HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٧٥

وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَلَمْ نُفَارِقْهُ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، بَيْضَاءَ. أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ. فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ. فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يركض على بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ. قَالَ عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ. وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فقال رسول الله ﷺ (أَيْ عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ). فَقَالَ عَبَّاسٌ (وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا): فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ! لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ، حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي، عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا. فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ! يَا لَبَّيْكَ! قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ. وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ. يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. فقالوا: يا نبي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ! يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ! فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا، إِلَى قِتَالِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ). قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ. ثُمَّ قَالَ (انْهَزَمُوا. وَرَبِّ مُحَمَّدٍ!) قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى. قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ. فَمَا زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص166
ج ٣ ص ١٣٩٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٠٧
[٤١٣] قوله: (فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ) ، وفي نسخة: (الأَرِيسِين) ، قيل: هم الأتباع والخَوَل معناه: إن أسلمت أنت أسلم أتباعك وخوَلُك وحَشَمُك، وإن أبيتَ الإسلام بقيَ أتباعك على دينهم وكفرهم، فكان عليك إثمُهم إذا لم يسلموا واتَّبعوك على الكفر، وقيل: الأَريس: الأجير. وقوله: (لَقَد أَمِرَ أَمرُ ابن أَبِي كَبِشَةَ)، أَمِر معناه: كثُر وارتفع، عَيَّرَه بذلك، لم يجد له عيبًا غيره، وأَبُو كَبْشة: رجل من خُزاعة خالف قريشًا فعبَد الشِّعرى العَبُور، فلما خالفهم النبي ﷺ في عبادتهم ودعاهم إلى عبادة الله ﷿، قالوا هذا ابن أبي كبشة، تشبيهًا به، وقيل: كان وهبُ بنُ عبدِ مناف بن زُهرة جدّ النبي ﷺ لأمه؛ ابنةِ أبي كبشة، فكان جدَّ جدٍّ للنبي ﷺ لأمه، (وبَنُو الأَصفَر): هم الروم. وقوله: (إِذَا خَالَطَت بَشَاشَتُه القُلُوبَ) ، البَشاشة: الفرح، يقال: بَشِشْتُ به أَبَشُّ، و(إِيليَاء): بيت المقدس، و(دَاعيَةُ الإِسلَام): مصدر بمعنى: الدّعوة، و(التُّرجُمان): الذي يُعبِّر عن لسانٍ بلسانٍ آخر، و(كَذَبَنِي) - بالتخفيف - أي: قال ليَ الكذب، (فَكَذِّبُوهُ) أي: قولوا له: كَذَبْتَ، (وَايمُ اللهِ): قسم، وقوله: (أَن يُوْثَرَ) أي: أن يُرْوى، يقال أَثَرت الحديث، أي: رَويتُه، وقوله: (سِجَالًا) أراد: نُدالُ عليه مرّة؛ ويُدالُ علينا أخرى، وأصله: أن المستقيين بالسَّجْل يكون لكل واحد منهما سَجْل. ومن باب ذكر ما جاء في غزوة حنين [٤١٤ - ٤١٥] حديث عباس ﵁: (فَلَزِمتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ بن عَبدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ ﷺ) ، قوله: (خَرَجَ شُبَّانُ أَصحَابِهِ، وَأَخِفَّاؤُهُم) ، أخِفَّاؤُهُم: جمع خفيف كشديدٍ وأشدّاء، وقوله: (حُسَّرًا): هو جمع حاسر، والحَاسِر: الذي لا سلاح معه، وقوله: (هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ) أي: اشتد أمر الحرب، والوَطِيسُ: التَّنُّور، قال صاحب المجمل: الوطيس: التَّنُّور، أُخِذَ من الوَطْس، وهو الكَسر لأنه هَزْم في الأرض، قال أبو عبيد: وَطَسْتُ: كسرت . قال الشاعر: تَطِسُ الإِكامَ بِذاتِ خُفٍّ مِيثَمِ وقيل: الوَطيس: شدة الأمر، وأَوْطَاس: موضعٌ، وقوله: (فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا) أي: رمَوهم وجهًا من الرّمي، قال صاحب المجمل : الرَّشق مصدر رشَق بالسّهم رشقًا، والرِّشق: الوجه من الرّمي إذا رَمى القوم بأجمعهم، قالوا: رَمَينا رِشقًا، قال أبو زبيد: كلَّ يَوْمٍ تَرْمِيهِ مِنها بِرِشْقٍ … فَمُصِيبٌ أَو صافَ غيرَ بَعِيدِ صَافَ: أي: عدل، و(أَصْحَابَ السَّمُرَةِ): أصحاب البيعة تحت الشجرة، و(فَروَةُ بنُ نُفَاثَةَ) - بالنون المضمومة والثاء المعجمة بثلاث -: أحد ملوك العرب، وفي رواية معمر عن الزهري: (فَروَةُ بنُ نَعَامَة) بفتح النون والعين، والصحيح الأول، وقوله: (أَي عَبَّاسُ): أي: حرف النداء، وعبَّاسُ: منادى مفرد مبني على الضم، وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا) أي: جَهِير الصّوت، عاليَ الصّوت، وقوله: (لَكَأَنَّ عَطَفَتَهُم) أي: كرَّتهم وإقبالَهم، وقوله: (إِرَادَةَ أَن لَا تُسْرِعَ) إرادة: نصب مفعول له، أي: لإرادة أن لَا تسرع. وقوله: (وَالدَّعوَةُ فِي الأَنصَارِ) الدّعوة: الادِّعاء، والادِّعاء في الحرب: الاعتزاء، وهو أن يقول: يا لَفُلان، والادِّعاء في الحرب أيضا: أن يقول: أنا فلان بن فلان، والدَّعوى: اسم يقوم مقام الادِّعاء، ويكون بمعنى الدُّعاء، يقال: (اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعواهم). والدّعوة: الاستغاثة أيضا، يقال: دعوته أي: استغثْت به، وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، أي: استغيثوا بآلهتكم، وقيل: الدُّعاء الغوث، وقوله ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: استغيثوا؛ أي: إذا نزلت بكم ضراء أستَجب لكم دعاءكم، أي: غوثكم، ومنه دعوى الجاهلية، وهو قولهم: يالَ فلان، وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [فاطر: ١٨]، أي: وإن تستغث نفس أثقلتها ذنوبها، إلى أن يُحمَل عنها شيء من ذلك؛ لم يحكم لها به. وقوله: (فَمَا زِلتُ أَرَى حَدَّهُم كَلِيلًا)، يقال: شوْكَة الحرب وحَدُّ الحرب، أي: عُدَّتها وسلاحها. و(رِجلٌ مِن جَرَادٍ) أي: جماعة من جراد، وقوله: (إِذَا احمَرَّ البَأسُ) أي: اشتدّ القتال، يقال: موت أحمرُ؛ أي: شديد، وسَنَة حمراءُ؛ أي: شديدة، ويقولون: الحُسْن أحمرُ؛ أي: شاقٌّ، فمن أحبّ الحُسْن احتمل المشقّة، وقوله: (نَتَّقِي بِهِ) أي: نستقبل به العدو؛ أي: نجعله جُنَّة لنا، و(إِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِيه) أي: يُقابله ويقوم مَقامه، وقوله: (انكَشَفَ) أي: انهزم. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٧٨
