HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٨٣

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أبي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق. قَالَ: سَمِعْتُ البراء بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الصُّلْحَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. فَكَتَبَ (هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) فَقَالُوا: لَا تَكْتُبْ: رَسُولُ اللَّهِ. فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ (امْحُهُ) فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ. فَمَحَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ. قَالَ: وَكَانَ فِيمَا اشْتَرَطُوا، أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثًا. وَلَا يَدْخُلُهَا بِسِلَاحٍ، إِلَّا جُلُبَّانَ السِّلَاحِ. قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: وَمَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟ قَالَ: الْقِرَابُ وَمَا فيه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص173
ج ٣ ص ١٤٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١٣
[٤٢٠] (جُلُبَّانَ السِّلَاحِ) ، قال أبو إسحاق: يعني: (القِرَابِ وَمَا فِيهِ)، وفي الحديث من الفقه: أنه ينبغي للإمام أن يتخذ كاتبا ثقةً، ومنه: استحباب الصُّلح عند هَيَجان الحرب، ومنه: المُسامحة بمراد الخصم؛ إذا كان في ذلك خير أو صلاح، ومنها: أن الثّلاث لا تكون مقاما. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص١٨٦
[تنبيه]: وقع في رواية ابن إسحاق في «المغازي» عن الزهريّ: «خرج - ﷺ - عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا». ووقع عند ابن سعد أنَّه - ﷺ - خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، زاد سفيان عن الزهريّ عند البخاريّ في «المغازي»، وكذا في رواية أحمد عن عبد الرزاق: «في بضع عشرة مائة، فلما أتى ذا الحليفة، قَلَّد الهدي، وأشعره، وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة». ورَوَى عبد العزيز الإماميّ، عن الزهريّ في هذا الحديث، عند ابن أبي شيبة - ﵀ -: «خرج - ﷺ - في ألف وثمانمائة، وبعث عينًا له من خزاعة، يُدْعَى ناجية، يأتيه بخبر قريش»، قال الحافظ - ﵀ -: كذا سماه ناجية، والمعروف أن ناجية اسم الذي بَعَث معه الهديَ، كما صرح به ابن إسحاق وغيره، وأما الذي بعثه عينًا لخبر قريش، فاسمه بُسْر بن سفيان، كذا سماه ابن إسحاق، وهو بضمّ الموحدة، وسكون المهملة، على الصحيح. انتهى . وقال في «الفتح» في موضع آخر: وكان توجُّهه - ﷺ - من المدينة يوم الاثنين مُسْتَهَلَّ ذي القعدة، سنة ستّ من الهجرة، فخرج قاصدًا إلى العمرة، فصدّه المشركون عن الوصول إلى البيت، ووقعت بينهم المصالحة، على أن يدخل مكة في العام المقبل. وجاء عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنَّه خرج في رمضان، واعتمر في شوّال، وشذّ بذلك، وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهورَ، ومضى في «كتاب الحجّ» قول عائشة - ﵂ -: «ما اعتمر رسول الله - ﷺ - إلا في ذي القعدة» . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٠] (١٧٨٣) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الصُّلْحَ بَيْنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَة، فَكَتَبَ: «هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، فَقَالُوا: لَا تَكْتُبْ «رَسُولُ اللهِ»، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَلِيٍّ: «امْحُهُ»، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ، فَمَحَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِه، قَالَ: وَكَانَ فِيمَا اشْتَرَطُوا: أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلَهَا بِسِلَاحٍ، إِلَّا جُلُبَّانَ السِّلَاح، قُلْتُ لأَبِي إِسْحَاقَ: وَمَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟ قَالَ: الْقِرَابُ، وَمَا فِيهِ). رجال هذا الإسناد: خمسةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو الْمُثَنَّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْداني السَّبِيعيّ، تقدَّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ) بن الحارث الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدَّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنَّه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيّان. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السبيعيّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) - ﵄ - (يَقُولُ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ - (الصُّلْحَ)؛ أي: عَقْد الصلح الذي جرى (بَيْنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ) سنة ستّ من الهجرة (يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ) تقدَّم أنها بتشديد الياء، وتخفيفها، والأكثرون على التخفيف، (فَكَتَبَ) بالبناء للفاعل؛ أي: كَتَب عليّ - ﵁ -، وقوله: («هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ») مفعول به لـ«كتَبَ» محكيّ؛ لقصد لفظه، وفي الرواية الآتية: «هذا ما قاضى عليه محمَّد - ﷺ -»، قال العلماء: معنى قاضى هنا: فاصل، وأمضى أمره عليه، ومنه: قضى القاضي؛ أي: فَصَل الحكمَ، وأمضاه، ولهذا سُمِّيت تلك السنة عام المقاضاة، وعمرة القَضِيّة، وعمرة القضاء، كله من هذا، وغَلَّطُوا من قال: إنها سُمِّيت عمرة القضاء؛ لقضاء العمرة التي صُدَّ عنها؛ لأنه لا يجب قضاء المصدود عنها، إذا تحلل بالإحصار، كما فَعَلَ النبيّ - ﷺ - وأصحابه في ذلك العام، قاله النوويّ - ﵀ - . (فَقَالُوا)؛ أي: المشركون الذين أتوا لإبرام الصلح معه - ﷺ -، وأصحابه - ﵃ -، (لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَكْتُبْ «رَسُولُ اللهِ») يَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا على الحكاية لقوله: «هذا ما كاتب عليه محمَّد رسول الله»، ويَحْتَمِل أن يكون منصوبًا على المفعوليّة بترك الحكاية، (فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ) وفي رواية للبخاريّ: «لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا»، زاد في رواية: «ولبايعناك»، وعند النسائي: «ما منعناك بيته»، وفي رواية شعبة عن أبي إسحاق: «لو كنت رسول الله لم نقاتلك»، وفي حديث أنس: «لاتبعناك»، وفي حديث المسور: «فقال سهيل بن عمرو: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك»، وفي رواية أبي الأسود، عن عروة في «المغازي»: «فقال سهيل: ظلمناك إن أقررنا لك بها، ومنعناك»، وفي حديث عبد الله بن مغفل: «لقد ظلمناك إن كنت رسولًا». وهذا كلّه من جراءتهم، وعنادهم، وإلا فهم يعلمون أنَّه رسول الله - ﷺ -؛ لظهور الآيات والمعجزات التي تدلّ على صدقه، ولذلك قاله الله له - ﷺ -: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية [النمل: ١٤]. (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَلِيٍّ) - ﵁ - («امْحُهُ»)؛ أي: أزل لفظ «محمَّد رسول الله» من الكتاب، حتى لا يتركوا الصلح بسببه، (فَقَالَ) عليّ - ﵁ -: (مَا) نافية، (أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ) هكذا هو في جميع النسخ: «بالذي أمحاه»، وهي لغة في «أمحوه»، وفي رواية للبخاريّ: «فقال: لا والله لا أمحوك أبدًا»، وللنسائيّ من طريق علقمة بن قيس، عن عليّ: «قال: كنت كاتب النبيّ - ﷺ - يوم الحديبية، فكتبت: هذا ما صالح عليه محمَّد رسول الله، فقال سهيل: لو علمنا أنَّه رسول الله ما قاتلناه، امحها، فقلت: هو والله رسول الله - ﷺ -، وإن رَغِمَ أنفك، لا والله لا أمحوها». قال في «الفتح»: وكأن عليًّا فَهِم أن أمره له بذلك ليس متحتمًا، فلذلك امتنع من امتثاله، وزاد في حديث عليّ - ﵁ - عند النسائيّ: «وقال: أما إن لك مثلها، وستأتيها، وأنت مضطرّ»، يشير - ﷺ - إلى ما وقع لعليّ يوم الحكمين، فكان كذلك. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: وهذا الذي فعله عليّ - ﵁ - من باب الأدب المستحبّ؛ لأنه لم يَفْهَمْ من النبيّ - ﷺ - تحتيم محو عليّ بنفسه، ولهذا لم يُنكِر عليه، ولو حَتَمَ محوه بنفسه لم يجز لعليّ تركه، ولَمَا أقرّه النبيّ - ﷺ - على المخالفة. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «يمحاها»: يذهبها، ويزيلها؛ يعني: الكلمة التي نازعوه فيها، يقال: محوت الشيءَ أمحوه، من باب نصر، ومحيته أمحاه، من باب نفع، محوًا، ومحيًا. وامتناع عليّ من المحو مع أمر النبيّ - ﷺ - بذلك، إنما كان؛ لأنه لم يفهم من ذلك الأمرَ الجزمَ، ولا الإيجاب، وإنما فَهِمَ أن النبيّ - ﷺ - أمره بذلك على جهة المصلحة في موافقتهم على ما طلبوه، لكن خَفِي على عليّ وعمر وغيرهما وجه المصلحة في ذلك؛ ولذلك عَظُمت عليهم تلك الحال، واشتدت عليهم حتى قال عمر ما قال، وحلف عليّ ألا يمحو ما أمره بمحوه تعظيمًا لمحو اسم الرسالة عن النبيّ - ﷺ -، والنبيّ - ﷺ - في كل ذلك مُقبل على ما أراه الله، وممتثل أمر الله تعالى، ساكن الجأش، واثقًا بأن الله لا يضيّعه، وأن الله سيجعل لهم في ذلك خيرًا وفرجًا، ولذلك كان حال أبي بكر من سكون الجأش، والثقة بالله، حتى قال لعمر ما قال، مما يدلّ على موافقته رسول الله - ﷺ - ظاهرًا، وباطنًا، حتى نصَّ على عمر ما قاله له رسول الله - ﷺ - حرفًا، حرفًا، حسب ما نصّه في حديث سهل بن حنيف. انتهى . (فَمَحَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ) وفي الرواية الثالثة: «فقال رسول الله - ﷺ -: أرني مكانها، فمحاها، وكتب: ابن عبد الله»، قال القاضي عياض - ﵀ -: احتج بهذا اللفظ بعض الناس على أن النبيّ - ﷺ - كَتَبَ ذلك بيده، على ظاهر هذا اللفظ، وقد ذكر البخاريّ نحوه من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، وقال فيه: «أَخَذ رسولُ الله - ﷺ - الكتابَ، فكتب»، وزاد عنه في طريق آخر: «ولا يُحسِن أن يكتب، فكتب»، قال أصحاب هذا المذهب: إن الله تعالى أجرى ذلك على يده، إما بأن كَتَبَ ذلك القلم بيده، وهو غير عالم بما يَكْتُب، أو أن الله تعالى عَلَّمه ذلك حينئذ حتى كَتَب، وجعلوا هذا زيادة في معجزته، فإنَّه كان أميًّا فكما علَّمه ما لم يَعْلَم من العلم، وجعله يقرأ ما لم يقرأ، ويتلو ما لم يكن يتلو، كذلك علَّمه أن يَكتُب ما لم يكن يكتب، وخَطَّ ما لم يكن يخطّ بعد النبوة، أو أجرى ذلك على يده، قالوا: وهذا لا يقدح في وصفه بالأمي، واحتجوا بآثار جاءت في هذا عن الشعبيّ، وبعض السلف، وأن النبيّ - ﷺ - لم يمت حتى كتب. قال القاضي: وإلى جواز هذا ذهب الباجيّ، وحكاه عن السمنانيّ، وأبي ذرّ، وغيره. وذهب الأكثرون إلى مَنْع هذا كله، قالوا: وهذا الذي زعمه الذاهبون إلى القول الأوّل يُبطله وَصْف الله تعالى إياه بالنبيّ الأميّ - ﷺ -، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٨]، وقوله - ﷺ -: «إنّا أُمّة أُمِّيّة لا نكتب، ولا نحسُب»، متّفقٌ عليه، قالوا: وقوله في هذا الحديث: «كَتَبَ»؛ معناه: أمر بالكتابة، كما يقال: رَجَمَ ماعزًا، وقَطَع السارق، وجَلَد الشارب؛ أي: أمر بذلك، واحتجوا بالرواية الأخرى: «فقال لعليّ - ﵁ -: اكتب: محمَّد بن عبد الله». قال القاضي: وأجاب الأولون بأنّه إنما وصفه الله تعالى بأنّه لم يَتْلُ، ولم يخطّ؛ أي: من قبل تعليمه، كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾، فكما جاز أن يتلو جاز أن يكتب، ولا يَقدَح هذا في كونه أُمّيًّا؛ إذ ليست المعجزة مجرد كونه أميًّا، وإنما المعجزة حاصلة أن كان أوّلًا كذلك، ثمَّ جاء بالقرآن، وبعلوم لا يعلمها الأميون، ولم يقدح ذلك في حالته، فكذلك يجوز أن يكون يخطّ، فلا يقدح فيه، بل يكون تأكيدًا في معجزته، قالوا: وظاهر قوله: «ولا يُحْسِن أن يكتب، فكتب» كالنص أنَّه كتب بنفسه، والعدول إلى غيره تجوّز في الكلام، وحملٌ على ما لم يُفهم منه لغير ضرورة، قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة، وشَنَّعَت كل فرقة على الأخرى في هذا، ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤] . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «أرني مكانها، فأراه، فمحاها وكتب»، ظاهر هذا أنَّه - ﷺ - مَحَى تلك الكلمة التي هي «رسول الله - ﷺ -» بيده، وكتب مكانها: «ابن عبد الله»، وقد رواه البخاريّ بأظهر من هذا، فقال: «فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب، فكتب»، وزاد في طريق أخرى: «ولا يُحسن أن يكتب»، فقال جماعة بجواز هذا الظاهر عليه، وأنه كتب بيده، منهم: السمنانيّ، وأبو ذرّ، والباجيّ، ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أمِّيًا، ولا معارض لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ولا لقوله: «إنا أمة أميّة، لا نكتب، ولا نحسب»، متّفق عليه، بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهارًا على صدقه، وصحة رسالته، وذلك أنَّه كتب من غير تعلم الكتابة، ولا تَعاطٍ لأسبابها، فكان ذلك خارقًا للعادة، كما أنَّه - ﷺ - عَلِم عِلم الأولين والآخرين من غير تعلُّم، ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، هذا لو فُرض أنَّه عَلِم الكتابة كلها، ودام عليها، فكيف ولم يُرْوَ عنه قط أنَّه كتب في غير ذلك الموطن الخاص، بل لم يفارق ما كان عليه من عدم معرفته بالكتابة حالة كتابته تلك، وإنما أجرى الله تعالى على يده، وقلمه حركاتٍ كانت عنها خطوط مفهومها: «ابن عبد الله» لمن قرأها، ثمَّ هل كان عالِمًا في تلك الحال بنظم تلك الحروف الخاصة؟ كل ذلك مُحْتَمِلٌ، وعلى التقديرين، فلا يزول عنه اسم الأميّ بذلك؛ ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: «ولا يُحسِن أن يكتب»، فبقي عليه اسم الأميّ مع كونه قال: «كَتَبَ». وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشدّدوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا أن تكفير المسلم كقتله، على ما جاء عنه - ﷺ - في «الصحيح»، لا سيما رَمْيُ مَن شَهِدَ له أهل عصره بالعلم، والفضل، والإمامة، على أن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة، غير أن العقل لا يُحيلها، وليس في الشريعة قاطع يُحيل وقوعها على ما تقدَّم. انتهى . وقال في «الفتح» عند قوله: «قوله: فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب، وليس يحسن يكتب … إلخ» ما نصّه: وقد تمسّك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجيّ، فادَّعَى أن النبيّ - ﷺ - كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشَنَّع عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله مخالف القرآن، حتى قال قائلهم: بَرِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ … وَقَاَل إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ كَتَبَا فجَمَعهم الأمير، فاستظهر الباجيّ عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن؛ لأنه قَيَّدَ النفي بما قبل ورود القرآن، فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٨]، وبعد أن تحققت أميته، وتقررت بذلك معجزته، وأُمِن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك، من غير تعليم، فتكون معجزة أخرى. وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجيّ في ذلك، منهم شيخه أبو ذرّ الهرويّ، وأبو الفتح النيسابوريّ، وآخرون، من علماء إفريقية، وغيرها. واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة، وعُمَر بن شَبّة، من طريق مجاهد، عن عون بن عبد الله، قال: «ما مات رسول الله - ﷺ - حتى كتب، وقرأ»، قال مجاهد: فذكرته للشعبيّ، فقال: صَدَقَ، قد سمعت من يذكر ذلك. ومن طريق يونس بن ميسرة، عن أبي كبشة السَّلُوليّ، عن سهل بن الحنظلية: «أن النبيّ - ﷺ - أمر معاوية أن يكتب للأقرع، وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتَلَمِّس؟ فأخذ رسول الله - ﷺ - الصحيفة، فنظر فيها، فقال: قد كَتَب لك بما أُمِر لك»، قال يونس: فنَرَى أن رسول الله - ﷺ - كتب بعدما أنزل عليه. قال عياض: وردت آثار تدل على معرفة حروف الخطّ، وحُسْن تصويرها؛ كقوله لكاتبه: «ضَعِ القلم على أذنك، فإنه أذكر لك»، وقوله لمعاوية: «ألق الدواة، وحرِّف القلم، وأقم الباء، وفرّق السين، ولا تُعَوِّر الميم»، وقوله: «لا تمدّ بسم الله»، قال: وهذا وإن لم يُثْبِت أنه كتب، فلا يبعد أن يُرْزَق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضَعف هذه الأحاديث، وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة، والكاتب فيها عليّ، وقد صَرَّح في حديث المسور بأن عليًّا هو الذي كَتَب، فيُحْمَل على أن النكتة في قوله: «فأخذ الكتاب، وليس يحسن يكتب»، لبيان أن قوله: «أرني إياها» أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع عليّ من محوها، إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك: «فكتب» فيه حذف، تقديره: فمحاها، فأعادها لعليّ، فكتب، وبهذا جزم ابن التين، وأطلق «كَتَب» بمعنى أَمَر بالكتابة، وهو كثير؛ كقوله: كتب إلى قيصر، وكتب إلى