HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧١٠

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيد. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رسول الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ (الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ. وَالْبِئْرُ جُبَارٌ. والمعدن جبار. وفي الركاز الخمس).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص127
ج ٣ ص ١٣٣٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٦٧٧
منهما مركوز في الأرض؛ أي: ثابت، يقال: ركزه يَرْكُزُه رَكْزًا: إذا دفنه، والحديث إنما جاء في التفسير الأوّل، وهو الكنز الجاهليّ، وإنما كان فيه الخُمس؛ لكثرة نفعه، وسهولة أخذه. انتهى. وقال ابن العربيّ: حقيقة الركز الإثبات، والمعدن ثابت خلقةً، وما يُدفن ثابثٌ بتكلّف مُتَكَلِّف. وقال الحافظ وليّ الدين: هذا الحديث يدلّ على إرادة دَفِين الجاهليّة أيضًا؛ لكونه - ﷺ - عطف الركاز على المعدن، وفرَّق بينهما، وجعل لكلّ منهما حُكمًا، ولو كانا بمعنى واحد لجَمع بينهما، وقال: والمعدن جُبار، وفيه الخُمس، وقال: والركاز جُبار، وفيه الخمس، فلمّا فرّق بينهما دلّ على تغايرهما. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن جمهور أهل العلم على أن الركاز هو دِفنُ الجاهليّة، وفيه الخمس، وأما المعدن ففيه الزكاة إذا بلغ نصابًا، وسيأتي البحث عنه فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٥٧] (١٧١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيَّين، هما من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، وَأَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، قال في «الفتح»: كذا جمعهما الليث، ووافقه الأكثر، واقتَصَر بعضهم على أبي سلمة. ووقع عند البخاريّ في «الزكاة» من رواية مالك، عن ابن شهاب، فقال: عن سعيد بن المسيِّب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهذا قد يُظَنُّ أنَّه عن سعيد مرسل، وعن أبي سلمة موصول، وقد أخرجه مسلم، والنسائيّ، من رواية يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، قال الدارقطنيّ: المحفوظ عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، وليس قول يونس بمدفوع. قال الحافظ: قد تابعه الأوزاعيّ، عن الزهريّ في قوله: عن عبيد الله، لكن قال: عن ابن عباس بدل أبي هريرة، وهو وَهَمٌ من الراوي عنه يوسف بن خالد، كما نبَّه عليه ابن عديّ. وقد رَوَى سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة شيئًا منه. ورَوَى بعض الضعفاء عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس بعضه، ذكره ابن عديّ، وهو غلط. وأخرج مسلم الحديث بتمامه من رواية الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة. وقد رواه عن أبي هريرة جماعة غيرُ من ذُكِر، منهم: محمَّد بن زياد كما عند البخاريّ في «الديات»، وهمام بن منبه. أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ. انتهى . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا) قال صاحب»النهاية«: هو هنا - بفتح الجيم - على المصدر، لا غيرُ، قاله الأزهريّ، فأما الْجُرح بالضمّ فهو الاسم. انتهى . وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: يجوز في إعراب قوله:«الْعَجْماءُ جرحها جُبَار»وجهان: أحدهما: أن يكون قوله:«جَرْحُها جُبَار»جملةً من مبتدإ وخبر، وهي خبر عن المبتدإ الذي هو«العجماءُ». والثاني: أن يكون قوله:«جَرْحُها»بدلًا من«المعجماء»، وهو بدل اشتمال، والخبر قوله:«جُبَار»، والكلام جملة واحدة، والمصدر في قوله:«جَرْحها» مضاف للفاعل؛ أي: كون العجماء تَجْرح غير مضمون. انتهى . والمراد بجَرحها ما يحصل من تعدّي العجماء من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصة بذلك، بل كل الإتلافات ملحقة بها، قال القاضي عياض وجماعة: إنما عبّر بالجرح؛ لأنه الأغلب، أو هو مثالٌ نَبَّهَ به على ما عداه، والحكم في جميع الإتلاف بها سواء كان على نَفْس، أو مال سواءٌ. (جُبَارٌ) - بضم الجيم، وتخفيف الموحدة - هو الْهَدَر الذي لا شيء فيه، كذا أسنده ابن وهب، عن ابن شهاب، وعن مالك: ما لا دية فيه، أخرجه الترمذيّ، وأصله أن العرب تُسَمِّي السيل جُبَارًا؛ أي: لا شيء فيه، وقال الترمذيّ: فَسَّر بعض أهل العلم، قالوا: العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت من انفلاتها فلا غُرْم على صاحبها، وقال أبو داود بعد تخريجه: العجماء التي تكون مُنفلتة لا يكون معها أحد، وقد تكون بالنهار، ولا تكون بالليل. ووقع عند ابن ماجه في آخر حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -: «والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والْجُبَار: هو الهدر الذي لا يُغْرَم، كذا وقع التفسير مُدرجًا، وكأنه من رواية موسى بن عقبة. قال الحافظ العراقيّ - ﵀ - في«شرح الترمذيّ»: وليس ذِكر الجرح قيدًا، وإنما المراد به إتلافها بأيّ وجه، سواء كان بجرح، أو غيره. وفي رواية البخاريّ من طريق محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال:«العجماء عَقْلُها جُبار. . .»الحديث، والمراد بالعقل: الدية؛ أي: لا دية فيما تُتْلِفُه. وذكر ابن العربيّ أن بناء (ج ب ر) للرفع، والإهدار، من باب السلب، وهو كثير، يأتي اسم الفعل، والفاعل لسلب معناه، كما يأتي لإثبات معناه. وتعقبه العراقيّ في«شرح الترمذيّ»بأنّه للرفع على بابه؛ لأنَّ إتلافات الآدميّين مضمونة مقهور مُتلِفها على ضمانها، وهذا إتلاف قد ارتفع عن أن يؤخذ به أحد. انتهى . (وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) في رواية الأسود بن العلاء الآتية:«والبئر جرحها جبار»، أما البئر فهي بكسر الموحدة، ثمَّ ياء ساكنة مهموزة، ويجوز تسهيلها، وهي مؤنثة، وقد تُذَكَّر على معنى القَلِيب، والطُّوَى، والجمع أبؤر، وآبار بالمد والتخفيف، وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة، قال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا: العادية القديمة التي لا يُعْلَم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إنسان، أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، وكذلك لو حَفَر بئرًا في مُلكه، أو في موات فوقع فيها إنسان، أو غيره فتَلِف فلا ضمان، إذا لم يكن منه تسبّب إلى ذلك، ولا تغريرٌ، وكذا لو استأجر إنسانًا؛ ليحفر له البئر، فانهارت عليه فلا ضمان، وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في مُلك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان، فإنَّه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدميّ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حُفْرة على التفصيل المذكور، قاله في «الفتح». قال ابن بطال - ﵀ - : وخالف الحنفية في ذلك، فضمَّنوا حافر البئر مطلقًا؛ قياسًا على راكب الدابة، ولا قياس مع النصّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. وقال ابن العربيّ - ﵀ -: اتَّفَقَت الروايات المشهورة على التلفظ بالبئر، وجاءت رواية شاذّة بلفظ: «النار جُبار» بنون، وأَلِف ساكنة قبل الراء، ومعناه عندهم: أن من استوقد نارًا مما يجوز له، فتعدَّت حتى أتلفت شيئًا فلا ضمان عليه، قال: وقال بعضهم: صحَّفها بعضهم؛ لأنَّ أهل اليمن يكتبون النار بالياء، لا بالألف، فظَنّ بعضهم البئر الموحدة النار بالنون، فرواها كذلك. قال الحافظ: هذا التأويل نقله ابن عبد البر وغيره عن يحيى بن معين، وجزم بأن معمرًا صحَّفه، حيث رواه عن همام، عن أبي هريرة، قال ابن عبد البرّ: ولم يأت ابن معين على قوله بدليل، وليس بهذا تُرَدُّ أحاديث الثقات. قال الحافظ: ولا يُعْتَرَض على الحفاظ الثقات بالاحتمالات، ويؤيد ما قال ابن معين اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر دون النار، وقد ذكر مسلم - ﵀ - في «مقدّمة صحيحه» أن علامة المنكَر في حديث المحدِّث أن يَعْمِد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب، فيأتي عنه بما ليس عندهم، وهذا من ذاك، ويؤيده أيضًا أنَّه وقع عند أحمد من حديث جابر - ﵁ - بلفظ: «والْجُبّ جُبار» بجيم مضمومة، وموحدة ثقيلة، وهي البئر، وقد اتفق الحفاظ على تغليط سفيان بن حسين حيث رَوَى عن الزهريّ في حديث الباب: «الرِّجْل جُبَار» بكسر الراء، وسكون الجيم، وما ذاك إلا أن الزهري مُكثِر من الحديث والأصحاب، فتَفَرَّد سفيانُ عنه بهذا اللفظ، فَعُدَّ منكرًا، وقال الشافعيّ: لا يصحّ هذا، وقال الدارقطنيّ: رواه عن أبي هريرة: سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة، وعبيد الله بن عبد الله، والأعرج، وأبو صالح، ومحمد بن زياد، ومحمد بن سيرين، فلم يذكروها، وكذلك رواه أصحاب الزهريّ، وهو المعروف. نَعَمْ الحُكم الذي نقله ابن العربي صحيح، ويمكن أن يتلقى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء، ويلتحق به كل جماد، فلو أن شخصًا عَثَرَ فوقع رأسه في جدار فمات، أو انكسر، لم يجب على صاحب الجدار شيء. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في اعتراض الحافظ على الإمام ابن عبد البرّ - ﵀ - في تعقّبه ابنَ معين، بما نقله عن الإمام مسلم نظرٌ، وذلك لأنه لم يَنقُل كلام الإمام مسلم - ﵀ - على وجهه، فوقع على غير ما أراده مسلم، ودونك ملخّص عبارته في «صحيحه»، قال: «وعلامة المنكَر في حديث المحدِّث إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مُستَعمَلِه، إلى أن قال: لأنَّ حُكم أهل العلم، والذي نَعرِف من مذهبهم في قبول ما يتفرّد به المحدِّث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم، والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثمَّ زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبلت زيادته، فأما من تراه يَعمِد لمثل الزهريّ في جلالته، وكثرة أصحابه الحفّاظ المتقنين لحديثه، وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل العلم مبسوطٌ، مشتركٌ، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدَدَ من الحديث، مما لا يعرفه أحدٌ من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح، مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس». انتهى كلام مسلم - ﵀ - باختصار. فأنت ترى أن مسلمًا شَرَط ليكون ما يتفرّد به الراوي منكَرًا أن يكون المتفرّد ممن ليس يشارك الثقات في روايات ما يروونه من الصحيح، فهذا هو الذي يكون منكرًا، وأما إذا كان يشارك الثقات فيما يروونه، أو في بعضه، فإن ما يتفرّد به على أصحابه يكون مقبولًا، ومعلوم أن معمرًا أحد الأثبات المتقنين الذين رووا عن الزهريّ، ويشارك أصحابه الأثبات في رواياتهم عنه، فإذا انفرد عن أصحابه بشيء، فإنَّه يكون مقبولًا، على ما أوضحه الإمام مسلم، في كلامه المذكور. والحاصل أنّ معمرًا من الصنف الثاني، لا من الأوّل، فلا يكون ما تفرّد به منكرًا. ومن الغريب تشبيهه مخالفةَ معمر بمخالفة سفيان حسين، فإن معمرًا من الحفّاظ المتقنين من أصحاب الزهريّ، كما بيّناه آنفًا، وسفيان من ضعفاء أصحابه بالاتّفاق، فكيف يُشبّه أحدهما بالآخر، إن هذا لشيء عجيبٌ. والحاصل أن ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ - له وجه وجيه فيما أراه، والله تعالى أعلم. (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ)؛ أي: هَدَرٌ، وليس المراد أنَّه لا زكاة فيه، وإنما المعنى أن من استأجر رجلًا للعمل في معدن مثلًا، فهلك فهو هَدَرٌ، ولا شيء على من استأجره. ووقع في رواية الأسود بن العلاء الآتية: «والمعدن جَرْحها جُبار»، والحكم فيه ما تقدم في البئر، لكن البئر مؤنثة، والمعدن مذكَّر، فكأنه ذَكَرَه بالتأنيث للمؤاخاة، أو لملاحظة أرض المعدن، فلو حَفَر معدنًا في مُلكه، أو في موات، فوقع فيه شخص فمات، فدمه هَدَرٌ، وكذا لو استأجر أجيرًا يَعْمَل له، فانهار عليه فمات، ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة، فسقط منها فمات. وقال ابن قُدامة - ﵀ -: اشتقاق المعدن، من عَدَن بالمكان يَعدِنُ: إذا أقام به، ومنه سمِّيت الجنّة جنّة عدن؛ لأنها دار إقامة، وخلود. قال أحمد: المعادن: هي التي تُستَنبَط، ليس هو شيء دُفِن. وقال أيضًا: هو كلّ ما خرج من الأرض، مما يُخلق فيها، مما له قيمة، كالذهب، والفضّة، والرصاص، والصُّفْر، والحديد، والياقوت، والزبرجد، والْبِلَّوْر، والعقيق، ونحوها، وكذلك المعادن الجارية، كالقار، والنفط، والكبريت، ونحو ذلك. فمن أخرج شيئًا من ذلك فعليه الزكاة من وقته، عند أحمد، وقال مالك، والشافعيّ: لا تتعلّق الزكاة إلا بالذهب والفضّة؛ لقوله - ﷺ -: «لا زكاة في حَجَر». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه أحمد هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، والحديث الذي احتجّ به مالكٌ، والشافعيّ ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه رواه عن عمرو بن شعيب، كلٌّ من عُمَر بن أبي عمر الكَلَاعِيّ، وعثمان بن عبد الرحمن الوقّاصيّ، ومحمد بن عبيد الله العَرْزَميّ، وكلهم ضعفاء. وأوجب الحنفيّة في المعدن الخُمس؛ لأنه عندهم ركاز، والصحيح أن الواجب فيه الزكاة، كما هو قول الجمهور؛ لأنَّ الحديث فرَّق بينهما، فجعل لكلّ منهما حُكمًا ليس للآخر، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا، فتنبّه. (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ»)«الركاز»- بكسر الراء، وتخفيف الكاف، وآخره زاي -: المال المدفون، مأخوذ من الرَّكْز - بفتح الراء - يقال: رَكَزه يَرْكُزُه رَكْزًا - من باب نصر -: إذا دفنه، فهو مركوز، قاله في«الفتح». فقوله: (الْخُمْسُ) مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله؛ أي: الخمس واجب في الموجود في القرية الغير العامرة، وفي الكنوز التي دفنها أهل الجاهليّة، وإنما وجب الخمس فيهما لكثرة نفعهما، وسُهولة أخذهما. وقال في«الفتح»: ذهب الجمهور إلى أن الركاز هو المال المدفون، لكن حصره الشافعية فيما يوجد في الموات، بخلاف ما إذا وجده في طريق مسلوك، أو مسجد فهو لقطة، وإذا وجده في أرض مملوكة، فإن كان المالك الذي وجده فهو له، وإن كان غيره فإن ادَّعاه المالك فهو له، وإلا فهو لمن تلقاه عنه إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيى تلك الأرض، قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد - ﵀ -: من قال من الفقهاء بأن في الركاز الخمس إما مطلقًا، أو في أكثر الصور فهو أقرب إلى الحديث، وخصّه الشافعيّ أيضًا بالذهب والفضة، وقال الجمهور: لا يختص، واختاره ابن المنذر، واختلفوا في مصرفه، فقال مالك، وأبو حنيفة، والجمهور: مصرفه مصرف خُمس الفيء، وهو اختيار المزنيّ، وقال الشافعيّ في أصح قوليه: مصرفه مصرف الزكاة، وعن أحمد روايتان، وينبني على ذلك ما إذا وجده ذميّ فعند الجمهور يُخرج منه الخمس، وعند الشافعيّ لا يؤخذ منه شيء، واتفقوا على أنَّه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إخراج الخمس في الحال، وأغرب ابن العربيّ في «شرح الترمذيّ، فحَكَى عن الشافعيّ الاشتراط، ولا يُعرف ذلك في شيء من كُتبه، ولا من كُتب أصحابه. انتهى . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: والأصل في صدقة الركاز هذا الحديث المتّفق عليه، قال: وهو أيضًا مجمع عليه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف هذا الحديث، إلا الحسن، فإنَّه فرَّق بين ما يوجد في أرض الحرب، وأرض العرب، فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخُمس، وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة، وأوجب الخمس في الجميع: الزهريّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٤٤٥٧ و٤٤٥٨ و٤٤٥٩ و٤٤٦٠ و٤٤٦١] (١٧١٠)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٤٩٩) و«الشرب» (٢٣٥٥) و«الديات» (٦٩١٢)، و(أبو داود) في «الإمارة» (٣٠٨٥)، و(الترمذيّ) في «الزكاة» (٦٤٢) و«الأحكام» (١٣٧٧)، و(النسائيّ) في «الزكاة» (٥/ ٤٥) و«الكبرى» (٢/ ٢٣ - ٢٤ و٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤)، و(ابن ماجه) في «الديات» (٢٦٧٣)، و(مالك) في «الموطّأ» (٦٧٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٤٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٣٠٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٨٣٧٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٩/ ٢٧١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٠٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٩٥ و٥٠١)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ١٣٧ و٤٤٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٩٣ و٢/ ١٩٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٣٢٦)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (٦٠٠٥ و٦٠٠٦)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١١٥٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٦٨ و٢٠١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٤٣٧ و٤٥٩ و٤٦١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٥٦ و١٥٧ و١٥٨ و١٥٩)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ١٤٩ - ١٥٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٥٥ و٨/ ١١٠)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٥٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن ما أتلفته البهائم لا شيء فيه، على تفصيل للعلماء فيه، سيأتي. ٢ - (ومنها): أن من حفر بئرًا في مُلكه، أو في محلّ مباح، كالموات، فتَلِف إنسان، أو نحوه، فلا ضمان عليه. ٣ - (ومنها): أن من استخرج معدنًا من محلّ يباح له، فتلف بسببه إنسان، أو نحوه فلا ضمان عليه. ٤ - (ومنها): أن من وجد ركازًا وجب عليه أداء خُمسه، ثمَّ الباقي له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين أن تكون البهيمة منفردةً، أو معها صاحبها، وبهذا أخذ أهل الظاهر، فلم يُضمِّنوا صاحبها ولو كان معها، إلا إن كان الفعل منسوبًا إليه بأن حملها على ذلك الفعل فيما إذا كان راكبًا، أو قادها حتى أتلفت ما مشت عليه فيما إذا كان قائدًا، أو حملها عليه بضرب، أو نَخْس، أو زَجْر فيما إذا كان سائقًا، فإن أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذَنَبها، أو نفحتها بالرِّجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه. وقال الشافعية: متى كان مع البهيمة شخصٌ، فعليه ضمان ما أتلفته، من نفس، أو مالٍ، سواء أتلفت ليلًا أو نهارًا، وسواء كان سائقها، أو قائدها، أو راكبها، وسواء كان مالكها، أو أجيره، أو مستأجِرًا، أو مستعيرًا، أو غاصبًا، وسواء أتْلَفت بيدها، أو برجلها، أو عَضِّها، أو ذَنَبها. وقال مالك: القائد، والسائق، والراكب، كلهم ضامنون لِمَا أصابت الدّابّة إلا أن تَرْمَحَ الدابّة من غير أن يُفعل بها شيء ترمح له. وحكاه ابن عبد البرّ عن جمهور العلماء. وقال الحنفيّة: إن الراكب، والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابّة برجلها، أو ذَنَبها، إلا إن أوقفها في الطريق، واختلفوا في السائق، فقال القُدُوريّ، وآخرون: إنه ضامن لِمَا أصابت بيدها، أو رجلها؛ لأنَّ النفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها. وقال أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضًا، وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التحرّز عنه، بخلاف الْكَدْم؛ لإمكان كبحِهَا بلجامها. وصححه صاحب «الهداية». وكذا قال الحنابلة: إن الراكب لا يضمن ما تُتلفه البهيمة برجلها. وحكى ابن حزم نفي الضمان من النفحة عن شُريح القاضي، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعن الحَكَم، والشعبيّ: يضمن، لا يَبْطُل دم المسلم. وتمسّك من نَفَى الضمان من النفحة بعموم هذا الحديث، مع الرواية التي فيها: «الرِّجْلُ جُبار». لكنه ضعيف؛ لتفرّد سفيان بن حسين، عن الزهريّ، وهو ضعيف في الزهريّ، ولا سيّما مع مخالفته للحفاظ، فقد خالف أبا صالح، السمّان، وعبد الرحمن الأعرج، وابن سيرين، ومحمد بن زياد، وغيرهم، فإنهم لم يذكروا الرِّجْل. وذكروا أيضًا من حيث المعنى أنَّه لا اطلاع له على رَمْحِها، ولا قدرة له على دفعه. ومن أوجب الضمان قال: باب الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم لها، فهي كالآلة بيده، فَفِعلها منسوب إليه، حَمَلَها عليه، أم لا، عَلِمَ به، أم لم يعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الظاهرية أرجح؛ لظهور حديث الباب في الدلالة عليه. وحاصله أن ما أتلفته البهيمة لا يُضمَن، سواء كان صاحبها معها، أم لا، إلا إذا كان الفعل منسوبًا إليه، بأن حَمَلها على ذلك الفعل بضرب، أو نَخْسٍ، أو زَجْر، أو نحو ذلك، فأما إذا أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذَنَبها، أو نَفْحَتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه؛ لكونه جُبَارًا بنصّ الشَّارع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استُدِلّ بهذا الحديث على أنَّه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع، وغيرها من الأموال بين أن يكون ذلك ليلًا أو نهارًا، وهو قول الحنفيّة، والظاهريّة. وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارًا، وأما بالليل، فإن عليه حفظها، فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت. ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعيّ، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه كلهم من رواية الأوزاعيّ، والنسائيُّ أيضًا، وابن ماجه من رواية عبد الله بن عيسى، والنسائيُّ أيضًا من رواية محمَّد بن ميسرة، وإسماعيل بن أميّة، كلهم عن الزهريّ، عن حرام بن مُحَيِّصة الأنصاريّ، عن البراء بن عازب - ﵄ -، قال: كانت له ناقةٌ ضارية، فدخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - ﷺ - «أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل». وأخرج ابن ماجه أيضًا من رواية الليث، عن الزهريّ، عن ابن محيّصة: أن ناقة للبراء، ولم يسمّ حَرَام. وأخرج أبو داود من رواية معمر، عن الزهريّ، فزاد فيه رجلًا، قال: «عن حرام بن محيّصة، عن أبيه». وكذا أخرجه مالكٌ، والشافعيّ عنه، عن الزهريّ، عن حرام بن سَعْد بن محيّصة أن ناقة. وأخرجه الشافعيّ في رواية المزنيّ، في «المختصر» عنه، عن سفيان، عن الزهريّ، فزاد مع حرام سعيدَ بنَ المسيّب، قالا: «إن ناقة للبراء». وفيه اختلاف آخر أخرجه البيهقيّ من رواية ابن جُريج، عن الزهريّ، عن أبي أمامة بن سهل، فاختُلِفَ فيه على الزهريّ على ألوان، والْمُسنَد منها طريق حرام، عن البراء. وحرام - بمهملتين - اختُلِف، هل هو ابن محيّصة نفسه، أو ابن سَعْد بن محيّصة؟ قال ابن حزم: وهو مع ذلك مجهول، لم يرو عنه إلا الزهريّ، ولم يوثَّق. قال الحافظ: قلت: قد وثّقه ابن سعد، وابن حبَّان، لكن قال: إنه لم يسمع من البراء. انتهى. وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول من قال فيه: «عن البراء»؛ أي: عن قصّة ناقة البراء، فتجتمع الروايات. ولا يمتنع أن يكون للزهريّ فيه ثلاثة أشياخ. وقد قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث، وإن كان مرسَلًا، فهو مشهور، حدّث به الثقات، وتلقّاه فقهاء الحجاز بالقبول. وأما إشارة الطحاويّ إلى أنَّه منسوخ بحديث الباب، فقد تعقّبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، مع الجهل بالتاريخ. وأقوى من ذلك قول الشافعيّ: أخذنا بحديث البراء لثبوته، ومعرفة رجاله، ولا يخالفه حديث: «العجماءُ جرحها جُبَار»؛ لأنه من العامّ المراد به الخاصّ، فلما قال: «العجماء جبار»، وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال، دلّ ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حالٍ جُبَار، وفي حال غير جُبار. ثمَّ نقض على الحنفيّة أنهم لم يستمرّوا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب بحديث: «الرِّجْلُ جبار» مع ضعف راويه، كما تقدَّم. وتَعَقَّب بعضهم على الشافعيّة قولَهُم: إنه لو جرت عادة قوم بإرسال المواشي ليلًا، وحبسها نهارًا انعكس الحكم على الأصحّ. وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك، ونظيره القَسْم الواجب للمرأة لو كان يكتسب ليلًا، ويأوي إلى أهله نهارًا لانعكس الحكم في حقّه، مع أن عماد القَسْم بالليل. نعم لو اضطربت العادة في بعض البلاد، فكان بعضهم يرسلها ليلًا، وبعضهم يرسلها نهارًا، فالظاهر أنَّه يُقضى بما دلّ عليه الحديث. ذكره في «الفتح». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عملًا بالحديثين، وحديث البراء، وإن كان الأصحّ أنَّه مرسل، إلا أنَّه اعتضد بتلقّي الناس له بالقبول - كما تقدَّم عن الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ - فتقوّى بذلك، ألا ترى أن الإمام الشافعيّ - ﵀ -، مع كونه لا يرى الاحتجاج بالمرسل، احتجّ به؛ لاعتضاده بما ذُكر، فَيُخَصّ به عموم حديث الباب: «العجماء جرحها جبار». والحاصل أن البهائم إذا أفسدت بالليل، فإن أصحابها يَضْمَنون، وإذا أفسدت بالنهار لا يضمنون، لحديث البراء - ﵁ - المذكور، وهذا الجمع أولى من إلغاء أحد الحديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فيما يتعلّق بقوله: «وفي الركاز الخمس»، وفيه مباحث: (الأوّل): أن الركاز الذي يتعلّق به وجوب الخُمس هو ما كان من دِفْن الجاهليّة، هذا قول الحسن، والشعبيّ، ومالك، والشافعيّ، وأبي ثور، ويُعتبر ذلك بأن تُرى عليه علاماتهم؛ كأسماء ملوكهم، وصُوَرهم، وصُلُبهم، وصور أصنامهم، ونحو ذلك، فإن كان عليه علامات الإِسلام، أو اسم النبيّ - ﷺ -، أو أحدٌ من خلفاء المسلمين، أو وَالٍ لهم، أو آية من القرآن، ونحو ذلك، فهو لُقَطة؛ لأنه مُلك مسلم، لم يُعلَم زواله عنه، وإن كان على بعضه علامة الإِسلام، وعلى بعضه علامة الكفر، فكذلك، كما نَصّ عليه أحمد في رواية عنه؛ لأنَّ الظاهر أنَّه صار إلى مسلم، ولم يُعلم زواله عن ملك المسلمين، فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين. ذكره ابن قدامة - ﵀ -، والله تعالى أعلم. (الثاني): الكلام في موضع الركاز: وذلك أن موضعه لا يخلو من أربعة أقسام: (أحدهما): أن يجده في موات، أو ما لا يُعلم له مالك، مثل الأرض التي يوجد فيها آثار المُلْك، كالأبنية القديمة، والتُّلُول، وجُدْران الجاهليّة، وقبورهم. فهذا فيه الخمس بغير خلاف، سوى ما سبق عن الحسن. (ثانيها): أن يجده في ملكه المنتَقِلِ إليه، فهو له في إحدى الروايتين عن أحمد، لأنه مال كافر مظهورٌ عليه في الإِسلام، فكان لمن ظهر عليه كالغنائم. والرواية الثانية أنَّه للمالك قبله، إن اعترف به، وإن لم يعترف به فللذي قبله، إلى أول مالك، وهو مذهب الشافعيّ؛ لأنَّ يده كانت على الدار، فكانت على ما فيها. (ثالثها): أن يجده في مُلك آدميّ مسلم معصوم، أو ذميّ. فعن أحمد ما يدلّ على أنَّه لصاحب الدار، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن. ونُقل عن أحمد ما يدلّ على أنَّه لواجده، وهو قول الحسن بن صالحٍ، وأبي ثور، واستحسنه أبو يوسف. وقال الشافعيّ: هو لمالك الدار، إن اعترف به، وإلا فلأول مالك؛ لأنه في يده. (رابعها): أن يجده في أرض الحرب، فإن لم يَقْدِر عليه إلا بجماعة من المسلمين، فهو غنيمة لهم، وإن قَدَر عليه بنفسه، فهو لواجده، وهذا مذهب أحمد؛ لأنه ليس لموضعه مالك محترم، فأشبه ما لو لم يُعرَف مالكه. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: إن عُرف مالك الأرض، وكان حربيًّا، فهو غنيمة أيضًا؛ لأنه في حرزِ مالك معيّن، فأشبه ما لو أخذه من بيت، أو خزانة. والله تعالى أعلم بالصواب. (الثالث): في صفة الركاز الذي فيه الخُمس: هو كلّ ما كان مالًا على اختلاف أنواعه، من الذهب، والفضّة، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والآنية، وغير ذلك. وهو قول إسحاق، وأبى عُبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعيّ، والقول الآخر: لا تجب إلا في الأثمان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور هو الأرجح؛ لعموم قوله - ﷺ -: «وفي الركاز الخمس»، والله تعالى أعلم بالصواب. (الرابع): في حكم الخمس المتعلّق به: (اعلم): أنَّه يخمَّس قليل الركاز، وكثيره. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو قول قديم للشافعيّ، ومن أصحابه من لم يُثبته. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. وقال الشافعيّ في الجديد: يُعتبر فيه النصاب، فلا تجب الزكاة فيما دونه، إلا إذا كان في مُلكه ما يكمّله من جنس النقود الموجود. قال ابن المنذر: القول الأوّل أولى بظاهر الحديث، وبه قال جلّ أهل العلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (الخامس): في قَدْر الواجب في الركاز، ومصرفه: أما قدره فهو الخمس؛ للحديث السابق، وللإجماع، وأما مصرفه، فقيل: هم مصارف الزكاة، وبه قال أحمد، والشافعيّ. وقيل: مصرفه مصرف الفيء، وهي رواية عن أحمد، قال ابن قُدامة: وهذه الرواية أصحّ، وأقْيَس على مذهبه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهو الذي يترجّح عندي؛ لإطلاق اسم الخمس عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. (السادس): فيمن يجب عليه الخمس: هو كلّ مَنْ وجده مِنْ مسلم، وذميّ، وحرّ، وعبد، ومكاتَب، وكبير، وصغير، وعاقل، ومجنون. وهو قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه العلم على أنّ على الذميّ في الركاز يجده الخمسَ. قاله مالكٌ، وأهل المدينة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأهل العراق، من أصحاب الرأي، وغيرهم. وقال الشافعيّ: لا يجب الخُمس إلا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه زكاة. وحُكي عنه في الصبيّ، والمرأة أنهما لا يملكان الركاز. وقال الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبدًا يُرضَخ له منه، ولا يعطاه كلّه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المذهب الأوّل هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله - ﷺ -: «وفي الركاز الخمس»، فإنَّه يدلّ بعمومه على وجوب الخمس في كلّ ركاز، وأن باقيه لواجده، أيًّا كان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعبد الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِي: ابْنَ عِيسَى - حَدَّثَنَا مَالِكٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيّ، بِإِسْنَادِ اللَّيْث، مِثْلَ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدَّم قبل بابين. ٢ - (عبد الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣٧) (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدَّم قريبًا. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح البغداديّ، أبو يعقوب ابن الطبّاع، سكن أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٤) أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في «الكسوف» ٣/ ٢١١٠. ٥ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدَّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) يعني: أن شيوخه الأربعة رووا هذا الحديث عن سفيان بن عيينة. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن الزهريّ، ساقها أبو داود - ﵀ - في «سننه»، فقال: (٤٥٩٣) - حدّثنا مسدّد، ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب وأبي سلمة، سمعا أبا هريرة يحدِّث عن رسول الله - ﷺ - قال: «العجماء جَرْحها جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس». قال أبو داود: العجماء: المنفلتة التي لا يكون معها أحد، وتكون بالنهار لا تكون بالليل. انتهى . وساقها أيضًا ابن الجارود - ﵀ - في «المنتقى»، ولفظه: (٣٧٢) - حدّثنا ابن المقرئ، قال: ثنا سفيان، قال: أوّلَ ما رأيت الزهريّ سألته عن هذا الحديث، فحدَّثني، قال: ثني سعيد، وأبو سلمة، أنهما سمعا أبا هريرة - ﵁ - يحدِّث عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: «العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». انتهى . وأما رواية مالك عن الزهريّ، فساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (١٤٢٨) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». انتهى ، الله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم تقدّموا قريبًا، و«يونس» هو: ابن يزيد الأيليّ، و«عبيد الله بن عبد الله» هو: ابن عتبة بن مسعود. [تنبيه]: رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ هذه ساقها الدارقطنيّ - ﵀ - في «سننه»، فقال: (٢٠٧) - نا أبو بكر النيسابوريّ، نا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عمي (ح) ونا أبو بكر، نا يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». قال ابن شهاب: والجبار: الْهَدَرُ، والعجماء: البهيمةُ، قال أبو بكر: لا أعلم أحدًا ذكر في إسناده عبيد الله بن عبد الله غير يونس بن يزيد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أشبع الدارقطنيّ - ﵀ - الكلام في هذه الرواية في كتابه «العلل»، ودونك نصّه: (١٨١٤) - وسئل عن