HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٧٩

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شيبة. حدثنا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاوَرَ، حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عنه. فقام سعد ابن عُبَادَةَ فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا. وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا. قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ. فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا. وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ. وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ. فَأَخَذُوهُ. فَكَانَ أصحاب رسول الله ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ؟ فَيَقُولُ: مَا لي علمك بِأَبِي سُفْيَانَ. وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، ضَرَبُوهُ. فَقَالَ: نَعَمْ. أَنَا أُخْبِرُكُمْ. هَذَا أَبُو سُفْيَانَ. فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ. وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاسِ. فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي. فَلَمَّا رأى ذلك انصرف. وقال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ. وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ). قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ) قَالَ: ويضع يده على الأرض، ها هنا وها هنا. قال: فما أماط أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص170
ج ٣ ص ١٤٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١١
[٤١٨] حديث أنس ﵁: (بَرْكِ الْغِمَادِ) بكسر الغين: موضع بقرب الحبشة، وقوله: (أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ) يقال: خاضت الخيل البحر، وأخضتُها أنا، قال صاحب المجمل : خضت الماء وغيرَه؛ أخوضه خوضًا، وأخضتُ فيه دابتي، و(الرَّوَايَا): جمع راوية، والرَّاوِيَة: الجمل يستقي الماء؛ وبه سميت المَزَادة رَاوِيةً، وجعل الشاعر القطا روايا لفراخها ، وقوله (فَمَا مَاطَ أَحَدٌ) ، أي: ما تَنَحَّى، قال: فَمِيطِي بِمَيَّاطِ ..... … ............ ومن باب فتح مكة
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص١٢٩
ماؤنا، ومنازلنا، وما مَلَكها أحدٌ قط، يقال له: بدر، وإنما هو عَلَمٌ عليها كغيرها من البلاد». انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: بَدْرٌ: موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو على ثمانية وعشرين فَرْسخًا، على منتصف الطريق تقريبًا، وعن الشعبيّ أنه اسم بئر هناك، قال: وسُمّيت بدرًا؛ لأن الماء كان لرجل من جُهينة، اسمه بَدْرٌ، وقال الواقديّ: كان شيوخ غِفَار يقولون: بدرٌ ماؤنا، ومنزلنا، وما ملكه أحد قبلنا، وهو من ديار غِفَار. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦١٢] (١٧٧٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَس، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاج، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَصْحَابِه، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، أنا أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ، فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاس، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ»، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ»، قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ هَا هُنَا، وَهَا هُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند السابق. ٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت هـ ٢٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (١٦٧) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) وله (٨٦) سنةً تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٥ - (أَنَسُ) بن مالك - ﵁ -، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵁ -، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فكوفيّ، وفيه أنس بن مالك، وتقدّم الكلام فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) بن مالك - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - شَاوَرَ) يقال: شَاوَرْتُهُ في كذا، واسْتَشَرْتُهُ: راجعته؛ لأرى رأيه فيه، فَأَشَارَ عليّ بكذا: أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إِشَارَةً حسنةً، والاسم: المَشُورَةُ، وفيها لغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية ضم الشين، وسكون الواو، وزانُ معونةٍ، ويقال: هي من شَارَ الدابة: إذا عَرَضَها في الْمِشْوَار، بكسر الميم، وهو المكان الذي تُجرى فيه الدابّة لعرضها للبيع، ويقال: مِنْ شُرْت العسلَ: إذا جنيته، أو شَرِبته، شُبّه حُسن النصيحة بشرب العسل، قاله الفيّوميّ ﵀ . (حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب؛ أي: من الشام متوجهًا إلى مكة، قال الأبّيّ ﵀: ظاهره أنه - ﷺ - إنما شاور للعير التي مع أبي سفيان، والذي في كُتب السيرة: أنه إنما شاور في لقاء أهل مكة حين بلغه إقبال قريش إلى بدر، وأما وهو بالمدينة، فإنه لَمّا سمع بإقبال العير مع أبي سفيان ندب الناس إلى الخروج، فقال: هذه عير قريش أقبلت من الشام، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعلّ الله أن يُنفّلكموها، فخفّ بعض الناس للخروج، وتثاقل بعض الناس، وإنما تثاقل من تثاقل؛ لظنّه أنه لا يلقى حربًا. انتهى . ولم يتعرّض الأبيّ لدفع التعارض بين حديث الباب، وبين ما رواه أصحاب السير، وقد تعرّض له الحافظ في «الفتح»، فقال: ويمكن الجمع بأن النبيّ - ﷺ - استشارهم في غزوة بدر مرّتين: الأولى، وهو بالمدينة أوّل ما بلغه خبر العِير مع أبي سفيان، وذلك بَيِّنٌ في رواية مسلم هنا، حيث قال: إنه «شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان»، والثانية: كانت بعد أن خرج، كما في رواية البخاريّ. وتعقّب بعضهم الحافظ في الجمع المذكور، فقال: ولكن الظاهر أن المشاورة المذكورة في أول حديث الباب التي تكلّم فيها أبو بكر، وعمر، وسعد - ﵃ - إنما وقعت بعد الخروج من المدينة بموضع الصفراء حين بلغه أن قريشًا قصدت بدرًا، وأن أبا سفيان نجا بمن معه؛ لأن هذه المشاورة الطويلة، والحماس الذي أظهره الصحابة حينذاك يدلّ على أن أمامهم معركة شديدة، وإنما ظهر لهم ذلك عند وصولهم إلى الصفراء، ولو كان الأمر مجرّد الإغارة على عير أبي سفيان، كما كان بين أيديهم في المدينة لَمَا احتاجوا إلى هذه المشاورة الطويلة، ولا إلى إبداء هذا الحماس والتفاني، وبذلك يظهر رُجحان ما رواه سائر أصحاب السِّير من أن هذه المشاورة وقعت بعد الخروج من المدينة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا تَخَالُف بين هذا الحديث وبين ما رواه أصحاب السير؛ لأن المراد بقوله هنا: «حين بلغه إقبال أبي سفيان» إقباله على مكة، ونجاته من إغارة المسلمين عليه؛ يعني: أنه - ﷺ - لَمّا بلغه أن أبا سفيان فاتَهُم، وأقبل على مكة، وذلك بعدما بلغ الصفراء، فعند ذلك شاور أصحابه في مواجهة العدوّ في بدر، وهذا هو أحسن التوجيهات بينهما، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: العير التي مع أبي سفيان يقال: كانت ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، وكان فيها ثلاثون رجلًا من قريش، وقيل: أربعون، وقيل: ستّون، قاله في «الفتح» . [تنبيه آخر]: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٧] نزل في قصة بدر بلا خلاف، بل جميع سورة الأنفال، أو معظمها نزلت في قصة بدر، وعن سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: «سورة الأنفال؟» قال: نزلت في بدر، والمراد بالطائفتين: العير، والنفير، فكان في العير: أبو سفيان، ومن معه، كعمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل، وما معه من الأموال، وكان في النفير: أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وغيرهما، من رؤساء قريش، مستعدِّين بالسلاح، متأهبين