كسرى، وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم، وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة، ويخرج عن كونه أميًّا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصوّر بعض الكلمات، ويُحسن وضعها بيده، وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًّا، ككثير من الملوك. ويَحْتَمِل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصّة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًّا، وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني، أحد أئمة الأصول من الأشاعرة، وتبعه ابن الجوزيّ. وتعقب ذلك السهيليّ وغيره بأن هذا، وإن كان ممكنًا، ويكون آية أخرى، لكنه يناقض كونه أميًّا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة، وأُفْحِم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة. وقال المعاند: كان يحسن يكتب، لكنه كان يكتم ذلك. قال السهيليّ: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، والحقّ أن معنى قوله: «فكتب»؛ أي: أمر عليًّا أن يكتب. انتهى. قال الحافظ: وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتُثبت كونه غير أميّ نظر كبير، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن كتابته - ﷺ - في ذلك الوقت لا يستلزم نقض كونه أميًّا - كما أشار إليه الحافظ في كلامه المذكور -؛ لأن هذه معجزة له جرت في نادر من الأوقات، غير مسبوقة بمثلها، ولا استمرّت له بعد ذلك، فلا داعي للشقاق والخلاف؛ إذ لا تعارض بين الوصفين، ولا اختلاف. والحاصل أن حمل قوله: «فكتب» على النبيّ - ﷺ - كما هو الظاهر - هو الأَولى، وكما أيّده قوله في رواية البخاريّ: «فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب، وليس يُحسن يكتب، فكتب» الحديث، فهذا ظاهر في كونه - ﷺ - هو الكاتب، لا عليّ - ﵁ -، فتأمله بالإمعان، والإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ: وَكَانَ) وفي نسخة: «فكان»، (فِيمَا اشْتَرَطُوا)؛ أي: الكفار على النبيّ - ﷺ - في ذلك الصلح، (أَنْ يَدْخُلُوا)؛ أي: يدخل النبيّ - ﷺ -، والمسلمون في العام القابل (مَكَّةَ، فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث ليال. قال العلماء: سبب هذا التقدير: أن المهاجر من مكة لا يجوز له أن يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام، وهذا أصل في أن الثلاثة ليس لها حكم الإقامة، وأما ما فوقها فله حكم الإقامة. وقد رتّب الفقهاء على هذا: قَصْر الصلاة فيمن نوى إقامة في بلد في طريقه، وقاسوا على هذا الأصل مسائل كثيرة. (وَلَا يَدْخُلَهَا) هكذا وقع في النسخ مجرّدًا عن واو الجماعة، مع المناسب لِمَا قبله أن يكون بها، فيكون الضمير للنبيّ - ﷺ -، أو يقدّر: «ولا يدخلها أحدٌ» (بِسِلَاحٍ، إِلَّا جُلُبَّانَ السِّلَاحِ) قال في «الفتح»: ضبطه ابن قتيبة، وابن دُريد، وجماعة بضمتين، وتشديد الموحّدة، وضبطه ثابت في «الدلائل»، وأبو عبيد الهرويّ بسكون اللام، مع التخفيف، ونَقَل عن بعض المتقنين أنه بالراء بدل اللام، مع التشديد، وكأنه جمع جِرَاب، لكن لم يقع في رواية «الصحيح» إلا باللام، قال: ووقع في نسخة متقنة بكسر الجيم، واللام، مع التشديد، وهو خلاف ما اتَّفَقَ عليه أهل اللغة، والعربية، فلا تغتر بذلك. انتهى . وقال القاضي عياض في «المشارق»: ضبطناه جُلُبّان - بضم الجيم، واللام، وتشديد الباء الموحّدة - قال: وكذا رواه الأكثرون، وصوّبه ابن قتيبة، وغيره، ورواه بعضهم بإسكان اللام، وكذا ذكره الهرويّ، وصوّبه هو، وثابت، ولم يذكر ثابت سواه، وهو ألطف من الجراب، يكون من الأَدَم، يوضع فيه السيف مُغْمَدًا، ويَطْرَح فيه الراكب سوطه، وأداته، ويُعَلِّقه في الرحل. قال العلماء: وإنما شرطوا هذا؛ لوجهين: أحدهما: أن لا يظهر منه دخولُ الغالبين القاهرين، والثاني: أنه إن عرض فتنة، أو نحوها يكون في الاستعداد بالسلاح صعوبة. انتهى . وقال البغويّ في «شرح السُّنَّة»: قد جاء في تفسير «الجُلبّان» في الحديث، قال: فسألته ما جلبّان السلاح؟ قال: القراب بما فيها، وإنما شُرط هذا؛ ليكون أمارةً للسِّلم، فلا يُظنّ أنهم يدخلون قهرًا، قال الأزهريّ: القراب: غِمْد السيف، والجلبّانُ: شِبْهُ الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودًا، ويَطرَح فيه الراكب سوطه، وأداته، ويُعلّقه في آخرة الرحل، أو واسطته، قال شَمِر: كأن اشتقاقه من الجلبة، وهي الجلدة التي تُجعل على القَتَب، والجلدة التي تغشى التميمة؛ لأنها كالغشاء للقراب. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: «الجُلْبان» - بضم الجيم، وسكُون اللَّام -: شِبه الجِرَاب، من الأَدَم، يُوضع فيه السيف مَغْمُودًا، وَيطْرَح فيه الراكِبُ سوطَه، وأدَاته، ويُعَلِّقه في آخره الكُور، أو واسطته، واشتِقَاقه من الجُلْبَة، وهي الجلْدَة التي تُجْعَل على القَتَب، ورواه القتيبي بضم الجيم، واللام، وتَشْدِيد الباء، وقال: هو أوعِيَةُ السلاح بما فيها، ولا أُراه سُمِّي به إلا لجفائه، ولذلك قيل للمرأة الغليظة الجافية: جُلُبَّانة، وفي بعض الروايات: «ولا يَدْخُلها إلا بجُلُبَّان السلاح»: السيف، والقَوس، ونحوه، يريد: ما يُحْتاج في إظْهاره، والقِتَال به إلى مُعانَاة، لا كالرّماح؛ لأنها مُظْهَرةٌ، يمكن تعجيل الأذى بها، وإنما اشْترطوا ذلك؛ ليكُون عَلَمًا، وأمارة للسِّلْم؛ إذ كان دُخولهم صُلْحًا. انتهى . قال شعبة: (قُلْتُ لأَبِي إسْحَاقَ) السِّبيعي: (وَمَا جُلُبَّانُ السِّلَاح؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء معناه؟