HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٨٤

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ. فيهم سهل بْنُ عَمْرٍو. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ (اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا بِاسْمِ اللَّهِ، فَمَا نَدْرِي مَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَلَكِنْ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ (اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ) قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رسول لَاتَّبَعْنَاكَ. وَلَكِنْ اكْتُبْ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ. وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ (نَعَمْ. إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ. وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص174
ج ٣ ص ١٤١١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٢٠٦
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٣] (١٧٨٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنَسٍ، أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ - ﷺ -، فِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَلِيٍّ: «اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم»، قَالَ سُهَيْلٌ: أمَّا بِاسْمِ اللهِ ، فَمَا نَدْرِي مَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ وَلَكِنِ اكتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقَالَ: «اكتُبْ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُول اللهِ»، قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَاتَّبَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ، وَاسْمَ أَبِيكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اكتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ لا، فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيّ - ﷺ - أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا، رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أنكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ:»نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا، وَمَخْرَجًا«). رجال هذا الإسناد: خمسة: وتقدّم نفسه قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ ثَابِتِ) بن أسلم البُنانيّ (عَنْ أنس) بن مالك - ﵁ - (أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ - ﷺ -)؛ أي: في الحديبية، (فِيهِمْ)؛ أي: في جملة من صالح، (سُهَيْلُ بْنُ عَمْرِو) بن عبد شمس بن عبد وَدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ القرشيّ العامريّ، خطيب قريش، أبو يزيد، قال البخاريّ: سكن مكة، ثم المدينة، وذكره ابن سميع في الأُولى ممن نزل الشام، وهو الذي تَوَلّى أمر الصلح بالحديبية. وله ذِكر في حديث ابن عمر - ﵄ - في الذين دعا النبيّ - ﷺ - عليهم في القنوت، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨]، زاد أحمد في روايته: «فتابوا كلُّهم». وروى حميد بن زنجويه في «كتاب الأموال» من طريق ابن أبي حسين، قال: «لما فَتَحَ رسول الله - ﷺ - مكة دخل البيت، ثم خرج، فوضع يده على عِضَادتي الباب، فقال: ماذا تقولون؟ فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرًا، ونظنّ خيرًا، أخٌ كريمٌ، وابن أخ كريم، وقد قَدَرت، فقال: أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]». وذكره ابن إسحاق فيمن أعطاه النبيّ - ﷺ - مائة من الإبل، من المؤلَّفة. وذكر ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن الشافعيّ: كان سهيل محمود الإسلام، من حين أسلم. ورَوَى البيهقيّ في «الدلائل» من طريق الحسن بن محمد ابن الحنفية، قال: قال عمر للنبيّ - ﷺ -: دَعْني أَنرخ ثنيتي سهيل، فلا يقوم علينا خطيبًا، فقال: «دعها، فلعلها أن تَسُرّك يومًا»، فلما مات النبيّ - ﷺ - قام سهيل بن عمرو، فقال لهم: من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيّ لا يموت. وروى أوله يونس بن بكير في مغازي ابن إسحاق عنه، عن محمد بن عمرو بن عطاء، وهو في «المحامليات» موصول من طريق سعيد بن أبي هند، عن عمرة، عن عائشة. وذكر ابن خالويه أن السرّ في قوله: أنزع ثنيتيه، أنه كان أعلم، والأعلم إذا نُزِعت ثنيتاه لم يستطع الكلام. وذكر الواقديّ من طريق مصعب بن عبد الله، عن مولى لسهيل، عن سهيل، أنه سمعه يقول: لقد رأيت يوم بدر رجالًا بِيضًا على خيل بُلْق، بين السماء والأرض، مُعَلِّمين، يقاتلون، ويأسرون. ورَوَى أبو قُرّة من طريق ابن أبي حسين، أن النبيّ - ﷺ - استهداه من ماء زمزم. وروى البخاريّ في «تاريخه»، والباورديّ، من طريق حُميد، عن الحسن قال: كان المهاجرون والأنصار بباب عمر، فجعل يَأذَن لهم على قَدْر منازلهم، وثَمَّ جماعة من الطُّلَقاء، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال لهم سهيل بن عمرو: على أنفسكم فاغضبوا، دُعِي القومُ، ودُعيتم، فأسرعوا، وأبطأتم، فكيف بكم إذا دُعيتم إلى أبواب الجنة؟ ثم خرج إلى الجهاد. وأخرجه ابن المبارك في «الجهاد» أتم منه. وروى ابن شاهين من طريق ثابت البنانيّ، قال: قال سهيل بن عمرو: والله لا أدع موقفًا وقفته مع المشركين، إلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقةً أنفقتها مع المشركين، إلا أنفقت على المسلمين مثلها، لعل أمري أن يتلو بعضه بعضها. وقال ابن أبي خيثمة: مات سهيل بالطاعون سنة ثمان عشرة، ويقال: قُتِل باليرموك، وقال خليفة: بمرج الصفر، والأول أكثر، واْنه مات بالطاعون. وأخرج ابن سعد، بإسناد له إلى أبي سعد بن أبي فَضَالة، وكانت له صحبة، قال: اصطحبت أنا وسهيل بن عمرو إلى الشام، فسمعته يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مقام أحدكم في سبيل الله ساعة من عمره خير من عمله عمره في أهله»، قال سهيل: فإنما أرابط حتى أموت، ولا أرجع إلى مكة، قال: فلم يزل مقيمًا بالشام، حتى مات في طاعون عَمَوَاس، ذكر هذا كلّه في «الإصابة» . (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَلِيٍّ)؛ أي: ابن أبي طالب - ﵁ -، («اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم»، قَالَ سُهَيْلٌ: أمَّا بِاسْمِ اللهِ) وفي بعض النسخ: «أما اسم الله» (فَمَا نَدْرِي)؛ أي: لا نعلم (مَا بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم؟)؟ أي: لأنهم لا يعرفون الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ الآية [الفرقان: ٦٠]، أو لأنهم لا يعرفون إلا رحمن اليمامة، قال في «الكشّاف»: كانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة - يعنون مسيلمة الكذّاب -، وكان يقال له: رحمان اليمامة، وهذا من تعنّتهم، وشدّة كفرهم، وإلا فقد كانوا يسمّون الله تعالى في جاهليّتهم بالرحمن، قال الإمام ابن كثير - ﵀ - في «تفسيره»: وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن، حتى ردّ الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لمّا قال رسول الله - ﷺ - لعَليّ: «اكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾»، فقالوا: لا نعرف الرحمن، ولا الرحيم، رواه البخاريّ، وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ [الفرقان: ٦٠]. قال: والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جُحود، وعناد، وتعنّت في كفرهم؛ فإنه قد وُجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن، قال ابن جرير: وقد أنشد لبعض الجاهلية الجُهَّال [من الطويل]: ألا ضَرَبَتْ تلك الفتاةُ هَجِينَها … ألا قَضَبَ الرحمنُ رَبّي يمينها وقال سلامة بن جندب الطهويّ [من الطويل]: عَجِلتم علينا عَجْلَتينَا عليكُمُ … وما يَشَأِ الرّحْمَنُ يُعْقَد ويُطْلَقِ ومما ذُكر من إطلاقهم الرحمن على مسيلمة قول بعضهم: سَمَوْتَ بِالْمَجْدِ يَا ابْنَ الأَكْرَمَيْنِ أَبًا … وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْتَ رَحْمَانَا وقد هجاه بعض المسلمين بقوله: سُمِيتَ بِالْخُبْثِ يَا ابْنَ الأَخْبَثَيْنِ أَبًا … وَأَنْتَ شَرُّ الْوَرَى لا زِلْتَ شَيْطَانَا (وَلَكِنِ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) وفي حديث المسور عند البخاريّ: «قال: فدعا النبيّ - ﷺ - الكاتب، فقال: اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال النبيّ - ﷺ -: اكتب باسمك اللهم». (فَقَالَ: «اكْتُبْ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُول اللهِ لا، قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَاتَّبَعْنَاكَ)، وفي حديث البراء:»لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولبايعناك«، وعند النسائيّ:»ما منعناك بيته«، وفي رواية:»لو كنت رسول الله لم نقاتلك«، وفي حديث المسور:»فقال سهيل بن عمرو: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك»، وفي رواية عروة في«المغازي»:«فقال سهيل: ظلمناك إن أقررنا لك بها، ومنعناك»، وفي حديث عبد الله بن مُغَفَّل:«لقد ظلمناك إن كنت رسولًا». (وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ، وَاسْمَ أَبِيكَ) وفي حديث عبد الله بن مغفل:«فقال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب»، (فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -:«اكْتُبْ مِنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ»)، وفي حديث المسور عند البخاريّ:«فقال النبيّ - ﷺ -: والله إني لرسول الله، وإن كذّبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله». قال القرطبيّ - ﵀ -: ليس معارِضًا للرواية التي تقدَّم ذكرها؛ إذ ليس فيها أن عليًّا كتب بيده، وإنما فيها: أنه - ﷺ - أمره بالكتابة كما أمره بالمحو، فلم يمح عليّ، ولم يكتب، فلمَّا امتنع عليٌّ منهما جميعًا للوجه الذي ذكرناه، قال له - ﷺ -:«أرني مكانها»، فأراه إيَّاه، فمحاه النبيّ - ﷺ -، وكتب بيده، على ما تقرر من المذهب الأول، وعليه تجتمع الروايات المختلفة. انتهى . (فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيّ - ﷺ - أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ)؛ أي: من المسلمين، (لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا، رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا) وفي حديث المسور عند البخاريّ:«فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا»، وفي رواية ابن إسحاق:«على أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممن يتّبع محمدًا لم يردّوه عليه». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«فاشترطوا عليه أن من جاء منكم لم نردّه، ومن جاء منا رددتموه علينا»لا خلاف بين الرواة والمتأولين أن الرجال داخلون في هذا اللفظ العامّ، واختلفوا: هل دخل فيهم النساء؟ فمنهم من منع ذلك، واستدلّ بما جاء في البخاريّ في«كتاب الشروط»، في هذا الحديث، وهو أنه قال:«ولا يأتيك منا رجل على دينك، إلا رددته إلينا»، وهذا نصّ، وعلى هذا، فلا يُحتاج إلى الاعتذار عن حبس النبيّ - ﷺ - النساء اللاتي أسلمن، وهاجرن إلى المدينة، ولا أن نقول في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] إنه ناسخ، والأكثر على أنهنّ دخلن في ذلك العموم، وقد رُوي أن سُبيعة بنت الحارث الأسلمية جاء زوجها صَيْفيّ يطلبها، وكانت أسلمت، وهاجرت، وكذلك أم كلثوم بنت عقبة، فجاء زوجها مسافرٌ يطلبها بالشروط، فأنزل الله تعالى الآية في النهي عن ردّهن، ورأوا أن هذه الآية ناسخة لِمَا تقرر بالشرط المتقدِّم الذي هو ردّهن إلى الكفار، والطريقة الأولى أحسن، وأبعد عن الإشكال؛ إذ لم يدخلن في الشرط. ثم اختلفوا فيما إذا صولح العدوّ على مثل هذا الشرط، فذهب الكوفيون إلى أن ذلك لا يجوز، لا في الرجال، ولا في النساء، ورأوا: أن كل ذلك منسوخ، ونحوَه حَكَى مكيّ في «الناسخ والمنسوخ» له عن المذهب، وذهب مالك في المشهور عنه، وحُكِي عن أصحاب الشافعيّ جواز ذلك، ولزومه في الرجال دون النساء، لكن بشرط أن يكونوا مأمونين على دمه. وقيل: إنما فعل النبيّ - ﷺ - ذلك لِضَعف المسلمين عن مقاومة عدوّهم في ذلك الوقت، وذلك لأنه إنما ردّ من ردّ، ممن جاء مسلمًا لآبائهم، وذوي أرحامهم؛ لِعَطْفهم عليهم، ولحبّهم فيهم، ولصحة إسلام من أسلم منهم، وللذي عَلِمَه النبيّ - ﷺ - من حال من رُدّ أنه سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا، وكذلك كان، وكلُّ هذه الأمور معدومة في حقّ غيره - ﷺ -، فلا يحتجّ بتلك القضية على جواز ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: وافقهم النبيّ - ﷺ - في ترك كتابة «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، وأنه كتب «باسمك اللهم»، وكذا وافقهم في «محمد بن عبد الله»، وترك كتابة «رسول الله - ﷺ -»، وكذا وافقهم في ردّ من جاء منهم إلينا، دون من ذهب منا إليهم، وإنما وافقهم في هذه الأمور؛ للمصلحة المهمّة الحاصلة بالصلح، مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور، أما البسملة، و«باسمك اللهم»، فمعناهما واحد، وكذا قوله: «محمد بن عبد الله»، هو أيضًا رسول الله - ﷺ -، وليس في ترك وصف الله - ﷾ - في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه - ﷺ - أيضًّا هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا يحل من تعظيم آلهتهم، ونحو ذلك. وأما شرطُ ردّ من جاء منهم، ومنعُ من ذهب إليهم، فقد بيَّن النبيّ - ﷺ - الحكمة فيهم، في هذا الحديث بقوله: «من ذهب منّا إليهم، فأبْعَدَه الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا»، ثم كان كما قال - ﷺ -، فجعل الله للذين جاءونا منهم، وردّهم إليهم فرجًا ومخرجًا - ولله الحمد - وهذا من المعجزات. قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلّهم، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبيّ - ﷺ - كما هي، ولا يَحِلُّون بمن يعلِّمهم بها مفصّلة، فلما حصل صلح الحديبية، اختلطوا بالمسلمين، وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وحَقوا باهلهم، وأصدقائهم، وغيرهم، ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبيّ - ﷺ - مفصَّلة بجزئياتها، ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوّته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرًا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خَلْق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلًا إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم؛ لِمَا كان قد تَمَهّد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ١، ٢]. انتهى كلام النوويّ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (فَقَالُوا)؛ أي: الصحابة - ﵃ - (يَا رَسُولَ الله، أنكْتُبُ هَذَا؟) إنما قالوا هذا استبعادًا، واستنكارًا لهذا الشرط القاسي، ولكنه - ﷺ - أجابهم، فـ (قَالَ: «نَعَمْ) نكتبه، ثم زاد لهم إيضاحًا يزيل عنهم الغيظ، فقال: (إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الشأن والحال، (مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ) مرتدًّا عن الإسلام (فَأَبْعَدَهُ اللهُ) يحتَمِل
مصادر المؤلف (٦)

١. وفي نسخة: «أما اسم الله».

٢. «الإصابة في تمييز الصحابة» للحافظ ابن حجر - ﵀ - ٣/ ١٧٧ - ١٧٨.

٣. «تفسير ابن كثير» ١/ ١٢٧ - ١٢٨.

٤. «المفهم» ٣/ ٦٣٨.

٥. «المفهم» ٣/ ٦٣٨ - ٦٣٩.

٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٩ - ١٤٠.