للقتال، وكان ميل المسلمين إلى حصول العِير لهم، وهو المراد بقوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، والمراد بذات الشوكة الطائفة التي فيها السلاح. وروى الطبرانيّ، وأبو نعيم في «الدلائل»، من طريق عليّ بن طلحة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: أقبلت عير لأهل مكة من الشام، فخرج النبيّ - ﷺ - يريدها، فبلغ ذلك أهل مكة، فأسرعوا إليها، وسَبقت العير المسلمين، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يَلْقَوا العير أحب إليهم، وأيسر شوكةً، وأخصّ مغنمًا من أن يلقوا النفير، فلمّا فاتهم العير نزل النبيّ - ﷺ - بالمسلمين بدرًا، فوقع القتال، ذكره «الفتح» . (قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (فَأَعْرَضَ عَنْهُ)؛ يعني: أنه - ﷺ - لم يلتفت إلى أبي بكر، ولم يقنع بما أشار إليه، (ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ -، ذكر ابن هشام ﵀ ما حاصله: أنه - ﷺ - لمّا أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم؛ ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله امض لِمَا أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن اذهب أنت وربك، فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى بَرْك الغماد لجالدنا معك مَنْ دونه، حتى تبلغه، فقال له رسول الله - ﷺ - خيرًا، ودعا له به. انتهى . (فَأَعْرَضَ) - ﷺ - (عَنْهُ)؛ أي: عما أشار به عمر - ﵁ -، (فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) - ﵁ -، كذا وقع في جميع نسخ «صحيح مسلم»، ولكنه مُشكِل جدًّا؛ لأن المعروف أن سعد بن عُبادة لم يشهد بدرًا، كان يتهيّأ للخروج، فنُهس، فأقام، ولكن ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهم؛ لكونه كان حريصًا على الخروج، وقعوده إنما هو من أجل عذر مُفاجئ، كما في «الإصابة» ، و«الفتح» . فالصحيح المحفوظ في سائر الروايات أن الذي قال هذا الكلام إنما هو سعد بن معاذ، لا سعد بن عبادة، بذلك اتَّفَقَت روايات أصحاب السِّيَر . وقال الحافظ في «الفتح»: ووقع في مسلم أن سعد بن عبادة هو الذي قال ذلك، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة، وفيه نظرٌ؛ لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدرًا، ثم قال: ووقع عند الطبرانيّ أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب. (فَقَالَ) سعد - ﵁ - (إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال القرطبيّ ﵀: مشاورة النبيّ - ﷺ - أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان، وإعراضه عن تكليم المهاجرين إنما كان ليستخرج ما عند الأنصار من خروجهم معه للحرب، وذلك أنهم إنما كانوا بايعوه ليمنعوه من الأحمر والأسود، ولم يأخذ عليهم أن يخرجوا معه، فأراد أن يَعْلَم ما عندهم من ذلك، فعَرَض عليهم ذلك، فأجابوه بالجواب الذي ذكره سعد بن عبادة، الذي حصل لهم به المقام المحمود، والشرف المشهود. انتهى . وقال ابن هشام ﵀ في «سيرته»: ثم قال رسول الله - ﷺ -: «أشيروا عليّ أيها الناس»، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله - ﷺ - يتخوّف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نَصْرَهُ إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ من بلادهم، فلما قال ذلك رسول الله - ﷺ - قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «أَجَلْ»، قال: فقد آمنا بك، وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا، على السمع، والطاعة، فامْضِ يا رسول الله لِمَا أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحقّ لو استَعْرَضت بنا هذا البحر، فخُضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، إنا لَصُبُر في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَرّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله، فَسُرّ رسول الله - ﷺ - بقول سعد، ونَشّطه ذلك، ثم قال: «سِيروا، وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم». انتهى . (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا) بضم أوله، من الإخاضة، يقال: خاض الماءَ يَخُوضه خَوْضًا، وخِيَاضًا: دخله، كخوّضه، واختاضه، وبالفرس: أورده، كأخاضه، وخاوضه، قا له المجد ﵀ ، والضمير ههنا للخيل، وكانت العرب قد تُضمر بعض الأشياء بدون ذكرها، كأنها معهودة في الذهن، منها الخيل والنوق . (الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا)؛ أي: لأدخلناها فيه، (وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا) بالفتح: جمع كَبِد، قال المجد ﵀: الْكَبِدُ بالفتح، والكسر، وكَكَتِفٍ: معروف، وقد يذكّر، جمعه: أكباد، وكُبُود، وقال أيضًا: والكبد، ككَتِفٍ: الجوف بكماله. انتهى ، والظاهر أن المراد هنا: الكبد بمعنى الجوف؛ لأنه الذي يمكن الراكب أن يضربه، والله تعالى أعلم. (إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ) اسم موضع، (لَفَعَلْنَا)؛ أي: ما أمرتنا به من ذلك، قال النوويّ ﵀: قوله: «برك الغماد»: أما «برك» فهو بفتح الباء، وإسكان الراء، هذا هو المعروف المشهور في كتب الحديث، وروايات المحدثين، وكذا نقله القاضي عن رواية المحدثين، قال: وقال بعض أهل اللغة: صوابه كسر الراء، قال: وكذا قيّده شيوخ أبي ذرّ في البخاريّ، كذا ذكره القاضي في «شرح مسلم»، وقال في «المشارق»: هو بالفتح لأكثر الرواة، قال: ووقع للأصيليّ، والمستملي، وأبي محمد الحمويّ بالكسر. قال النوويّ: وذكره جماعة من أهل اللغة بالكسر لا غير، واتفق الجميع على أن الراء ساكنة، إلا ما حكاه القاضي عن الأصيليّ أنه ضبطه بإسكانها، وفتحها، وهذا غريب ضعيف. وأما «الغماد» فبغين معجمة مكسورة، ومضمومة، لغتان مشهورتان، لكن الكسر أفصح، وهو المشهور في روايات المحدثين، والضم هو المشهور في كتب اللغة، وحَكَى صاحب «المشارق»، و«المطالع» الوجهين عن ابن دُريد، وقال القاضي عياض في «الشرح»: ضبطناه في «الصحيحين» بالكسر، قال: وحَكَى ابن دُريد فيه الضم والكسر، وقال الحازميّ في كتابه «المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن»: هو بكسر الغين، ويقال: بضمّها، قال: وقد ضبطه ابن الفرات في أكثر المواضع بالضم، لكن أكثر ما سمعته من المشايخ بالكسر، قال: وهو موضع من وراء مكة، بخمس ليال، بناحية الساحل، وقيل: بلدتان، هذا قول الحازميّ، وقال القاضي وغيره: هو موضع بأقاصي هَجَر، وقال إبراهيم الحربيّ: برك الغماد، وسعفات هجر، كناية يقال فيما تباعد. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «برك الغماد»: أما «برك» فهو بفتح الموحدة، وسكون الراء، بعدها كاف، وحُكِيَ كسر أوله، وأما «الغماد»: فهو بكسر المعجمة، وقد تضمّ، وبتخفيف الميم، وحَكَى ابن فارس فيها ضم الغين: موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن، وقال البكريّ: هي أقاصي هَجَر، وحَكَى الْهَمْدانيّ في أنساب اليمن: هو في أقصى اليمن، والأول أولى، وقال ابن خالويه: حضرت مجلس المحامليّ، وفيه زُهاء ألف، فأملى عليهم حديثًا فيه: «فقالت الأنصار: لو دعوتنا إلى برك الغماد»، قالها بالكسر، فقلت للمستملي: هو بالضم، فذكر له ذاك، فقال لي: وما هو؟ قلت: سألت ابن دُريد عنه، فقال: هو بقعة في جهنم، فقال المحامليّ: وكذا في كتابي على الغين ضمة، قال ابن خالويه: وأنشد ابن دُريد [من مجزوء الكامل]: وَإِذَا تَنَكَّرَتِ الْبِلَا … دُ فَأَوْلِهَا كَنَفَ الْبِعَادْ وَاجْعَلْ مُقَامَكَ أَوْ مَقَرْ … رَكَ جَانِبَيْ بُرْكِ الْغِمَادْ لَسْتَ ابْنَ أُمِّ الْقَاطِنِيـ … ـنَ وَلَا ابْنَ عَمٍّ لِلْبِلَادْ قال ابن خالويه: وسألت أبا عمر - يعني: غلام ثعلب - فقال: هو بالكسر والضم: موضع باليمن، قال: وموضع باليمن أوله بالكسر، لكن آخره راء مهملة، وهو عند بئر برهوت، الذي يقال: إن أرواح الكفار تكون فيها. انتهى. واستبعد بعض المتأخرين ما ذكره ابن دُريد، فقال: القول بأنه موضع باليمن أنسب؛ لأن النبيّ - ﷺ - لا يَدْعُوهم إلى جهنم، وخَفِي عليهم أن هذا بطريق المبالغة، فلا يراد به الحقيقة، ثم ظهر لي أن لا تنافي بين