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٣] (١٧٧٥) - (وَحَدَّثَني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَزِمْتُ أنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَلَمْ نُفَارِقْه ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ، أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّار، قَالَ عَبَّاسٌ: وَأنَا آخِذ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ أكُفُّهَا؛ إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ»، فَقَالَ عَبَّاسٌ - وَكَانَ رَجُلَا صَيِّتًا - فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ. قَالَ: فَاقْتَتَلُو اوَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الأنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأنْصَار، يَا مَعْشَرَ الأنْصَار، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ؛ كالمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطيسُ»، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَصَيَاتٍ، فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَارِ ، ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ»، قَالَ: فَذَهَبْتُ أنْظُرُ، فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى. قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِه، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٠) (م دس ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظ فقيه عابد [٩] (١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) الهاشميّ، أبو تمام، صحابيّ صغير، مات بالمدينة أيام عبد الملك (خ م دس) تقدّم في «الكسوف» ١/ ٢٠٩٤. ٦ - (عَبَّاسُ) بن عبد المطّلب بن هاشم، عمّ النبيّ - ﷺ - الصحابيّ المشهور، مات - ﵁ - سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والابن عن أبيه، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريّين، ويونس، وإن كان أيليًّا إلا أنه نزل مصر، والثاني مسلسل بالمدنيين. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَني كثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ)؛ أيَ: ابن عبد المطّلب، (شَهِدْتُ) بكسر الهاء؛ أي: حضرتُ (مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ)؛ أي: يوم وقعة حُنين، بصيغة التصغير، واد بين مكة والطائف، سُمِّي باسم رجل لازمه، وهو مذكّر منصرفٌ، وقد يؤنّث على معنى البقعة، فيُمنع من الصرف؛ للعلميّة والتأنيث، وأنشد في «الصحاح»: نَصَرُوا نَبِيَّهُمْ وَشَدُّوا أَزْرَهُ … بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكَلَ الأَبْطَالَ والأغلب عليه الصرف، وبه جاء القرآن الكريم: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥]. وقد تقدّم أن غزوة حنين كانت بعد فتح مكة بأيام، وذلك أن مكة فُتحت لعشر بقين من رمضان، سنة ثمان من الهجرة، وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوَّال، من تلك السَّنة. (فَلَزِمْتُ) بكسر الزاي، وقوله: (أَنَا) أتى به؛ ليمكن عطف ما بعده على الضمير المتّصل، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم الهاشميّ ابن عمّ رسول الله - ﷺ -، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما حليمة السعدية، قال ابن المبارك، وإبراهيم بن المنذر، وغيرهما: اسمه المغيرة، وقيل: اسمه كنيته، والمغيرة أخوه، وكان ممن يُشبه رسول الله - ﷺ -. وأخرج الحاكم أبو أحمد، من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة»، قال: حَلَقه الحلاق بمنى، وفي رأسه ثؤلول، فقطعه، فمات، قال: فيرون أنه مات شهيدًا، هذا مرسل، رجاله ثقات. وكان أبو سفيان ممن يؤذي النبيّ - ﷺ -، ويهجوه، ويؤذي المسلمين، وإلى ذلك أشار حسان بن ثابت - ﵁ - في قصيدته المشهورة [من الوافر]: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ ويقال: إن عليًّا علّمه لمّا جاء ليُسْلم أن يأتي النبيّ - ﷺ - من قِبَل وجهه، فيقول: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١]، ففعل، فأجابه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢] الآية، فأنشده أبو سفيان [من الطويل]: لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً … لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ فَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ … فَهَذَا أَوَاني حَينَ أُهْدَى فَأَهْتَدِي الأبيات، وأسلم أبو سفيان في الفتح، لقي النبيّ - ﷺ -، وهو متوجه إلى مكة، فأسلم، وشَهِد حنيًا، فكان ممن ثبت مع النبيّ - ﷺ -، ويقال: إنه لم يرفع رأسه إلى رسول الله - ﷺ - حياء منه، وذكر محمد بن إسحاق له قصيدةً رَثَى بها النبيّ - ﷺ - لما مات، يقول فيها [من الوافر]: لَقَدْ عَظُمَتْ مُصيبَتُنَا وَجَلَّتْ … عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ مَاتَ الرَّسُولُ وقد أُسند عنه حديثٌ، أخرجه الدارقطنيّ في «كتاب الإخوة»، وابن قانع، من طريق سماك بن حرب، سمعت شيخًا في عسكر مدرك بن المهلب، بسجستان، يحدّث عن أبي سفيان بن الحارث، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يُقَدِّس الله أُمَّةً لا يأخذ الضعيفُ فيها حقَّه من القويّ»، قال الحافظ: وسنده صحيح لولا هذا الشيخ الذي لم يُسَمَّ. يقال: إنه مات سنة خمس عشرة، في خلافة عمر - ﵁ -، فصلى عليه، ويقال: سنة عشرين، ذكره الدارقطنيّ في «كتاب