ينتسب لحضرة بيت رسول الله - ﷺ -، وملكه، استصحابًا لِمَا شهد الله تعالى به من الطهارة لذلك الجناب الكريم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وكيف يليق بمن كان في مثل ذلك البيت الكريم، وبمن صحَّ له ذلك الملك الشريف أن تقع منه فاحشة الزنى، هذا والله من البعد على الغاية القصوى، فإن العبد من طينة سيِّده. ألا ترى أنَّه لمَّا كَثَّر المنافقون على مارية في ابن عمها؛ الذي كان يزورها، فبعث النبيّ - ﷺ - عليّ بن أبي طالب ليقتله، فدخل عليه، فلما رآه كشف عن فرجه، فإذا هو أَجَبُّ، فقرأ عليٌّ - ﵁ -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، هذا كله مع احتمال أن يراد بآل محمد نَفْسُه، كما قدمنا في قوله - ﷺ -: «اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى»، وفي قوله: «لقد أوتيتْ مزمارًا من مزامير آل داود»، وتكون هذه الأمة من الأَمَة الْمُتخذات لنخدمة والتصرف، ولعلَّها قريبة عهد بالجاهلية، لكن الأوَّل ألْيَق وأسلم.،. والله تعالى أعلم. انتهى . (زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أجْلِدَهَا) بكسر اللام، من باب ضرب، قال القرطبيّ ﵀: هذا إنما كان لِمَا ظهر من زناها بالْحَبَل، كما دلّ عليه قوله: «فإذا هي حديثة عهد بنفاس». انتهى . (فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني كونها حديث عهد بالنفاس، (هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ) بكسر النون؛ أي: ولادة، يعني: أنها جديد الوقت بالولادة، وكان ذلك الولد من الزنا، كما بُيّن في الرواية الآتية في التنبيه الآتي. [تنبيه]: النفاس بالكسر هنا بمعنى الولادة، قال الفيّومي ﵀: نُفست المرأة بالبناء للمفعول، فهي نُفساء، والجمع: نِفاش بالكسر، ومثله عَشَراء وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَت تَنْفَس، من باب تَعِبَ، فهي نافسٌ، مثل حائض، والولد منفوسٌ، والنفاس بالكسر أيضًا: اسم من ذلك. انتهى . (فَخَشِيتُ) بكسر الشين، من باب تَعِبَ، (إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا) في تأويل المصدر مفعول «خَشِيتُ»، و«جلدتها» مفسّر لعامل «أنا» المقدّم بعد «إن» الشرطيّة، كقول الحماسيّ [من الطويل]: وَإِنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى النَّفْسِ ضيْمَهَا … فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ جَمِيلُ وجواب الشرط محذوفٌ دلّ عليه الكلام المؤوّل من الفعل ومفعوله؛ أي: خشيت قَتْلها، أفاده الطيبيّ ﵀ . (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ)؛ أي: كونها قريبة عهد بالنفاس (لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ - («أَحْسَنْتَ»)؛ أي: حيث لم تجلدها في نفاسها، وفيه أن الجلد واجب على الأمة الزانية وأن النفساء، والمريضة، ونحوهما يؤخّر جلدهما إلى البرء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٤٤٢ و٤٤٤٣] (١٧٠٥)، و(الترمذيّ) في «الحدود» (١٤٤١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٥٦)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٤١٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٢٧٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٤٩ - ١٥٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٠٧)، و(البزّار) في «مسنده» (٢/ ٢٠٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ١٥٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١١ و٢٢٩ و٢٤٢ و٢٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثه): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الحدّ على من زنى من الإماء والعبيد. ٢ - (ومنها): مشروعيّة إقامة السيّد الحدّ على مملوكه، ولو لم يستأذن السلطان، وهو الصحيح. ٣ - (ومنها): تأخير إقامة الحدّ عمن كانت قريبة الولادة حتى تطهر من نفاسها. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: هذا الحديث فيه أصل من أصول الفقه، وهو ترك العمل بالظاهر؛ لِمَا هو أولى منه، وتسويغ الاجتهاد، ألا ترى أن عليًّا - ﵁ - قد ترك ظاهر الأمر بالجلد؛ مخافة أمر آخر، هو أولى بالمراعاة، فحسَّنه النبيّ - ﷺ - له وصوَّبه؟ ولو كان الأمر على ما ارتكبه أهل الظاهر من الأصول الفاسدة لَجَلدها، وإن هلكت. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀ أيضًا: فيه من الفقه ما يدلُّ على أن من كان حدُّه دون القتل لم يُقَم عليه الحدّ في مرضه حتى يفيق، لا مُفَرَّقًا، ولا مجموعًا، ولا مخفَّفًا، ولا مثقَّلًا، وهو مذهب الجمهور؛ تمسُّكًا بهذا الحديث، وهو أولى مما خرَّجه أبو داود من حديث سهل بن حُنَيف - ﵁ -: «أن رجلًا من أصحاب النبيّ - ﷺ - اشتَكَى حتى أَضْنَى، فعاد جِلْدَةً على عَظْمٍ، فوقع على جارية لغيره، ثمَّ نَدِم، فاستُفْتِيَ له رسول الله - ﷺ -، فأمر رسول الله - ﷺ - أن يأخذوا له مائة شِمْراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة»؛ لأنَّ إسناده مختلَف فيه، ولحديث سهل هذا؛ قال الشافعيّ: يُضرب المريضن. ضربة بِعثْكُولِ نخل تصل شماريخه كلها إليه، أو بما يقوم مقامه، وهذا في مريض ليس عليه حدُّ القتل، فلو كان عليه جلدٌ وقتلٌ؛ يُجلد الحدّ ثم يُقتل بعد ذلك. وحديث عليّ - ﵁ - هذا: قد خرَّجه النسائيّ، والترمذيّ، وزاد فيه.: فقال رسول الله - ﷺ -: «دَعْها حتى ينقطع دمها، ثم أقم عليها الحدّ، وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم»، وهذا لفظ أبي داود، وهو نصٌّ على صحة مدهب الجمهور، وهو أصحُّ من حديث سهل وأعلى، فالعمل به أوجب وأولى، والحدُّ الذي أُمر عليّ بإقامته هو نصف حدّ الحرَّة الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وهو قول الجمهور، ولا رجم على أمة، وإن كانت متزوجة بالإجماع. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٤٣] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّيّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَمْ يَذْكُرْ: «مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ»، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: «اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٢/ ٥٤٢. و«السدّي» تقدم في الحديث السابق. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير إسرائيل. وقوله: (حَتَّى تَمَاثَلَ)؛ أي: حتى تبرأ، يقال: تماثل العَليلُ: إذا قارب البُرْءَ، قاله في «القاموس» . [تنبيه]: رواية إسرائيل، عن السُّدّيّ هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (١٦٨٨١) - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن السُّدّيّ، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن، قال: خطبنا عليّ - ﵁ -، فقال: أيها الناس أئما عبد وأمة فَجَرَا، فأقيموا عليهما الحدّ، وإن زنيا فاجلدوهما الحدّ، ثم قال: إن خادمًا لرسول الله - ﷺ - وَلَدت من الزنا، فبعثني لأجلدها، فوجدتها حديثة عهد بنفاسها، فخشيت أن أقتلها، فقال: «أحسنت، اتركها حتى تماثل». انتهى ، والله تعالى أعلم. [خاتمة]: قال ابن المنذر ﵀: أجمع كلُّ من أحفظ عنه من أهل العلم أن الجلد بالسَّوط؛ والسَّوط الذي يُجْلَد به سوط بين سوطين، ولا تُجَرَّد المرأة، وتُسْتَر، ويُنزع عنها ما يقيها، وهو مذهب مالك وغيره، بل لا خلاف فيه فيما أعلم، وأمَّا الرَّجل فاختُلف في تجريده. فقيل: لا يجرد. وبه قال طاووس، والشعبيّ، وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي عبيدة بن الجرَّاح. وقالت طائفة أخرى: يجرَّد وتُستر عورته. وبه قال عمر بن عبد العزيز، ومالك. وقال الأوزاعيّ: ذلك إلى الإمام، إن شاء جرَّد، وإن شاء لم يجرد. واتفقوا على أن المجلود وعليه قميصه مجلود. وتُضرب المرأة قاعدة عند الجمهور. واختُلف في الرِّجال. فالجمهور على أنهم يُجلدون قيامًا. قاله الشافعيّ، وغيره. وقال مالك: قعودًا. واتفقوا: على أن الجلد كيفما وقع أجزأ. ولا يُمدُّ المجلود، ولا يُربط. وتُترك له يداه عند الجمهور. قال ابن مسعود: لا يَحِلّ في هذه الأُمَّة تجريدٌ، ولا مَدٌّ. والضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلِمًا؛ لا يَجْرَح، ولا يَبْضَع، ولا يُخرج الضارب يده من تحت إبطه. وبه قال الجمهور، وبه قال عليّ، وابن مسعود. وأُتي عمر - ﵁ - برجلٍ في حدٍّ، فأُتي بسوط بين سوطين، وقال للضارب: اضرب، ولا يُرى إبطك، وأعط كل عضو حقَّه. واتفقوا: على أنه لا يُضرب في الوجه؛ لنهي النبيّ - ﷺ - عن ذلك، ولا يُضرب في الفرج عند العلماء. والجمهور على اتِّقاء الرأس. وقال أبو يوسف: يُضرب في الرأس. وقد رُوي: أن عمر ضرب صَبِيغًا في رأسه، وكان تَعْزِيرًا، لا حدًّا. قال القرطبيّ: وإنَّما مُنِع من الضرب في الفرج مخافة الموت، فيجب أن تُتَّقَى المَقاتِلُ كلُّها، كالدماغ، والقلب، وما أشبه ذلك، وهذا لا يُخْتَلف فيه - إن شاء الله تعالى -، ذكر هذا كلّه القرطبيّ ﵀ في «المفهم» ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩) - (بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ) [مسألةٌ مهمّةٌ]: في اشتقاق الخمر، وتعريفها: «الخَمْرُ»: تُذَكَّر، وتؤنَّث، فيقال: هو الخَمْرُ، وهي الخَمْرُ، وقال الأصمعيّ: الخَمْرُ أنثى، وأنكر التذكير، ويجوز دخول الهاء، فيقال الخَمْرَةُ، على أنها قطعة من الخَمْر، كما يقال: كُنّا في لَحْمَةٍ، ونَبِيذةٍ، وعَسَلَةٍ؛ أي: في قطعة من كلّ شيء منها، ويُجمع الخَمْرُ على الخُمُور، مثل فَلْس وفُلُوس، ويقال: هي اسم لكلّ مسكر خَامَرَ العقلَ؛ أي: غَطّاه«، واختَمَرَتِ الخمرُ: أَدْرَكَتْ، وغَلَت، قاله الفيّوميّ . وقال في«الفتح»: اللغة الفضحى تأنيث الخمر، وأثبت أبو حاتم السجستانيّ، وابن قتيبة، وغيرهما جواز التذكير، ويقال لها: الخمرة، أثبته فيها جماعة من أهل اللغة، منهم الجوهريّ، وقال ابن مالك في«المثلَّث»: الخمرة هي الخمر في