القولين، فيُحْمَل قوله: جهنم على مجاز المجاورة؛ بناءً على القول بأن برهوت مأوى أرواح الكفار، وهم أهل النار. انتهى . (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ)؛ أي: دعاهم إلى مواجهة النفير؛ لأن العير التي كانوا يُحبّون أن يلقوها، قد فاتت، كما أخبر الله حيث قال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ [الأنفال: ٧]. (فَانْطَلَقُوا)؛ أي: ذهبوا إلى جهة العدوّ، وواصلوا المسير، (حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا) تقدّم الكلام فيه مستوفًى في أول الباب. (وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ) بفتح الراء: جمع راوية؛ يعني: الإبل التي يُستقى عليها، واحدتها راوية، وأصل الراوية: المزادة، فقيل للبعير: راوية؛ لحمله المزادة، قال الخطّابيّ ﵀ . وقال الفيّوميّ ﵀: وروى البعير الماءَ يرويه، من باب رَمَى: حَمَله، فهو راويةٌ، والهاء فيه للمبالغة، ثمّ أُطلقت الراوية على كلّ دابّة يُسْتَقَى الماءُ عليها. انتهى . وقوله: (وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن في جملة الرَّوَايا عبد أسود (لِبَنِي الْحَجَّاجِ) قبيلة معروفة، (فَأَخَذُوهُ)؛ أي: أخذ أصحاب النبيّ - ﷺ - ذلك الغلام الأسود، (فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ)؛ أي: عن خبره هل هو فاتهم أم لا؟ (وَأَصْحَابِهِ)؛ أي: وعن خبر أصحاب أبي سفيان الذين جاءوا معه من الشام ببضائع أهل مكة، (فَيَقُولُ) ذلك الغلام: (مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا) مشيرًا إلى من هم قريبون منهم، وهم: (أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشام، وأبو جهل لَقَبُه في الإسلام، وكان يُكنى في الجاهليّة بأبي الحكم، ثم كُني بأبي جهل؛ لجهله بالإسلام الذي هو كان شرفًا له في الدنيا والآخرة لو دخل فيه. (وَعُتْبَةُ) بن ربيعة (وَشَيْبَةُ) بن ربيعة أخو عتبة (وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ)؛ أي: قوله: هذا أبو جهل … إلخ (ضَرَبُوهُ) لظنّهم كذبه في ذلك، (فَقَالَ) الغلام إذا ضربوه: (نَعَمْ، أَنَا أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ) إنما قال هذا؛ لتألمه بالضرب، لا لكونه يعلم مكان أبي سفيان، كما بيّنه بقوله: (فَإِذَا تَرَكُوهُ) عن الضرب (فَسَأَلُوهُ) عن أبي سفيان وأصحابه (فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاس، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ)؛ أي: كما ضربوه أوّلًا على هذا القول، وذلك لأنّ الغلام رأى هؤلاء الصناديد في الجيش الذي قَدِم من مكة، ولم ير أبا سفيان؛ لأنه هَرب عادلًا عن الطريق المعتاد إلى طريق الساحل، فنجا، ولم يكن الصحابة - ﵃ - عارفين بقدوم جيش قريش: أبي جهل وأصحابه، فظنّوا أن الغلام يَكْذِبهم، فضربوه لذلك. وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ) جملة حاليّة مما قبله، وكذا قوله: (يُصَلِّي) حال من رسول الله، (فَلَمَّا رَأَى) - ﷺ - (ذَلِكَ)؛ أي: ضَرْبَهم العبد إذا صدقهم بإخبار الواقع، وتَرْكَهم له إذا أخبرهم بخلاف الواقع، (انْصَرَفَ)؛ أي: سلّم - ﷺ - من صلاته، قال النوويّ ﵀: معنى قوله: «انصرف» سَلّم من صلاته، ففيه استحباب تخفيفها إذا عرض أمر في أثنائها. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - («وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ) اللام فيه لام الابتداء، جِيءَ بها للتوكيد، قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في النسخ:»تضربوه«، و»تتركوه«بغير نون، وهي لغة، سبق بيانها مرّات، أعني حذف النون بغير ناصب، ولا جازم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حذف نون الرفع بلا ناصب، ولا جازم جائز بقلّة، وقد بيّن ذلك ابن مالك ﵀ في«الكافية الشافية»، حيث قال: بِالنُّونِ رَفْعُ نَحْوِ«تَذْهَبُونَا»… و«تَذْهَبَانِ»ثُمَّ«تَذْهَبِينَا»وَاحْذِفْ إِذَا جَزَمْتَ أَوْ نَصَبْتَا … كَـ«لَمْ تَكُونَا لِتَرُومَا سُحْتَا»وَحْذْفُهَا فِي الرَّفْعِ قَبْلَ«نِي»أَتَى … وَالْفَكُّ وَالإِدْغَامَ أَيْضًا ثَبَتَا وَدُونَ«نِي»فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا … فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا «أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي»وقال في«شرحه»: ومثال ذلك في النثر ما رُوي من قول النبيّ - ﷺ -:«والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى وَقَلَّ حَذْفٌ دُونَ «نِي» نَثْرًا كَمَا … «لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى» وَمِمَّا نُظِمَا وفي نسخة: وَدُونَ «نِي» فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا … نَظْمًا وَنَثْرًا نَادِرًا وَقَدْ رَوَوْا تحابّوا … «الحديث ، والأصل:»لا تدخلون، ولا تؤمنون«؛ لأن»لا«نافية، و»لا«النافية تعمل في الفعل شيئًا. انتهى. (إِذَا صَدَقَكُمْ) بإخبار الواقع، وهو خبر أبي جهل وأصحابه، (وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ») بإخبار خلاف الواقع، وهو خبر أبي سفيان وأصحابه. (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَذَا) مشيرًا إلى مكان معيّن من بدر (مَصْرَعُ فُلَانٍ») - بفتح الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الراء، آخره عين مهملة -؛ أَي: محلّ قتله. (قَالَ) أنس - ﵁ - (وَيَضَعُ) - ﷺ - (يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ) المشار إليها، قائلًا (هَا هُنَا) مصرع فلان (وَهَا هُنَا) مصرع فلان؛ يعني: أنه - ﷺ - أرى أصحابه - ﵃ - مصارع صناديد قريش التي سيُصرعون فيها عند مواجهة المسلمين لهم في المعركة، وهذا من معجزاته - ﷺ -، حيث أخبر بالمغيّبات، وفيه تثبيت وتقوية لعزائم الصحابة - ﵃ - حيث إنهم يستيقنون أن النصر لهم، وأن الدائرة على أعدائهم. [تنبيه]: «ها هنا»: اسم إشارة إلى المكان القريب، كما قال في «الخلاصة»: وبِـ «هُنَا» أو «هَا هُنَا» أَشِرْ إِلَى … دَانِ الْمَكَانِ وِبِهِ الْكَافِ صِلَا فِي الْبُعْدِ أَوْ بِـ «ثَمَّ» فُهْ أَ «هَنَّا» … أَوْ بِـ «هُنَالِكَ» انْطِقَنْ أَوْ «هِنَّا» (قَالَ) أنس (فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ)؛ أي: ما تباعد أحد أولئك الذي أشار رسول الله - ﷺ - بأن هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، قال المجد ﵀: ماط عنّي يَمِيط مَيْطًا: تنحّى، وبَعُدَ، ونَحَّى، وأبعد، كأماط. انتهى . (عَنْ مَوْضِعِ ولفظ أبي داود: «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم». انتهى. يَدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) الجارّ متعلّق بـ «ماط»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٤٦١٢] (١٧٧٩)، و(أبو داود) في «الجهاد» (١٨٧١ و١٨٧٢ و٣٠٢٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٩٢ و١٧٠ و٦/ ٣٣٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٣٦٢ و٤٧١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٩٢ و٥٣٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧٥٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٢٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٨٣ و٢٨٥)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (١/ ١٧٣)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ١٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ١٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قصّة غزوة بدر، وبيان سببها. ٢ - (ومنها): بيان مناقب الأنصار، ومدى محبّتهم للنبيّ - ﷺ -، ونُصرتهم له، وعلى رأسهم سعد بن معاذ - ﵁ -. ٣ - (ومنها): جواز ضرب الكافر الذي لا عهد له، وإن كان أسيرًا، قال القرطبيّ ﵀: وفي ضرب الصحابة - ﵃ - للغلام، وإقرار النبيّ - ﷺ - إيَّاهم عليه ما يدلّ على جواز ضرب الأسير، وتعزير الْمُتَّهَم، إذا كان هنالك سبب يقتضي ذلك، وأنه يُضرب في التعزير فوق العشرة، خلافًا لمن أبى ذلك، وقال: لا يُضرب فوق العشرة. وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى. واختُلِف