HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٨٦

وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مبينا ليغفر لك الله﴾ إلى قوله: فوزا عظيما. [٤٨ /الفتح /الآيات ١ - ٥] مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُمْ يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ. وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ. فَقَالَ (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جميعا).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص176
ج ٣ ص ١٤١٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٢٣٣
وشَبَّهه بخصم الراوية، وانفجار الماء من طرفها، أو بخصم الْغِرَارة، والْخُرْج، وانصباب ما فيه بانفجاره . وقال النوويّ - ﵀ -: وفي هذه الأحاديث دليل لجواز مصالحة الكفار إذا كان فيها مصلحة، وهو مجمع عليه عند الحاجة، ومذهبنا أن مدّتها لا تزيد على عشر سنين، إذا لم يكن الإمام مستظهرًا عليهم، وان كان مستظهرًا لم يزد على أربعة أشهر، وفي قولٍ يجوز دون سنة، وقال مالك: لا حدّ لذلك، بل يجوز ذلك قلّ أم كثر، بحسب رأي الإمام، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن ما ذهب إليه مالك من الإطلاق، هو الظاهر، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٨] (١٧٨٦) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِث، حَدَّثنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٥]، مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَة، وَهُمْ يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ، وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَة، فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَليٍّ الْجَهْضَمِيِّ) البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مهران البصريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. و«أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵁ -» ذُكر في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالبصريين، من أوله إلى آخره، وفيه أنس بن مالك - ﵁ - المشهور بخدمة النبيّ - ﷺ -، خدمه عشر سنين، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة، وقد عُمّر أكثر من مائة سنة بدعاء النبيّ - ﷺ -. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السدوسيّ البصريّ (أَنَّ أنسَ بْنَ مَالِكٍ) - ﵁ - (حَدَّثَهُمْ، قَالَ) أنس - ﵁ - (لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾، مَرْجِعَهُ) بفتح الميم، وسكون الراء، والجيم مكسورةٌ، ويجوز فتحها، وهو منصوب على الظرفية متعلّق بـ «نزلت»؛ أي: وقت رجوعه (مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ)؛ أي: من غزوتها. [تنبيه]: اختُلِف في المكان الذي نزلت فيه على النبيّ - ﷺ -، فوقع عند محمد بن سعد: بِضَجْنان، وهي - بفتح المعجمة، وسكون الجيم، ونون خفيفة - وعند الحاكم في «الإكليل»: بكُرَاع الْغَمِيم، وعن أبي معشر: بالجحفة، والأماكن الثلاثة متقاربة، ذكره في «الفتح» . (وَهُمْ)؛ أي: الحال أن الصحابة - ﵃ - (يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ) بضمّ، فسكون، أو بفتحتين، قال المجد: - ﵀ -: الْحُزْن بالضمّ، ويُحرَّكُ: الْهَمّ، جمْعُه أَحْزانٌ، حَزِن، كفَرِح، وتحزّن، وتحازنَ، واحتزن. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: حَزِنَ حَزَنًا، من باب تَعِبَ، والاسم: الْحُزْنُ بالضمّ، فهو حزينٌ، ويتعدّى في لغة قريش بالحركة، يقال: حَزَنني الأمرُ يَحْزُنني، من باب قَتَلَ، قاله ثعلبٌ، والأزهريّ، وفي لغة تميم بالألف. انتهى . (وَالْكَآبَةُ) قال ابن الأثير - ﵀ -: الكآبة: تغيّر النفس بالانكسار من شدّة الهمّ والحزن. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: الْكَأْبُ والْكَآبَة، والْكَآبَةُ: الْغَمُّ، وسوء الحال، والانكسار من الحزن، كَئِبَ؛ كسَمِعَ، واكتَأبَ، فهو كَئِبٌ، وكَئِيبٌ، ومُكْتَئِبٌ. انتهى . وإنما خالطهم الحزن والكآبة - ﵃ -؛ لِمَا فاتهم من إتمام العمرة التي أحرموا بها، وأتوا من أجل أدائها، وبسبب ما وقع عليه الصلح، من الشروط التي ظاهرها يدلّ على ضعف المسلمين، وإن كان باطنها خيرًا لهم، كما هو الحاصل لهم، وكما دلّت عليه السورة المذكورة، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْيَ بالْحُدَيْبيَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال، (فَقَالَ) - ﷺ - («لَقَدْ أُنزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا»)؛ أي: من متاعها كلّها، قال الأبيّ - ﵀ -: إما باعتبار كونها قرآنًا، فآية واحدة خير من الدنيا، وما فيها، والأظهر أنه يريد: لِمَا اشتملت عليه من الفتح الذي نزل الإعلام به، وأصحابه في حال شدّة. انتهى . زاد بعضهم: وتضمّنت الآية أيضًا لمغفرة العامّة لرسول الله - ﷺ -، وإتمام نعمة الله تعالى عليه، ونَصْره نصرًا عزيزًا، وكل ذلك فيه بشارة موجبة للفرح. انتهى . وفي رواية البخاريّ من حديث عمر - ﵁ -: «فقال: لقد أنزلت عليّ الليلةَ سورة لهي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]». قال في «الفتح»: قوله: «لهي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس»؛ أي: لِمَا فيها من البشارة بالمغفرة، والفتح، قال ابن العربيّ: أَطلق المفاضلة بين المنزلة التي أُعطيها، وبين ما طلعت عليه الشمس، ومن شرط المفاضلة استواء الشيئين في أصل المعنى، ثم يزيد أحدهما على الآخر، ولا استواء بين تلك المنزلة والدنيا بأسرها. وأجاب ابن بطال بأن معناه: أنها أحبّ إليه من كل شيء؛ لأنه لا شيء إلا الدنيا والآخرة، فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر الدنيا؛ إذ لا شيء سواها إلا الآخرة. وأجاب ابن العربيّ بما حاصله: أنّ أَفْعَلَ قد لا يراد بها المفاضلة؛ كقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ولا مفاضلة بين الجنة والنار، أو الخطاب وقع على ما استقرّ في أنفس أكثر الناس، فإنهم يعتقدون أن الدنيا لا شيء مثلها، أو أنها المقصودة، فأخبر بأنها عنده خير مما يظنون أن لا شيء أفضل منه. انتهى. قال الحافظ - ﵀ -: ويَحْتَمِل أن يراد المفاضلة بين ما دلّت عليه، وبين ما دلّ عليه غيرها من الآيات المتعلقة به، فرجّحها، وجميع الآيات، وإن لم تكن من أمور الدنيا، لكنها أُنزلت لأهل الدنيا، فدخلت كلها فيما طلعت عليه الشمس. انتهى . وأخرج البخاريّ أيضًا، من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك - ﵁ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئًا مريئًا، فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥]، قال شعبة: فقدِمتُ الكوفة، فحدّثت بهذا كلِّه عن قتادة، ثم رجعت، فذكرت له، فقال: أما ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾، فعن أنس، وأما هنيئًا مريئًا، فعن عكرمة. انتهى . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه، عن أنس - ﵁ - قال: لَمّا رجعنا من الحديبية، وأصحاب محمد - ﷺ - قد خالطوا الحزن، والكآبة، حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «أُنزلت علي ضحًى آية، هي أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا» ثلاثًا، قلنا: ما هي يا رسول الله؟ فقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ الآيتين، قلنا: هنيئًا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فقرًا: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [الفتح: ٥]، فلما أتينا خيبر، فأبصروا خَمِيس رسول الله - ﷺ - يعني: جيشه - أدبروا هاربين إلى الحصن، فقال رسول الله - ﷺ -: «خَرِبت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: كلام أنس - ﵁ - المذكور صريحٌ في أن صلح الحديبية هو الفتح المعنيّ في هذه السورة، وقد تقدّم التصريح بذلك عنه - ﷺ - حيث إن عمر - ﵁ - قال له: أَوَ فتح هو؟، قال: «نعم». قال الحافظ - ﵀ -: وسُمّي ما وقع في الحديبية فتحًا؛ لأنه كان مقدّمة الفتح، وأوّل أسبابه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٤٦٢٨ و٤٦٢٩] (١٧٨٦)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤١٧٢) و«التفسير» (٤٨٣٤)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٤٠٨)، و(أحمد) في «مسند» (٣/ ١٢٢ و١٣٤ و١٧٣ و١٩٧ و٢٥٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٠)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٤٩٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٢٩ و٣٠٠)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٧/ ١٠٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥/ ٤٧٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢١٧)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٠١٩)، و(ابن حزم) في «المحلَّى» (٧/ ٣٦٣) وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نزول «سورة الفتح». ٢ - (ومنها): بيان عِظَم ما أنعم الله - ﷾ - على نبيّه محمد - ﷺ - من الفتح العظيم؛ حيث قال له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ الآيتين. ٣ - (ومنها): بيان ما منّ الله تعالى على الصحابة - ﵃ - لَمَّا خضعوا لأمره - ﷺ -، وانقادوا، حيث أنزل