HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٨٥

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبد الله بن نمير. ح وحدثنا ابن نُمَيْرٍ (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ). حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ. حَدَّثَنَا حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ. لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا. وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ. فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْنَا عَلَى حق وهم على باطل؟ قالا (بَلَى) قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ (بَلَى) قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ. وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا) قَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا. فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ على رسول الله ﷺ بِالْفَتْحِ. فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوْ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ (نعم) فطابت نفسه ورجع.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص175
ج ٣ ص ١٤١١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١٣
[٤٢٢] وقول سَهْلِ بن حُنَيْف يدل على استصواب الاحتراز من الفتنة، والحُدَيْبِيَّة والجِعْرَانَة: مُخففان، وفي الحديث دلالة على فضيلة هذه الأمة؛ إذ وعد الله ﷿ إدخالَ المؤمنين الجنّة، و(الخُصْمُ): الجانب. ومن باب ذكر يوم الأحزاب
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٢١٣
أن يكون دعاء عليه بالإبعاد عن رحمة الله - ﷾ -، وَيحْتَمل أن يكون إخبارًا بذلك، (وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ) مسلمًا، فرددناه إليهم بهذا الشرط، فـ (سَيَجْعَلُ اللهُ) - ﷾ - (لَهُ فَرَجًا)؛ أي: انكشاف ما وقع له من إيذائهم (وَمَخْرَجًا»)؛ أي: مكان خروج من بلدة الكفر، إما بالهجرة، أو بفتح مكة، وكونها دار إسلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٤٦٢٣] (١٧٨٤)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٧/ ٣٨٥ و٣٨٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٢٦٨)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٣٣٢٣)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٤٨٧٠)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ٢٩٦)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (٩/ ٢٢٦)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٤] (١٧٨٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَتَقَارَبَا في اللَّفْظِ - حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ، حَدَّثَنَا حَبيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ، فَقَالَ: أيّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أنفُسَكُمْ، لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَة، وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُول اللهِ - ﷺ - وَبَيْنَ الْمُشْرِكينَ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، فَأتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، ألَسْنَا عَلَى حَقٍّ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: ألَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّة، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا، وَنَرْجعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟، فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْخَطَّاب، إِنِّي رَسُولُ الله، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أبدًا»، قَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ، فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا، فَأتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أبا بَكْرٍ، ألَسْنَا عَلَى حَقٍّ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: ألَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّاب، إِنَّهُ رَسُولُ الله، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أبدًا، قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُول اللهِ - ﷺ - بِالْفَتْح، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ، فَأقرَأَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَوَ فَتْحٌ هُو؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَرَجَعَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبله. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُوهُ) عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ الهمدانيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ) - بكسر السين المهملة، وتخفيف الياء التحتانيّة - الأسديّ الْحِمّانيّ الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع [٧]. رَوَى عن أبيه سياه، وحبيب بن أبي ثابت، وابن أبي عمرة، والأعمش، والشعبيّ، ومسلم الملائيّ، والأعور، والحكم بن عتيبة، وغيرهم. ورَوى عنه ابنه يزيد، وعبد الله بن نمير، وأبو معاوية، ويعلى بن عبيد، ويونس بن بكير، وعبيد الله بن موسى، ووكيع، وأبو نعيم، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو داود: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وهو من كبار الشيعة، وقال أبو حاتم: محلّه الصدق، ووثّقه العجليّ، وابن نمير، ويعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجهْ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. وقال