في إقرار المتهم عند الضرب، فعند الشافعيّ وكثير من أصحابه: لا يُقبل إقراره حتى يتمادى ؛ سواء عَيَّن ما أقرّ به من سرقة، أو قتل، أو لم يعيّن، ومن أصحابنا - يعني: المالكيّة - مَن ألزمه في ذلك إذا عَيَّن المُقَرَّ به، وإن رجع عن إقراره، ومنهم من أجازه وإن لم يعيِّن، ومنهم من منعه وإن تمادى عليه؛ لأن خوفه أن يعاد عليه العذاب باق. انتهى . ٤ - (ومنها): أن فيه معجزتين من أعلام النبوة: إحداهما إخباره - ﷺ - بمصرع جبابرتهم، فلم يجاوز أحد منهم مصرعه الذي حدّه له النبيّ - ﷺ -. الثانية: إخباره - ﷺ - بأن الغلام الذي كانوا يضربونه يَصدُق إذا تركوه، ويَكْذِب إذا ضربوه، وكان كذلك في نفس الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣١) - (بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَة، وَقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ الْيَوْمِ صَبْرًا») مسألتان تتعلّقان بقوله: «فتح مكة»: (المسألة الأولى): قال الفيّوميّ ﵀: «مكة» شرّفها الله تعالى، وقيل فيها: بَكّةُ على البدل، وقيل بالباء: البيتُ، وبالميم: ما حوله، وقيل بالباء: بطن مكة. انتهى . وقال في «القاموس»، و«شرحه»: مَكّة - شرفها الله تعالى - اختُلف فيها، فقيل: اسم للبلد الحرام، أو للحرم كلِّه، وقال يعقوب في البدل: مكة: الحرم كله، فأما بكة بين الجبلين، قال ابن سِيدَهْ: ولا أدري كيف هذا؟؛ لأنه قد فرّق بين مكة وبكة في المعنى، وبَيَّن أن معنى البدل والمبدَل منه سواء، واختُلِف في وجه تسميتها، فقيل: لأنها تَنْقُصُ الذنوبَ، أو تُفنيها، أو لأنها تُهلك مَن ظَلَم فيها، وألحد، وفي كتاب تلبية أهل الجاهلية: كانت تلبية عُكّ، ومَذْحِج جميعًا: يَا مَكَّةُ الْفَاجِرَ مُكِّي مَكًّا … وَلَا تَمُكِّي مَذْحِجًا وَعَكَّا فَنَتْرُكَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ دَكَّا … جِئْنَا إَلَى رَبِّكِ لَا نَشُكَّا وقيل: لقلة مائها، وذلك أنهم كانوا يمتكّون الماءَ فيها؛ أي: يستخرجونه، وقيل: لجذب الناس إليها، والْمَكّ: الجذب، نقله السيوطيّ في «المزهر» في الأضداد، عن أبي العباس، وقيل: الْمَكّ: الازدحام؛ كالبَكّ، وسمّيت به؛ لازدحام الناس فيها، فهذه خمسة أوجه في سبب تسميتها. انتهى . (المسألة الثانية): في بيان سبب فتح مكة زادها الله تعالى شرفًا: (اعلم): أن سبب فتح مكة أن قريشًا نقضوا العهد الذي وقع بالحديبية، فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فغزاهم، قال ابن إسحاق: حدّثني الزهريّ، عن عروة، عن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، أنَّه كان في الشرط: مَن أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله - ﷺ - وعهده فليدخل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل، فدخلت بنو بكر - أي: ابن عبد مناة بن كنانة - في عهد قريش، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله - ﷺ -، قال ابن إسحاق: وكان بين بني بكر وخزاعة حروب، وقتلى في الجاهلية، فتشاغلوا عن ذلك لَمّا ظهر الإِسلام، فلما كانت الْهُدْنة خرج نوفل بن معاوية الدِّيليّ من بني بكر في بني الديل، حتى بَيَّت خزاعة على ماء لهم، يقال له: الْوَتِير، فأصاب منهم رجلًا، يقال له: مُنَبِّه، واستيقظت لهم خزاعة، فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم، ولم يتركوا القتال، وأمدَّت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعضهم معهم ليلًا في خفية، فلما انقضت الحرب خرج عمرو بن سالم الخزاعيّ، حتى قَدِمَ على رسول الله - ﷺ -، وهو جالس في المسجد، فقال: يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا … حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْرًا أَيَّدَا … وَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا … وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا … وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا … وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا
مصادر المؤلف (٣٠)