حديث سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: «العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». فقال: يرويه الزهريّ، واختُلف عنه، فرواه ابن جريج، وليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة وحده، عن أبي هريرة، وقيل: عنه، عن الزهريّ، عن سعيد، وكذلك قال زمعة بن صالح، والزُّبيديّ، واختُلِف عن يونس بن يزيد، فرواه شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهريّ عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، وخالفه ابن وهب، رواه عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، ورواه إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله وحده، عن أبي هريرة، والصحيح عن الزهريّ، عن سعيد وأبي سلمة، وحديثه عن عبيد الله غير مدفوع؛ لأنه قد اجتَمَع عليه اثنان، والله أعلم. ثنا ابن مبشر، ثنا أحمد بن سنان القطان، ثنا موسى بن داود (ح) وثنا النيسابوريّ، ثنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرني أبي، وشعيب بن الليث (ح) وثنا النيسابوريّ، حدّثني يوسف بن سعيد، ثنا حجاج، قالوا: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». قال النيسابوريّ في حديثه: حدّثني ابن شهاب، ثنا إبراهيم بن حماد، ثنا محمَّد بن جوان، ثنا خالد بن مخلد، ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «جرح العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». ثنا النيسابوريّ، ثنا الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعيّ، أنبأ مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال بنحوه. ثنا إبراهيم بن حماد، قال: ثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج، حدّثني الزُّبيديّ، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». ثنا أبو بكر النيسابوريّ، ثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «العجماء جَرْحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». قال ابن شهاب: الْجُبَار: الْهَدَر، والعجماء: البهيمة. فقال: يرويه يزيد بن إبراهيم التستريّ، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، وقال ذلك عبد الوهاب الثقفيّ، عن يزيد، ولا يصح عن أبي هريرة، وإنما رواه محمَّد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال ذلك عبد الوهاب الثقفيّ، ومعتمر، عن أيوب، وغيرهما يرويه عن ابن سيرين، عن أبي بكرة، وحديث أبي بكرة هو المحفوظ. انتهى كلام الدارقطنيّ - ﵀ - ، وهو بحث مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٦٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاء، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عبد الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) الأمويّ، أبو موسى المكيّ، تقدَّم قريبًا. ٢ - (الأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ) بن جارية - بالجيم - الثقفيّ، ويقال له: سويد، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبي سلمة، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومولى لسليمان بن عبد الملك. وروى عنه أيوب بن موسى، وجعفر بن ربيعة، وعبد الحميد بن جعفر، وابن أبي ذئب. قال أبو زرعة: شيخ، ليس بالمشهور، وقال النسائي في «التمييز»: ثقةٌ، وكذا قال العجليّ، وذكره ابن حبَّان في «الثقات»، وقال: من قال العلاء بن الأسود بن جارية فقد وَهِمَ، يشير إلى أن بعضهم قَلَبه، وأشار البخاريّ في «التاريخ» إلى أنَّه يقال له أيضًا: سُوَيد. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثان فقط، هذا برقم (١٧١٠)، وحديث (٢٩٠٧): «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات. . .». والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، ولله الحمد والمنة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ - يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) أو بعدها (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ١٠٠/ ٥٢٦. ٢ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْجُمحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (١٦٧) (بخ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ١٠٠/ ٥٢٦. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدَّم قريبًا. ٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدَّم أيضًا قريبًا. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين. [تنبيه]: رواية الربيع بن مسلم، عن محمَّد بن زياد ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٣٥٣) - حدّثنا الفضل بن الْحُبَاب، قثنا عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، قال: سمعت الربيع بن مسلم يقول: سمعت محمَّد بن زياد يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». انتهى . ورواية شعبة، عن محمَّد بن زياد ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٩٨٨٣) - حدّثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن محمَّد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله - ﷺ - قال: «العجماء جَرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». انتهى . وقال أحمد أيضًا: (٩٨٥٨) - حدّثنا حجاج، ثنا شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، أو قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». قال شعبة: ما سمعت أحدًا يقول: «الركائز» غيره. انتهى . وساقها البخاريّ أيضًا في «صحيحه»، لكن بلفظ: «العجماء عَقْلُها جبار»، فقال: (٦٥١٥) - حدّثنا مسلم، حدّثنا شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «العجماء عَقْلُها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمَّد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء التاسع والعشرين من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» وقت الضحى يوم الجمعة المبارك، وهو اليوم الثالث عشر من شهر شوال المبارك (١٣/ ١٠/ ١٤٣٠ هـ) الموافق (٢ أكتوبر ٢٠٠٩ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠: ١٨٢]. «اللهم صلّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثلاثون مفتتحًا بـ ٢٩ - (كِتَابُ الأَقْضِيَةِ)، (١) - (بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) رقم [٤٤٦٢] (١٧١١). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يوم الجمعة الثالث عشر من شهر شوال المبارك ١٣/ ١٠/ ١٤٣٠ هـ. أول الجزء الثلاثين من شرح «صحيح الإمام مسلم، المسمّى»البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج«رحمه الله تعالى. ٢٩ - (كِتَابُ الأَقْضِيَةِ)» الأقضية«بالفتح: جمع قضاء، كما قال ابن مالك في»الخلاصة«: فِي اسْمٍ مُذَكَّرٍ رُبَاعِيٍّ بِمَدّ … ثَالِثٍ«أفْعِلَةٌ»عَنْهُمُ اطَّرَدْ وَالْزَمْهُ في«فَعَالٍ»أوْ«فِعَالِ»… مُصَاحِبَيْ تَضْعِيفٍ أوْ إِعْلَالِ ومعنى كلام ابن مالك هذا: أن«أَفْعِلَة» جمعٌ لكلّ اسمٍ مذكّر، رُباعيّ، ثالثه مَدّة، نحو قَذَالِ وأقذلة، وقضاء وأقضية، ورغيف وأرغفة، وعَمُود وأعمدة، والتُزم أَفعلة في جمع المضاعف، أو المعتلّ اللام، من فَعَالٍ، أو فِعالٍ، كبَتَاتٍ وأَبِتّة، وزِمام وأَزِمّة، وقضاء وأقضية، وفناء وأفنية ، والله تعالى أعلم. وقال الأزهريّ - ﵀ -: القضاء في الأصل: إحكام الشيء، والفراغ منه، ويكون القضاء إمضاءَ الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]، وسُمِّي الحاكم قاضيًا؛ لأنه يُمضي الأحكام، ويُحْكِمها، ويكون قَضَى بمعنى أوجب، فيجوز أن يكون سُمِّي قاضيًا؛ لإيجابه الحكم على من يجب عليه، وسمّي حاكمًا؛ لِمَنْعه الظالم من الظلم، يقال: حَكَمْتُ الرجلَ، وأحكمته: إذا منعته، وسمِّيت حَكَمَة الدابة؛ لمنعها الدابة من ركوبها رأسها، وسمِّيت الْحِكْمة حِكْمةً؛ لمنعها النفس من هواها. انتهى . مسائل مهمّة تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): قال العلّامة ابن قُدامة - ﵀ -: الأصل في القضاء، ومشروعيته: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [ص: ٢٦]، وقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآية [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النور: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وأما السُّنَّة، فما رَوَى عمرو بن العاص - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»، متفق عليه، في آيٍ، وأخبارٍ سوى ذلك كثيرة. وأجمع المسلمون على مشروعية نَصْب القضاء، والحُكم بين الناس. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): (اعلم): أن القضاء من فروض الكفايات؛ لأنَّ أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجبًا عليهم كالجهاد، والإمامة، قال أحمد - ﵀ -: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك جعل الله فيه أجرًا مع الخطإ، وأسقط عنه حكم الخطإ، ولأن فيه أمرًا بالمعروف، ونصرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، وردًّا للظالم عن ظلمه، وإصلاحًا بين الناس، وتخليصًا لبعضهم من بعض، وذلك من أبواب القُرَب، ولذلك تولاه النبيّ - ﷺ -، والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم، وبعث عليًّا إلى اليمن قاضيًا، وبعث أيضًا معاذًا قاضيًا، وقد رُوي عن ابن مسعود - ﵁ - أنَّه قال: «لأنَّ أجلس قاضيًا بين اثنين، أحب إلي من عبادة سبعين سنة»، وعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: «اقض بينهما»، قلت: أنت أولى بذلك، قال: «وإن كان»، قلت: علام أقضي؟ قال: «اقض فإن أصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد»، رواه سعيد في «سننه». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن في سنده - كما قال في «الفتح» - ضعف، فتنبّه. والله تعالى أعلم. قال: وفيه خطر عظيم، ووزر كبير، لمن لم يؤد الحق فيه، ولذلك كان السلف رحمة الله عليهم يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم خطره، قال خاقان بن عبد الله: أُريدَ أبو قلابة على قضاء البصرة، فهرب إلى اليمامة، فأريد على قضائها، فهرب إلى الشام، فأريد على قضائها، وقيل: ليس ههنا غيرك، قال: فأنزلوا الأمر على ما قلتم، فإنما مَثَلي مَثَل سابح وقع في البحر، فسبح يومه، فانطلق، ثمَّ سبح اليوم الثاني فمضى أيضًا، فلما كان اليوم الثالث فترت يداه. وكان يقال: أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة، ولِعِظَم خطره قال النبيّ - ﷺ -: «من جُعل قاضيًا فقد ذُبح بغير سكين»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن. وقيل في هذا الحديث: إنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء، وإنما وصفه بالمشقة، فكأن من وَلِيَه قد حُمل على مشقة كمشقة الذبح، قاله ابن قُدامة ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): الناس في القضاء على ثلاثة أضرب: [الأول]: من لا يجوز له الدخول فيه، وهو من لا يحسنه، ولم تجتمع فيه شروطه، فقد رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «القضاة ثلاثة. . .» ذكر منهم رجلًا قضى بين الناس بجهل، فهو في النار، ولأن من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه، فيأخذُ الحق من مستحقه، فيدفعه إلى غيره. [الثاني]: من يجوز له، ولا يجب عليه، وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد، ويوجد غيره مثله، فله أن يلي القضاء بحكم حاله، وصلاحيته ولا يجب عليه؛ لأنه لم يتعيَّن له، وظاهر كلام أحمد أنَّه لا يُستحب له الدخول فيه؛ لِمَا فيه من الخطر والغَرر، وفي تَرْكه من السلامة، ولِمَا ورد فيه من التشديد والذم، ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي، وقد أراد عثمان - ﵁ - تولية ابن عمر القضاء فأباه، وقال أبو عبد الله بن حامد: إن كان رجلًا خاملًا لا يُرجع إليه في الأحكام، ولا يُعرَف، فالأولى له توليه؛ لِيُرجَع إليه في الأحكام، ويقوم به الحق، وينتفع به المسلمون، وإن كان مشهورًا في الناس بالعلم، يُرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى الاشتغال بذلك؛ لِمَا فيه من النفع مع الأمن من الغرر، ونحو هذا قال أصحاب الشافعيّ، وقالوا أيضًا: إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق، فالأولى له الاشتغال به، فيكون أولى من سائر المكاسب؛ لأنه قربة وطاعة، وعلى كل حال فإنَّه يُكره للإنسان طلبه، والسعي في تحصيله؛ لأنَّ أنسًا - ﵁ - رَوَى عن النبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء، وُكل إلى نفسه، ومن أُكره عليه أنزل الله عليه مَلَكًا يسدده»، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال النبيّ - ﷺ - لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة، وُكلت إليها، وإن أُعطيتها من غير مسألة أُعنت عليها»، متفق عليه. [الثالث]: من يجب عليه، وهو من يصلح للقضاء، ولا يوجد سواه، فهذا يتعيَّن عليه؛ لأنه فرض كفاية، لا يقدر على القيام به غيره، فيتعيَّن عليه، كغسل الميت وتكفينه، وقد نُقل عن أحمد ما يدلّ على أنَّه لا يتعين عليه، فإنَّه سئل: هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال: لا يأثم، فهذا يَحْتَمِل أنَّه يُحْمَل على ظاهره في أنَّه لا يجب عليه؛ لِمَا فيه من الخطر بنفسه، فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره، ولذلك امتنع أبو قلابة منه، وقد قيل له: ليس غيرك، ويَحْتَمِل أن يُحمَل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره، فإن أحمد قال: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟، ذكره ابن قُدامة - ﵀ - ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال ابن قُدامة - ﵀ -: يجوز للقاضي أخذ الرزق على القضاء، ورَخَّص فيه شُريح، وابن سيرين، والشافعيّ، وأكثر أهل العلم، ورُوي عن عمر - ﵁ - أنَّه استعمل زيد بن ثابت على القضاء، وفَرَض له رزقًا، ورَزَق شريحًا في كل شهر مائة درهم، وبعث إلى الكوفة عمارًا، وعثمان بن حُنيف، وابن مسعود، ورزقهم كل يوم شاة، نصفها لعمّار، ونصفها لابن مسعود وعثمان، وكان ابن مسعود قاضيهم، ومعلمهم، وكتب إلى معاذ بن جبل، وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظرا رجالًا من صالحي مَن قِبَلكم، فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم، وارزقوهم واكفوهم من مال الله. وقال أبو الخطاب: يجوز له أخذ الرزق مع الحاجة، فأما مع عدمها فعلى وجهين، وقال أحمد: ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجرًا، وإن كان فبقدر شغله، مثل ولي اليتيم، وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على القضاء، وكان مسروق، وعبد الرحمن بن القاسم بن عبد الرحمن لا يأخذان عليه أجرًا، وقالا: لا نأخذ أجرًا على أن نعدل بين اثنين. وقال أصحاب الشافعيّ: إن لم يكن متعيّنًا جاز له أخذ الرزق عليه، وإن تعيّن لم يجز إلا مع الحاجة، قال ابن قُدامة: والصحيح جواز أخذ الرزق عليه بكل حال؛ لأنَّ أبا بكر - ﵁ - لَمّا ولي الخلافة، فرضوا له الرزق كل يوم درهمين، ولِمَا ذكرناه من أن عمر رَزَق زيدًا وشريحًا وابن مسعود، وأمر بفرض الرزق لمن تولى من القضاة، ولأن بالناس حاجة إليه، ولو لم يَجُز فرض الرزق لتعطل، وضاعت الحقوق، فأما الاستئجار عليه فلا يجوز، قال عمر - ﵁ -: لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا، وهذا مذهب الشافعيّ، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأنه قربة يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، فأشبه الصلاة، ولأنه لا يعمله الإنسان عن غيره، وإنما يقع عن نفسه، فأشبه الصلاة، ولأنه عمل غير معلوم، فإن لم يكن للقاضي رزق، فقال للخصمين: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقًا عليه جاز، ويَحْتَمِل أن لا يجوز. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ - ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): قال ابن قُدامة - ﵀ - أيضًا: إذا كان الإمام في بلد فعليه أن يبعث القضاة إلى الأمصار غير بلده، فإن النبيّ - ﷺ - بعث عليًّا قاضيًا إلى اليمن، وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن أيضًا، وقال له: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله تعالى، قال: «فإن لم تجد؟» قال: فبسُنَّة رسول الله - ﷺ -، قال: «فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي، قال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله - ﷺ - لِمَا يرضي رسول الله - ﷺ -». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث في سنده مجهول، على أن بعضهم صححه؛ لشهرته، وتلقّي الناس له بالقبول، وقد أشبعت الكلام فيه في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها» في الأصول، ورجّحت تصحيح من صححه، فراجعه هناك، والله تعالى أعلم. قال: وبعث عمر شُريحًا على قضاء الكوفة، وكعب بن سوار على قضاء البصرة، وكتب إلى أبي عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولية القضاء في الشام؛ لأنَّ أهل كل بلد يحتاجون إلى القاضي، ولا يمكنهم المصير إلى بلد الإمام، ومن أمكنه ذلك شقّ عليه، فوجب إغناؤهم عنه. انتهى والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): إذا أراد الإمام تولية قاض، فإن كان له خِبْرة بالناس، ويَعرف من يصلح للقضاء ولّاه، وإن لم يَعرف ذلك سأل أهل المعرفة بالناس، واسترشدهم على من يصلح، وإن ذُكر له رجل لا يعرفه أحضره وسأله، وإن عَرف عدالته، وإلا بحث عن عدالته، فإذا عرفها ولّاه، ويكتب له عهدًا يأمره فيه بتقوى الله، والتثبت في القضاء، ومشاورة أهل العلم، وتصفح أحوال الشهود، وتأمل الشهادات، وتعاهد اليتامى، وحفظ أموالهم، وأموال الوقوف، وغير ذلك، مما يحتاج إلى مراعاته، ثمَّ إن كان البلد الذي ولاه قضاءه بعيدًا، لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في بلد الإمام، أحضر شاهدين عدلين، وقرأ عليهما العهد، أو أقرأه غيره بحضرته، وأشهدهما على توليته ليمضيا معه إلى بلد ولايته، فيقيما له الشهادة، ويقول لهما: اشهدا على أني قد ولّيته قضاء البلد الفلاني، وتقدمت إليه بما اشتمل هذا العهد عليه، وإن كان البلد قريبًا من بلد الإمام، يستفيض إليه ما يجري في بلد الإمام، مثل أن يكون بينهما خمسة أيام، أو ما دونها، جاز أن يكتفي بالاستفاضة، دون الشهادة؛ لأنَّ الولاية تثبت بالاستفاضة، وبهذا قال الشافعي، إلا أن عنده في ثبوت الولاية بالاستفاضة في البلد القريب وجهين، وقال أصحاب أبي حنيفة: تثبت بالاستفاضة، ولم يفصلوا بين القريب والبعيد؛ لأنَّ النبيّ - ﷺ - ولَّى عليًّا، ومعاذًا قضاء اليمن، وهو بعيد من غير شهادة، وولّى الولاة في البلدان البعيدة، وفوّض إليهم الولاية والقضاء، ولم يُشهِد، وكذلك خلفاؤه، ولم يُنقل منهم الإشهاد على تولية القضاء مع بُعد بلدانهم. واحتجّ الأولون بأن القضاء لا يثبت إلا بأحد الأمرين، وقد تعذرت الاستفاضة في البلد البعيد؛ لعدم وصولها إليه، فتعيّن الإشهاد، ولا نسلّم أن النبيّ - ﷺ - لم يُشهد على توليته، فإن الظاهر أنَّه لم يبعث واليًا إلا ومعه جماعة، فالظاهر أنَّه أشهدهم، وعدم نَقْله لا يلزم منه عدم فعله، وقد قام دليله فتعيّن وجوده. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما قاله الحنفيّة أرجح؛ لأنه الظاهر، وما ذكره هؤلاء احتمالٌ، ولا ينبغي ترك الظاهر للاحتمال، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (المسألة السابعة): ينبغي أن يكون الحاكم قويًّا، من غير عُنف، ليّنًا من غير ضعف، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، ويكون حليمًا، متأنيًا، ذا فطنة وتيقظ، لا يُؤتَى من غفلة، ولا يُخْدَع لغِرّة، صحيح السمع والبصر، عالمًا بلغات أهل ولايته، عفيفًا ورعًا نزهًا بعيدًا عن الطمع، صدوق اللَّهجة، ذا رأي ومشورة، لكلامه لِيْن إذا قَرُب، وهَيْبة إذا أوعد، ووفاء إذا وعد، ولا يكون جبارًا، ولا عَسُوفًا، فيقطع ذا الحجة عن حجته. قال عليّ - ﵁ -: «لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم». وعن عمر بن عبد العزيز قال: «ينبغي للقاضي أن تجتمع فيه سبع خلال، إن فاتته واحدة كانت فيه وَصْمة: العقل، والفقه، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنن والحكم»، ورواه سعيد، وفيه: «يكونُ فَهِمًا، حليمًا، عفيفًا، صلبًا سَئَّالًا عما لا يعلم»، وفي رواية: «محتملًا للأئمة، ولا يكون ضعيفًا مَهِينًا؛ لأنَّ ذلك يبسط المتخاصمين إلى التهاتر، والتشاتم بين يديه»، قال عمر - ﵁ -: لأعزلن فلانًا عن القضاء، ولأستعملن رجلًا إذا رآه الفاجر فَرِقَه. وله أن ينتهر الخصم إذا التوى، ويصيح عليه، وان استحق التعزير عزّره بما يرى من أدب، أو حبس، وإن افتات عليه بأن يقول: حكمت علي بغير الحق، أو ارتشيت فله تأديبه، وله أن يعفو، وإن بدأ المنكِر باليمين قَطَعها عليه، وقال: البيّنة على خصمك، فإن عاد عزّره إن رأى، وأمثالُ ذلك مما فيه إساءة الأدب فله معاقبة فاعله، وله العفو. ذكره ابن قُدامة - ﵀ - ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة): (اعلم): أن الحاكم إذا حضرته قضية تبيّن له حُكمها في كتاب الله تعالى، أو سُنَّة رسوله، أو إجماع، أو قياس جليّ حَكَم، ولم يَحتج إلى رأي غيره؛ لقول رسول الله - ﷺ - لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: بسُنَّة رسول الله - ﷺ -، قال: «فإن لم تجد» قال: أجتهد برأيي، قال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله - ﷺ - لِمَا يرضي رسول الله - ﷺ -» ، فإن احتاج إلى الاجتهاد استُحب له أن يشاور؛ لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]. قال الحسن: إن كان رسول الله - ﷺ - لغنيًا عن مشاورتهم، وإنما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده، وقد شاور النبيّ - ﷺ - أصحابه في أسارى بدر، وفي مصالحة الكفار يوم الخندق، وفي لقاء الكفار يوم بدر. ورُوي: ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله - ﷺ -، وشاور أبو بكر الناس في ميراث الجدة، وعمر في دية الجنين، وشاور الصحابةَ في حدّ الخمر. وروي أن عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، منهم عثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، إذا نزل به الأمر شاوَرهم فيه، ولا مخالِف في استحباب ذلك، قال أحمد: لمّا وَلِي سعْدُ بن إبراهيم قضاء المدينة، كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما، وَوَلِي محارب بن دثار قضاء الكوفة فكان يجلس بين الحَكَم وحمّاد يشاورهما، ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه، يشاورون وينتظرون، ولأنه قد ينتبه بالمشاورة، ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة، ولأن الإحاطة بجميع العلوم متعذرة، وقد ينتبه لإصابة الحق، ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي، فكيف بمن يساويه، أو يزيد عليه!؟ فقد رُوي أن أبا بكر الصديق - ﵁ - جاءته الجدتان، فوَرَّث أم الأم، وأسقط أم الأب، فقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله - ﷺ -، لقد أسقطت التي لو ماتت ورثها، ووَرّثتَ التي لو ماتت لم يرثها، فرجع أبو بكر، فأشرك بينهما. ورَوَى عمر بن شَبّة عن الشعبي أن كعب بن سوّار كان جالسًا عند عمر، فجاءته امرأة، فقالت يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائمًا، ويظل نهاره صائمًا، في اليوم الحارّ، ما يُفطر، فاستغفر لها، وأثنى عليها، وقال: مثلك أُنْثَى الخير، قال: واستحيت المرأة فقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين هَلّا أعديت المرأة على زوجها، قال: وما شَكَت؟، قال: شكت زوجها أشدّ الشكاية، قال: أَوَ ذاك أرادت؟ قال: نعم، قال: رُدُّوا عليّ المرأة، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا زعم أنك جئت تشكين زوجك، أنَّه يجتنب فراشك، قالت: أجل، إني امرأة شابة، وإني لأبتغي ما يبتغي النساء، فأرسل إلى زوجها، فجاء، فقال لكعب: اقض بينهما، قال: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما، قال: عزمت عليك لتقضينّ بينهما، فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم، قال: فإني أرى كأنها عليها ثلاث نسوة، هي رابعتهن، فأقضي له بثلاثة أيام بلياليهن، يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة، فقال عمر: والله ما رأيك الأوّل، أعجب إلي من الآخِر، اذهب فأنتَ قاض على البصرة. إذا ثبت هذا، فإنَّه يشاور أهل العلم والأمانة؛ لأنَّ من ليس كذلك فلا قول له في الحادثة، ولا يُسكن إلى قوله، قال سفيان: وليكن أهل مشورتك أهل التقوى، وأهل الأمانة، ويشاور الموافقين والمخالفين، ويسألهم عن حجتهم؛ لِيَبِين له الحق. والمشاورة ههنا لاستخراج الأدلة، ويُعرفُ الحق بالاجتهاد، ولا يجوز
مصادر المؤلف (٣١)

