HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٢٣

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ. قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ غَازِينَ. فَوَجَدْتُ سَوْطًا فَأَخَذْتُهُ. فَقَالا لِي: دَعْهُ. فَقُلْتُ: لَا. وَلَكِنِّي أُعَرِّفُهُ. فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ. قَالَ: فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمَا. فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا قُضِيَ لِي أَنِّي حَجَجْتُ. فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ. فَلَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ. فَأَخْبَرْتُهُ بِشَأْنِ السَّوْطِ وَبِقَوْلِهِمَا. فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ (عَرِّفْهَا حَوْلًا) قَالَ: فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا. ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ (عَرِّفْهَا حَوْلًا) فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا. ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ (عَرِّفْهَا حَوْلًا) فَعَرَّفْتُهَا فلم أجد من يعرفها. فقال (احفظ لي عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا. فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فاستمتع بها) فاستمتعت بها. فليقته بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي بِثَلَاثَةِ أحوال أو حول واحد.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص135
ج ٣ ص ١٣٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٢٢٥
يقال: اعترف الشيءَ: بمعنى عرفه، قاله في «القاموس» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٤٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: «فَمنِ اعْتُرِفَتْ فَأَدِّهَا، وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءهَا، وَعَدَدَهَا»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٩/ ١٣٦. والباقيان ذُكرا في الإسنادين الماضيين. وقوله: (وَقَالَ في الْحَدِيثِ) فاعل «قال» ضمير أبي بكر الحنفيّ. [تنبيه]: رواية أبي بكر الحنفيّ، عن الضحاك بن عثمان هذه ساقها الترمذيّ - ﵀ - في «جامعه»، فقال: (١٣٧٣) - حدَّثنا محمد بن بشار، حدّثنا أبو بكر الحنفيّ، أخبرنا الضحاك بن عثمان، حدّثني سالم أبو النضر، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهنيّ: أن رسول الله - ﷺ - سئل عن اللقطة؛ فقال: «عَرِّفها سنةً، فإن اعتُرِفت، فأدِّها، وإلا فاعرِف وعاءها، وعِفاصها، ووِكاءها، وعددها، ثم كُلْها، فإذا جاء صاحبها فأدِّها». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٤٩٨] (١٧٢٣) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وحَدَّثَنِي؛ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا غُنْدَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُويدَ بْنَ غَفَلَةَ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَزيدُ بْنُ صُوحَانَ، وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، غَازِينَ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَأَخَذْتُهُ، فَقَالَا لِي: دَعْهُ، فَقُلْتُ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَرِّفُهُ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ، وَإِلَّا اسْتَمْتَعْت بِه، قَالَ: فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا، قُضِيَ لِي أَنِّي حَجَجْتُ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِشَأْنِ السَّوْط، وَبِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا»، قَالَ: فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا»، فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: (عَرِّفْهَا حَوْلًا«، فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، فَقَالَ:»احْفَظْ عَدَدَهَا، وَوِعَاءَهَا، وَوِكَاءهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا«، فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا، فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي بِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلٍ وَاحِدٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج - ﵀ - الإمام الحجة الناقد المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»ج ١ ص ٣٨١. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٨. ٥ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في«الحيض»٥/ ٧٠٤. ٦ - (سُويدُ بْنُ غَفَلَةَ) - بفتح الغين المعجمة، والفاء - أبو أميَّة الْجُعْفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] (٨٠) وله (١٣٠) سنةً (ع) تقدّم في«المقدّمة»٦/ ٨٤. ٧ - (أُبِيُّ بْنُ كعْبٍ) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، أبو المنذر، وأبو الطفيل، قيل: مات سنة (١٩) وقيل غير ذلك (ع) - تقدم في«شرح المقدمة»ج ٢ ص ٤٦٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالكوفيين، سوى الصحابيّ - ﵁ -، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه من فضلاء الصحابة - ﵁ -، وكان سيّد القرّاء. شرح الحديث: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) بالتصغير، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سُويدَ بْنَ غَفَلَةَ) بتصغير الأول، وأما الثاني فبفتحات، قال في«الفتح»:«سُوَيد بن غَفَلَةَ» بفتح المعجمة، والفاء، أبو أمية الجعفيّ تابعيّ كبير، مخضرم، أدرك النبيّ - ﷺ -، وكان في زمنه رجلًا، وأعطى الصدقة في زمنه، ولم يره على الصحيح، وقيل: إنه صلى خلفه، ولم يثبت، وإنما قَدِمَ المدينة حين نَفَضُوا أيديهم من دفنه - ﷺ -، ثم شهد الفتوح، ونزل الكوفة، ومات بها سنة ثمانين، أو بعدها، وله مائة وثلاثون سنة، أو أكثر؛ لأنه كان يقول: أنا لِدَةُ رسول الله - ﷺ -، وأنا أصغر منه بسنتين، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر عن علي في ذكر الخوارج. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٨٤ أنه ليس له في هذا الكتاب إلَّا أربعة أحاديث، هذا برقم (١٧٢٣)، وحديث (١٠٦٦): «سيخرج في آخر الزمان قوح أحداث الأسنان …»، وحديث (١٢٧١): «قبّل الحجر، والتزمه، وقال: رأيت رسول الله - ﷺ - بك حَفِيًّا»، وحديث (٢٠٦٩): «نهى نبيّ الله - ﷺ - عن لبس الحرير …» الحديث. (قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا) أتى به ليمكنه العطف على الضمير المتصلّ المرفوع؛ كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَزيدُ بْنُ صُوحَانَ) - بضمّ الصاد المهملة، وسكون الواو - ابن حُجْر بن الحارث العبديّ الكوفيّ، كنيته أبو سليمان، وقيل: أبو عائشة، أخو صعصعة بن صُوحان، ولهما أخ اسمه: سيحان، لا يكاد يُعرف، كان زيد من العلماء العبّاد، ذكروه في كتب معرفة الصحابة، ولا صحبة له، لكنه أسلم في حياة النبيّ - ﷺ -، وسَمِع من عمر، وعليّ، وسلمان، حدّث عنه أبو وائل، والعَيْزار بن حُريث، ولا رواية له في الأمهات؛ لأنه قديم الوفاة، قُتل يوم الجمل، قاله الذهبيّ . وقال في «الفتح»: قوله: «وزيد بن صُوحان» - بضمّ المهملة، وسكون الواو، بعدها مهملة أيضًا - العبديّ، تابعيّ كبير مخضرم أيضًا، وزعم ابن الكلبيّ أن له صحبةَ، ورَوَى أبو يعلى، من حديث عليّ مرفوعًا: «من سَرّه أن ينظر إلى من سبقه بعض أعضائه إلى الجَنَّة، فلينظر إلى زيد بن صُوحان»، وكان قدوم زيد في عهد عمر، وشَهِد الفتوح، ورَوى ابن منده، من حديث بريدة، قال: ساق النبيّ - ﷺ - ليلةَ، فقال: زيد زيد الخير، فسئل عن ذلك، فقال: رجل تسبقه يده إلى الجَنَّة، فقُطعت يد زيد بن صُوحان في بعض الفتوح، وقُتل مع عليّ يوم الجمل. انتهى . (وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن يزيد بن عمرو بن سهم الباهليّ، أبو عبد الله، سلمان الخيل، يقال: له صحبة، ولاه عمر قضاء الكوفة، وغزا إرمينية في زمن عثمان - ﵁ -، فاستُشهد - ﵁ -، تقدّمت ترجمته في «الزكاة» ٤٣/ ٢٤٢٨. وقال