، (قَالَ) أبو إسحاق: (الْقِرَابُ) خبر لمحذوف بدليل السؤال، كما قال في «الخلاصة»: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا … تَقُول: «زَيْدٌ» بَعْدَ «مَنْ عِنْدَكُمَا؟» أي معناه: القراب، وهو بكسر القاف، وتخفيف الراء، وبعد الألف موحّدةٌ، قال الجوهريّ - ﵀ -: قِرَابُ السيف: جَفْنُهُ، وهو وِعاءٌ يكون فيه السيف بغِمْده، وحِمَالته. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: قِراب السيف معروفٌ، والجمع: قُرُبٌ، وأقرِبةٌ، مثلُ حِمَارٍ، وحُمُرٍ، وأَحْمِرةٍ. انتهى . (وَمَا فِيهِ)؛ أي: مع الذي في داخله مما يضعه الراكب فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٤٦٢٠ و٤٦٢١ و٤٦٢٢] (١٧٨٣)، و(البخاريّ) في «الصلح» (٢٦٩٨) و(٢٧٠٠) و«الجزية والموادعة» (٣١٨٤)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٣٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٦٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٧١٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٣٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٨٩ و٢٩١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٧١٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٦٩ و٤٨٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٩٤ و٢٩٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٢٢٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٧٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه حجَّة لأرباب الوثائق على افتتاحهم الوثائق التي لها بالٌ بهذا؛ كقولهم: هذا ما اشترى، وهذا ما اعْتَق، وهذا ما أصدق. ٢ - (ومنها): أنه يدلّ على تقديم الرجل الكبير في صدر الوثيقة، بائعًا كان، أو مبتاعًا. ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز أن يُكْتَب في أول الوثائق، وكُتُب الأملاك، والصداق، والعتق، والوقف، والوصية، ونحوها: هذا ما اشترى فلان، أو هذا ما أصدق، أو وَقَف، أو أَعتَق، ونحوه، وهذا هو الصواب الذي عليه الجمهور، من العلماء، وعليه عمل المسلمين في جميع الأزمان، وجميع البلدان من غير إنكار. وقال المازريّ - ﵀ -: أنكر بعض المتأخّرين أن يقال في افتتاح الوثائق: هذا ما اشترى فلان، وهذا ما أصدق فلان، وشبه ذلك؛ هروبًا من أن يدلّ ذلك على الجحد والنفي، وهذا الحديث حجة عليهم؛ لأنه كُتب باللفظ الذي كرهوه، فقال: «هذا ما كاتب … إلخ». انتهى. ٤ - (ومنها): أنه يدلّ على أنه يُكْتَفَى في ذلك بالاسم المشهور، من غير زيادة، خلافًا لمن قال: لا بد من أربعة: المذكور، وأبيه، وجدّه، ونسبه. ٥ - (ومنها): أن فيه بيان أن المهاجر يجوز أن يقيم بمكة ثلاثة أيام، لا أكثر من ذلك، قال القاضي عياض - ﵀ -: وهذا أصل في مدة الإقامة في تقصير الصلاة في السفر أنها فيما زاد على الثلاث، وأن الثلاث غير إقامة. انتهى . ٦ - (ومنها): أن للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين، وإن كان لا يظهر ذلك لبعض الناس في بادئ الرأي. قال القاضي عياض: وفي هذا الحديث على الجملة جواز مصالحة الكفار لِمَا فيه من مصلحة المسلمين ومهادنتهم، ولم يختلفوا إذا دعت إلى ذلك ضرورة، إذا كان على غير شيء، أو على مال يأخذه منهم، فإن لم تدع إلى ذلك ضرورة، ولم يكن في العدوّ قوة إلا لما بذلوه من أموالهم، فأجاز ذلك جماعة، منهم الأوزاعيّ وغيره، ومنع ذلك مالك وأصحابه وعلماء أهل المدينة، وغيرهم؛ لِمَا فيه من ضيعة الثغور تلك المدّة، وأن المسلمين بمغاوراتهم وجيوشهم قد ينالون منهم أكثر من ذلك غالبًا، وإنما صالح النبيّ - ﷺ - أهل مكة؛ لقلّة أهل الإسلام حينئذ. واختَلَف العلماء في أمَدِها: فمالك يرى ذلك مفوَّضًا إلى اجتهاد الإمام، ولا حدّ له من القلة والكثرة، إلا لِمَا يراه مصلحة لهم، والشافعيّ يحدّ أكثرها بعشرة أعوام لا يكون أكثر؛ لأنه الأمد الذي عاقد عليه - ﷺ - أهل مكة. وقيل: إنما كان عاقدهم على ثلاث سنين، وقيل: على أربع. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن ما ذهب إليه مالك من الإطلاق، هو الظاهر؛ لعدم دليل يدلّ على التقييد بزمن معيّن، وإنما هو مجرد فعل من النبيّ - ﷺ -، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: فأما على ما يؤخذ من الكفار فجائز ما كان من مال، أو رؤوس من أحرارهم أو عبيدهم، وإن كانت مما يُغِيرون به، ويأخذونه من غيرهم، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، واخُتِلف إذا كان من أبنائهم ونسائهم، فمنعه أبو حنيفة قال: لأن الصلح وقع عليهم وعلى ذراريهم، وأجازه أصحاب مالك إذا كتبوا ذلك في شَرْط عهدهم، فإن لم يكتبوه فلا يجوز، ولهؤلَاء من العهد ما لرجالهم، ونحوه عن مالك. واختُلِف إذا دعت ضرورة لشغل المسلمين بفتنة، أو غدر آخر، أو خوف استيلَاء العدوّ عليهم، هل يصالحونه على أن يعطيهم المسلمون مالًا؟ فأجاز ذلك الأوزاعيّ، ومنعه الشافعيّ إلا أن يخافوا استئصال العدوّ لهم . انتهى كلام عياض . ٧ - (ومنها): احتمال المفسدة اليسيرة؛ لدفع أعظم منها، أو لتحصيل مصلحة أعظم منها، إذا لم يمكن ذلك إلا بذلك ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢١] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَة، كتَبَ عَلِيٌّ كِتَابًا بَيْنَهُمْ، قَالَ: فَكَتَبَ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: «هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ … إلخ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير محمد بن جعفر غندر. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها النسائيّ في «السنن الكبرى»، فقال: (٨٥٧٧) - أخبرنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: حدّثنا محمد، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء قال: لمّا صالح رسول الله - ﷺ - أهل الحديبية - وقال ابن بشار: أهل مكة - كتَبَ عليٌّ كتابًا بينهم، قال: فكتب «محمد رسول الله»، فقال المشركون: لا تكتب «محمد رسول الله» لو كنت رسول الله لم نقاتلك، فقال لعليّ: «امحُهُ»، قال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله بيده، فصالحهم على أن يَدْخُل هو وأصحابه ثلاث أيام، ولا يدخلها إلا بِجُلُبّان السلاح، فسألته، قال ابن بشار: فسألوه: ما جلبان السلاح؟ قال: القراب بما فيه. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٢] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ - وَاللَّفْظُ لإسْحَاقَ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاء، قَالَ: لَمّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عِنْدَ الْبَيْت، صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا، فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ: السَّيْف، وَقرَابِه، وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، قَالَ لِعَلِيٍّ: «اكْتُب الشَّرْطَ بَيْنَنَا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ »، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ تَابَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، فَأمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا، وَاللهِ لَا أَمْحَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَرِني مَكَانَهَا»، فَأَرَاهُ مَكَانَهَا، فَمَحَاهَا، وَكَتَبَ: «ابْنُ عَبْدِ اللهِ»، فَأَقامَ بِهَا ثَلَاَثةَ أيَّامٍ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ ، قَالُوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَوْم مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ، فَأمُرْهُ، فَلْيَخْرُجْ، فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَخَرَجَ، وَقَالَ ابْنُ جَنَابٍ في رِوَايَتِهِ مَكَانَ تَابَعْنَاكَ: بَايَعْنَاكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ) تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ - ﷺ -) بضمّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول، هكذا رواية السمرقنديّ لمسلم، وفي رواية الأكثرين: «لَمّا حُصِر» ثلاثيًّا، مبنيًّا للمفعول أيضًا، كما قاله عياض - ﵀ -. قال الفيّوميّ - ﵀ -: حَصَرَهُ العدوّ حَصرًا، من باب قَتَل: أحاطوا به، ومنعوه من المضيّ لأمره، وقال ابن السِّكِّيت، وثعلب: حَصَرَهُ العدوّ في منزله: حبسه، وأَحْصَرَهُ المرض بالألف: منعه من السفر، وقال الفراء: هذا هو كلام العرب، وعليه أهل اللغة، وقال ابن الْقُوطِيَّة، وأبو عمرو الشيبانيّ: حَصَرَهُ العدوّ، والمرض، وأَحْصَرَهُ كلاهما بمعنى حبسه. انتهى . فدلّ ما ذُكر أن حُصِرَ، ثلاثيًّا، وأُحْصِر رباعيًّا جائزان في هذا الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (عِنْدَ الْبَيْتِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا: «أُحْصِرَ عند البيت»، وكذا نقله القاضي عن رواية جميع الرواة، سوى ابن الحذاء، فإن في روايته: «عن البيت»، وهو الوجه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أما قوله: «أُحصر عن البيت» فوجهه واضح، كما قال النوويّ - ﵀ -؛ أي: مُنع عن الوصول إلى البيت؛ لأداء العمرة، وأما على ما في معظم النسخ: «أُحصر عند البيت» فيكونه معناه: مُنع عند قُربه من البيت عن الوصول إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ) المراد به المشركون، وفي رواية ابن إسحاق: «فلما انتهى - يعني: سهيل بن عمرو - إلى النبيّ - ﷺ - جرى بينهما القول حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامَهُم هذا». قال الحافظ - ﵀ -: هذا القدر الذي ذكره ابن إسحاق أنه مدّة الصلح هو المعتمد، وبه جزم ابن سعد، وأخرجه الحاكم من حديث عليّ - ﵁ - نفسِه، ووقع في «مغازي ابن عائذ» في حديث ابن عباس - ﵄ - وغيره أنه كان سنتين، وكذا وقع عند موسى بن عقبة. ويُجْمَعُ بينهما بأن الذي قاله ابن إسحاق هي المدّة التي وقع الصلح عليها، والذي ذكره ابن عائذ وغيره هي المدّة التي انتهى أمر الصلح فيها، حتى وقع نقضه على يد قريش. وأما ما وقع في «كامل ابن عديّ»، و«مستدرك الحاكم»، و«الأوسط» للطبرانيّ من حديث ابن عمر - ﵄ - أن مدّة الصلح كانت أربع سنين، فهو مع ضَعف إسناده منكَر، مخالف للصحيح. قال: وقد اختَلَف العلماء في المدّة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين، فقيل: لا تُجاوز عشر سنين على ما في هذا الحديث، وهو قول الشافعيّ، والجمهور، وقيل: تجوز الزيادة، وقيل: لا تجاوز أربع سنين، وقيل: ثلاثًا، وقيل: سنتين، والأول هو الراجح. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا)؛ أي: يدخل النبيّ - ﷺ - مع أصحابه - ﵃ - مكة في العام المقبل. وقوله: (فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث ليال. وقوله: (وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ) تقدّم الخلاف في ضبطه، ومعناه: الْجِراب، من الأَدَم، أو قِرَاب الغِمْدِ . وقوله: (السَّيْف، وَقِرَابِهِ) بالجر بدلٌ من «السلاح». وقوله: (وَلَا يَخْرُجَ) بالبناء للفاعل؛ أي: لا يخرج النبيّ - ﷺ - من مكة. وقوله: (بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا)؛ أي: من أهل مكة، من المستضعفين الذين عجزوا عن الهجرة. وقوله: (وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا)؛ أي: بمكة (مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ)؛ أي: جاءوا معه - ﷺ - من المدينة. وقوله: (قَالَ لِعَلِيٍّ)؛ أي: قال النبيّ - ﷺ - لعليّ بن أبي طالب - ﵁ -. وقوله: (اكْتُب الشَّرْطَ بَيْنَنَا)؛ أي: بين