اللغة، وقيل: سميت الخمر؛ لأنها تغطي العقلَ، وتخامره؛ أي: تخالطه، أو لأنها هي تُخَمَّرُ؛ أي: تُغَطَّى حتى تَغْلِي، أو لأنها تَخْتَمِر؛ أي: تُدْرِك، كما يقال للعجين: اختَمَرَ، أقوال. انتهى . وقال الإمام البخاريّ ﵀ في«صحيحه»:«باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب». قال في«الفتح»: كذا قيّده بالشراب، وهو متّفقٌ عليه، ولا يَرِد عليه أن غير الشراب ما يُسكر؛ لأن الكلام إنما هو في أنه هل يُسمَّى خمرًا أم لا؟. ثم أورد بسنده عن ابن عمر - ﵄ - قال: خطب عمر على منبر رسول الله - ﷺ -، فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمرُ ما خامر العقل … الحديث. وفي رواية:«قال: الخمر تُصنع من خمسة: من الزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل». قال في«الفتح»: قوله:«من العنب … إلخ» هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد، والأبواب، في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكمَ الرفع؛ لأنه خبر صحابيّ شَهِد التنزيل، أخبر عن سبب نزولها، وقد خَطَب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة، وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر الآية المذكورة في أول كتاب الأشربة، وهي آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخرها [المائدة: ٩٠]، فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصًّا بالمتخَذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس الماضي فإنه يدلّ على أن الصحابة فَهِموا من تحريم الخمر تحريم كل مشكر، سواءٌ كان من العنب، أم من غيرها. وقد جاء هذا الذي قاله عمر، عن النبيّ - ﷺ - صريحًا، فأخرج أصحاب «السنن» الأربعة، وصححه ابن حبان من وجهين، عن الشعبي، أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذُّرَة، وإني أنهاكم عن كل مسكر»، لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان، وزاد فيهْ أن النعمان خطب الناس بالكوفة. ولأبي داود من ؤجه آخر، عن الشعبيّ، عن النعمان، بلفظ: «إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وإن من البُرّ خمرًا، وإن من الشعير خمرًا». ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب «السنن»، والتي قبلها فيها الزبيب دون العسل. ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: «الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة»، أخرجه أبو يعلى من هذا الوجه، بلفظ: «حُرِّمت الخمر يوم حُرّمت، وهي ..»،. فذكرها، وزاد: «الذُّرَة». وأخرج الخلعي في «فوائده» من طريق خلاد بن السائب، عن أبيه، رفعه مثل الرواية الثانية، لكن ذكر الزبيب بدل الشعير، وسنده لا بأس به، ويوافق ذلك ما تقدم في «التفسير» من حديث ابن عمر: «نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب». وقوله: «والخمر ما خامر العقل»؛ أي: غَطّاه، أو خالطه، فلم يتركه على حاله، وهو من مجاز التشبيه، والعقل هو آلة التمييز، فلذلك حَرُم ما غَطّاه، أو غَيَّره؛ لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده؛ ليقوموا بحقوقه. قال الكرمانيّ: هذا تعريف بحسب اللغة، وأما بحسب العُرف فهو ما يخامر العقل، من عصير العنب خاصّة. قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر؛ لأن عمر - ﵁ - ليس في مقام تعريف اللغة، بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعيّ، فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع هو ما خامر العقل، على أن عند أهل اللغة اختلافًا في ذلك، كما قدمته، ولو سُلِّم أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى خمرًا، والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة». قال البيهقيّ: ليس المراد الحصر فيهما؛ لأنه ثبت أن الخمر تتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعًا لا تختص بالمتخَذ من العنب. قال الحافظ: وجَعَل الطحاويّ هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هريرة في أن الخمر من شيئين، مع حديث عمر، ومن وافقه أن الخمر تُتخذ من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر: «لقد حُرِّمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء»، وحديث أنس، يعني: المتقدم ذكره، وبيان اختلاف ألفاظه، منها: «إن الخمر حُرِّمت، وشرابهم الفَضِيخ»، وفي لفظ له: «وإنا نعدّها يومئذ خمرًا»، وفي لفظ له: «إن الخمر يوم حُرِّمت البُسْر والتمر»، قال: فلما اختلف الصحابة في ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتدّ، وغلى، وقَذَف بالزَّبَد، فهو خمر، وأن مستحله كافر دلّ على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة؛ إذ لو عَمِلوا به لكَفّروا مستحل نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر غيرُ المتخَذ من عصير العنب. انتهى. قال الحافظ: ولا يلزم من كونهم لم يكفِّروا مستحل نبيذ التمر أن يمنعوا