في «الفتح»: «سياه» بالمهملة المكسورة، بعدها تحتانيّة خفيفةٌ، وبالهاء وصلًا ووقفًا، وهو مصروف، مع أنه أعجميّ، وكأنه ليس بِعَلَم عندهم. انتهى. «الفتح» ٧/ ٤٧٧، كتاب «الجزية» رقم (٣١٨٢). ٥ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، وكان كثير الإرسال، والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ١/ ١. ٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٧ - (سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ) بن واهب الأنصاريّ الأوسيّ، الصحابيّ البدريّ، واستخلفه عليّ على البصرة، ومات في خلافته - ﵄ - (ع) تقدم في «الجنائز» ٢٣/ ٢٢٢٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، أنه (قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) - ﵁ - بتصغير الاسم الثاني - (يَوْمَ صِفِّينَ) - بكسر الصاد، مثقّل الفاء -: موضع على الفرات، من الجانب الغربيّ، بطرف الشام، مقابل قَلْعَة نَجْم، وكان هناك وَقْعةٌ بين عليّ وبين معاوية - ﵄ -، وهو فِعْلِينٌ، من الصفّ، أو فِعّيلٌ، من الصُّفُون، فالنون أصليّة على الثاني، قاله الفيّوميّ . وقال ابن الأثير - ﵀ -: وفي حديث أبي وائل: «شَهِدتُ صِفِّين، وبئسَتِ الصِّفُّون»: فيها، وفي أمَثالها لُغَتان: إحدَاهُما: إجْرَاء الإعْراب على ما قبل النون مفتوحة؛ كجمْع السَّلامة، كما قال أبو وائل، والثانيةُ: أن تجعَل النون حرف الإعراب، وتُقَرّ الياء بحَالها، فتقولُ: هذه صِفّينُ، ومررتُ بصفِّينَ، وكذلك تقول: في قِنَّسْرِين، وفِلَسْطِين، وَيبْرِين. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: وصِفِّينُ كسِجِّينٍ: موضع قُرب الرَّقّة، بشاطئ الفُرات، كانت به الوقعة الْعُظمى بين عليّ ومعاوية - ﵄ -، غُرّة شهر صفر سنة (٣٧) من الهجرة، فمن ثَمّ احتَرَزَ الناسُ السفر في صفر . انتهى . وقال الشارح المرتضى - ﵀ - في «شرحه»: ولا اعتداد بفعل الناس، واحترازهم، فلا يُعتبر مع ورود الخبر بقوله - ﷺ -: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا صفر». قال: قال ابن بَرّيّ: وحقُّ صِفِّين أن يذكر في باب الفاء؛ لأن نونه زائدة، بدليل قولهم: صِفون، فيمن أعربه بالحروف، وفي حديث أبي وائل: «شَهِدت صِفِّين، وبئست الصِّفُّون»، وفي «تقريب المطالع»: الأغلب عليه التأنيث، وفي إعرابه أربع لغات: إعراب جمع المذكر السالم، وإعراب عَرْبُون، وإعراب غِسْلِين، ولزوم الواو مع فتح النون، وأصله في «المشارق» لعياض - ﵀ -، وبقي عليه إعراب ما لا ينصرف؛ للعَلَمية والتأنيت، أو شِبْهِ الزيادة، كما قاله عياض وغيره. وفي «المصباح» في صَفّ: هو فِعْلينٌ، من الصّفّ، أو فِعِّيل، من الصُّفُون، فالنون أصلية على الثاني، وكلُّ ذلك واجب الذكر، وقد تركه المصنّف - ﵀ -. انتهى كلام المرتضى - ﵀ - ، وهو تحقيق مفيدٌ. (فَقَالَ) سهل - ﵁ - (أيُّهَا النَّاسُ) بحذف حرف النداء، وهو جائز، كما قال الحريريّ - ﵀ - في «مُلحته»: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» (اتَّهِمُوا أنفُسَكُمْ)؛ أي: في هذا الرأي؛ لأن كثيرًا منهم أنكروا التحكيم، وقالوا: لا حُكْم إلا لله، فقال عليّ - ﵁ -: كلمة حق أريد بها باطلٌ، وأشار عليهم كبار الصحابة بمطاوعة عليّ - ﵁ -، وأن لا يُخالَف ما يشير به؛ لكونه أعلم بالمصلحة، وذكر لهم سهل بن حُنيف ما وقع لهم بالحديبية، وأنهم رأوا يومئذ أن يستمرّوا على القتال، ويخالفوا ما دُعُوا إليه، من الصلح، ثم ظهر أن الأصلح هو الذي كان شرع النبيّ - ﷺ - فيه، قاله في «الفتح» . وقال في موضع آخر: وإنما قال سهل بن حُنيف - ﵁ - لأهل صِفِّين ما قال؛ لِمَا ظَهر من أصحاب عليٍّ - ﵁ - كراهية التحكيم، فأعلمهم بما جرى يوم الحديبية، من كراهة أكثر الناس للصلح، ومع ذلك فأعقب خيرًا كثيرًا، وظهر أن رأي النبيّ - ﷺ - في الصلح أتمّ، وأحمدُ من رأيهم في المناجزة. انتهى . وقال أيضًا: والسبب في قول سهل - ﵁ - ذلك أن أهل الشام لمّا استشعروا أن أهل العراق شارفوا أن يغلبوهم، وكان أكثر أهل العراق من القراء الذين يبالغون في التديّن، ومن ثَمّ صار منهم الخوارج الذين مضى ذِكرهم، فأنكروا على عليّ - ﵁ -، ومن أطاعه الإجابة إلى التحكيم، فاستند عليّ إلى قصة الحديبية، وأن النبيّ - ﷺ - أجاب قريشًا إلى المصالحة، مع ظهور غَلَبته لهم، وتوقف بعض الصحابة أوّلًا، حتى ظهر لهم أن الصواب ما أمرهم به. قال: وأوّل الكرمانيّ كلام سهل بن حُنيف بحسب ما احتمله اللفظ، فقال: كأنهم اتهموا سهلًا بالتقصير في القتال حينئذ، فقال لهم: بل اتهموا أنتم رأيكم، فإني لا أُقصِّر، كما لم أكن مقصِّرًا يوم الحديبية وقت الحاجة، فكما توقفت يوم الحديبية من أجل أني لا أخالف حُكم رسول الله - ﷺ -، كذلك أتوقف اليوم لأجل مصلحة المسلمين. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قول سهل بن حنين - ﵁ -: «أيها الناس اتهموا أنفسكم»، وفي الأخرى: «رأيكم»؛ يعني به: التثبت فيما كانوا فيه، والتبصر، وألا يستعجلوا في أمورهم، ووجه استدلاله بها، أن تلك الحالة كان ظاهرها مكروهًا لهم، صعبًا عليهم، فلما تثبتوا في أمرهم، وأطاعوا رسول الله - ﷺ - جعل الله لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، فكأنه يقول لهم: إن صبرتم على المكروه، وتثبّتم في أمركم، واتقيتم الله، جعل الله لكم من هذه الفتن مخرجًا، كما جعله لأصحاب رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية. انتهى . وقال القاضي عياض - ﵀ -: وقول سهل بن حنيف - ﵁ -: «اتهموا أنفسكم» وذَكَر كراهة المسلمين صلح الحديبية: يريد سهل بن حنيف تبصير الناس بما في الصلح من الخير، وأنه قد يدل - وإن كان ظاهره مكروهًا - إلى المحبوب، كما كان في شأن الحديبية، وإنما كان ذلك لِمَا ظهر في أصحاب عليّ - ﵁ - من كراهة شأن التحكيم، ومراوضة الصلح، وكان الظهور لهم حتى رفع لهم أهل الشام المصاحف ودعوهم إليها، ورغبوا في المصالحة. وما كان مراجعة عمر - ﵁ - النبيّ - ﷺ - في شأن صلح الحديبية وما عَظُم على قلوب المسلمين منه وكرهوه، وما خالطهم من الحزن والكآبة، لرجوعهم دون تمام عمرتهم، وصدّ الكفار لهم عن البيت، وتثبطهم عن التحلل، رَجاءَ تمام ما خرجوا عليه، وقهْر النبيّ - ﷺ - لهم على الصلح، وكانوا متبصرين في قتال عدوّهم، وكان ذلك رأيهم، والله ورسوله أعلم بمصلحتهم، ولهذا قال عمر - ﵁ -: «علام نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟». والدنية: النقيصة، والحالة الخسيسة. والدنيّ بغير هَاء: الخسيس من كل شيء، ومنه قوله: المنيّة ولا الدنيّة؛ أي: ولا الحالة التي توجب على الإنسان ذلًا وخساسة. وجواب النبيّ - ﷺ - بما جاوبهم به من تثبّته ووعْده الفتح الذي كان من خيبر، ثم من مكة، ولم يكن ما كان من عمر - ﵁ - وسؤاله له - ﷺ - عما سأله عنه شكًّا من عمر ولا ريبًا، بل كشفًا لِمَا خفي عنه من ذلك، وحَثًّا على إذلال الكفر، وحرصًا على ظهور المسلمين، بما كان عليه من القوّة والعزة في دين الله، وموافقة جواب أبي بكر - ﵁ - بما جاوبه به النبيّ - ﷺ - دليل على فضل علمه وإيمانه، وقوّة يقينه على سائرهم. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال في «العمدة» عند قوله: «اتهموا رأيكم»: قال ذلك يوم صفين، وكان مع عليّ - ﵁ -؛ يعني: اتهموا رأيكم في هذا القتال، يَعِظُ الفريقين؛ لأن كلَّ فريق منهما يقاتل على رأي يراه، واجتهاد يجتهده، فقال لهم سهل: اتهموا رأيكم، فإنما تقاتلون في الإسلام إخوانكم، برأي رأيتموه، وكانوا يتهمون سهلًا بالتقصير في القتال، فقال: اتهموا رأيكم، فإني لا أُقَصِّر، وما كنت مقصِّرًا في الجماعة، كما في يوم الحديبية. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: أراد سهل - ﵁ - بهذا الكلام تصبير الناس على الصلح، وإعلامهم بما يُرجَى بعده من الخير، فإنه يُرجَى مصيره إلى خير، وإن كان ظاهره في الابتداء مما تكرهه النفوس، كما كان شأن صلح الحديبية، وإنما قال سهل هذا القول حين ظهر من أصحاب عليّ - ﵁ - كراهة التحكيم، فأعلَمَهم بما جرى يوم الحديبية، من كراهة أكثر الناس الصلح، وأقوالهم في كراهته، فأعقب خيرًا عظيمًا، فقرّرهم النبيّ - ﷺ - على الصلح، مع أن إرادتهم كانت مناجزة كفّار مكة بالقتال، ولهذا قال عمر - ﵁ -: «فعلامَ نُعطي الدنيّة في ديننا؟»، والله تعالى أعلم. انتهى . (لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ)؛ أي: يوم صدّ المشركين رسول الله - ﷺ -، وأصحابه بالحديبية عن الوصول إلى مكة لأداء العمرة، (وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا)؛ أي: لو نرى قتال المشركين مصلحة لَقاتَلْنا، والمعنى: إنما تركنا القتال في ذلك الوقت ليس جُبنًا، وفرارًا عنه، وإنما تركناه لمصلحة رأيناها في تركه، وإبرام الصلح معهم، فلو رأينا القتال مصلحة لَقاتَلنا. (وَذَلِكَ)؛ أي: ترْكُنا القتال، وميْلُنا إلى الصلح، (فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ) على أن يتركوا القتال مدّة عشر سنين، كما سبق بيانه (فَجَاءَ)؛ أي: فلمّا وقع الصلح على أمور صعبة على المسلمين، كأن يرجعوا إلى المدينة بلا أداء العمرة، وأن يردّوا إلى المشركين من جاء إليهم مسلمًا، وأن لا يطالبوا بمن جاء إلى المشركين منهم، (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - ﵁ - من رَحْله، (فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، ألَسْنَا عَلَى حَقٍّ) هو الإسلام، (وَهُمْ)؛ أي: كفّار قريش (عَلَى بَاطِلٍ؟) هو الكفر، وفي حديث المسور عند البخاريّ: «قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبيّ الله - ﷺ -، فقلت: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: بلى»، زاد الواقديّ من حديث أبي سعيد: «قال عمر: لقد دخلني أمر عظيمٌ، وراجعت النبيّ - ﷺ - مراجعةً، ما راجعته مثلها قطّ». وفي حديث المسور أيضًا من قول عمر للنبيّ - ﷺ -: «أوَ ليس كنت حدّثتنا أنا سنأتي البيت، فنطوف به؟»، وفي رواية ابن إسحاق: «كان الصحابة لا يشكّون في الفتح؛ لرؤيا رآها رسول الله - ﷺ -، فلمّا رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيمٌ، حتى كادوا يهلكون»، وعند الواقديّ: «أن النبيّ - ﷺ - كان رأى في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت، فلمّا رأوا تأخير ذلك شقّ عليهم». ويستفاد من هذا الفصل جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، وأن الكلام يُحمل على عمومه، وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد، وأن من حَلَف على فعل شيء، ولم يذكر مدّة معينة لم يحنَث، حتى تنقضي أيام حياته، قاله في «الفتح» . (قَالَ) - ﷺ - («بَلَى»، قَالَ) عمر - ﵁ - (أَليْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّة، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ) - ﷺ - («بَلَى»، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ) بفتح الدال المهملة، وكسر النون، وتشديد الياء آخر الحروف، وهي: النَّقِيصة، والخصلة الخسيسة، قال القرطبيّ - ﵀ -: قول عمر: «لِمَ نعطي الدنية في ديننا»؛ يعني بالدنيّة: الحالة الخسيسة، ويعني به: الصلح على ما شرطوا، ولم يكن ذلك من عمر شكًّا، ولا معارضة، بل كان استكشافًا لِمَا خَفِي عنه، وحثًّا على قتال أهل الكفر، وإذلالهم، وحرصًا على ظهور