المسلمين، والمشركين، وكون الكاتب هو عليّ بن أَبي طالب - ﵁ -، كما نصّ عليه في هذا الحديث هو المشهور. ويُروَى أن الكاتب هو محمد بن مسلمة، قال في «الفتح»: وأخرج عمر بن شَبّة من طريق عمرو بن سهيل بن عمرو، عن أبيه: «الكتاب عندنا، كاتِبُه محمد بن مسلمة». انتهى. قال: ويُجْمَع بأن أصل كتاب الصلح بخطّ عليّ - ﵁ -، كما هو في «الصحيح»، ونَسَخَ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو. قال: ومن الأوهام ما ذكره عمر بن شبة بعد أن حَكَى أن اسم كاتب الكتاب بين المسلمين وقريش عليّ بن أبي طالب من طُرُق، ثم أخرج من طريق أخرى أن اسم الكاتب محمد بن مسلمة، ثم قال: حدّثنا ابن عائشة يزيد بن عبيد الله بن محمد التيميّ، قال: كان اسم هشام بن عكرمة: بَغِيضًا، وهو الذي كتب الصحيفة، فَشُلّت يده، فسمّاه رسول الله - ﷺ - هشامًا. قال الحافظ: وهو غلطٌ فاحشٌ، فإن الصحيفة التي كتبها هشام بن عكرمة هي التي اتَّفَقَت عليها قريش لمّا حَصَرُوا بني هاشم في الشِّعْب، وذلك بمكة قبل الهجرة، والقصة مشهورة في السيرة النبوية، فتوهّم عمر بن شبة أن المراد بالصحيفة هنا كتاب القصّة التي وقعت بالحديبية، وليس كذلك، بل بينهما نحو عشر سنين، قال: وإنما كَتَبْت ذلك هنا خشية أن يَغترّ بذلك من لا معرفة له، فيعتقده اختلافًا في اسم كاتب القصّة بالحديبية، وبالله تعالى التوفيق. انتهى ، وهو تحقيقٌ مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: (هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ) بوزن فَاعَلَ، من قضيتُ الشيءَ؛ أي: فَصَلتُ الحكم فيه. وفيه جواز كتابة مثل ذلك في المعاقدات، والردّ على من منعه مُعتلًّا بخشية أن يُظَنّ فيها أنها نافية، نَبّه عليه الخطابيّ - ﵀ - . وقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) وفي نسخة: زيادة «ﷺ». وقوله: (فَأمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا) تقدّم أنه لغة في «يمحوها». وقوله: (فَلَمَّا أَنْ كَانَ) «أن» بعد «لمّا» زائدة للتوكيد، و«كان» هنا تامّة بمعنى جاء، أو حضر، ويَحْتَمِل اْن تكون ناقصةً، ويُقدّر خبرها؛ أي: فلما كان اليومُ الثالث حاضرًا. وقوله: (الْيَوْمُ الثَّالِثُ) كذا في بعض النسخ بالتوصيف، وهو واضح، ووقع في بعضها: «يومُ الثالثِ» بالإضافة، فيكون كمسجد الجامع، وصلاة الأُولى، من إضافة الموصوف إلى الصفة، ومثله يؤوّل عند البصريين، على حذف مضاف؛ أي: مسجد المكان الجامع، وصلاة الساعة الأولى، ويقدَّر هنا: يوم الزمان الثالث، والله تعالى أعلم. ووقع في نسخة شرح النوويّ بالإضافة، فقال: هكذا هو في النسخ كلِّها: «يوم الثالث» بإضافة «يوم» إلى «الثالث»، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقد سبق بيانه مرّات، ومذهب الكوفيين جوازه على ظاهره، ومذهب البصريين تقدير محذوف منه؛ أي: يوم الزمان الثالث. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «في النسخ كلّها» فيه نظر؛ لأنه وقع في بعضها؛ كالنسخة الهنديّة، والنسخة التركيّة، وهما من أجود نسخ مسلم، بلفظ: «اليوم الثالث» بالتوصيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ) يريدون النبيّ - ﷺ -. وقوله: (فَأْمُرْهُ) بهمزة ساكنة، لتقدّم حرف العطف عليه، وهي الفاء، فعل أمر من أمر يأمر، من باب نصر، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وإذا أمرت من هذا الفعل، ولم يتقدّمه حرف عطف، حَذَفت الهمزة على غير قياس، وقلت: مُرْه بكذا، ونظيره: «كُلْ، وخُذْ»، وإنْ تقدّمه حرف عطف، فالمشهور ردّ الهمزة على القياس، فيقال: وأمر بكذا، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢]، ولا يُعرف في «كُلْ»، و«خُذْ» إلا التخفيف مطلقًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ولا يُعرَف في «كُلْ»، و«خُذ» إلا التخفيف مطلقًا، قد أثبت فيهما أيضًا بقلّة ابن مالك - ﵀ -، فقال في «لاميّته»: وَشَذَّ بِالْحَذْفِ «مُرْ» و«خُذْ» وَفَشَا … و«أمُرْ» وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ «خُذْ» و«كُلَا» وقوله: (قَالُوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَوْم مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ، فَأْمُرْهُ، فَلْيَخْرُجْ، فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَخَرَجَ) قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث فيه حذف، واختصار، والمقصود أن هذا الكلام لم يقع في عام صلح الحديبية، وإنما وقع في السنة الثانية، وهي عمرة القضاء، وكانوا شارطوا النبيّ - ﷺ - في عام الحديبية أن يجيء بالعام المقبل، فيعتمر، ولا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، فجاء في العام المقبل، فأقام إلى أواخر اليوم الثالث، فقالوا لعليّ - ﵁ - هذا الكلامَ، فاختَصر الحديثَ، ولم يذكر أن الإقامة وهذا الكلام كانا في العام المقبل، واستغنى عن ذكره بكونه معلومًا، وقد جاء مبيّنًا في روايات أُخَر، مع أنه قد عُلِمَ أن النبيّ - ﷺ - لم يدخل مكة عام الحديبية، والله أعلم. قال: فإن قيل: كيف أحوجوهم إلى أن يطلبوا منهم الخروج، ويقوموا بالشرط؟. فالجواب: أن هذا الطلب كان قبل انقضاء الأيام الثلاثة بيسير، وكان عزم النبيّ - ﷺ -، وأصحابه - ﵃ - على الارتحال عند انقضاء الثلاثة، فاحتاط الكفار لأنفسهم، وطلبوا الارتحال قبل انقضاء الثلاثة بيسير، فخرجوا عند انقضائها؛ وفاءً بالشرط، لا أنهم كانوا مقيمين، لو لم يُطْلَب ارتحالهم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَقَالَ ابْنُ جَنَابٍ … إلخ) بيّن به اختلاف شيخيه: إسحاق بن إبراهيم، وأحمد بن جناب، فقال إسحاق في لفظة: «تَابَعْنَاكَ»، وقال أحمد: «بَايَعْنَاكَ».
مصادر المؤلف (٣٣)

