HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٣١

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ سُفْيَانَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. قَالَ: أَمْلَاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءً.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص139
ج ٣ ص ١٣٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٣٠٨
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. و«ابن عو» هو: عبد الله، ذُكر قبله. (١٧٨٠٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ ابن عون (ح) قال: وأخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن أبي عديّ، ومعاذ بن معاذ، قالا: ثنا ابن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: إنما كان ذلك الدعاء في أصل الإسلام، قد أغار رسول الله - ﷺ - علي بني المصطلِق، وهم غارّون، وأنعامهم تُسْقَى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث، حدّثني بهذا عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش، وفي رواية يزيد: إنما ذلك بعد الدعاء في أول الإسلام، والباقي سواء. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ تَأْمِيرِ الإِمَامِ الأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوث، وَوَصِيَّتِهِ إِيَّاهُمْ بِآدابِ الْغَزْو، وَغَيْرِهَا) [٤٥١٣] (١٧٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاح، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَمْلَاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءً (ح) وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن - يعني: ابْنَ مَهْدِيٍّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ الله، فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا ، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَام، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَة، وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا إِنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِالله، وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ الله، وَذِمَّةَ نَبِيِّه، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ الله، وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّه، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ، وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ، وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ الله، وَذِمَّةَ رَسُولِه، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ الله، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ الله، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ، أمْ لَا؟ »، قَالَ عَبْدُ الرحمن هَذَا، أَوْ نَحْوَهُ، وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ: قَالَ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ - قَالَ يَحْيَى: يعني: أَنَّ عَلْقَمَةَ يَقُولُهُ لِابْنِ حَيَّانَ - فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٤ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ) بن حيّان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠) (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٦ - (عَبْدُ الرحمن بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٧ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريبًا. ٨ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٥/ ٦٤٨. ٩ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وله (٩٠) سنةً (م ٤) تقدم في «الطهارة» ٢٥/ ٦٤٨. ١٠ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الحصيب الأسلميّ، أبو عبد الله، وقيل غيره، الصحابيّ المشهور، مات سنة (٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠٠/ ٥٣٣. شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصَيب - ﵁ - أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَّرَ) بتشديد الميم، من التأمير؛ أي: جعل أحدًا (أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ) - بفتح الجيم، وسكون التحتانيّة -: الجند، أو السائرون لحرب، أو غيرها، قاله المجد . (أَوْ سَرِيَّةٍ) بفتح السين المهملة، وتشديد التحتانيّة: هي قطعة من الجيش، تخرج منه، تُغِير، وترجع إليه، قال إبراهيم الحربيّ: هي الخيل تبلغ أربعمائة، ونحوها، قالوا: سُمِّيت سَرِيّةً؛ لأنها تَسْرِي في الليل، ويَخْفَى ذهابها، وهي فَعِيلة بمعنى فاعلة، والجمع: سَرَايا، وسريّات، مثل عطيّة، وعطايا، وعطيّات، يقال: سرى، وأسرى: إذا ذهب ليلًا، قال النوويّ - ﵀ - . (أَوْصَاهُ)؛ أي: أمر ذلك الأمير، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «وأَوْصَيْتُهُ بالصلاة»: أمرته بها، وعليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: يأمركم، وفي حديبا: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَوْصَى بِتَقْوَى اللهِ»: معناه: أَمَرَ، فيعمّ الأمر بأيّ لفظ كان، نحو: «اتقوا الله»، و«أطيعوا الله»، وكذلك الخبرُ إذا كان فيه معنى الطلب، نحو: «لقد فاز من اتقى»، و«طُوبى لمن وسعته السُّنَّة، ولم تستهوه البدعة»، «ورَحَمَ الله من شَغَله عيبه عن عيوب الناس»، ولا يتعيّن في الخطبة «أُوصيكم»، كيف ولفظ الوصيّة مشترك بين التذكير، والاستعطاف، وبين الأمر، فيتعيّن حمله على الأمر، ويقوم مقامه كل لفظ فيه معنى الأمر. انتهى . (فِي خَاصَّتِهِ)؛ أي: في حقّ نفسه خصوصًا، (بِتَقْوَى اللهِ) متعلّق بـ «أوصاه»؛ أي: أَمَره بالتحرّز بطاعته من عقابه، وقوله: (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا) معطوف على «خاصّته»؛ أي: أوصاه بالمسلمين الذين غزوا معه أن يفعل معهم خيرًا، و«خيرًا» منصوب بنزع الخافض؛ أي: بخير، قال الطيبيّ - ﵀ -: و«من» في محل الجرّ، وهو من باب العطف على عاملين مختلفين، كأنه قيل: أوصى بتقوى الله في خاصة نفسه، وأوصى بخير فيمن معه من المسلمين، وفي اختصاص التقوى بخاصة نفسه، والخير بمن معه من المسلمين إشارةٌ إلى أنّ عليه أن يَشدّد على نفسه فيما يأتي، وَيذَرُ، وأن يُسَهِّل على من معه من المسلمين، وَيرْفُق بهم، كما وردة «يسِّروا، ولا تعسِّروا، وبشِّروا، ولا تنفِّروا»، متّفق عليه، وقيل: «ومن معه» مجرور عطفًا على الضمير المجرور في «خاصّته». انتهى . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («اغْزُوا) بوصل الهمزة، وضمّ الزاي: أمرٌ من الغزو، يقال: غزاه غَزْوًا: أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه، وغزا العدوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم غَزْوًا، وغَزَوَانًا، وغَزَاوَةً، وهو غازٍ، قاله المجد - ﵀ - ، وقوله: (بِاسْمِ الله، فِي سَبِيلِ اللهِ) متعلّقان بـ«اغزوا»، ويجوز أن يكون الثاني ظرفًا، والأول حالًا، ويجوز أن يتعلّق الثاني بالحال؛ أي: اغزوا مستعينين بالله، في سبيل الله ﷿، قاله الطيبيّ - ﵀ - ، وقوله: (قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ) جملة مُوضّحة لـ«اغزوا»، وأعاد قوله: (اغْزُوا) ليُعقبه بالمذكورات بعده، وهي قوله:«ولا تغلّوا». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«قاتلوا من كفر بالله»هذا العموم يَشمَل جميع أهل الكفر، المحاربين وغيرهم، وقد خُص منه من له عهد، والرُّهبان، والنِّسوان، ومن لم يبلغ الحلم، وقد قال متصلًا به:«ولا تقتلوا وليدًا»، وإنما نُهِيَ عن قتل الرهبان، والنساء؛ لأنهم لا يكون منهم قتال غالبًا، فإن كان منهم قتال، أو تدبير، أو أذىً قُتلوا؛ ولأن الذراريّ، والأولاد مالٌ، وقد نَهَى رسول الله - ﷺ - عن إضاعة المال. انتهى . (وَلَا تَغُلُّوا) وفي بعض النسخ:«فلا تغلّوا» بالفاء، وهو بضمّ الغين المعجمة، وتشديد اللام؛ أي: لا تخونوا في الغنيمة، قال الفيّوميّ: وغَلّ غُلُولًا، من باب قَعَد، وأغلّ بالألف: خان في المغنم وغيره، وقال ابن السّكّيت: لم نسمع في المغنم إلا غلّ ثلاثيًّا، وهو متعدّ في الأصل، لكن أُميت مفعوله، فلم يُنطَق به. انتهى . (وَلَا تَغْدِرُوا) من الغدر، وهو ضدّ الوفاء، يقال: غَدَرَهُ، وغَدَر به، كنَصَرَ، وضرب، وسَمِعَ: غَدْرًا وغَدَرانًا - محرّكةً -، قاله المجد - ﵀ - . والمعنى: لا تنقضوا العهد، أو لا تحاربوهم قبل أن تدعوهم إلى الإسلام، (وَلَا تَمْثُلُوا) بضمّ الثاء المثلّثة؛ أي: لا تقطعوا الأطراف، قال الفيّوميّ - ﵀ -: مَثَلْتُ بالقتيل مَثْلًا، من بابي قَتَلَ، وضَرَبَ: إذا جَدَعته، وظهرت آثار فِعلك عليه تنكيلًا، والتشديد مبالغة، والاسم: الْمُثْلة، وزانُ غُرْفة. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: الغلول: الأخذ من الغنيمة من غير قَسْمها، والغدر: نقض العهد، والتمثيل هنا: التشويه بالقتيل؛ كَجَدْع أنفه، وأذنه، والعبث به، ولا خلاف في تحريم الغلول، والغدر، وفي كراهة الْمُثلة. انتهى . (وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا)؛ أي: طفلًا صغيرًا، (وَإِذَا لَقِيتَ) بكسر القاف، والخطاب لأمير الجيش، قال الطيبيّ - ﵀ -: هو من باب تلوين الخطاب، خاطب أوّلًا عامًّا، فدخل فيه الأمير دخولًا أوّليًّا، ثم خصّ الخطاب به، فدخلوا فيه على سبيل التبعيّة، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] خصّ النبيّ - ﷺ - بالنداء، وعمّ بالخطاب. انتهى . (عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ -) «أو» للشكّ من الراوي، والخصال، والخلال بكسر أولهما: جمع خَصْلة، وخَلّة، بمعنى واحد، والمراد بها هنا ثلاثة أمور. (فَأَيَّتُهُنَّ) بالرفع، والضمير للخصال المدعوّ إليها، (مَا) زائدة، (أَجَابُوكَ)؛ أي: قَبِلها منك، وقوله: (فَاقْبَلْ مِنْهُمْ) جزاء الشرط، (وَكُفَّ عَنْهُمْ) بضمّ الكاف، ويجوز تثليث الفاء: أمرٌ من كفّ يكُفّ، من باب نصر: إذا ترك؛ أي: اترك قتالهم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم» قيَّدناه عمن يوثق بعلمه، وتقييده، بنصب «أيتَهنَّ» على أن يعمل فيها «أجابوك» على إسقاط حرف الجرّ، و«ما» زائدة، ويكون تقدير الكلام: فإلى أيتهنّ أجابوك فاقبل منهم، كما تقول: أُجيبك إلى كذا، أو في كذا، فيتعدى إلى الثاني بحرف الجرِّ. انتهى . (ثُمَّ) إذا عرفت ما ذُكر من الخصال على وجه الإجمال، فاعلمها على وجه التفصيل، فـ (ادْعُهُمْ) أوّلًا (إِلَى الإِسْلَامِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع نسخ «صحيح مسلم»: «ثم ادعهم» بـ «ثمّ»، قال القاضي عياض - ﵀ - صواب الرواية: «ادعهم» بإسقاط «ثُمّ»، وقد جاء بإسقاطها على الصواب في كتاب أبي عبيد، وفي سنن أبي داود، وغيرهما؛ لأنه ابتداء تفسير للخصال الثلاث، وليس غيرها، وقال المازريّ: ليست «ثُمّ» هنا زائدة، بل دخلت لاستفتاح الكلام، والأخذ فيه. انتهى . قال الطيبيّ - ﵀ - بعد ذكر كلام المازريّ ما حاصله: أقول: تحرير قول المازريّ: إن الخصال الثلاث: هي الإسلام، وإعطاء الجزية، والمقاتلة، فقوله: «ثم ادعهم إلى الإسلام» إشارة إلى الخصلة الأولى، وقوله: «ثم ادعهم إلى التحوّل» إلى قوله: «إلا أن يجاهدوا مع المسلمين» متفرع على هذه الخصلة، وقوله: «فإن أبوا، فَسَلْهم الجزية» بيان للخصلة الثانية، وقوله: «فإن هم أبوا، فاستعن» إشارة إلى الخصلة الثالثة، فعلى هذا قوله: «ثم ادعهم» مكرّر زِيْدَ لمزيد التقرير، وليُنبّه على أن الدعوة إلى الإسلام هي المطلوبة الأوليّة، وأشرف الخصال، ونظيره في التكرير قوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾ [نوح: ٥ - ٨] قصد بقوله: ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ اشتمال دعوته على الأزمنة كلها، وبقوله: ﴿جِهَارًا﴾ و﴿إِسْرَارًا﴾ كيفيّة دعوته في الأزمنة، وبتكرار «ثمّ» والدعاء التلويحَ إلى التفاوت بين الأحوال. انتهى . (فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ)؛ أي: الانتقال (مِنْ دَارِهِمْ)؛ أي: من بلاد الكفر (إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ)؛ أي: إلى دار الإسلام، وهذا من توابع الخصلة الأولى، قيل: إن الهجرة كانت من أركان الإسلام قبل فتح مكة. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «إلى دار المهاجرين» يعني: المدينة، وكان هذا في أول الأمر، في وقت وجوب الهجرة إلى المدينة على كل من دخل في الإسلام، أو على أهل مكة خاصة، في ذلك خلاف، وهذا يدلّ على أن الهجرة كانت واجبة على كل من آمن من أهل مكة وغيرها. انتهى . (وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ)؛ أي: التحوّل المذكور، (فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ)؛ أي: حصول الثواب والأجر، واستحقاق مال الفيء، وذلك الاستحقاق كان في زمنه - ﷺ -، فإنه كان يُنفق على المهاجرين من حين الخروج إلى الجهاد في أيّ وقت أمرهم الإمام، سواء كان من بإزاء العدوّ كافيًا أو لا، بخلاف غير المهاجرين، فإنه لا يجب الخروج عليهم إلى الجهاد إن كان من بإزاء العدوّ من به الكفاية، وهذا معنى قوله: (وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ)؛ أي: من الغزو، (فَإِنْ أَبوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا)؛ أي: من دارهم، (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ)؛ أي: الذين لازموا أوطانهم في البادية، لا في دار الكفر، (يَجْرِيِ) بالبناء للفاعل، أو المفعول؛ أي: يمضي (عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)؛ أي: من وجوب الصلاة، والزكاة، وغيرهما (وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَة، وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ) قال النوويّ - ﵀ -: معنى هذا الحديث: أنهم إذا أسلموا استُحِبّ لهم أن يهاجروا إلى المدينة، فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم في استحقاق الفيء، والغنيمة، وغير ذلك، وإلا فهم أعرابٌ كسائر أعراب المسلمين الساكنين في البادية، من غير هجرة، ولا غَزْوٍ، فتُجْرَى عليهم أحكام الإسلام، ولا حقّ لهم في الغنيمة والفيء، وإنما يكون لهم نصيب من الزكاة، إن كانوا بصفة استحقاقها. قال الشافعيّ - ﵀ -: الصدقات للمساكين ونحوهم ممن لا حقّ له في الفيء، والفيءُ للأجناد، قال: ولا يُعطَى أهل الفيء من الصدقات، ولا أهل الصدقات من الفيء، واحتَجّ بهذا الحديث. وقال مالك، وأبو حنيفة: المالان سواء، ويجوز صرف كلّ واحد منهما إلى النوعين. وقال أبو عبيد: هذا الحديث منسوخ، قال: وإنما كان هذا الحُكم في أول الإسلام لمن لم يهاجر، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥] قال النوويّ: وهذا الذي ادّعاه أبو عبيد لا يُسَلَّم له. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين»؛ يعني: أن من أسلم ولم يجاهد، ولم يهاجر لا يُعطى من الخمس، ولا من الفيء شيئًا، وهذا يتمشى على مذهب مالك في قسمة الخمس، والفيء؛ إذ يرى أن ذلك موكول لاجتهاد الإمام، يضعه حيث يراه من المصالح الضرورية، والأمور المهمة، ومنافع المسلمين العامَّة، ويُؤثِر فيه الأحوج، فالأحوج، والأهم فالأهم، ولا شك أن المهاجرين كانوا في ذلك الوقت أولى به من غيرهم من المسلمين الذين لم يهاجروا، وأقاموا في بلادهم، فإن المهاجرين خرجوا من بلادهم، وأموالهم لله تعالى، ووصلوا إلى المدينة فقراء، ضعفاء، غرباء، فلا شك في أنهم الأَولى. قال القاضي عياض: ولذلك كان النبيّ - ﷺ - يُؤثِرهم بالخُمس على الأنصار غالبًا، إلا أن يحتاج أحدٌ من الأنصار، وقد أخذ الشافعي بهذا الحديث في الأعراب، فلم ير لهم شيئًا من الفيء، وإنما لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم، كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين لا حق لهم في الصدقة عنده، ويُصرف كل مال في أهله، وسوَّى مالك وأبو حنيفة بين المالين، وجوَّزا صرفهما للصنفين، وذهب أبو عبيدة: إلى أن هذا الحديث منسوخ، وأن هذا كان حُكم من لم يهاجِر أولًا، في أنه لا حق له في الفيء، ولا في الموالاة للمهاجر، ولا موارثته، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وبقوله - ﷺ - بعد فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة»، وبقوله - ﷺ -: «المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يدٌ واحدة على من سواهم»، وهذا فيه بُعْد، وسيأتي بيان حكم الخمس والفيء والغنيمة، إن شاء الله تعالى، قال: ومَحْمِل الحديث عند أصحابنا المالكيين على ما تقدَّم من مذهب مالك - ﵀ -. انتهى . وقوله: (فَإِنْ هُمْ أَبَوْا) هو من باب ما أُضمر عامه على شريطة التفسير، وهو يفيد المبالغة؛ لتكرير الإسناد؛ أي: فإن امتنعوا عن الإسلام (فَسَلْهُمُ) أمرٌ من سال يسأل، من باب خاف يخاف، ويقال في المثنّى: سلا، وفي الجمع: سلوا على غير قياس؛ لأن قياسه أن يقال: سالا، وسالوا، كقولهم: خافا، وخافوا، وتقول: سِلْته بكسر السين، وهما يتساولان، ويَحْتَمِل أن يكون «فسلهم» أمرًا من سأل يسأل بالهمزة، فحُذف للتخفيف . (الْجِزْيَةَ) بكسر الجيم، وسكون الزاي، هو: ما يؤخذ من أهل الذمّة، والجمع جِزًى، ومثلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ ، وهذا إشارة إلى الخصلة الثانية. (فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ) الجزية، (وَكُفَّ عَنْهُمْ) عن قتالهم. قال القرطبيّ - ﵀ -: فيه حجَّة لمالك، وأصحابه، والأوزاعيّ، في أخذ الجزية من كل كافر، عربيًّا كان أو غيره، كتابيًّا كان أو غيره، وذهب أبو حنيفة: إلى أنها تُقبل من الجميع إلا من مشركي العرب، ومجوسهم، وهو قول عبد الملك، وابن وهب من أصحابنا، وقال الشافعيّ - ﵀ -: لا تُقبل إلا من أهل الكتاب - عربًا كانوا أو عجمًا -، ولا تُقبل من غيرهم، والمجوس عنده أهل كتاب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي أن ما ذهب إليه الأولون من مشروعيّة أخذ الجزية من كلّ كافر، هو الأرجح؛ لهذا الحديث، وسيأتي الجواب عما احتجّ به الشافعيّ - ﵀ - من الآية، والحديث، فتنبّه. (فَإِنْ هُمْ أَبَوْا)؛ أي: امتنعوا عن قبول الجزية، بعد امتناعهم عن الإسلام، (فَاسْتَعِنْ بِالله، وَقَاتِلْهُمْ) إشارة إلى الخصلة الثالثة، (وَإِذَا حَاصَرْتَ)؛ أي: أحطت بهم، ومنعتهم من التصرّف، يقال: حصره العدوُّ حصرًا، من باب قتل: أحاطوا به، ومنعوه من المضيّ لأمره، وقال ابن السّكّيت، وثعلب: حَصَرَهُ العدوُّ في منزله: حبسه، وأحصره المرضُ بالألف: منعه من السفر، وقال الفرّاء: هذا كلام العرب، وعليه أهل اللغة، وقال ابن القُوطِيّة، وأبو عمرو الشيبانيّ: حصره العدوّ، والمرضُ، وأحصره كلاهما بمعنى حبسه، ذكره الفيّومي . (أَهْلَ حِصْنٍ) بكسر الحاء، وسكون الصاد المهملتين: هو المكان الذي لا يُقْدَرُ عليه؛ لارتفاعه، وجمعه حُصُونٌ . (فَأَرَادُوكَ)؛ أي: طلبوا منك (أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ) تعالى (وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ) - ﷺ -؛ أي: عهدهما، وأمانهما، (فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ) تعالى (وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ) - ﷺ -؛ أي: لا بالاجتماع، ولا بالانفراد، (وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ، وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ) ثم علّل ذلك بقوله: (فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا) بالخاء المعجمة، والفاء، مبنيًّا للفاعل، من الإخفار رباعيًّا؛ أي: تَنْقُضُوا، يقال: أخفرته بالألف: نقضتُ عهده، ويقال أيضًا: خَفَرَ به ثلاثيًّا: إذا نقض عهده، وغدَر به، قال المجد - ﵀ -: خَفِرَ به، وعليه يَخْفِر - كيضرب - ويَخْفُرُ - كينصُرُ - خَفْرًا: أجاره، ومنَعَهُ، وآمنه، كخَفَّره، وتخفّر به، والاسم: الْخُفْرَةُ بالضمّ، والْخِفَارة مثلّثةً، والخَفِير: المُجار، والمجيرُ، كالْخُفَرَة، كهُمَزَةٍ، والْخُفَارةُ مثلّثةً: جُعْلُهُ، قال: وخَفَرَهُ: أخذ منه جُعْلًا لِيُجيره، وخَفَرَ به خَفْرًا، وخُفُورًا: نقض عهده، وغَدَره، كأخفره. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: يستفاد من عبارة المجد المذكورة أن خَفَر ثلاثيًّا، من بابي ضرب، ونصر بمعنى أجار، ومنع، كخفّر بالتشديد، وأن خفَر ثلاثيًّا بمعنى نقض العهد، ومثله أخفر بالهمزة رباعيًّا، فيجوز أن يكون قوله هنا: «أن تُخْفِروا»، من الخفر ثلاثيًّا، أو الإخفار رباعيًّا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: «فإنكم أَنْ تُخفِروا» بفتح همزة «أَنْ»، وهي مصدريّة، وهي وَصِلتها في تأويل المصدر بدل من ضمير المخاطب في قوله: «فإنكم»، وخبر «إن» قوله: «أهون … إلخ»، قال القاري: ووقع في نسخة - أي: من المصابيح - «إن تُخْفِروا» بكسر الهمزة على الشرط، وهو مشكلٌ، قال: ولعلّ وجه الإشكال أن «أهون» على هذا يكون جزاء الشرط بتقدير «هو»، فتلزم الفاء الرابطة، قال: ويمكن دفعه بأن يُحمل على الشذوذ، كقوله: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا وقال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: الذمة هنا: العهد، و«تُخْفِروا» بضم التاء، يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخَفَرته: أَمَّنته، وحَمَيته، قالوا: وهذا نهي تنزيه؛ أي: لا تجعل لهم ذمة الله، فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقّها، وينتهك حرمتها بعض الأعراب، وسواد الجيش. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت آنفًا مما اقتضته عبارة «القاموس» أن خَفَر، وأخفر ثلاثيًّا ورباعيًّا يُستعملان لنقض العهد، فتنبّه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: معنى الحديث: أنه - ﷺ - خاف من نقض من لا يَعرف حق الوفاء بالعهد، كجهلة الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعدّ كان نقض عهد الخَلْق أهون من نقض عهد الله تعالى، والله تعالى أعلم . (ذِمَمَكُمْ)؛ أي: عهودكم، (وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ)؛ أي: عهودهم، (أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا) بالبناء للفاعل أيضًا، (ذِمَّةَ اللهِ) ﷾ (وَذِمَّةَ رَسُولِهِ) - ﷺ -. (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ) بضمّ أوله، مبنيًّا للفاعل، من الإنزال، (عَلَى حُكْمِ اللهِ) تعالى، (فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ) تعالى، (وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ) بقطع الهمزة، من الإنزال، (عَلَى حُكْمِكَ)، ثم علّل ذلك بقوله: (فَإِنَّكَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأنك (لَا تَدْرِي)؛ أي: لا تعلم (أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ، أَمْ لَا؟)؛ أي: أم لا تصيبه؟. وقوله: (قَالَ عَبْدُ الرحمن)؛ يعني: ابن مهديّ الراوي الثالث عن سفيان الثوريّ. (هَذَا)؛ أي: هذا النصّ المذكور، (أوْ) قال (نَحْوَهُ)؛ أي: معناه، وقوله: (وَزَادَ إِسْحَاقُ) هو ابن راهويه الشيخ الثاني للمصنّف، (فِي آخِرِ حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ)؛ أي: عن سفيان، عن علقمة، وقوله: (قَالَ) … إلخ مفعول «زاد» محكيّ لِقَصْد لفظه، و«قال» ضمير علقمة بن مرثد، كما قال المصنّف، ومقوله قوله: (فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ) النَّبَطيّ - بفتح النون، والموحّدة - أبي بسطام البلخيّ الخزّاز - بزايين منقوطين - مولى بكر بن وائل، صدوق فاضلٌ، أخطأ الأزديّ في زعمه أن وكيعًا كذّبه، وإنما كذّب مقاتل بن سليمان [٦]. روى عن عمته عمرة، وسعيد بن المسيّب، وأبي بردة بن أبي موسى، وعكرمة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وشهر بن حَوَشب، وقتادة، ومسلم بن هيصم، وغيرهم. وروى عنه أخوه مصعب بن حيّان، وعلقمة بن مرثد، وشَبيب بن عبد الملك التيمي، وعبد الله بن المبارك، وبكر بن معروف، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو داود: ثقةٌ، وقال عبد السلام بن عتيق: حدّثنا مروان بن محمد أنه ذكر مقاتل بن حيان، فقال: ثقةُ، وقال ابن أبي حاتم، عن محمد بن سعيد المقبريّ، قال: سئل عبد الرحمن - يعني: ابن الحكم بن بشير بن سليمان - عن مقاتل بن حيان، فقال: ذاك مرتفع، مرتفع، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الدارقطنيّ: صالحٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أحمد بن سيار المروزيّ: كان حيّان من موالي بني شيبان، وكان يلي ولايات، وكان مقاتل ناسكًا فاضلًا، وهم أربعة إخوة: مقاتل، والحسن، ويزيد، ومصعب، ويقال: إن أصلهم من بلخ، وكان مقاتل هَرَب من أبي مسلم إلى كابُل، دعا خلقًا إلى الإسلام، فأسلموا، وذكر الحسن بن مسلم أنه مات بكابُل، وأن صاحب كابُل تسلّب عليه، فقيل له: إنه ليس على دينك، فقال: إنه كان رجلًا صالحًا. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به، ونقل أبو الفتح الأزديّ أن ابن معين ضعَّفه، قال: وكان أحمد بن حنبل لا يعبأ بمقاتل بن سليمان، ولا بمقاتل بن حيان، ثم نقل عن وكيع أنه كذّبه، قال الحافظ: فقرأت بخط الذهبيّ: أحسبه التبس على أبي الفتح بابن سليمان، فإنه هو الذي كذّبه وكيع. مات قبل الخمسين ومائة تقريبًا. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (قَالَ يَحْيَى)؛ أي: ابن آدم، (يَعْنِي) بقوله: «فذكرت … إلخ» (أَنَّ عَلْقَمَةَ) بن مرثد (يَقُولُهُ)؛ أي: يذكر هذا الحديث إلى) مقاتل (اِبْنِ حَيَّانَ - فَقَالَ)؛ أي: مقاتل: (حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمٍ) - بفتح الهاء، وسكون التحتانيّة، وفتح الصاد المهملة - العبديّ، مقبول [٤]. رَوَى عن الأشعث بن قيس، والنعمان بن مُقَرِّن، وعنه مقاتل بن حيّان، وعُقيل بن طلحة، وسليمان بن بريدة، ذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ) - بضم الميم، وكسر الراء المشدّدة - ويقال: ابن عمرو بن مُقرِّن بن عائذ المزنيّ، أبو عمرو، ويقال: أبو حكيم، أخو سُويد بن مقرّن، وإخوته، روى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه ابنه معاوية، ومَعْقِل بن يسار المزنيّ، ومسلم بن الهيصم. قال مصعب الزبيريّ: هاجر النعمان، ومعه سبعة إخوة له، ورَوَى شعبة، عن حصين، قال: قال ابن مسعود: إن للإيمان بيوتًا، وإن بيت آل مقرِّن من بيوت الإيمان، وقال ابن عبد البر: سكن البصرة، وتحول عنها إلى الكوفة، وقَدِم المدينة، ففتح القادسية، وأمَّره عمر على الجيش، فغزا أصبهان، ففتحها، ثم أتى نهاوند، فاستُشهِد بها، وكان ذلك في يوم جمعة من سنة إحدى وعشرين، وقال غيره: كان معه لواء مُزينة يوم الفتح. قال الحافظ: هو قول ابن سعد، وأراد أنه هو وإخوته شهدوا الحديبية، وهنا شيء ينبغي التنبيه عليه، وهو قول المزيّ في أول الترجمة: ويقال: النعمان بن عمرو بن مقرِّن، فليعلم الناظر أن جماعة من الأئمة فرَّقوا بين النعمان بن مقرن، فأثبتوا له الصحبة، ووصفوه بما تقدم من الفتوح، وبين النعمان بن عمرو بن مقرِّن، فحكموا على حديثه بالإرسال، منهم ابن أبي حاتم، وأبو القاسم البغويّ، وأبو أحمد العسكريّ، وغيرهم، ولكن العسكريّ زعم أن الذي روى مرسلًا هو عمرو بن النعمان بن مقرّن، فقَلَبه، وجعله ولدًا للنعمان، وهو ظنّ متجه، لكن الصواب خلافه، وكلُّ من ذَكَرْنا ممن ذَكَر النعمان بن عمرو بن مقرن قال: إنه هو الذي روى عنه أبو خالد الوالبيّ، وقال المزيّ: روى عنه أبو خالد مرسلٌ، وإنما الإرسال في حديث النعمان بن عمرو، لا في رواية أبي خالد عنه. انتهى . أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ)؛ أي: نحو حديث سليمان بن بُريدة، عن أبيه - ﵁ -. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بُرَيدة بن الْحُصيب، والنعمان بن مقرّن - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٤٥١٣ و٤٥١٤] (١٧٣١)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦١٢ و٢٦١٣)، و(الترمذيّ) في «الديات» (١٤٠٨) و«السير» (١٦١٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٧٢)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٨٥٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١١٤ - ١١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٥٢ و٣٥٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢١٥)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٠٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٣٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٠٣)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ٤٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٠٦ و٢٠٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١٥ و٤٩ و٩٧ و١٨٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٦٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيّته إياهم بآداب الغزو وغيرها. ٢ - (ومنها): بيان تحريم الغدر. ٣ - (ومنها): بيان تحريم الغلول. ٤ - (ومنها): بيان تحريم قتل الصبيان إذا لم يُقاتِلوا. ٥ - (ومنها): النهي عن الْمُثْلة، وهي قطع الأطراف. ٦ - (ومنها): مشروعيّة وصية الإمام أمراءه، وجيوشه بتقوى الله تعالى، والرفق بأتباعهم، وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم، وما يجب عليهم، وما يَحِلّ لهم، وما يَحْرُم عليهم، وما يُكره، وما يُستحب. ٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث مما يَستدلّ به مالك، والأوزاعيّ، وموافقوهما في جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيًّا كان، أو عجميًّا، كتابيًّا، أو مجوسيًّا، أو غيرهما. وقال أبو حنيفة - ﵀ -: تؤخذ الجزية من جميع الكفار، إلا مشركي العرب، ومجوسهم. وقال الشافعيّ: لا يُقبل إلا من أهل الكتاب، والمجوس عربًا كانوا أو عجمًا، وَيحتج بمفهوم آية الجزية، وبحديث: «سُنُّوا بهم سُنّة أهل الكتاب» ، ويتأول هذا الحديث على أن المراد بأخذ الجزية أهل الكتاب؛ لأن اسم المُشْرِك يطلق على أهل الكتاب وغيرهم، وكان تخصيصهم معلومًا عند الصحابة. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح هو ما ذهب إليه الأولون؛ لإطلاق حديث الباب، وأما الآية التي احتجّ بها الشافعي - ﵀ - فهي لا تمنع الأخذ من غير أهل الكتاب، وأما الحديث الذي احتجّ به في المجوس من قوله: «سنّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب»، فحديث ضعيف للانقطاع في إسناده، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: واختلفوا في قدر الجزية، فقال الشافعيّ: أقلها دينار على الغنيّ، ودينار على الفقير أيضًا في كل سَنَة، وأكثرها ما يقع به التراضي. وقال مالك: هي أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الفضة. وقال أبو حنيفة، وغيره من الكوفيين، وأحمد: على الغني ثمانية وأربعون درهمًا، والمتوسط أربعة وعشرون، والفقير اثنا عشر. انتهى . ٨ - (ومنها): أن النوويّ - ﵀ - قال أيضًا: هذا النهي أيضًا على التنزيه والاحتياط، - ويحتاج إلى دليل - قال: وفيه حجة لمن يقول: ليس كل مجتهد مصيبًا، بل المصيب واحد، وهو الموافق لحكم الله تعالى في نفس الأمر، وقد يجيب عنه القائلون بأن كل مجتهد مصيب: بأن المراد أنك لا تَأْمَن أن يَنزل عليّ وحيٌ بخلاف ما حكمت، وهذا المعنى مُنتفٍ بعد النبيّ - ﷺ -. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: فيه حجَّة لمن يقول من الفقهاء وأهل الأصول: إن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد، وهو المعروف من مذهب مالك وغيره، ووجه الاستدلال: هو أنه - ﷺ - قد نصَّ على أن لله تعالى حكمًا معيَّنًا في المجتهَدات، فمن وافقه فهو المصيب، ومن لم يوافقه فهو مخطئ. وقد ذهب قوم من الفقهاء، والأصوليين: إلى أن كل مجتهد مصيب، وتأولوا هذا الحديث بأن قالوا: إن معناه: أنه - ﷺ - كان يوصي أمراءه بأن لا يُنزلوا الكفار على حكم ما أنزل الله على نبيّه - ﷺ - في حال غَيْبة الأمراء عنه، وعدم علمهم به، فإنهم لا يدرون إذا فعلوا ذلك؛ هل يصادفون حُكم ما أنزل الله على نبيّه - ﷺ - أم لا؟ وفي هذا التأويل بُعْدٌ وتعسّفٌ، واستيفاء المباحث في هذه المسألة في علم الأصول. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: مسألة «ليس كلُّ مجتهد مصيبًا» قد حقّقتها في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها» في الأصول، ورجّحت قول من يقول: إن المصيب واحد، ولكن المخطئ يؤجر أجرًا واحدًا باجتهاده، ولا يؤاخَذ بخطئه، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥١٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِث، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ بُرَيْدَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا، أَوْ سَرِيَّةً، دَعَاهُ، فَأَوْصَاهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ). رجال الإسناد: ستة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في في المقدمة«٦/ ٤٠. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبت في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد هذه ساقها النسائيّ ﵀ في«الكبرى»، فقال: (٨٧٨٢) - أخبرني أحمد بن حفص بن عبد الله، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني إبراهيم بن طهمان، عن شعبة بن الحجاج، عن علقمة بن مرثد الحضرميّ، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ - أنه كان إذا بعث أميرًا على سرية، أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال:«اغْزُوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تَغْدِروا، ولا تَغُلّوا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فإذا أنت لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خلال، فأيّتهنَ ما أجابوك عليها، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، وادعهم إلى الدخول في الإسلام، فإن فعلوا، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا، فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن هم دخلوا في الإسلام، واختاروا دارهم، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله عليهم، ثم قاتلهم، وإن أنت حاجزت أهل حصن، فأرادوا أن تُنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله، وإن أنت حاصرت أهل حصن، فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة رسوله - ﷺ -، فلا تجعل لهم ذمة الله، وذمة رسوله - ﷺ -، ولكن اجعل لهم ذمتك، وذمة آبائك، وذمم أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم، وذمم آبائكم، وذمم أصحابكم أهون عليكم، من أن تخفروا ذمة الله، وذمة رسوله - ﷺ -». انتهى ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هنا يوجد إسناد لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان تلميذ الإمام مسلم، أورده؛ لكونه أعلى بالنسبة له من إسناد مسلم؛ لأنه وصل إلى شعبة عن طريق مسلم بثلاث وسائط، وهم: مسلم، وحجاج بن الشاعر، وعبد الصمد بن عبد الوارث، ووصل إليه في الإسناد الثاني بواسطتين، وهما: محمد بن عبد الوهّاب الفرّاء، والحسين بن المبارك، قال ﵀: [٤٥١٤ ]- (حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْفَرَّاءُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْوَليد، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ) بن محمد بن سفيان، أبو إسحاق الفقيه النيسابوريّ المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨ هـ) تقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٧٣. [تنبيه]: قال: «حدّثنا إبراهيم» هو الراوي عنه، إما أبو أحمد الجلوديّ، أو غيره، كما سبق في «المقدّمة»، فتنبّه. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْفَرَّاءُ) هو: محمد بن عبد الوهاب بن حبيب بن مِهْران العبديّ أبو أحمد الفراء الحافظ النيسابوريّ، ثقةٌ عارف [١١]. رَوى عن أبيه، وابن عمه بشر بن الحكم، وأبي النضر هاشم بن القاسم، ويعلى بن عبيد، وشبابة، وغيرهم. وروى عنه النسائيّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وابن خزيمة، وأبو عوانة، والسراج، وحسين بن محمد القبّانيّ، وابن أبي الدنيا، وغيرهم. أثنى عليه مسلم بن الحجاج، وقال: محمد بن عبد الوهاب ثقة صدوق، وروى البخاري في «صحيحه» حديثًا عن أبي أحمد، عن أبي غسان، فقيل: هو هذا، وقيل غيره، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الحاكم: كان من أعقل مشائخنا، ويلقَّب بِحَمَك، أخذ الأدب عن الأصمعيّ وغيره، والحديث عن أحمد، وعليّ، ويحيى، والفقه عن أبيه، وغيره، وكان يفتي في هذه العلوم، ويرجع إليه فيها، وقال علي بن الحسن الدرابجرديّ: أبو أحمد عندي ثقة مأمون، قال: وسمعت الحسن بن يعقوب المعدّل يقول: مات سنة اثنتين وسبعين ومائتين، تفرّد به النسائيّ. ٣ - (الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَليدِ) القرشيّ مولاهم، أبو عليّ، ويقال: أبو عبد الله الفقيه النيسابوريّ، لقبه كمَيل - مصغّرًا - ثقةٌ [٩]. رَوى عن السفيانين، والحمادين، وجرير بن حازم، وابن جريج، ومالك، وابن أبي روّاد، وهشام بن سعد، وإبراهيم بن طهمان، وإسرائيل، وزائدة وشعبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وإسحاق بن راهويه، وأبو أحمد الفرّاء، ومحمد بن رافع، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وأثنى عليه خيرًا، وقال سلمة بن شبيب، عن أحمد: دَلَّني عليه ابن مهديّ، فدخلت عليه، وكان عسرًا في الحديث، وقال الذُّهْليّ: أول ما دخلت على عبد الرحمن بن مهديّ سألني عن الحسين بن الوليد، وقال ابن معين: كان ثقةٌ، لم أكتب عنه شيئًا، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال أبو أحمد: كان سخيًّا، وكان لا يحدّث أحدًا حتى يُطعمه من فالوذجة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال محمد بن نصر سليمان الهرويّ: ثنا محمد بن يزيد، ثنا الحسين بن الوليد، وقال الحاكم: حسين بن الوليد الثقة المأمون الفقيه شيخ بلدنا في عصره، كان من أسخى الناس، وأورعهم، قرأ على الكسائيّ، وعيسى بن طهمان، وكان يغزو الترك في كل ثلاث سنين، ويحج كل خمس سنين، وقال الخطيب: كان ثقةً فقيهًا، قال الحاكم: مات سنة (٢٠٢)، وكذا قاله أبو أحمد الفراء، وقال البخاريّ: مات سنة (٢٠٣). أخرج له البخاريّ في التعاليق، وأبو داود في «المسائل»، والنسائيّ. [تنبيه]: ذكر القاضي عياض ﵀ في «شرحه» ما نصّه: وذكر مسلم في آخر الباب: نا محمد بن عبد الوهاب الفرّاء، عن الحسين بن الوليد، عن شعبة بهذا، ثبت هذا السند للعُذْريّ، وابن ماهان، وسقط لغيرهما، وكان في كتاب شيخنا القاضي الشهيد عن العذريّ: «الحسن» مكان «الحسين». قال لي: والصواب ما عند غيره «الحسين». قال القاضي: قال البخاريّ في «تاريخه» في «باب الحسين» مصغّرًا: الحسين بن الوليد، وهو حسين بن الوليد بن عليّ النيسابوريّ القرشيّ، توفّي سنة ثلاث ومائتين، ولم يُذكر في «الحسن» مكبّرًا من اسمه الحسن بن الوليد. وذكر البخاريّ في «صحيحه» في «كتاب الطلاق»: الحسن بن الوليد النيسابوريّ، عن عبد الرحمن، عن عبّاس بن سهل، عن أبيه، وأبي أُسيد: تزوّج رسول الله - ﷺ - أُميمة بنت شراحيل، كذا ذكره مكبّرًا ، ولم أر هذا الاسم في كتاب أبي عبد الله الحاكم، لا مصغّرًا، ولا مكبّرًا، لا فيمن اتّفقا عليه، ولا فيمن اختلفا فيه. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القاضي عياض من أن مسلمًا قال: حدّثنا محمد بن عبد الوقاب … إلخ، فيه نظر لا يخفى؛ لأن مسلمًا، لم يقله، فهذا السند ليس له، وإنما هو لتلميذه إبراهيم بن سفيان، كما هو المذكور في معظم نُسخ «صحيح مسلم»، وأيضًا إن محمد بن عبد الوهّاب ما أخرج له مسلم في «صحيحه»، بل هو من رجال النسائيّ فقط، كما أشار إليه في «التهذيبين»، و«التقريب»، ويقال: إن البخاريّ روى له حديثًا واحدًا، ولم يصرّح بنسبه، وقيل: إنه البيكنديّ، وقيل: غيره، والله تعالى أعلم. والحاصل أن هذا السند ليس لمسلم أصلًا، وإنما هو لتلميذه إبراهيم بن سفيان، وإنما أتى به زيادة على أسانيد مسلم؛ لكونه وجده عاليًا؛ إذ بينه وبين شعبة واسطتان، بينما هو في إسناد مسلم بثلاث وسائط، كما أسلفته، ولذا زاده عليه، كما هي عادته في مثل ذلك، وقد سبق هذا غير مرّة. وخلاصة القول أن ما ذكره القاضي عياض ليس صوابًا فيما يظهر لي، ومن الغريب أن الحافظ نقل كلام عياض هذا في «التهذيب»، وسكت عليه، والله تعالى المستعان. وأما «شعبة» فقد ذُكر في السند الماضي. [تنبيه]: رواية الحسين بن الوليد، عن شعبة، عن علقمة هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في «مسنده»، فقال: (٦٤٩٥) - حدّثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، قثنا الحسين بن الوليد، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد الحضرميّ، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ - أنه كان إذا بعث أميرًا على جيش، أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم يقول: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، لا تغدروا، ولا تَغُلُّوا، ولا تقتلوا وليدًا، إذا لقيت عدوّك من المشركين، فادعهم إلى خصال ثلاث، فأيتهن أجابوك، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، وادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دور المهاجرين، فإن فعلوا، فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن دخلوا في الإسلام، واختاروا أن يقيموا في دارهم، فهم كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله كما يجري على المسلمين، وليس لهم في الفيء ولا الغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فاعْرِضْ عليهم الجزية، فإن أبوا فاستعن بالله، ثم قاتِلهم، وإذا لقيت عدوك من المشركين فحاصرهم، فإن أرادوا أن ينزلوا على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟ ولكن أنزلوهم على حكمكم، وإذا حاصرتم أهل حصن، فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة رسوله، فلا تجعلوا لهم ذمة الله تعالى، ولا ذمة رسوله، ولكن اجعلوا لهم
مصادر المؤلف (٤٢)