المسلمين على عدوهم، وهذا على مقتضى ما كان عنده من القوّة في دين الله، والجرأة والشجاعة التي خصَّه الله بها، وجواب النبيّ - ﷺ - وأبي بكر - ﵁ - بما جاوباه به يدل على أن عندهما من عِلْمِ باطن ذلك، وعاقبة أمره ما ليس عند عمر، ولذلك لم يسكن عمر حتى بشّره النبيّ - ﷺ - بالفتح، فسكن جأشه، وطابت نفسه. انتهى . (فِي) أمر (دِينِنَا، وَنَرْجِعُ) إلى المدينة، (وَلَمَّا) نافية؛ أي: لم (يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟) بإظهار الحقّ، ودحض الكفر، (فَقَالَ) - ﷺ - («يَا ابْنَ الْخَطَّاب، إِنِّي رَسُولُ الله، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أبدًا»)؛ أي: بعدم نصري، وإظهار الإسلام، وفي رواية للبخاريّ: «قال: إني رسول الله، ولست أعصيه»، وهذا تنبيه منه - ﷺ - لعمر - ﵁ -؛ أي: إنما أفعل هذا من أجل ما أطلعني الله عليه من حبس الناقة، وإني لست أفعل ذلك برأي، وإنما هو بوحي. (قَالَ: فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (عُمَرُ) - ﵁ - (فَلَمْ يَصْبِرْ)؛ أي: لم يحبس نفسه في مجلس النبيّ - ﷺ -، بل ذهب، وقوله: (مُتَغَيِّظًا) حال من «عمر»؛ أي: انطلق من المجلس حال كونه ممتلئ الغيظ من الصلح، و«الغيظ»: شدّة الغضب، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الغَيْظُ: الغضب المحيط بالْكَبِد، وهو أشدّ الْحَنَق، وفي التنزيل: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وهو مصدر مِنْ غَاظَهُ الأمرُ، من باب سار، قال ابن الأعرابيّ - كما حكاه الأزهريّ -: غَاظَهُ يَغِيظُهُ، وأَغَاظَهُ بالألف، واسم المفعول من الثلاثيّ مَغِيظٌ، قال الشاعر [من البسيط]: مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا … مَنَّ الفَتَى وَهُوَ المَغِيظُ المُحْنَقُ واغْتَاظَ فلان من كذا، ولا يكون الغَيْظُ إلا بوصول مكروه إلى المُغْتَاظ، وقد يقام الغَيْظُ مقام الغضب في حقّ الإنسان، فيقال: اغْتَاظَ من لا شيءٍ، كما يقال: غَضِب من لا شيءٍ، وكذا عكسه. انتهى . (فَأَتى) عمر - ﵁ - (أبا بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (فَقَالَ: يَا أبا بَكْرٍ، ألَسْنَا عَلَى حَقٍّ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ) أبو بكر - ﵁ - (بَلَى، قَالَ) عمر - ﵁ - (ألَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّة، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ) أبو بكر (بَلَى، قَالَ) عمر (فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ) أبو بكر - ﵁ - (يَا ابْنَ الْخَطَّاب، إِنَّهُ رَسُولُ الله، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أبَدًا) قال النوويّ: - ﵀ -: قال العلماء: لم يكن سؤال عمر - ﵁ -، وكلامه المذكور شكًّا، بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحَثًّا على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما عُرِف من خُلُقه - ﵁ -، وقوّته في نُصرة الدين، وإذلال المبطلين، وأما جواب أبي بكر - ﵁ - لعمر بمثل جواب النبيّ - ﷺ - فهو من الدلائل الظاهرة على عَظِيم فضله، وبارع علمه، وزيادة عرفانه، ورسوخه في كل ذلك، وزيادته في ذلك كلِّه على غيره - ﵁ -. انتهى . وقال في «الفتح» ما حاصله: لم يراجع عمر - ﵁ - أحدًا في ذلك بعد رسول الله - ﷺ - غير أبي بكر الصديق - ﵁ -، وذلك لجلالة قدره، وسعة علمه عنده، وفي جواب أبي بكر لعمر - ﵄ - بنظير ما أجابه النبيّ - ﷺ - سواءً دلالة على أنه كان أكمل الصحابة - ﵃ -، وأعرفهم بأحوال رسول الله - ﷺ -، وأعلمهم بأمور الدين، وأشدّهم موافقةً لأمر الله تعالى، وقد وقع التصريح في هذا الحديث بأن المسلمين استنكروا الصلح المذكور، وكانوا على رأي عمر في ذلك، وظهر من هذا الفصل أن الصدّيق لم يكن في ذلك موافقًا لهم، بل كان قلبه على قلب رسول الله - ﷺ - سواءً، وفي الهجرة أن ابن الدَّغِنَة وَصَفَ أبا بكر الصديق - ﵁ - بنظير ما وصفت به خديجة رسول الله - ﷺ - سواءً، من كونه يَصِل الرحم، ويَحْمِل الْكَلّ، ويعين على نوائب الحقّ، وغير ذلك، فلما كانت صفاتهما متشابهة من الابتداء استمرّ ذلك إلى الانتهاء. انتهى . (قَالَ) سهل بن حُنيف - ﵁ - (فَنَزَلَ الْقُرْآنُ) المراد أنه نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]، ففيه إطلاق القرآن على بعضه، (عَلَى رَسُول اللهِ - ﷺ - بِالْفَتْح)؛ أي: قوله - ﷿ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ … إلخ (فَأَرْسَلَ) النبيّ - ﷺ - (إِلَى عُمَرَ) - ﵁ - (فَاقرأَهُ إِيَّاهُ)؛ أي: القرآن المنزل بالفتح (فَقَالَ) - ﵁ - (يَا رَسُولَ الله، أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟)؛ أي: الصلح الواقع في الحديبية يعدّ فتحًا، والهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على محذوف خبرٍ لمقدّر؛ أي: أهذا نصر، وفتح؟ (قَالَ) - ﷺ - («نَعَمْ») هو فتح عظيم، ونصر جسيم؛ إذ ترتّب عليه مصالح عظيمة، وفتوحات جسيمة، فقد حصل في زمن الهدنة فتح خيبر، وقسمة غنائمها على المسلمين، وكذلك مغانم أخرى، وانتشرت الدعوة الإسلاميّة في البلدان النائية، واستطاعوا أن يرسلوا كتب الدعوة إلى ملوك الأقاليم، وقد بيَّن الله - ﷾ - فتحًا عظيمًا، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾ [الفتح: ١٨ - ٢١]. (فَطَابَتْ نَفْسُهُ)؛ أي: انشرح صدر عمر - ﵁ - لهذا الصلح، (وَرَجَعَ) إلى رَحْله راضيًا مسرورًا، قال النوويّ - ﵀ -: وكان الفتح هو صلحَ يوم الحديبية، فقال عمر - ﵁ -: أَوَ فتحٌ هو؟ قال رسول الله - ﷺ -: «نعم»؛ لِمَا فيه من الفوائد التي قدّمنا ذكرها، وفيه إعلام الإمام، والعالم كبار أصحابه بما يقع له من الأمور المهمّة، والبعث إليهم لإعلامهم بذلك ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن حُنيف - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٤٦٢٤ و٤٦٢٥ و٤٦٢٦ و٤٦٢٧] (١٧٨٥)، و(البخاريّ) في «الجزية» (٣١٨١ و٣١٨٢) و«المغازي» (٤١٨٩) و«التفسير» (٤٨٤٤) و«الاعتصام» (٧٣٠٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٤٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٥٥١)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٤٨٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٩٦ و٢٩٧ و٢٩٨)، و(الطبرانيّ) في «الصغير» (٢/ ٥٧) و«الكبير» (٦/ ٨٨)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٦/ ٧٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٢٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما أصاب المسلمين من شدّة الغضب على صلح الحديبية؛ لظنهم أنه فيه هضمًا لهم، وإذلالًا، إلا أنه - ﷺ - رأى ما هو أصلح من ذلك، فوافق على الصلح، فكان خيرًا لهم. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر - ﵁ - من الشدّة والصلابة في الدين، بحيث إنه لم يستطع أن يسكت، فأتى إليه - ﷺ -، فكلّمه، بغلظة، إلا أنه أجابه بما اقتنع به، فرجع مقتنعًا. ٣ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر - ﵁ - على سائر الصحابة، فإنهم انزعجوا لذلك الصلح، وهو ثابتٌ غير قَلِق؛ لقوّة إيمانه، وشدّة تمسّكه بوعد الله تعالى الذي لا يُخلف: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. ٤ - (ومنها): بيان سبب نزول «سورة الفتح»، وهو قضيّة الحديبية. ٥ - (ومنها): أن ما ترتّب عليه الفتح يسمّى فتحًا، فإن صلح الحديبية جاء بعد فتح خيبر، وغيرها، فسُمي فتحًا، حتى قال عمر - ﵁ -: «أوَ فتح هو؟»، فقال - ﷺ -: «نعم». ٦ - (ومنها): بيان ذمّ الرأي، فقد قال سهل - ﵁ -: «أيها الناس اتّهموا رأيكم على دينكم»، وقد جاء عن عمر - ﵁ - نحوه، ولفظه: «اتقوا الرأي في دينكم»، أخرجه البيهقيّ في «المدخل»، هكذا مختصرًا، وأخرجه هو والطبريّ، والطبرانيّ مُطَوَّلًا، بلفظ: اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتُني أردّ أمر رسول الله - ﷺ - برأيي اجتهادًا، فوالله ما آلو عن الحقّ، وذلك يوم أبي جندل، حتى قال لي رسول الله - ﷺ -: «تراني أَرْضى، وتأبى». والحاصل أن المصير إلى الرأي إنما يكون عند فقد النصّ، وإلى هذا يومئ قول الشافعيّ - ﵀ - فيما أخرجه البيهقيّ بسند صحيح، إلى أحمد بن حنبل، قال: سمعت الشافعيّ يقول: القياس عند الضرورة، ومع ذلك فليس العامل برأيه على ثقة من أنه وقع على المراد، من الحُكْم في نفس الأمر، وإنما عليه بذل الوسع في الاجتهاد؛ ليؤجَر، ولو أخطأ، وبالله التوفيق. وأخرج البيهقيّ في «المدخل»، وابن عبد البر في «بيان فضل العلم» عن جماعة من التابعين؛ كالحسن، وابن سيرين، وشُريح، والشعبيّ، والنخعيّ، بأسانيد جياد ذَمَّ القول بالرأي المجرّد، وَيجمَع ذلك كلَّه حديثُ أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لِمَا جئت به»، أخرجه الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات، وقد صححه النوويّ في آخر «الأربعين». وأما ما أخرجه البيهقيّ من طريق الشعبيّ، عن عمرو بن حريث، عن عمر - ﵁ -، قال: «إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضَلُّوا، وأضلوا»، فظاهرٌ في أنه أراد ذمّ من قال بالرأي مع وجود النصّ من الحديث؛ لإغفاله التنقيب عليه، فهذا يلام، وأولى منه باللوم مَن عَرَف النصّ، وعَمِل بما عارضه من الرأي، وتكَلَّف لردّه بالتأويل. وقال ابن عبد البرّ - ﵀ - في «بيان فضل العلم» بعد أن ساق آثارًا كثيرةً في ذمّ الرأي ما مُلَخَّصه: اختَلَفَ العلماء في الرأي المقصود إليه بالذمّ في هذه الآثار، مرفوعِهَا، وموقوفها، ومقطوعها، فقالت طائفة: هو القول في الاعتقاد بمخالفة السنن؛ لأنهم استعملوا آراءهم، وأقيستهم في ردّ الأحاديث، حتى طَعَنوا في المشهور منها الذي بلغ التواتر، كأحاديث الشفاعة، وأنكروا أن يَخْرُج أحدٌ من النار، بعد أن يدخلها، وأنكروا الحوض، والميزان، وعذاب القبر، إلى غير ذلك، من كلامهم في الصفات، والعلم، والنظر. وقال أكثر أهل العلم: الرأي المذموم الذي لا يجوز النظر فيه، ولا الاشتغال به هو ما كان في نحو ذلك من ضروب البِدَع، ثم أسند عن أحمد بن حنبل، قال: لا تكاد ترى أحدًا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَلٌ. قال: وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة هو القول في الأحكام بالاستحسان، والتشاغل بالأُغلوطات، وردّ الفروع بعضها إلى بعض، دون ردّها إلى أصول السنن، وأضاف كثير منهم إلى ذلك من يتشاغل بالإكثار منها قبل وقوعها؛ لِمَا يلزم من الاستغراق في ذلك من تعطيل السنن. وقوَّى ابن عبد البرّ هذا القول الثاني، واحتَجَّ له، ثم قال: ليس أحد من علماء الأمة يَثْبُت عنده حديث عن رسول الله - ﷺ - بشيء، ثم يردّه إلا بادّعاء نسخ، أو معارضة أثر غيره، أو إجماع، أو عمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك بغير ذلك لسقط ت عدالته، فضلًا عن أن يُتَّخَذ إمامًا، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك. ثم ختم الباب بما بلغه عن سهل بن عبد الله التستريّ الزاهد المشهور، قال: ما أحدث أحدٌ في العلم شيئًا إلا سئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السُّنَّة سَلِمَ، وإلا فلا، ذكر هذا كلّه في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَمُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، يَقُولُ بِصِفِّينَ: أيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأيَكُمْ، وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُول اللهِ - ﷺ - لَرَدَدْتُهُ، وَاللهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ قَطُّ، إِلا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ، إِلَّا أَمْرَكُمْ هَذَا، لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِلَى أَمْرٍ قَط). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧)، وهو ابن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو مُعَاوَيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. والباقون ذُكروِا قبله. وقوله: (بِصِفِّينَ) قال في «الفتح»: المشهور في «صِفّين» كسر الصاد المهملة، وبعضهم فَتَحها، وجزم بالكسر جماعة من الأئمة، والفاء مكسورة، مثقَّلة، اتفاقًا، والأشهر فيها بالياء قبل النون؛ كمارِدِين، وفلسطين، وقِنِّسرين، وغيرها، ومنهم من أبدل الياء واوًا في الأحوال، وعلى هاتين اللغتين فإعرابها إعراب غِسْلين، وعَرْبون، ومنهم من أعربها إعراب جمع المذكر السالم، فتتصرف بحسب العوامل، مثل: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٨، ١٩]، ومنهم من فتح النون مع الواو لزومًا، نَقَل كل ذلك ابن مالك، ولم يذكر فتح النون مع الياء لزومًا. انتهى . وقوله: (اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ) وفي الرواية: «اتهموا رأيكم على دينكم»؛ أي: لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرّد الذي لا يستند إلى أصل من الدين، وهو كنحو قول عليّ - ﵁ - فيما أخرجه أبو داود بسند حسن: «لو كان الدين بالرأي، لكان مسح أسفل الخفّ أولى من أعلاه». وقوله: (لَقَدْ رَأَيْتُني)؛ أي: رأيت نفسي. وقوله: (يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ) - بالجيم، والنون، وزانُ جعفر - وكان اسمه العاصي، فتركه لَمّا أسلم، وله أخ اسمه عبد الله، أسلم أيضًا قديمًا، وحضر مع المشركين بدرًا، ففرّ منهم إلى المسلمين، ثم كان معهم بالحديبية، ووَهِمَ من جعلهما واحدًا، وقد استُشهِد عبدُ الله باليمامة، قبل أبي جندل بمدّة، وأما أبو جندل، فكان حُبِس بمكة، ومُنِع من الهجرة، وعُذِّب بسبب الإسلام، وفي رواية ابن إسحاق: «فإن الصحيفة لتُكْتَب إذ طلع أبو جندل بن سهيل، وكان أبوه حبسه، فأفلت»، وفي رواية أبي الأسود، عن عروة: «وكان سُهيل أوثقه، وسجنه حين أسلم، فخرج من السجن، وتنكّب الطريق، وركب الجبال، حتى هبط على المسلمين، ففرِحَ به المسلمون، وتلقوه»، ذكره في «الفتح» . وقوله: (يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ) هو يوم الحديبية، و«أبو جندل» - بفتح الجيم، وسكون النون - واسمه العاص بن سُهيل بن عمرو، وإنما نَسَبَ اليوم إليه، ولم يقل: يوم الحديبية؛ لأن ردّه إلى المشركين كان شاقًّا على المسلمين، وكان ذلك أعظم عليهم من سائر ما جرى عليهم من سائر الأمور، وكان أبو جَنْدَل جاء إلى النبيّ - ﷺ - من مكة مسلمًا، وهو يجرّ قيوده، وكان قد عُذِّب على الإسلام، فقال سهل والده: يا محمد هذا أوّلُ ما أقاضيك عليه، فَرَدّ عليه أبا جندل، وهو ينادي: أتردّونني إلى المشركين، وأنا مسلم، وترون ما لقيت من العذاب في الله؟ فقام سهل إلى ابنه بحجر، فكسر قيده، فغارت نفوس المسلمين يومئذ، حتى قال عمر - ﵁ -: ألسنا على الحقّ؟ فعلى ما نعطي الدنيّة في ديننا؟ أي: لِمَ نَرُدُّ أبا جندل إليهم، ولا نقاتلهم، ولا نرضى بهذا الصلح؟ . وفي حديث المسور عند البخاريّ: «قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُردّ إلى المشركين، وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقِيتُ؟ وكان قد عُذّب عذابًا شديدًا في الله»، زاد ابن إسحاق: «فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا جندل اصْبِرْ، واحتسب، فإنا لا نَغْدِر، وإن الله جاعل لك فرجًا، ومخرجًا»، وفي رواية أبي المليح: «فأوصاه رسول الله - ﷺ -، قال: فوثب عمر مع أبي جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر، فإنما هم مشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب، قال: ويُدني قائمة السيف منه، يقول عمر: رجوت أن يأخذه مني، فيضرب به أباه، فضَنّ الرجل»؛ أي: بخل بأبيه، ونفذت القضية. قال الخطابيّ - ﵀ -: تأوّل العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين: أحدهما: أن الله قد أباح التقِيَّةَ للمسلم، إذا خاف الهلاك، ورَخَّصَ له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان، إن لم يُمكنه التورية، فلم يكن ردّه إليهم إسلامًا لأبي جندل إلى الهلاك مع وجوده السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية. والوجه الثاني: أنه إنما ردّه إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به الهلاكَ، وإن عذبه، أو سجنه، فله مندوحة بالتقية أيضًا، وأما ما يُخاف عليه من الفتنة، فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به صبر عباده المؤمنين. واختَلَفَ العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يُرَدّ إليهم من جاء مسلمًا من عندهم إلى بلاد المسلمين، أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دلّت عليه قصة أبي جندل، وأبي بصير، وقيل: لا، وأن الذي وقع في القصة منسوخ، وأن ناسخه حديث: «أنا بريء من مسلم بين مشركين»، وهو قول الحنفية، وعند الشافعية تفصيل بين العاقل والمجنون والصبيّ، فلا يُردّان، وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الردّ: أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب، والله أعلم، قاله في «الفتح» . وقوله: (وَلَوْ أنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُول اللهِ - ﷺ - لَرَدَدْتُهُ) أشار سهل - ﵁ - بهذا الكلام إلى جواب الذين اتهموه بالتقصير في القتال يوم صفين، فقال: كيف تنسبونني إلى التقصير؟ فلو كان لي استطاعة على ردّ أمر النبيّ - ﷺ - يوم الحديبية لرددته، ولم يكن امتناعي عن القتال يومئذ للتقصير، وإنما كان لأجل أمر النبيّ - ﷺ - بالصلح. وقوله: (وَاللهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا … إلخ)؛ يعني: ما جرّدنا سيوفنا في الله. وقوله: (إِلَى أَمْرٍ قَطُّ) وفي الرواية التالية: «إلى أمر يُفظعنا» - بالظاء المعجمة المكسورة، بعد الفاء الساكنة -؛ أي: يوقعنا في أمر فظيع، وهو الشديد في القبح ونحوه، قاله في «الفتح» . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: فَظُع الأمر فَظَاعةً: جاوز الحدّ في القُبح، فهو فَظِيعٌ، وأفظع إفظاعًا، فهو مُفظع مثله، وأُفْظِعَ الرجلُ، بالبناء للمفعول: نَزَلَ به أمر شديدٌ. انتهى . وقوله: (إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ)؛ أي: سلكن بنا طريقًا سهلًا يوصلنا إلى الأمر الذي نعرف كونَهُ صالحًا لنا، ورافقًا بنا. وقال في «الفتح»: قوله: «أسهلن» بسكون اللام، بعد الهاء والنون المفتوحتين، والمعنى: أنزلننا في السهل من الأرض؛ أي: أفْضَيْنَ بنا، وهو كناية عن التحوّل من الشدّة إلى الفرج . وقال عياض - ﵀ -: استعارة من نزول السهل من الأرض، والخروج إلى السعة من الضيق، وإلى اللين من الشدة . وقوله: (إِلَّا أَمْرَكُمْ هَذَا)؛ يعني: أمر الفتنة التي وقعت بين المسلمين في صفّين وغيره، فإنها مشكلة حيث حَلَّت المصيبة بقتل المسلمين. ومراد سهل - ﵁ -: أنهم كانوا إذا وقعوا في شدّة يحتاجون فيها إلى القتال في المغازي، والثبوت، والفتوح العُمَرية، عَمَدُوا إلى سيوفهم، فوضعوها على عواتقهم، وهو كناية عن الجِدّ في الحرب، فإذا فعلوا ذلك انتصروا، وهو المراد بالنزول في السهل، ثم استثنى الحرب التي وقعت بصفِّين؛ لِمَا وقع فيها من إبطاء النصر، وشدّة المعارضة من حجج الفريقين؛ إذ حجة عليّ ومن معه ما شُرع لهم من قتال أهل البغي، حتى يرجعوا إلى الحقّ، وحجة معاوية، ومن معه ما وقع من قتل عثمان مظلومًا، ووجود قَتَلَتِه بأعيانهم في العسكر العراقيّ، فعظُمت الشبهة حتى اشتدّ القتال، وكثر القتل في الجانبين، إلى أن وقع التحكيم، فكان ما كان . وقوله: (لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِلَى أَمْرٍ قَط) أراد به بيان اختلاف شيخيه: محمد بن العلاء، ومحمد بن نُمير، فالأول قال بعد قوله: «على عواتقنا»: «إلى أمر قطّ»، والثاني لم يذكر ذلك في روايته. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٦] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الإسْنَاد، وَفي حَدِيثِهِمَا: إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٦. ٢ - (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم الحنظليّ المعروف بابن راهويه، ذُكر في الباب. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب كتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. ٥ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح، تقدّم في الباب الماضي. و«الأعمش» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية جرير، ووكيع كلاهما عن الأعمش التي أحالها المصنّف على رواية أبي معاوية الماضية، لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٧] (…) - (وَحَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ بِصِفِّينَ، يَقُولُ : اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُني يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْمٍ، إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ). رجال هذا الاسنادة ستة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ) أبو إسحاق الطبريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، حافظٌ، تُكُلّم فيه بلا حجة [١٠] مات في حدود (٢٥٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧٢. ٢ - (أَبُو أُسَامَة) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة - أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٦. ٤ - (أَبُو حَصِينٍ) عثمان بن عاصم بن حصين الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، ربّما دلّس [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُول اللهِ - ﷺ -) جواب «لو» محذوف؛ أي: لفعلت ذلك. وقال النوويّ - ﵀ -: هكذا وقع الحديث في نسخ «صحيح مسلم» كلِّها، وفيه محذوف، وهو جواب «لَوْ» تقديره: ولو أستطيع أن أردّ أمره - ﷺ - لرددته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾ [سبأ: ٣١]، ونظائرُهُ، فكله محذوف جواب «لو»؛ لدلالة الكلام عليه. انتهى . وقوله: (مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْمٍ، إِلا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ) قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «ما فتحنا منه خُصْمًا، فالضمير في»منه«عائد إلى قوله:»اتهموا رأيكم«، ومعناه: ما أصلحنا من رأيكم، وأمركم هذا ناحيةً، إلا انفتحت أخرى، ولا يصح إعادة الضمير إلى غير ما ذكرناه. وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله:«ما فتحنا منه خُصْمًا»، كذا هو جاء الكلام في«صحيح مسلمًا، وهو غلط أو تغيير وصوابه: ما سددنا منه خصمًا، وكذا هو في رواية البخاريّ: »ما سَدَدْنا«، وبه يستقيم الكلام، ويتقابل سددنا بقوله: إلا انفجر، وأما الْخُصْم فبضم الخاء، وخصم كلّ شيء: طرفه وناحيته،
مصادر المؤلف (٣٢)