تسميته خمرًا، فقد يشترك الشيئان فيْ التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق على أن حُكم المسكِر من نبيذ التمر حُكم قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاححة إلا في التسمية، والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره بحَمْل حديث أبي هريرة على الغالب؛ أي: أكثر ما يُتخذ الخمر من العنب والتمر، وحَمْل حديث عمر ومن وافقه على إرادة استيعاب ذِكر ما عُهِد حينئذ أنه يُتخذ منه الخمر، وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يُطلق على ما لا يتخَذ من العنب؛ لأن نزول تحريم الخمر لم يصادف عند من خوطب بالتحريم حينئذ إلا ما يتخذ من غير العنب، أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة، وإن كانت موجودة فيها بقلة، فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتخذ مما عداها كالعدم. وقد قال الراغب في «مفردات القرآن»: سُمّي الخمر خمرًا؛ لكونه خامرًا للعقل؛ أي: ساترًا له، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم للمتخذ من العنب خاصّة، وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرَجَح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرًا حقيقةً، وكذا قال أبو نصر ابن القشيريّ في «تفسيره»: سُميت الخمر خمرًا؛ لِسَترها العقل، أو لاختمارها، وكذا قال غير واحد من أهل اللغة، منهم أبو حنيفة الدِّينوريّ، وأبو نصر الجوهريّ، ونُقِل عن ابن الأعرابيّ قال: سمِّيت الخمر؛ لأنها تُرِكت حتى اختمرت، واختمارها تغيُّر رائحتها، وقيل: سميت بذلك؛ لمخامرتها العقل، نعم جزم ابن سِيدَهْ في «المُحْكَم» بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب، وغيرها من المسكرات يسمى خمرًا مجازًا، وقال صاحب «الفائق» في حديث: «إياكم والغُبَيراء، فإنها خمر العالَم» هي نبيذ الحبشة متخذة من الذُّرَة، سُميت الغبيراء؛ لِمَا فيها من الغَبَرة، وقوله: «خمر العالم»؛ أي: هي مثل خمر العالَم، لا فرق بينها وبينها، وليس تأويله هذا بأولى من تأويل من قال: أراد أنها معظم خمر العالم. وقال صاحب «الهداية» من الحنفية: الخمر عندنا ما اعتُصِر من ماء العنب، إذا اشتَدّ، وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم، قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله - ﷺ -: «كل مسكر خمر»، وقوله: «الخمر من هاتين الشجرتين»، ولأنه من مخامرة العقل، وذلك موجود في كل مسكر، قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولأن تحريم الخمر قطعيّ، وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ظنيّ، قال: وإنما سمي الخمر خمرًا لتخمّره، لا لمخامرة العقل، قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصًّا فيه، كما في النجم، فإنه مشتق من الظهور، ثم هو خاصّ بالثريا. انتهى. والجواب عن الحجة الأولى: ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يُسمَّى خمرًا. وقال الخطابيّ: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سَمَّوا غير المتخذ من العنب خمرًا عرب فُصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا لَمَا أطلقوه. وقال ابن عبد البرّ: قال الكوفيون: إن الخمر من العنب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، قال: فدل على أن الخمر هو ما يُعتصر، لا ما يُنتبذ، قال: ولا دليل فيه على الحصر، وقال أهل المدينة، وسائر الحجازيين، وأهل الحديث كلهم: كل مسكر خمر، وحُكمه حكم ما اتُّخِذ من العنب، ومن الحجة لهم أن القرآن لمّا نزل بتحريم الخمر، فَهِمَ الصحابة، وهم أهل اللسان أن كل شيء يسمى خمرًا يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرُّطَب، ولم يخصُّوا ذلك بالمتخذ من العنب، وعلى تقدير التسليم، فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرًا من الشرع كان حقيقة شرعية، وهي مقدَّمة على الحقيقة اللغوية. والجواب عن الثانية: ما تقدم من أن اختلاف مشترِكَين في الحكم في الغِلَظ، لا يلزم منه افتراقهما في التسمية، كالزنا مثلًا، فإنه يصدق على من وطئ أجنبية، وعلى من وطئ امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطئ مَحْرَمًا له، وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل الثلاثة، وأيضًا فالأحكام الفرعية لا يُشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره أن لا يكون حرامًا، بل يحكم بتحريمه إذا ثبت بطريق ظنيّ تحريمه، وكذا تسميته خمرًا، والله أعلم. والجواب عن الثالثة: ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو، وكيف يستجيز أن يقول: لا لمخامرة العقل، مع قول عمر بمحضر الصحابة: الخمر ما خامر العقل؟ كأن مستنده ما ادّعاه من اتفاق أهل اللغة، فيُحمل قول عمر على المجاز، لكن اختفف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرًا، فقال أبو بكر بن الأنباريّ: سمّيت الخمر خمرًا؛ لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الداء؛ أي: خالطه، وقيل: لأنها تخمِّر العقل؛ أي: تستره، ومنه الحديث: «خَمِّروا آنيتكم»، ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول؛ لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية، وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تُخَمَّر حتى تُدْرِك، كما يقال: خَمَّرت العجينَ، فتخمّر؛ أي: تركته حتى أَدْرَك، ومنه خَمَّرت الرأي؛ أي: تركته حتى ظهر وتحرر، وقيل: سمِّيت خمرًا؛ لأنها تُغَطَّى حتى تَغْلِي، ومنه حديث المختار بن فُلْفُل: قلت لأنس: الخمر من العنب، أو من غيرها؟ قال: ما خَمَّرت من ذلك فهو الخمر، أخرجه ابن أبي شيبة، بسند صحيح، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لثبوتها عن أهل اللغة، وأهل المعرفة باللسان، قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة؛ لأنها تُرِكَت حتى أَدْرَكت، وسكنت، فإذا شُربت خالطت العقل، حتى تغلب عليه، وتغطيه. وقال القرطبيّ: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها، وكثرتها، تُبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسُّنَّة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لمّا نزل تحريم الخمر فَهِمُوا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرِّقوا بين ما يُتخذ من العنب، وبين ما يتخذ من غيره، بل سَوُّوا بينهما، وحَرَّموا كل ما يُسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا، ولم يُشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبِلُغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردّد لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم؛ لِمَا كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلمّا لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فَهِموا التحريم نصًّا، فصار القائل بالتفريق سالكًا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر - ﵁ - بما يوافق ذلك، وهو ممن جعل الله الحق على لسانه، وقلبه، وسَمِعه الصحابةُ وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكار ذلك. وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمرًا لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ثم ذَكَرها، قال: وأما الأحاديث عن الصحابة التي تمسك بها المخالف فلا يصح منها شيء، على ما قال عبد الله بن المبارك، وأحمد، وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها فهو محمول على نقيع الزبيب، أو التمر من قبل أن يدخل حدّ الإسكار؛ جمعًا بين الأحاديث. قال الحافظ: ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن النبيّ - ﷺ - كما سيأتي في «باب نقيع التمر» . ولا فرق في الحِلّ بينه وبين عصير العنب أوّلَ ما يُعصر، وإنما الخلاف فيما اشتدّ منهما، هل يفترق الحكم فيه، أو لا؟ وقد ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين في دعواهم أن اسم الخمر خاصّ بما يُتخذ من العنب، مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم، وقولهم بتحريم قليل ما أَسكر كثيره من كل شراب، فقال الرافعي: ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقة فيما يُتخذ من العنب، مجاز في غيره، وخالفه ابن الرفعة، فنقل عن المزنيّ، وابن أبي هريرة، وأكثر الأصحاب، أن الجميع يسمى خمرًا حقيقة، قال: وممن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان: أبو الطيب، والرويانيّ، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعيّ للأكثر لم يجد نَقْله عن الأكثر، إلا في كلام الرافعيّ، ولم يتعقبه النوويّ في «الروضة»، لكن كلامه في «شرح مسلم» يوافقه، وفي «تهذيب الأسماء» يخالفه. وقد نقل ابن المنذر عن الشافعيّ ما يوافق ما نقلوا عن المزنيّ، فقال: قال: إن الخمر من العنب، ومن غير العنب: عمر، وعليّ، وسعيد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين: سعيد بن المسيِّب، وعروة، والحسن، وسعيد بن جبير، وآخرون، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وعامة أهل الحديث. ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقةً يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية. وقد أجاب بهذا ابن عبد البرّ، وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعيّ دون اللغويّ، والله أعلم. قال الحافظ: ويلزم أهل الكوفة في قولهم: إن الخمر حقيقةٌ في ماء العنب، مجازٌ في غيره أن يُجَوِّزوا إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه؛ لأن الصحابة - ﵃ - لَمّا بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كان يُطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ومجازًا، وإذا لم يُجَوِّزوا ذلك صح أن الكل خمر حقيقةً، ولا = ما أنقعت لرسول الله - ﷺ -؟ أنقعت له تمرات من الليل في تَوْر. انتهى.
مصادر المؤلف (١٨)