١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٤/ ٢٠ - ٢١.

٢. «الفتح»١٦/ ١١٧ - ١١٨، كتاب«الديات»رقم (٦٩١٢).

٣. «النهاية»١/ ٢٥٥.

٤. «طرح التثريب في شرح التقريب»٤/ ١٧.

٥. «الإكمال»٥/ ٥٥٣.

٦. راجع: «طرح التثريب» ٤/ ١٧.

٧. «شرح البخاريّ» لابن بطال - ﵀ - ٨/ ٥٥٩.

٨. «الفتح» ١٦/ ١١٩، كتاب «الديات» رقم (٦٩١٢).

٩. «الفتح»٤/ ٣٦١.

١٠. «الفتح»٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤، كتاب«الزكاة» رقم (١٤٩٩).

١١. «المغني» لابن قُدامة ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢.

١٢. «سنن أبي داود» ٤/ ١٩٦.

١٣. «المنتقى» لابن الجارود ١/ ١٠١.

١٤. «صحيح البخاري» ٢/ ٥٤٥.

١٥. «سنن الدارقطنيّ» ٣/ ١٥١.

١٦. «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» للدارقطنيّ ٩/ ٣٨٧، ١٠/ ٢٦.

١٧. «مسند أبي عوانة» ٤/ ١٥٦.

١٨. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٤٥٦.

١٩. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٤٥٤.

٢٠. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٥٣٣.

٢١. راجع: شرح ابن عقيل على «الخلاصة» ٢/ ٢٤٠ - ٢٤١ بنسخة «حاشية الخضري».

٢٢. قال في«القاموس»: والْحَكَمَةُ محرَّكةً: ما أحاط بحَنَكي الْفَرَس، من لجامه، وفيها الْعِذَارَان. انتهى.

٢٣. راجع:«شرح النوويّ»١٢/ ٢.

٢٤. «المغني»١٤/ ٥.

٢٥. «المغني» ١٤/ ٥ - ٧.

٢٦. «المغني» ١٤/ ٧ - ٩.

٢٧. «المغني» ١٤/ ٩ - ١٠.

٢٨. «المغني» ١٤/ ١٠ - ١١.

٢٩. «المغني»١٤/ ١١ - ١٢.

٣٠. «المغني» ١٤/ ١٧ - ١٨.

٣١. تقدَّم الكلام على هذا الحديث قريبًا.