١. وقال النوويّ في «شرحه» (١٢/ ١٤٠): هو بسين مهملة مكسورة، ثم ياء مثنّاة من تحتُ مخفّفة، ثم ألف، ثم هاء في الوقف والدرج، على وزن مِيَاهٍ، وشِيَاهٍ. انتهى.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٣.

٣. «النهاية في غريب الأثر» ٣/ ٧٢.

٤. هذا من مزاعم الجاهليّة، وأثر من آثار الشرك، جاء الإسلام يُبطله، فلا يجوز لمسلم أن يشاءم بأيّ شهر، ولا بأيّ يوم، ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «لا عدوى، ولا صَفَر، ولا هامة»، فقد فُسّر قوله: «ولا صفر» بأنه الشهر المعروف، كانوا يتشاءمون بدخوله، ويزعمون أن فيه يكثر الدواهي والفتن، وقيل غير ذلك.

٥. «القاموس المحيط» ص ٧٤٥.

٦. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٩/ ٢٦٠ - ٢٦١.

٧. «الفتح» ٨/ ٥٨٨.

٨. «الفتح» ٧/ ٤٧٧، كتاب «الجزية» رقم (٣١٨٢).

٩. «الفتح» ١٧/ ١٩٢.

١٠. «المفهم» ٣/ ٦٤٠.

١١. «إكمال المعلم» ٦/ ١٥٤ - ١٥٥.

١٢. «عمدة القاري» ١٥/ ١٠٣.

١٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٠ - ١٤١.

١٤. «الفتح» ٦/ ٦٤٦، كتاب «الشروط» رقم (٢٧٣١).

١٥. «المفهم» ٣/ ٦٤٠.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٩.

١٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤١.

١٨. «الفتح» ٦/ ٦٤٦، كتاب «الشروط» رقم (٢٧٣١).

١٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٢.

٢٠. «الفتح» ١٧/ ١٩٣ - ١٩٤، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٠٨).

٢١. وفي نسخة: «يا أيها الناس».

٢٢. «الفتح» ١٧/ ١٩٢، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٠٨).

٢٣. «الفتح» ٦/ ٦٤٣ - ٦٤٤، كتاب «الشروط» رقم (٢٧٣١).

٢٤. «عمدة القاري» ١٥/ ١٠٣ - ١٠٣.

٢٥. «الفتح» ٦/ ٦٤٥، كتاب «الشروط» رقم (٢٧٣١).

٢٦. «الفتح» ١٧/ ١٩١، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٠٨).

٢٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٨.

٢٨. «الفتح» ١٧/ ١٩١، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٠٨).

٢٩. «إكمال المعلم» ٦/ ١٥٥.

٣٠. «الفتح» ١٧/ ١٩١ - ١٩٢، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٠٨).

٣١. وفي نسخة: «يقول بصفّين».

٣٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٢ - ١٤٣.