١. «الفتح» ٩/ ١٥، كتاب «المغازي» رقم (٣٩٥١).

٢. «المصباح المنير» ١/ ٣٨.

٣. وفي نسخة: «لتضربونه».

٤. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٧.

٥. «شرح الأبيّ» ٥/ ١١١.

٦. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٣/ ١٦٥.

٧. «الفتح» ٩/ ١٦، كتاب «المغازي» رقم (٣٠٥١).

٨. «الفتح» ٩/ ١٦.

٩. «سيرة ابن هشام» ١/ ٦١٤.

١٠. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٢/ ٢٧.

١١. «الفتح» ٧/ ٢٨٨.

١٢. راجع: «سيرة ابن هشام» مع «الروض الأنُف» ٢/ ٦٤، و«عيون الأثر» لابن سيّد الناس ص ٢٤٧، و«البداية والنهاية» لابن كثير ٣/ ٢٦٢، و«المواهب اللدنية» مع «شرح الزرقاني» ١/ ٤١٣.

١٣. «المفهم» ٣/ ٦٢٥ - ٦٢٦.

١٤. «سيرة ابن هشام» ١/ ٦١٥.

١٥. «القاموس المحيط» ص ٤٠٤.

١٦. «تكملة فتح الملهم» ٣/ ١٦٧.

١٧. «القاموس المحيط» ص ١١١٠.

١٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٤ - ١٢٥.

١٩. «الفتح» ٨/ ٦٧٤ - ٦٧٥، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٩٠٥).

٢٠. «معالم السنن» ٤/ ١٩.

٢١. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٦.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٦.

٢٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٦.

٢٤. وفي في بعض النسخ بدل هذا البيت:

٢٥. حديث رواه مسلم وأبو داود، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم».

٢٦. «القاموس المحيط» ص ١٢٥١.

٢٧. أي: حتى يمضي في إقراره، ويُداوم عليه، ولا يرجع عنه.

٢٨. «المفهم» ٣/ ٦٢٦ - ٦٢٧.

٢٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٧.

٣٠. «تاج العروس» ٧/ ١٧٩ - ١٨٠.