الإخوة» . وقوله: (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) منصوب على المفعوليّة، (فَلَمْ نُفَارِقْه) وفي بعض النسخ: «ولم نفارقه» بالواو، (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ) قال النوويّ ﵀: هكذا قال في هذه الرواية، ورواية أخرى بعدها أنها بغلة بيضاء، وقال في آخر الباب: «على بغلته الشهباء»، وهي واحدة، قال العلماء: لا يُعْرَف له - ﷺ - بغلة سواها، وهي التي يقال لها: دُلْدُل. انتهى . (أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ) بفتح الفاء، وإسكان الراء، (ابْنُ نُفَاثَةَ) - بنون مضمومة، ثم فاء مخففّة، ثم ألف، ثم ثاء مثلّثة - وفي الرواية التي بعدها روايةِ إسحاق بن إبراهيم قال: «فَروة بن نَعامة» بالعين والميم، والصحيح المعروف الأول، قال القاضي عياض ﵀: واختلفوا في إسلامه، فقال الطبريّ: أسلم، وعُمِّر عُمُرًا طويلًا، وقال غيره: لم يُسلم، قاله النوويّ. وقال القرطبيّ ﵀: «فَروة بن نفاثة» صوابه: بالنون المضمومة، والفاء، والثاء المثلثة، كذا لجميع الرواة، وقد قيّده بعضهم: «نباتة» بالنون والباء بواحدة، والتاء باثنتين من فوقها، وكأنه تصحيف، وقد رواه مسلم من حديث معمر عن ابن شهاب، فقال: فروة بن نعامة، والأول أشهر . وقال في «الإصابة» : فَرْوة بن عامر الْجُذاميّ، أو ابن عمرو، وهو أشْهَرُ. أسْلَم في عهد النبيّ - ﷺ -، وبعث إليه بإسلامه، ولم يُنقَل أنه اجتمع به - ﷺ -، وسَمَّى أبو عمر جدّه: الناقدة، قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو بن الناقدة البنانيّ الجذاميّ إلى النبيّ - ﷺ - رسولًا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملًا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله المَعَان وما حولها من أرض الشام، فبلغ الروم إسلامه، فطلبوه، فحبسوه، ثم قتلوه، فقال في ذلك أبياتًا، منها قوله [من الكامل]: أَبْلِغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بَأَنَّنِي … سِلْم لِرَبِّي أَعْظُمِي وَبَنَانِي وفي «صحيح البخاريّ»: أن الذي أهداها له ملك أيلة، واسم ملك أيلة فيما ذكره ابن إسحاق: يُحَنّةُ بن رُوبة، والله أعلم . وقوله: (الْجُذَامِيُّ) - بضمّ الجيم، وذال معجمة، مخفّفة، بعد ميم -: نسبة إلى جُذام قبيلة من اليمن، وجُذَام: هو الصدف بن أسلم بن زيد بن مالك بن زيد بن حضرموت الأكبر، قاله في «اللباب» . قال القرطبيّ ﵀: قبوله - ﷺ - هدية فروة يعارضه قوله - ﷺ -: «إني نُهيت عن زَبْد المشركين» ، وامتنع من قبول هديتهم. وقد اختُلِف في هذين الحديثين، فمن العلماء من ذهب إلى أن حديث فروة ناسخ للحديث الآخر، ومنهم من رام الجمع بينهما فقال: حيث قَبِل فإنما قُبل استئلافًا، وطمعًا في إسلام الْمُهدي، وحيث رَدّ لم يطمع في ذلك، وقيل: إنما ردّ حيث لم تكن فيه مصلحة للمسلمين، وقيل: حيث كان فيه ذلك، وقيل: إنما رَدَّ ما أهدي له في خاصة نفسه، وقيل: ما عَلِم منه خلاف ذلك؛ قاله الطبري، قال: ولا حجة لمن احتج بنسخ أحد الحديثين للآخر؛ إذ لم يأت في ذلك بيان، وقيل: إنما قَبِل هدية أهل الكتاب؛ إذ قد أبيح لنا طعامهم، وردَّ هدايا المشركين؛ إذ لم يُبَح لنا ذلك منهم، وأشبهُ هذه الأقوال قول من قال بالاستئلاف والمصلحة، والكل محتمل. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث جيّد، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: [فإن قيل]: ففي هذا الحديث قبوله - ﷺ - هدية الكافر، وفي الحديث الآخر: «هدايا العُمّال غلول»، مع حديث ابن اللُّتْبيّة عامل الصدقات، وفي الحديث الآخر أنه - ﷺ - رَدَّ بعض هدايا المشركين، وقال: «إنا لا نقبل زَبْدَ المشركين»؛ أي: رِفْدهم، فكيف يُجْمَع بين هذه الأحاديث؟. قال القاضي عياض ﵀: قال بعض العلماء: إن هذه الأحاديث ناسخة لقبول الهدية، قال: وقال الجمهور: لا نسخ، بل سبب القبول أن النبيّ - ﷺ - مخصوص بالفيء الحاصل بلا قتال، بخلاف غيره، فقَبِل النبيّ - ﷺ - ممن طَمِع في إسلامه، وتأليفه؛ لمصلحة يرجوها للمسلمين، وكافأ بعضهم، ورَدّ هدية من لم يَطْمَع في إسلامه، ولم يكن في قبولها مصلحة؛ لأن الهدية توجب المحبة والمودّة، وأما غير النبيّ - ﷺ - من العمال والولاة، فلا يحلّ له قبولها لنفسه عند جمهور العلماء، فإن قَبِلها كانت فيئًا للمسلمين؛ فإنه لم يُهدها إليه، إلا لكونه إمامهم، وإن كانت من قوم هو محاصرهم فهي غنيمة. قال القاضي: وهذا قول الأوزاعيّ، ومحمد بن الحسن، وابن القاسم، وابن حبيب، وحكاه ابن حبيب عمن لقيه من أهل العلم. وقال آخرون: هي للإمام خالصة، وبه قال أبو يوسف، وأشهب، وسحنون. وقال الطبريّ: إنما ردَّ النبيّ - ﷺ - من هدايا المشركين ما عَلِم أنه أهدى له في خاصة نفسه، وقَبِل ما كان خلاف ذلك، مما فيه استئلاف المسلمين، قال: ولا يصحّ قول من ادَّعَى النسخ؛ إذ لم يأت في ذلك بيان، قال: وحكم الأئمة بعده إجراؤها مجرى مال الكفار من الفيء، أو الغنيمة، بحسب اختلاف الحال، وإلى هذا يرجع قوله: «هدايا العُمّال غُلُول»؛ أي: إذا خَصُّوا بها أنفسهم؛ لأنها لجماعة المسلمين، إما بحكم الفيء، أو بحكم الغنيمة، وقد يرجع إلى ما يُهديه إليهم رَعَاياهم، وأصل الغلول: الخيانة؛ لأنهم إنما أهدوا لهم من قِبَل ولايتهم، ولهذا أنكره - ﷺ -، وقال: «هلّا جلس في بيت أبيه وأمّه، فينظر هل يُهدى له أم لا؟». قال القاضي: كلّ هذا حماية عن الهوادة لهم في الحقوق بسببها، وإنما قَبِلها النبيّ - ﷺ -؛ لتنزّهه عن هذا، وعصمته منه. وقيل: إنما قَبِل النبيّ - ﷺ - هدايا كفار أهل الكتاب، ممن كان على النصرانية؛ كالمقوقس، وملوك الشام، فلا معارضة بينه وبين قوله - ﷺ -: «لا نقبل زَبْد المشركين»، وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب، ومناكحتهم، بخلاف المشركين، عَبَدَة الأوثان. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ . وقال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: متى أخذ القاضي، أو العامل هدية محرَّمَةً لزمه ردّها إلى مُهديها، فإن لم يعرفه وجب عليه أن يجعلها في بيت المال، والله أعلم. انتهى . (فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ) بالرفع عطفًا على الفاعل، (وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ) حال مؤكّد لعامله؛ لأن معنى التولّي والإدبار واحد، قال في «الخلاصة»: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ لَا تَعْثُ فِي الأرْضِ مُفْسِدَا (فَطَفِقَ) - بكسر الفاء، وفتحها -، يقال: طَفِق يفعل كذا، كفَرِحَ، وضَرَبَ طَفْقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعلَ، خاصّ بالإثبات، فلا يقال: ما طَفق، ويقال: طفق بمراده: ظَفِرَ، وأطفقه الله به، قاله المجد ﵀ . والمراد هنا: شَرَع، وأخذ (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ) - بضم الكاف - من باب نصر، قال المجد ﵀: الرَّكْضُ: تحريك الرِّجْل، ومنه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، والدفعُ، واستحثاث الفرس للعدو، وتحرُّك الْجَنَاح، والْهَرَبُ، ومنه: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢]، والْعَدْوُ. انتهى . والمعنى المناسب هنا: استحثاث بغلته. (قِبَلَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة؛ أي: جهة (الْكُفَّارِ) قال العلماء: ركوبه - ﷺ - البغلة في موطن الحرب، وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضًا يكون مُعْتَمَدًا يرجع المسلمون إليه، وتطمئن قلوبهم به، وبمكانه، وإنما فَعَل هذا عمدًا، وإلا فقد كانت له - ﷺ - أفراس معروفة، ومما ذكره في هذا الحديث من شجاعته - ﷺ - تقدّمه يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فَرّ الناس عنه، وفي الرواية الأخرى أنه نَزَل إلى الأرض حين غَشُوه، وهذه مبالغة في الثبات، والشجاعة، والصبر، وقيل: فَعَل ذلك مواساةً لمن كان نازلًا على الأرض، من المسلمين، وقد أخبرت الصحابة - ﵃ - بشجاعته - ﷺ - في جميع المواطن، وفي «صحيح مسلم»: قال البراء - ﵁ -: «كنّا والله إذا احمرّ البأس نتّقي به، وإن الشجاع منا الذي يُحاذي - ﷺ -» . (قَالَ عَبَّاسٌ) - ﵁ - (وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ) - بكسر اللام، ككتاب -: الحديدة التي تُجعل في فم الدابّة، (بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَكُفُّهَا) جملة حاليّة من «بغلة»؛ أي: أمنعها من السير (إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرعَ) بنصب «إرادةَ» على أنه مفعول من أجله، كما قال في «الخلاصة»: يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ … أَبَانَ تَعْلِيلًا كـ «جُدْ شُكْرَا وَدِنْ» (وَأبُو سُفْيَانَ) بن الحارث (آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال، و«الركاب»: الحديدة التي يضع الراكب فيها قدمه، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيْ عَبَّاسُ)»أَيْ«حرف لنداء القريب، وقيل: للأوسط، وقيل: للبعيد، وقد ذكرت ذلك بقولي:»أَيْ«لِنَدَا الْقَرِيبِ أَوْ لِلأَوْسَطِ … أَوِ الْبَعِيدِ اخْتَلَفُوا فَلْتَضْبِطِ (نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ») - بفتح السين المهملة، وضمّ الميم -: واحد السَّمُر، كرَجُل: شجر الطَّلْح، وهو نوع من الْعِضَاه، وقال المرتضى في «التاج»: والسمُر - بضمّ الميم - شجر معروف، صغار الورق، قصار الشوك، وله بَرَمَة صفراء، يأكلها الناس، وليس في العضاه شيء أجود خشبًا من السمر، يُنقل إلى القرى، فتُغمى به البيوت. انتهى . والمراد هنا الشجرة التي بايعوه - ﷺ - تحتها بيعة الرضوان، ومعناه: نادِ أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية التي أنزل الله تعالى فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وإنما ناداهم بأصحاب السمرة؛ لتذكيرهم عهدهم الذي عاهدوا به في الحديبية حيث بايعوه فيها على أن لا يفرّوا، ومنهم من بايعه على الموت. وفي رواية ابن عيينة، عن الزهريّ عند أبي عوانة ، وسأذكرها قريبًا:«فقال النبيّ - ﷺ -: يا عبّاس نادِ في الناس، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب البقرة، قال سفيان: يذكّرهم البيعة التي بايعوه تحت الشجرة، والشجرة: سمرةٌ بايعوه تحتها على أن لا يفرّوا». وقال القرطبيّ ﵀:«السمرة»: هي شجرة الرضوان التي بايع النبيّ - ﷺ - تحتها أصحابه بيعة الرضوان بالحديبية، وكانوا بايعوه على ألا يَفِرُّوا، فلما سمعوا النداء، تذكروا العهد معه، فارتجعوا رجعة واحدة، كرجل واحد، وهم يلبّون النبيّ - ﷺ -، ولسرعة رجعتهم واجتماعهم شبَّههم بعطفة البقر على أولادها، وهذا كله يدل على قربهم من النبيّ - ﷺ - إذ ذاك، وأن انهزامهم لم يكن إلى بُعد، ولا من جميعهم، بل المنهزم إنما كان أكثرهم من أهل مكة والطلقاء، ومن في قلبه مرض، ولذلك كان بعضهم يقول في حال انهزامه: لا يردّهم إلا البحر. انتهى. وقوله: (فَقَالَ عَبَّاسٌ) كلام مدرج من الراوي، والظاهر أنه كثير بن عبّاس - ﵄ -، بين «قال» ومقوله، وهو جملة: «فقلت بأعلى صوتي. . . إلخ»، ووقع في «سيرة ابن هشام» ما يدلّ على أنه من كلام العبّاس نفسِه، ونصّه: «قال: وكنت امرأ جسيمًا شديد الصوت». انتهى . (وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا) - بفتح الصاد المهملة، وتشديد التحتانيّة -؛ أي: قويّ الصوت، ذَكَر الحازميّ في «المؤتلف» : أن العباس - ﵁ - كان يَقِفُ على سَلْع، فينادي غلمانه في آخر الليل، وهم في «الغابة»، فيُسمعهم، قال: وبين سَلْع والغابة ثمانية أميال . (فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ) عبّاس - ﵁ - (فَوَاللهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ)؛ أي: رجعتهم إلى النبيّ - ﷺ - (حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا)؛ أي: عطفة أمهات البقر وعودتها على أولادها عند حنينها لفقد الأمهات، والمعنى: أن عودتهم إليه - ﷺ -، وإلى مواقع قتالهم كان كمثل عودة أنثى البقر إلى أولادها عند حنينها إليها. وفي رواية ابن هشام: قال: ورسول الله - ﷺ - يقول - حين رأى ما رأى من الناس -: «أين أيها الناس؟» فلم أَرَ الناس يَلْوُون على شيء، فقال: «يا عباس اصرُخ يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة»، قال: فأجابوا: لبيك، لبيك، قال: فيذهب الرجل لِيَثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه، وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ - حتى إذا اجتمع إليه منهم مئة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا. انتهى . قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدًا، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم مَن في قلبه مرض، من مُسْلِمة أهل مكة المؤلَّفة، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فَجأة، لانصبابهم عليهم دفعة واحدة، ورَشْقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم، ممن لم يستقرّ الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء، وصبيان خرجوا للغنيمة، فتقدّم أخفّاؤهم، فلما رَشَقُوهم بالنبل وَلَّوا، فانقلبت أُولاهم على أخراهم، إلى أن أنزل الله تعالى سكينته على المؤمنين، كما ذكر الله تعالى في القرآن . (فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ) «يا» هنا قد وَلِيها ما لا يصلح للنداء، وهو «لبيك»، فهي حرف تنبيه، مثل «ألا»، وقيل: هي حرف نداء، والمنادى محذوف؛ أي: يا صاحب الصوت، أو يا رسول الله، والثاني أصوب؛ لأن في رواية أبي عوانة التصريح به، ولفظه: «فأقبلوا، ولهم حنين، كحنين الإبل، فقالوا: لبيك يا رسول الله، وسعديك». [فائدة]: قال ابن هشام الأنصاريّ ﵀ في «مغنيه»: وإذا وَلي «يا» ما ليس بمنادى؛ كالفعل في نحو ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥]، وقوله [من الطويل]: أَلَا يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ غَارَةِ سِنْجَالِ … وَقَبْلَ مَنَايَا عَادِيَاتٍ وَأَوْجَالِ والحرف في نحو: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الآية [النساء: ٧٣]، وقوله - ﷺ -: (يا رب كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة»، رواه البخاريّ، والجملة الاسمية؛ كقوله [من البسيط]: يَا لَعْنَةَ اللهِ وَالأَقْوَامِ كُلِّهِمِ … وَالصَّالِحِينَ عَلَى سِمْعَانَ مِنْ جَارِ فقيل: هي للنداء، والمنادى محذوف، وقيل: هي لمجرد التنبيه؛ لئلا يلزم الإجحاف بحذف الجملة كلها، وقال ابن مالك: إن وَليها دعاء، كهذا البيت، أو أمر، نحو: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾، فهي للنداء؛ لكثرة وقوع النداء قبلهما، نحو: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ﴾ [هود: ٤٨]، ونحو: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وإلا فهي للتنبيه. انتهى . والله تعالى أعلم. (قَالَ) عبّاس - ﵁ - (فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ) هكذا في النسخ بنصب «والكفّارَ»، على أنه مفعول معه، ويجوز رفعه عطفًا على الواو، لكنه ضعيف؛ لأن العطف على ضمير الرفع المتصل بلا فاصل ضعيف، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْل يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ وقال في باب المفعول معه: يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولًا مَعَهْ … فِي نَحْوِ «سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ» إلى أن قال: وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَقّ … وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ (وَالدَّعْوَةُ) بفتح الدال؛ يعني: الاستغاثة، والمناداة، (فِي الأَنْصَارِ)؛ أي: إليهم، فـ «في»بمعنى «إلى» (يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ) كُرّر للتأكيد. (قَالَ) عبّاس (ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ) ببناء الفعل للمفعول، (عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) وفي رواية ابن هشام في «السيرة»: وكانت الدعوة أوّل ما كانت: يا للأنصار، ثم خلصت أخيرًا: يا للخزرج، وكانوا صُبْرًا عند الحرب. انتهى . وفي رواية أبي عوانة الآتية: «قال العتاس: فناديتُ، فخَلَصت الدعوة إلى الأنصار، إلى بني الحارث بن الخزرج، فأقبلوا. . .» الحديث. (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ؛ كالمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا)؛ أي: على بغلته؛ أي: المشرف والمتطلّع فوقها، (إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَذَا حِينَ حَمِيَ) - بفتح، فكسر - يقال: حَمِيت الحديدة تَحْمَى، من باب تعبَ، فهي حامية: إذا اشتدّ حرّها بالنار، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أحميتها، فهي مُحماةٌ، ولا يقال: حَمَيتُها بغير ألف . (الْوَطيسُ») - بفتح الواو، وكسر الطاء المهملة، وبالسين المهملة -. والمعنى: أن هذا الوقت وقت اشتداد الحرب، فـ «هذا» مبتدأ، و«حين» خبره، وهو مبنيّ على الفتح؛ لإضافته إلى الجملة الماضويّة، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]: عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا … فَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَارعُ وقد روي البيت: «على حينِ» بالكسر على الإعراب، ويجوز أيضًا هنا إعراب «حين» بالرفع؛ والأول هو المختار، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة»، فقال: وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كـ «إِذْ» قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا وفي رواية ابن هشام: «الآن حين حمي الوطيس»، قال السهيليّ: والوطيس: نُقْرة في حجر توقد حوله النار، فيُطبخ به اللحم، والوطيس: التَّنُّور، وفي غزوة أوطاس قال النبيّ - ﷺ -: «الآن حمي الوطيس»، وقال ذلك النبيّ - ﷺ - حين استَعَرت الحربُ، وهي من الكَلِم التي لم يُسْبَق إليها - ﷺ -، فمنها هذه، ومنها: «مات حتف أنفه»، قالها في فضل من مات في سبيل الله في حديث رواه عنه عبد الله بن عتيك، قال ابن عتيك: وما سمعت هذه الكلمة - يعني: حتف أنفه - من أحد العرب قبله - ﷺ -، ومنها: «لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين»، قالها لأبي عَزّة الْجُمَحيّ يوم أُحد، ومنها: «لا ينتطح فيها عنزان»، ومنها: قوله - ﷺ -: «يا خيل الله اركبي» قالها يوم حنين أيضًا في حديث أخرجه مسلم. انتهى . وقال النوويّ ﵀: «الوطيس»: قال الأكثرون: هو شبه التنور يُسجر فيه، ويُضرب مثلًا لشدة الحرب التي يُشبه حرّها حرّه، وقد قال آخرون: الوطيس هو التنور نفسه، وقال الأصمعيّ: هي حجارة مدوّرة، إذا حَمِيت لم يَقْدِر أحد يطأ عليها، فيقال: الآن حَمِي الوطيس، وقيل: هو الضرب في الحرب، وقيل: هو الحرب الذي يَطيس الناسَ؛ أي: يَدُقّهم، قالوا: وهذه اللفظة من فصيح الكلام، وبديعه الذي لم يُسمع من أحد قبل النبيّ - ﷺ - . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: و«حَمِيَ»: استعَرّ واتّقد، و«الوطيس» موضع وقود النار، واستعاره هنا لشدة الحرب، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وهذه الاستعارة العجيبة لا يُعرف من تكلم بها قبل النبيّ - ﷺ - العرب، ومنه تُلُقّيت فصُيِّرت مَثَلًا في الأمر إذا اشتد، قاله ابن الأعرابيّ، وقال الأصمعيّ: الوطيس: الحجارة المحمَّاة، وعلى هذا فهو جمع وطيسة، وقال أبو عمر المطرّز: هو التنور، وحينئذ لا يكون جمعًا. انتهى . وقال بعضهم: فيها تورية، فإن وقعة حنين كما ذكره الحمويّ في «معجم البلدان»، وارتضاه الخفاجيّ في «حاشية البيضاويّ» كانت بوادٍ يُسمّى أوطاسًا، وهو من النوادر التي جاءت بلفظ الجمع للواحد، منقول من جمعِ: وطيس، كيمين وأيمان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كون وقعة حنين في أوطاس، وإن قال به بعض أهل السير، غير صحيح، فإن وقعة حنين كانت في حنين، ثم بعدها كانت وقعة أوطاس في أوطاس، وذلك أن هوازن بعد انهزامهم في حنين تفرّقوا، فصارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فبعث - ﷺ - إلى هؤلاء عسكرًا، فوقعت المعركة هناك، قال الحافظ ﵀ - متعقّبًا لقول عياض: أوطاس وادٍ في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين - ما حاصله: وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضِّح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لمّا انهزموا، صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بَجِيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبيّ - ﷺ - عسكرًا، مقدّمهم أبو عامر الأشعريّ إلى من مضى إلى أوطاس. انتهى . (قَالَ) عبّاس (ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَصَيَاتٍ) جمع حصى، وهي دقاق الحجارة، (فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ) وفي بعض النسخ: «في وجوه الكفّار»، وهذا من المعجزات الفعليّة، حيث رمى من حصيات قليلة جماعة المشركين. (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ») - ﷺ -؛ وهذا الكلام إخبارٌ بما سيقع، فوقع كما أخبر - ﷺ -، فهو من المعجزات القوليّة، حيث أخبر بالمغيّب، فوقع كما أخبر. قال النوويّ ﵀: هذا فيه معجزتان، ظاهرتان لرسول الله - ﷺ -، إحداهما: فعلية، والأخرى خبرية، فإنه - ﷺ - أخبر بهزيمتهم، ورماهم بالحصيات، فوَلَّوا مُدْبِرين، وذَكَر مسلم في الرواية الأخرى في آخر هذا الباب: أنه - ﷺ - قَبَضَ قبضة من تراب، من الأرض، ثم استقبل بها وجوههم، فقال: «شاهت الوجوه»، فما خَلَق الله منهم إنسانًا، إلا ملأ عينيه ترابًا، من تلك القبضة، وهذا أيضًا فيه معجزتان: خبرية، وفعلية، ويَحْتَمِل أنه أخذ قبضة من حصى، وقبضة من تراب، فرمى بذا مرّة، وبذا مرّة، ويَحْتَمِل أنه أخذ قبضة واحدة. انتهى . (قَالَ) عبّاس (فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ) إلى المتقاتلين (فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ)؛ أي: صفته وحالته، (فِيمَا أَرَى)؛ أي: في مرأى عيني. (قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ) «ما» نافية، و«هو» ضمير شأن؛ أي: ما الأمر، والشأن (إِلَّا أَنْ) بفتح الهمزة مصدريّة، (رَمَاهُمْ) - ﷺ - (بِحَصَيَاتِهِ)؛ أي: بالحصيات التي في يده؛ أي: فما الشأن إلا رميه - ﷺ - بتلك الحصيات، (فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الدال؛ أي: قوّتهم، وشدّة بأسهم، (كَلِيلًا) بفتح الكاف، وكسر اللام؛ أي: ضعيفًا عاجزًا، (وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا)؛ أي: شأنهم مولّيًا؛ يعني: أن عاقبتهم صارت هروبًا، فانهزموا بإذن الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبّاس بن عبد المطّلب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٤٦٠٣ و٤٦٠٤ و٤٦٠٥] (١٧٧٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٩٤ و١٩٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٧٤١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٥٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٠٧) و«فضائل الصحابة» (١٧٧٥)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٤/ ١٨ - ١٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٠٤٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٧٦ و٢٧٧ و٢٧٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٧/ ٢٩٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ٢٨٩)، و(البزّار) في «مسنده» (٤/ ١٢٩)، و(البغويّ) في «تفسيره» (٢/ ٢٧٨ - ٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قصّة غزوة حنين، وكيف سار أمرها، وكيف كانت الغلبة للمسلمين، ولله الحمد والمنّة. ٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابيّين الفاضلين: العبّاس عمّ النبيّ - ﷺ -، وأبي سفيان بن الحارث ابن عمه - ﷺ -، وقوّة إيمانهما، وشجاعتهما، حيث لزما رسول الله - ﷺ - في حال تولّى الجيش، مع أن الثاني قريب عهد بالإسلام، إلا أن الإيمان دخل في قلبه، واستقرّ فيه، فلم تزعزعه رياح المعركة، بل ثبت معه - ﷺ -. ٣ - (ومنها): أن ركوبه - ﷺ - البغلة في ذلك الموطن مبالغة في الثبات، والصبر، ويدلّ على قوّة العزم، وغاية الشجاعة، كما قد فعل حين انهزم الناس عنه، وهو مقبل على العدو، يُركض بغلته نحوهم، وقد زاد على ذلك، كما ذكر في الرواية الأخرى: إنه نزل بالأرض على عادة الشجعان في المنازلة، وهذا كله يدلّ: على أنه - ﷺ - كان أشجع الناس، وأثبتهم في الحرب، ولذلك قالت الصحابة - ﵃ -: إن الشجاع منا لَلَّذي يلوذ بجانبه - ﷺ -. ٤ - (ومنها): أن رميه - ﷺ - في وجوه الكفار بالتراب، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته؛ إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفه ما يعمّهم، وإنما كان ذلك من صُنع الله لنبيّه - ﷺ -، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ الآية [الأنفال: ١٧]. ٥ - (ومنها): أن قوله - ﷺ -: «انهزَمُوا ورب الكعبة» قبل وقوع الهزيمة، هو من معجزاته - ﷺ - الخبرية، فإنه خبر عن الغيب، وقد وقع كما أخبر - ﷺ - بأبي هو وأمي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٤] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَرْوَةُ بْنُ نُعَامَةَ الْجُذَامِيُّ، وَقَالَ: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَة، انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبل باب. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ … إلخ) فاعل «قال» ضمير معمر بن راشد. وقوله: (فَرْوَةُ بْنُ نُعَامَةَ) تقدّم ضبط «فَرْوَة»، وأما نُعامة فقد ضُبِط بالقلم في النسخ المطبوعة من «صحيح مسلم» بضمّ النون، لكن الذي يقتضيه ظاهر عبارة «القاموس» أنه بفتح النون؛ لأنه ذكر عدّة أشخاص سُمّوا نَعَامة بفتح النون، ولم يذكر بضمّها أحدًا، والله تعالى أعلم. والمراد أن معمرًا قال في رواية: «فروة بن نعامة» بدل قول يونس: «فُروة بن نُفاثة»، وقد تقدّم أن الصحيح المعروف هو الأول، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في «صحيحه»، إلا أنه قال: «فَرْوة بن نُفاثة الْجُذاميّ»، كرواية يونس، فقال: (٧٠٤٩) - أخبرنا ابن قتيبة، حدّثنا ابن أبي السريّ، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، حدّثني الكثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه، قال: شَهِدت مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلقد رأيت رسول الله - ﷺ -، وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلزمنا رسول الله - ﷺ -، فلم نفارقه، وهو على بغلة شهباء، وربما قال : بيضاء، أهداها له فَرْوة بن نُفاثة الْجُذاميّ، فلما التقى المسلمون والكفار وَلَّى المسلمون مدبرون، وطَفِق رسول الله - ﷺ - يَرْكُض على بغلته قِبَل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - ﷺ - أكفُّها، وهو لا يألو يُسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغَرْز رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا عباس نَادِ: يا أصحاب السَّمُرة»، وكنت رجلًا صَيِّتًا، وقلت بأعلى صوتي: يا أصحاب السمرة، فوالله لكأن عَطْفتهم حين سَمِعوا صوتي عَطْفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك، فأقبل المسلمون، فاقتتلوا هم والكفارُ، فنادت الأنصار: يا معشر الأنصار، ثم قُصِرت الدعوة علي بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج، قال: فنظر رسول الله - ﷺ -، وهو على بغلته؛ كالمتطاول عليها إلى قتالهم، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «هذا حَينَ حَمِيَ الوطيسُ»، ثم أخذ رسول الله - ﷺ - حَصَيَات، فرَمَى بهنّ وجوهَ الكفار، ثم قال: «انْهَزَمُوا وربِّ الكعبة، انْهَزَموا ورب الكعبة»، قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته، فيما أرى، فوالله ما هو، إلا أن رماهم رسول الله - ﷺ - بحصياته، فما أرى حَدَّهم إلا كليلًا، وأمرهم إلا مدبرًا، حتى هَزَمهم الله، قال: وكأني أنظر إلى النبيّ - ﷺ -، يَرْكُض خلفهم على بغلته. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٥] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاس، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ يُونُسَ، وَحَدِيثَ مَعْمَرٍ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَأَتَمُّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، الإمام الحافظ الحجة المشهور، من كبار [٨] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها ابن أبي عاصم ﵀ في «الآحاد والمثاني»، بسند المصنّف هنا، فقال: (٣٥٦) - حدّثنا محمد بن أبي عمر، نا سفيان بن عيينة، نا الزهريّ، حدّثني كثير بن العباس، عن أبيه، قال: كنت مع النبيّ - ﷺ - يوم حُنين، ورسول الله - ﷺ - على بغلة له، أهداها له الْجُذَاميّ، فلما وَلَّى المسلمون، قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا عباس ناد بأصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة»، فرجعوا عَطْفَةً كعطفة البقرة على أولادها، وارتفعت الأصوات، وهم يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قُصِرت الدعوة علي بني الحارث بن الخزرج، فنادى: يا بني الحارث بن الخزرج، فتطاول رسول الله - ﷺ -، وهو على بغلته، فقال: «هذا حينُ حَمِيَ الوَطيسُ»، وهو يقول: «قدما يا عباس»، وأخذ رسول الله - ﷺ - حصيات، فرماهم بها، ثم قال: «انْهَزَمُوا ورب الكعبة»، قال: وربما قال: «ورب محمد». انتهى. وساقها أبو عوانة ﵀ في «مسنده» مطوّلةً، فقال: (٥٤٠٦) - حدّثنا عبد الكريم بن الهيثم الدير عاقوليّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت الزهريّ، يقول: أخبرني كثير بن عباس، عن العباس، قال: لما كان يوم حنين بعث رسول الله - ﷺ - القعقاع بن أبي حدرد - ﵁ - يأتيه بالخبر، فذهب إليهم، فإذا مالك بن عوف النَّصْريّ في جمع كثير من هوازن، وهو يحرِّضهم على الجهاد، ويقول: الْقَوهم بالسيوف صلتةً، ولا تَلْقَوهم بسهم، ولا برمح، فإن منهزمهم لا يردّه شيء دون النحر ، فرجع إلى النبيّ - ﷺ -، فأخبره، فدخل على المسلمين من ذلك رُعْب شديد، وقال عمر: كذب يا رسول الله - قال سفيان -: وإنما قال عمر كذب لما رأى المسلمين قد دخلهم، فقال القعقاع لعمر بن الخطاب: لئن كذَّبتني يا ابن الخطاب لربما كذّبت بالحق، فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول لي هذا؟، قال له النبيّ - ﷺ -: «قد كنت ضالًّا فهداك الله»، قال: وكان النبيّ - ﷺ - يومئذ في نحوٍ من عشرة آلاف، فقال رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ -: لا نُغْلَبُ اليومَ من قلّة، فابتُلُوا بكلمته، فانهزموا، حتى لم يبق مع النبيّ - ﷺ - إلا العباس، وأبو سفيان بن الحارث - ﵁ -، قال العباس: وكنت آخذًا بلجام بغلة رسول الله - ﷺ - عن يمينه، وأبو سفيان آخذ بركابه عن يساره، فقال النبيّ - ﷺ -: «يا عباسُ نادِ في الناس: يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة»، قال سفيان: يُذَكِّرهم البيعةَ التي بايعوه تحت الشجرة، والشجرة: سمرةٌ بايعوه تحتها، على أن لا يَفِرُّوا، قال العباس: فناديت، فخَلَصت الدعوة إلى الأنصار، إلى بني
مصادر المؤلف (٣٧)