في «الفتح»: ويقال له: سلمان الخيل؛ لخبرته بها، وكان أميرًا على بعض المغازي في فتوح العراق، في عهد عمر وعثمان - ﵄ -، وكان أول من وَلي قضاء الكوفة، واستُشهِد في خلافته في فتوح العراق، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وله عند المصنّف ذِكر هنا وحديث، حديث واحد تقدَّم في «الزكاة» برقم (١٠٥٦)، حديث عمر - ﵁ - مرفوعًا: «إنهم خيّروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخّلوني، ولست بباخل». (غَازِينَ) منصوب على الحال، وزاد أحمد من طريق سفيان عن سلمة:«حتى إذا كنا بالعُذيب»- وهو بالمعجمة، والموحدة، مصغّرًا -: موضع، وله من طريق يحيى القطان، عن شعبة:«فلما رجعنا من غَزَاتنا حججت». انتهى. وفي رواية ابن حبّان:«فالتقطت سوطًا بالْعُذيب»، و«العُذيب» بصيغة التصغير: وادٍ بظاهر الكوفة، وقيل: لبني تميم في اليمامة . (فَوَجَدْتُ سَوْطًا) - بفتح، فسكون: معروف، والجمع أسواط، وسِياطٌ، مثل ثوب، وأثواب، وثياب، وضربه سَوْطًا؛ أي: ضربه بسوط، وقوله تعالى: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١١٣] أي: أَلَمَ سَوْطِ عذاب، والمراد: الشدّة؛ لِمَا عُلِم أن الضرب بالسوط أعظم ألمًا من غيره، قاله الفيّوميّ . (فَأَخَذْتُهُ، فَقَالا)؛ أي: زيد بن صُوحان، وسلمان بن ربيعة، (لِي: دَعْهُ)؛ أي: اتركه، ولا تلتقطه، (فَقُلْتُ: لَا)؛ أي: لا أتركه (وَلَكِنِّي) التقطه، ثمّ (أُعَرِّفُهُ) من التعريف، (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ) جوابه مقدَّر؛ أي: دفعته له، (وَإِلَّا) هي«إن» الشرطية مدغمة في «لا» النافية؛ أي: إن لَمْ يجئ صاحبه (اسْتَمْتَعْتُ بِهِ)؛ أي: كما أمرَ النبيّ - ﷺ - الملتقط بذلك. (قَالَ) سُويد بن غَفَلة (فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمَا)؛ أي: امتنعت مما أمراني به من ترك ذلك السوط، (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا) - بفتح الغين -: اسم من الغَزْو، (قُضِيَ لِي)؛ أي: قدّر الله تعالى لي (أَنِّي حَجَجْتُ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ) يَحْتَمل أن يكون طريق للحج من المدينة، أو على عادة الناس أنهم إذا حجّوا زاروا المدينة، وأما الأحاديث الواردة في الترغيب في الزيارة بعد الحجّ، فلا يصحّ منها شيء، وقد أَلَّف في ذلك الحافظ ابن عبد الهادي الحنبليّ ردًّا على التقيّ السبكي الشافعيّ، وهي رسالة مفيدة جدًّا. (فَلَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) سيّد القرّاء - ﵁ -، (فَأَخْبَرْتُهُ بِشَأْنِ السَّوْطِ)؛ أي: بكونه أخذه، (وَبِقَوْلهِمَا)؛ أي: بما قال زيد، وسلمان، من نهيهما له عن ذلك، (فَقَالَ) أُبيّ - ﵁ - مستصوبًا ما فعله، وفي رواية ابن حبّان: «فحدّثته بالحديث، فقال: أحسنت أحسنت». (إِنِّي وَجَدْتُ صُرَّةً) - بضتم الصاد المهملة، وتشديد الراء: جمعها صُرَرٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، وهي وعاء الدراهم، (فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ) قال في «الفتح»: استُدِلّ به لأبي حنيفة في تفرقته بين قليل اللقطة، وكثيرها، فيعَرَّف الكثير سنةً، والقليل أيامًا، وحدُّ القليل عنده: ما لا يوجب القطع، وهو ما دون العشرة، وقد ذُكر الخلاف في مدة التعريف، وكذا الخلاف في القدر الملتقط قريبًا. (عَلَى عَهْدِ)؛ أي: في زمن (رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ - («عَرِّفْهَا حَوْلَا)؛ أي: سنة، (قَالَ) أُبَيّ: (فَعَرَّفْتُهَا)؛ أي: حولًا، (فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ) - ﷺ - (فَقَالَ:»عَرِّفْهَا حَوْلًا)، فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ) - ﷺ - (فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا»، فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، فَقَالَ) - ﷺ - «(»احْفَظْ عَدَدَهَما، وَوِعَاءَهَما)؛ أي: الإناء الذي حُفِظت فيه، قال في «الفتح»: الوعاء بالمد، وبكسر الواو، وقد تُضم، وقرأ بها الحسن في قوله: ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦]، وقرأ سعيد بن جبير: (إعاء) بقلب الواو المكسورة همزة، والوعاء: ما يُجْعَل فيه الشيء، سواء كان من جلد، أو خَزَف، أو خَشَب، أو غير ذلك. انتهى. (وَوِكَاءهَا) بكسر الواو، والمدّ؛ أي: حَبْلها الذي رُبطت به، (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) جواب «إن» محذوف؛ أي: أَدّها إليه، (وَإِلَّا)؛ أي: إن لَمْ يجئ صاحبها (فَاسْتَمْيتِعْ بِهَا) وفي الرواية الآتية: (فإن جاء أحد يُخبرك بعددها، ووعائها، ووكائها، فأعطها إياه«، زاد في رواية:»وإِلَّا فهي كسبيل مالك«، وفي لفظ:»وإلا فاستمتع بها«. قال في«الفتح»: قوله:«فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها»في رواية حماد بن سلمة، وسفيان الثورفي، وزيد بن أنيسة، عند مسلم، وأخرجه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، من طريق الثوريّ، وأحمدُ، وأبو داود، من طريق حماد، كلهم عن سلمة بن كهيل في هذا الحديث:«فإن جاء أحد يخبرك بعددها، ووعائها، ووكائها، فأعطها إياه»، لفظ مسلم، وأما قول أبي داود: إن هذه الزيادة زادها حماد بن سلمة، وهي غير محفوظة، فتمسَّك بها من حاول تضعيفها، فلم يُصِب، جل هي صحيحة، وقد عرفت من وافق حمادًا عليها، وليست شاذّةً، وقد أخذ بظاهرها مالك، وأحمد، وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن يدفع إليه، ولا يُجبر على ذلك إلَّا ببينة؛ لأنه قد يصيب الصفة، وقال الخطابيّ: إن صحت هذه اللفظة لَمْ يَجُز مخالفتها، وهي فائدة قوله:«اعرِفْ عفاصها … إلخ»، وإلا فالاحتياط مع من لَمْ يَرَ الردّ إلَّا بالبينة، قال: ويتأول قوله:«اعرِفْ عِفاصها» على أنَّه أَمَره بذلك؛ لئلا تختلط بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة، وذكر غيره من فوائد ذلك أيضًا أن يُعرَف صدق المدعِي من كذبه، وأن فيه تنبيهًا على حفظ الوعاء وغيره؛ لأنَّ العادة جرت بإلقائه إذا أُخِذت النفقة، وأنه إذا نبَّه على حفظ الوعاء، كان فيه تنبيه على حفظ المال من باب أَولى. قال الحافظ - ﵀ -: قد صحت هذه الزيادة، فتعيَّن المصير إليها، وقد سبق أيضًا في حديث زيد بن خالد الجهنيّ - ﵁ - المتقدّم، وما اعْتَلَّ به بعضهم من أنه إذا وصفها فاصاب، فدفعها إليه، فجاء شخص آخر، فوصفها، فأصاب، لا يقتضي الطعن في الزيادة، فانه يصير الحكم حينئذ كما لو دفعها إليه بالبينة، فجاء آخر، فأقام بينة أخرى أنَّها له، وفي ذلك تفاصيل للمالكية وغيرهم. وقال بعض متأخري الشافعية: يمكن أن يُحْمَل وجوب الدفع لمن أصاب الوصف على ما إذا كان ذلك قبل التملك؛ لأنه حينئذ مال ضائع، لَمْ يتعلق به حقّ ثان، بخلاف ما بعد التملك، فإنه حينئذ يحتاج المدعي إلى البينة؛ لعموم قوله - ﷺ -: «البينة على المدعي»، ثم قال: أما إذا صحت الزيادة فتخص سورة الملتقط من عموم: «البينةُ على المدعي»، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن هذه الزيادة صحيحة، وأن العمل بها واجب، فما ذهب إليه مالك، وأحمد هو الحقّ. والحاصل أنه إذا جاء صاحب اللقطة، ووصفها بأوصافها المطابقة لِمَا عند الملتقَط وجب على الملتقِط دَفْعُها إليه دون طلب بيّنة، أو غيرها؛ لأمْر النبيّ - ﷺ - بذلك دون شرط أو قيد، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا)؛ أي: أنفقتها على نفسي، كما أمرني النبيّ - ﷺ - بذلك (فَلَقِيتُهُ) بكسر القاف، يقال: لقِيته ألقاه، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيه، قاله الفيّوميّ . وقائل: «فلقيته» هو شعبة، كما بيّنته الرواية التالية: حيث قال: «قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرّفها عامًا واحدًا». قال القرطبيّ - ﵀ -: وقول شعبة: «فسمعته بعد عشر سنين يقول: عَرَّفَهَا عامًا واحدًا»: يعني: سلمةَ بنَ كُهَيْل؛ الذي روى عنه هذا الحديث، يعني: أنَّه لقيه بعد أن سمع الحديث منه بعشر سنين، فأعاد سلمة الحديث، فقال: عَرَّفَها عامًا واحدًا؛ يعني: في الاستظهار، وكان شعبة شكَّ في عدم الاستظهار، هل هو في سَنَة واحدة؟ فلقيه بعد ذلك بعشر سنين، فسأله، فاخبره: أنه كان عامًا واحدًا، فزال شكّه، والله تعالى أعلم. انتهى . (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد استمتاعه بها، وذلك بعد عشر سنين، كما مرّ. (بِمَكَّةَ) زادها الله تعالى شرفًا، (فَقَالَ) القائل هو سلمة بن كُهيل (لَا أَدْرِي بِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلٍ وَاحِدٍ)؛ أي: لا أعلم هل أمَرَه النبيّ - ﷺ - بتعريفها ثلاث سنين، أو سنة واحدة؟. قال في «الفتح»: قوله: «فلقيته بعدُ بمكة» القائل شعبةُ، والذي قال: «لا أدري» هو شيخه سلمة بن كهيل، وقد بيَّنه مسلم من رواية بَهز بن أسد، عن شعبة: أخبرني سلمة بن كهيل، واختصر الحديث، قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: «عرَّفها عامًا واحدًا»، وقد بيَّنه أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» أيضًا، فقال في آخر الحديث: «قال شعبة: فلقيت سلمة بعدَ ذلك، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال، أو حولًا واحدًا». وأغرب ابن بطَّال، فقال: الذي شكّ فيه هو أُبَيّ بن كعب، والقائل: هو سُويد بن غَفَلة. انتهى، ولم يُصِب في ذلك، وإن تبعه جماعة، منهم المنذريّ، بل الشك فيه من أحد رواته، وهو سلمة لَمَّا استثبته فيه شعبة، وقد رواه غير شعبة عن سلمة بن كهيل بغير شكّ جماعة، وفيه هذه الزيادة، وأخرجها مسلم من طريق الأعمش، والثوريّ، وزيد بن أبي أنيسة، وحماد بن سلمة، كلهم عن سلمة، وقال: قالوا في حديثهم جميعًا: «ثلاثة أحوال» إلَّا حماد بن سلمة، فإن في حديثه «عامين، أو ثلاثة». وجمع بعضهم بين حديث أُبَيّ بن كعب - ﵁ - هذا، وحديث زيد بن خالد الجهنيّ - ﵁ - المتقدّم، فإنه لَمْ يُختَلَف عليه في الاقتصار على سنة واحدة، فقال: يُحْمَل حديث أُبَيّ بن كعب على مزيد الورع عن التصرف في اللقطة، والمبالغة في التعفف عنها، وحديث زيد على ما لا بُدّ منه، أو لاحتياج الأعرابيّ، واستغناء أُبَيّ. قال المنذريّ: لَمْ يقل أحد من أئمة الفتوى: إن اللقطة تُعَرَّف ثلاثة أعوام، إلَّا شيء جاء عن عمر - ﵁ -. انتهى. وقد حكاه الماورديّ عن شواذ من الفقهاء، وحَكَى ابن المنذر عن عمر أربعة أقوال: يُعَرِّفها ثلاثة أحوال، عامأ واحدًا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام، وَيُحْمَل ذلك على عِظَم اللقطة، وحقارتها، وزاد ابن حزم عن عمر قولًا خامسًا، وهو أربعة أشهر، وجزم ابن حزم، وابن الجوزيّ بأن هذه الزيادة غلط، قال: والذي يظهر أن سلمة أخطأ فيها، ثم تثبَّت، واستذكر، واستمرّ على عام واحد، ولا يؤخذ إلَّا بما لَمْ يشكّ فيه راويه، وقال ابن الجوزيّ: يَحْتَمِل أن يكون - ﷺ - عَرَف أن تعريفها لَمْ يقع على الوجه الذي ينبغي، فأمر أُبَيًّا بإعادة التعريف، كما قال للمسيء صلاته: «ارجع، فصلّ، فإنك لَمْ تصل». انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يخفى بُعْدُ هذا على مثل أُبَيّ، مع كونه من فقهاء الصحابة، وفضلائهم. وقد حَكَى صاحب «الهداية» من الحنفية رواية عندهم أن الأمر في التعريف مُفَوَّض لأمر الملتقِط، فعليه أن يُعَرِّفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، والله أعلم، وقد تقدّم بقيّة مباحث الحديث في شرح حديث زيد بن خالد الجهنيّ - ﵁ - الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٤٩٨ و٤٤٩٩ و٤٥٠٠] (١٧٢٣)، و(البخاريّ) في «اللقطة» (٢٤٢٦ و٢٤٣٧)، و(أبو داود) في «اللقطة» (١٧٠١ و١٧٠٢ و١٧٠٣)، و(الترمذيّ) في «الإحكام» (١٣٧٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٣/ ٤٢٠ و٤٢١ و٤٢٢)، و(ابن ماجة) في «اللقطة» (٢٥٠٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٥٥٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٨٦١٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٤٥٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٢٦ و١٢٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٦٦٨)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٨٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٩١ و٤٨٩٢)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٣٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٧٦ و١٧٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٣٠٢) و«الكبير» (٥/ ٢٥٣ و٢٢/ ٢٢٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٨٦ و١٩٣ و١٩٤ و١٩٦ و١٩٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز أخذ اللقطة، وهو الأَولى من تركها، قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب هل يأخذ اللقطة، ولا يَدَعُها تضيع، حتى لا يأخذها من لا يستحق؟. قال في«الفتح»: والمعنى: لا يدعها فتضيع، ولا يَدَعها حتى يأخذها من لا يستحقّ، وأشار بهذه الترجمة إلى الرذ على من كَرِه اللقطة، ومن حجتهم حديث الجارود مرفوعًا:«ضالّة المسلم حَرَقُ النار»، أخرجه النسائيّ بإسناد صحيح، وحَمَل الجمهور ذلك على من لا يُعَرِّفها، وحجتهم حديث زيد بن خالد عند مسلم:«من آوى الضالّة، فهو ضالّ، ما لَمْ يُعَرِّفها»، وأما ما أخذه من حديث الباب: فمن جهة أنه - ﷺ - لَمْ يُنكر على أُبَيّ أَخْذه الصّرّة، فدلّ على أنه جائز شرعًا، ويستلزم اشتماله على المصلحة، وإلا كان تصرفًا في مُلك الغير، وتلك المصلحة تحصل بحفظها، وصيانتها عن الْخَوَنَة، وتعريفِها؛ لتصل إلى صاحبها، ومن ثم كان الأرجح من مذاهب العلماء أن ذلك يَختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، فمتى رَجَحَ أخْذُها وجب، أو استُحِبّ، ومتى رَجَح تَرْكُها حَرُم، أو كُرِه، وإلا فهو جائز. انتهى . ٢ - (ومنها): تعريف اللقطة ثلاثة أعوام، وهذا على سبيل الاحتياط، والاستحباب، وإلا فالواجب تعريفها سنةً، على حديث زيد بن خالد الجهنيّ، وقد تقدّم التوفيق بينهما قريبًا. ٣ - (ومنها): أن فائدة الأمر بحفظ عددها، ووعائها، ووكائها أن يُعرف بها صدق المدّعي من كذبه، والتنبيه على العناية بحفظ الوعاء؛ لأنَّ العادة جرت لإلقائه بعد أخذ النفقة منه، ومنه يؤخذ أن حفظ المال يكون من باب أَوْلى. ٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: استدلال أُبيٍّ بن كعب بحديث المائة الدينار حيث سُئل عن التقاط السَّوط؛ يدلُّ على أنَّ مذهبه التسوية بين قليل اللقطة وكثيرها في وجوب التعريف بها سَنَةً، وأنَّه يستظهر بعد ذلك بحولين، وهذا لَمْ يقل به أحدٌ في الشيء اليسير، وقد قدمنا: أنَّه لَمْ يأخذ أحد من العلماء بتعريف ثلاثة أعوام إلَّا شيءٌ رُوي عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، والجمهور على أنَّ التعريف فيما له بال سَنَةٌ؛ لأنَّ صاحبها إن كان حاضرًا تنبَّه لها، وتذكَّرها، وظهر طلبه لها في هذه السَّنَة، وإن كان غائبًا أمكن عوده وطلبها في هذه السَّنة، أو يسمع خبره فيها، فإذا لَمْ يأت بعد السَّنة؛ فالظاهر الغالب: أنَّه هلك، وأن هذا المال ضائع؛ فواجده أولى به؛ وهذا في الشيء الكثير، فأمَّا في الشيء اليسير، فيمكن أن يكون صاحبه تركه استسهالًا واستخفافًا، وأنَّه غير محتاج إليه، وهذأ في التمرة والكِسرة واضح، فلا يحتاج إلى تعريف، وألحق بعض أصحابنا أقلّ من الدرهم بذلك، وأبعد أبو حنيفة فقال: لا تعريف في أقلّ من ثمانية دراهم، وأبعد من هذا قول إسحاق: إن الدينار لا يحتاج إلى تعريف، تمسُّكًا بحديث عليّ المتقدم، وقد قدَّمنا: أنَّه لا حجَّة فيه. وأمَّا أمره - ﷺ - لأُبَيٍّ بزيادة التعريف على سَنَة بسَنَةٍ أو سَنَتين، على اختلاف الرواية فذلك مبالغة، واحتياط على جهة الاستحباب كما تقدم، لا سيما مع استغناء الملتقِط عن الانتفاع بها، قالوا: وكذلك كان أُبيّ - ﵁ - مستغنيًا عنها. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٤٩٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحمن بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، أَوْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ، وَأَنَا فِيهِمْ، قَالَ: سَمِعْتُ سُويدَ بْنَ غَفَلَةَ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زيدِ بْنِ صُوحَانَ، وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: «فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا»، قَالَ شُعْبَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ: «عَرِّفَهَا عَامًا وَاحِدًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحمن بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) أو بعدها (خ م د ت) تقدَّم في «المقدِّمة» ٦/ ٩٩. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل «اقتصَّ» ضمير بهز. [تنبيه]: رواية بهز بن أسد، عن شعبة هذه لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٥٠٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ (ح) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ - يعني: ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنيْسَةَ (ح) وحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحمن بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَادُ بْنُ سَلَمَةَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وفي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: «ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ» إِلَّا حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: عَامَيْن، أَوْ ثَلَاثَةً، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنيْسَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدِهَا، وَوِعَائِهَا، وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ»، وَزَادَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ: (وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ«، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ:»وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا«). رجال هذا الإسناد: ستة عشر: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٠. ٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ الحجة المثبت المشهور [٥] (١٤٧) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»ج ١ ص ٢٩٧. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] (١٩٧) (ع) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٥ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير الهمدنيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (٢٣٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٥. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (١٩٩) (ع) تقدم في«الإيمان»٢/ ٥. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين الغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في«الإيمان»١/ ١٠٤. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ) أبو عبد الرَّحمن القرشيّ مولاهم، ثقةٌ لكنه تغيّر بآخره، فلم يفحُش اختلاطه [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في«البيوع»٢٢/ ٣٩٥٤. ٩ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الرَّقِّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيه، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٨٠) إلَّا سنة (ع) تقدّم في«المقدّمة»٦/ ٩٦. ١٠ - (زيدُ بْنُ أَبِي أُنيْسَةَ) أبو أسامة الْجَزَريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقةٌ [٦] (ت ١١٩ أو ١٢٤) (ع) تقدّم في«المقدِّمة» ٦/ ٩٦. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ) يعني: وكيعًا، وعبد الله بن نمير كلاهما رويا عن سفيان الثوريّ. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) يعني: أن الأعمش، وسفيان الثوريّ، وزيد بن أبي أُنيسة، وحمَّاد بن سلمة أربعتهم رووا هذا الحديث عن سلمة بن كهيل، بسنده الماضي، وهو: عن سُويد بن غَفَلة، عن أُبيّ بن كعب - ﵁ -. [تنبيه]: رواية الأعمش، عن سلمة بن كُهيل، ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٢١٢٠٦) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا أبو خيثمة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن سلمة بن كُهيل، عن سُويد بن غَفَلَة، قال: كنا حُجّاجًا، فوجدت سوطًا، فأخذته، فقال القوم: تأخذه؛ فلعله لرجل مسلم، قال: فقلت: أَوَ ليس لي أخذه، فأنتفع به خير من أن يأكله الذئب؟ فلقيت أُبَيّ بن كعب، فذكرت ذلك له، فقال: أحسنتَ، ثم قال: التقطت صُرَّةً فيها مائة دينار، فأتيت النبيّ - ﷺ - «، فذكرت ذلك له، فقال:»عَرِّفها حولًا«، فعَرَّفتها حولًا، ثم أتيته، فقلت: قد عرَّفتها حولًا، فقال:»عَرِّفها سنةً أخرى«، ثم قال:»انتفع بها، واحفظ وكاءها، وخِرْقتها، وأَحْصِ عددها، فإن جاء صاحبها«، قال جرير: فلم أحفظ ما بعد هذا، يعني تمام الحديث. انتهى . ورواية سفيان الثوريّ، عن سلمة، ساقها ابن حبَّان في«صحيحه»، فقال: (٤٨٩٢) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا ابن نمير، قال: حدّثنا سفيان، عن سلمة بن كُهيل، قال: حدّثني سُويد بن غَفَلةَ، قال: خرجت مع سلمان بن ربيعة، وزيد بن صُوحان، فالتقطت سوطًا بالعُذيب، فقالا: دَعْهُ، فقلت: لا أدعه تأكله السباع، فقَدِمت إلى أُبَيّ بن كعب، فحدثته بالحديث، فقال: أحسنت، أحسنت، التقطتُّ على عهد رسول الله - ﷺ - مائة دينار، فأتيته بها، فقال:«عَرِّفها»، فعَرَّفتها حولًا، ثم أتيته، فقال:«عَرِّفها»، فعَرَّفتها حولًا، ثم أتيته، فقال:«عَرِّفها»، فعَرَّفتها حولًا، ثم أتيته، فقال:«اعلم عددها، ووعاءها، ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بعددها، ووعائها، ووكائها، فأعطه إياها، وإلا فاستمتع بها». انتهى . ورواية وكيع، عن سفيان بلفظ:«وإلا فهي كسبيل مالِك»ساقها ابن ماجه - ﵀ - في«سننه»، فقال: (٢٥٠٦) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن سلمة بن كُهيل، عن سُويد بن غَفَلَةَ، قال: خرجت مع زيد بن صُوحان، وسلمان بن ربيعة، حتى إذا كنا بالعُذيب، التقطت سوطًا، فقالا لي: الله، فأبيت، فلمّا قَدِمنا المدينة، أتيت أُبَيّ بن كعب، فذكرت ذلك له، فقال: أصبتَ، التقطتُّ مائة دينار على عهد رسول الله - ﷺ -، فسألته، فقال:«عَرّفها سنةً»، فعَرّفتها، فلم أجد أحدًا يعرفها، فسألته، فقال:«عَرِّفها»، فعرَّفتها، فلم أجد أحدًا يعرفها، فقال:«اعرِف وعاءها، ووكاءها، وعددها، ثم عَرِّفها سنةً، فإن جاء من يعرفها، وإلا فهي كسبيل مالك». انتهى . ورواية زيد بن أبي أنيسة، عن سلمة ساقها الطبرانيّ - ﵀ - في«الأوسط»، فقال: (٤٩٦٤) - حدّثنا القاسم بن الليث الراسبيّ، قال: حدّثنا المعافَى بن سليمان، قال: حدّثنا فُليح بن سليمان، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن سلمة بن كُهيل، قال: أخبرني سُويد بن غَفَلة، قال: خرجت أنا، وزيد بن صُوحان، وسلمان بن ربيعة، فالتقطت سوطًا، فأمرني أن أتركه، فأبيت، فلما قَدِمنا المدينة ذكرت ذلك لأُبَيّ بن كعب، فقال: أصبتَ، إني التقطت زمان رسول الله - ﷺ - مائة دينار، فأخبرت رسول الله - ﷺ - بها، فأمرني أن أُعَرِّفها سنةً، ثم أخبرته أنَّها لَمْ تُعْرَف، ثم أمرني أن أُعَرِّفها، فعَزَفتها سنةً، ثم أخبرته أنَّها لَمْ تُعْرَف، ثم أمرني أن أعرِّفها، فعرّفتها سنةً، ثم أخبرته أنَّها لَمْ تُعْرَف، فقال: «اعْرِفْ وِعاءها، ووِكاءها، ثم اقض بها حاجتك، فإن جاء لها طالب رَدَدْتَها».
مصادر المؤلف (١٧)

١. «القاموس المحيط» ص ٨٦١.

٢. «جامع الترمذيّ» ٣/ ٦٥٦.

٣. «الفتح» ٦/ ٢٥٤، كتاب «اللقطة» رقم (٢٤٣٧).

٤. سير أعلام النبلاء«٣/ ٥٢٥ - ٥٢٨.

٥. «الفتح»٦/ ٢٥٤.

٦. «الفتح»٦/ ٢٥٤.

٧. راجع: «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٢٧.

٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٥.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٨.

١٠. «المفهم» ٥/ ١٩٢، ١٩٣.

١١. «الفتح» ٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤، كتاب «اللقطة» رقم (٢٤٣٧).

١٢. «المفهم» ٥/ ١٩١ - ١٩٢.

١٣. وفي نسخة:«قال: فإن جاء أحدٌ».

١٤. «مسند الإمام أحمد بن حنبل»٥/ ١٢٧.

١٥. «صحيح ابن حبان» ١١/ ٢٥٤.

١٦. «سنن ابن ماجة» ٢/ ٨٣٧.

١٧. هكذا النسخة: «فأمرني»، بالإفراد، ولعه «فأمراني» كما لا يخفي، فليُحرّر.