١. «الفتح» ٦/ ٦٢٦، كتاب «الشروط» رقم (٢٧٣١).

٢. «الفتح» ٩/ ٢٥٥، كتاب «المغازي» رقم (٤١٤٧).

٣. وفي نسخة: «فكان».

٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٥.

٥. «الفتح» ٩/ ٣٥٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٢٥١).

٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٥ - ١٣٦.

٧. «المفهم» ٣/ ٦٣٥ - ٦٣٦.

٨. «إكمال المعلم» ٦/ ١٥١ - ١٥٢.

٩. «المفهم» ٣/ ٦٣٧ - ٦٣٨.

١٠. «الفتح» ٩/ ٣٥٦ - ٣٥٨، كتاب «المغازي» رقم (٤٢٥١).

١١. «الفتح» ٦/ ٥٨٤، كتاب «الصلح» رقم (٢٧٠٠).

١٢. راجع: «إكمال المعلم» ٦/ ١٥٢ - ١٥٣.

١٣. «شرح السنّة» ١١/ ١٦٠.

١٤. «النهاية في غريب الأثر» ١/ ٧٨٤.

١٥. «الصحاح» ص ٨٤٦.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٦.

١٧. «إكمال المعلم» ٦/ ١٥٢.

١٨. راجع: «التمهيد» ٢/ ٣٤ و١٢/ ١٢٤، و«الحاوي الكبير» ١٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧.

١٩. «إكمال المعلم» ٦/ ١٥٣ - ١٥٤.

٢٠. راجع: «إكمال المعلم» ٦/ ١٤٨ - ١٤٩ و«شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٥.

٢١. «السنن الكبرى» للنسائيّ - ﵀ - ٥/ ١٦٨.

٢٢. وفي نسخة زيادة «ﷺ».

٢٣. وفي نسخة: «فقال له».

٢٤. وفي نسخة: «فلما كان يوم الثالث» بالإضافة.

٢٥. قوله: «جناب» بالجيم، والنون، وقوله: «الْمِصِّيصيّ» بكسر الميم، وتشديد الصاد الأولى، هذا هو المشهور، ويقال أيضًا: بفتح الميم، وتخفيف الصاد. اهـ. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٠.

٢٦. «المصباح المنير» ١/ ١٣٨.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٦.

٢٨. «الفتح» ٦/ ٦٤٠ - ٦٤١، كتاب «الشروط» رقم (٢٧٣١).

٢٩. «القاموس المحيط» ص ٢٢٦.

٣٠. «الفتح» ٦/ ٦٤١ - ٦٤٢، كتاب «الشروط» رقم (٢٧٣١).

٣١. «الفتح» ٦/ ٦٤١ - ٦٤٢، كتاب «الشروط» رقم (٢٧٣١).

٣٢. «المصباح المنير» ١/ ٢١.

٣٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٨ - ١٣٩.