١. «مسند أبي عوانة» ٤/ ١٤٨.

٢. راجع: «تهذيب التهذيب» ١/ ١٥٩.

٣. «عمدة القاري» ١١/ ٢٧٩.

٤. «المصباح المنير» ١/ ١٣٩.

٥. راجع: «تنبيه المعلم» ص ٢٩٥.

٦. «المفهم» ٥/ ١٢٤ - ١٢٥.

٧. «المفهم» ٥/ ١٢٥.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٧.

٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥٢٠ - ٢٥٢١.

١٠. «المفهم» ٥/ ١٢٥.

١١. «المفهم» ٥/ ١٢٥ - ١٢٦.

١٢. «القاموس المحيط» ص ١٢٠٥.

١٣. «سنن البيهقيّ الكبرى» ٨/ ٢٤٤.

١٤. «المفهم»٥/ ١٢٦ - ١٢٧.

١٥. «المصباح المنير»١/ ١٨١ - ١٨٢.

١٦. «الفتح»١٢/ ٥٨٩، كتاب«الأشربة»رقم (٥٥٧٥).

١٧. هو ما أخرجه البخاريّ عن أنس - ﵁ -: «أن الخمر حرّمت، والخمر يومئذ البسر والتمر»، وقال أيضًا: «كنت أسقي أبا عبيدة، وأبا طلحة، وأُبيّ بن كعب من فضيخ زَهْو وتمر، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حرّمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فهَرِقها، فَهَرَقتها».

١٨. أراد به ما أخرجه البخاريّ عن سهل بن سعد الساعديّ، أن أبا أُسيد الساعديّ دعا النبيّ - ﷺ - لعُرْسه، فكانت امرأته خادمهم يومئذ، وهي العروس، فقال: هل تدرون =