١. وفي نسخة: «ولم نفارقه».

٢. وفي نسخة: «فرمى بهنّ في وجوه الكفّار».

٣. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٧/ ١٥١ - ١٥٣.

٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٣.

٥. «المفهم» ٣/ ٦١٤.

٦. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٥/ ٣٨٦.

٧. بالفتح: موضع بطريق حاجّ الشام. اهـ. «القاموس».

٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٣ - ١١٤.

٩. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٢٦٥.

١٠. رواه أبو داود (٣٠٥٧) والترمذيّ (١٥٧٧) وقال: حديث حسن صحيح، والزَّبْدُ بفتح، فسكون: الرِّفد والعطاء.

١١. «المفهم» ٣/ ٦١٤.

١٢. «إكمال المعلم» ٦/ ١٢٧ - ١٢٨.

١٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٤.

١٤. «القاموس المحيط» ص ٨٠٥.

١٥. «القاموس المحيط» ص ٥٢٨.

١٦. شرح النوويّ«١٢/ ١٢٠ - ١٢١.

١٧. في«القاموس»: الْبَرَمُ: محرّكة: ثمر العضاه.

١٨. «تاج العروس من جواهر القاموس»٣/ ٢٧٨.

١٩. راجع: «مسند أبي عوانة» ٤/ ٢٧٩.

٢٠. «سيرة ابن هشام» ٢/ ٤٤٤.

٢١. وذكر في هامش النسخة التركيّة ما نصّه: ومرّ في بعض الكتب أن العبّاس كان يزجر السباع عن الغنم، فيفتق مرارة السبع في جوفه، وهذا أغرب مما ذكره النوويّ، والله تعالى أعلم بصحة القصّتين.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٥.

٢٣. «سيرة ابن هشام» ٢/ ٤٤٤.

٢٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٥ - ١١٦.

٢٥. «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ٤٨٨ - ٤٨٩.

٢٦. «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٩٠.

٢٧. «المصباح المنير» ١/ ١٥٣.

٢٨. «الروض الأنف» ٧/ ٢٧٥.

٢٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٦.

٣٠. «المفهم» ٣/ ٦١٦ - ٦١٧.

٣١. «الفتح» ٩/ ٤٤٦ - ٤٤٧، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٢٣).

٣٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١٦.

٣٣. في رواية أبي عوانة: «وربما قال معمر: بيضاء».

٣٤. «صحيح ابن حبان» ١٥/ ٥٢٣.

٣٥. هكذا النسخة: «بأصحاب» بالباء الجارّة، والظاهر أنها مصحّفة من «يا أصحاب السمرة» بـ «يا» حرف النداء، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٣٦. لم أر من ضبطه، ولعله بفتح، فسكون من قَدَمَ القومَ، من باب نصر: إذا تقدّمهم، وصار أمامهم، فيكون المعنى: تقدّم أمام الشجعان، والله أعلم.

٣٧. هكذا النسخة: «النحر» بالنون، ولعله مصحّف من «البحر»، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.