١. «سنن البيهقيّ الكبرى» ٩/ ٦٤.

٢. وفي نسخة: «فلا تغلّوا».

٣. «القاموس المحيط» ص ٢٥٢.

٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ٣٧.

٥. «المصباح المنير»٢/ ٦٦٢.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن»٨/ ٢٦٩٤ - ٢٦٩٥.

٧. «القاموس المحيط»ص ٩٤٧.

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٩٥.

٩. «المفهم» ٥/ ٥١٢.

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٢.

١١. «القاموس المحيط» ص ٩٣٨ - ٩٣٩.

١٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٤.

١٣. «المفهم» ٥/ ٥١٢.

١٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٩٥.

١٥. «المفهم» ٥/ ٥١٣.

١٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ٣٨.

١٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٩٥ - ٢٦٩٦.

١٨. «المفهم» ٥/ ٥١٣.

١٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ٣٨ - ٣٩.

٢٠. «المفهم» ٥/ ٥١٤ - ٥١٥.

٢١. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٩٧.

٢٢. «المصباح المنير» ١/ ١٠٠ - ١٠١.

٢٣. «المفهم» ٥/ ٥١٥.

٢٤. «المصباح المنير» ١/ ١٣٨.

٢٥. «المصباح المنير» ١/ ١٣٩.

٢٦. «القاموس المحيط» ص ٣٨٢.

٢٧. «مرقاة المفاتيح» ٧/ ٤٧٧.

٢٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ٣٩.

٢٩. «المفهم» ٥/ ٥١٧.

٣٠. فما وقع في كثير من نُسخ «التقريب»، و«التهذيب» من كتابته بالضاد المعجمة، فإنه غلط، فتنبّه.

٣١. «تهذيب التهذيب» ٤/ ٢٣٢ - ٢٣٤.

٣٢. حديث ضعيف بسبب الانقطاع في سنده.

٣٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ٤٠.

٣٤. «شرح النوويّ»١٢/ ٤٠.

٣٥. «المفهم»٥/ ٥١٦.

٣٦. راجع:«المنحة الرضيّة»٣/ ٤٩٧ - ٥٠٣.

٣٧. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٥/ ٢٤١.

٣٨. لم أرقّم له رقمًا مستقلًّا، بل أعطيته رقم الإسناد الماضي؛ لكونه لا تعلّق له بمسلم، وإنما هو خاصّ بإبراهيم، زاده على مسلم؛ لكونه وجده عاليًا، فتنبّه.

٣٩. كذا في معظم النسخ: «حدّثنا إبراهيم … إلخ»، ولا يوجد في النسخة الهنديّة، إلا أنه كتب في هامشها: «حدّثنا محمد بن عبد الوهّاب … إلخ»، وقائل: «حدّثنا إبراهيم … إلخ». هو: تلميذ إبراهيم بن محمد بن سفيان تلميذ مسلم، فتنبّه.

٤٠. اعترض الحافظ على كلام عياض هذا، فقال: كذا قال، والذي في جميع النسخ المروية عن البخاريّ بصيغة التصغير، والله أعلم. انتهى. «تهذيب التهذيب».

٤١. «إكمال المعلم» ٦/ ٣٥ - ٣٦.

٤٢. هي مختصرة من «قال: حدّثنا»، كما سبق التنبيه عليه غير مرّة، فلا تغفل.