لهم قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية. ٤ - (ومنها): استحباب تهنئة من حصل له خير، حتى يزداد بذلك غبطةً وسُرُورًا، فيعظم شكره لربه - ﷾ -. ٥ - (ومنها): أن صلح الحديبية هو الفتح الذي بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾، وذلك؛ لأنه مقدّمة الفتوحات الكبرى؛ كفتح مكة، وفتح خيبر، ومن ثمّ جُعلت غنائم خيبر لأهل الحديبية، فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» بسنده عن مُجَمِّع بن جارية الأنصاريّ، وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن، قال: شَهِدنا الحديبية، فلمّا انصرفنا عنها إذا الناس يُنَفِّرون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله - ﷺ -، فخرجنا مع الناس نُوجف، حتى وجدنا رسول الله - ﷺ - على راحلته عند كُراع الْغَمِيم، واجتمع الناس إليه، فقرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾، فقال رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -: أي رسول الله، وفَتحٌ هو؟ قال: «إي والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح»، فقُسِمت خيبر على أهل الحديبية لم يُدْخِل معهم فيها أحدًا، إلا من شَهِد الحديبية، فقسمها رسول الله - ﷺ - على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا . انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثنا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسَ بْنَ مَالِكٍ (ح) وَحَدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا أبو دَاوُدَ، حَدَّثنَا هَمَّامٌ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثنَا شَيْبَانُ، جَمِيعًا عَنْ قتادَةَ، عَنْ أنسٍ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) أبو عُمر البصريّ، وقيل: هو: عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٥٠. ٢ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «الايمان» ١/ ١٠٥. ٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٤ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. ٥ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٦ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن مسلم المؤدّب، أبو محمد البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٨ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ)؛ يعني: أن همّام بن يحيى، وشيبان النحويّ كلاهما رويا هذا الحديث عن قتادة بن دِعامة، عن أنس بن مالك - ﵁ -. [تنبيه]: رواية سليمان التيمي، عن قتادة ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٥٤٥١) - حدّثنا أبو الحسن جعفر بن محمد بن الحجاج بن فرقد الرقّيّ، قال: حدّثنا عبد الله بن عمر الخطابيّ، وحدّثنا موسى بن أبي عوف الدمشقيّ، وأحمد بن سهل بن أيوب الأهوازيّ، قالا: حدثنا عاصم بن النضر، قالا: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، قال: حدّثنا قتادة، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: لمّا رجعنا من غزوة الحديبية، وقد حيل بيننا وبين نُسكنا، قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله - ﷿ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١]، إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، أو كما شاء الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «لقد أُنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا»، وقال عاصم: آية خير من الدنيا جميعًا. انتهى . ورواية همّام بن يحيى، عن قتادة، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنّفه»، فقال: (٣٦٩٣٧) - حدّثنا عفّان، قال: حدّثنا همّام، قال: حدّثنا قتادة، عن أنس، قال: أُنزلت على النبيّ - ﷺ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ إلى آخر الآية مَرْجِعه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، قال: نزلت عليّ آية هي أحبّ إلي من الدنيا وما فيها جميعًا، فلما تلاها رسول الله - ﷺ - قال رجل من القوم: هنيئًا مريئًا، قد بَيَّن الله ما يَفْعَل بك، فماذا يَفعل بنا؟ فأنزل الله الآية التي بعدها: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، حتى ختم الآية. انتهى . ورواية شيبان، عن قتادة، ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (٩٨٦٤) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، وأبو أحمد بن إسحاق، واللفظ لأبي أحمد، قالا: ثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم، ثنا محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، ثنا يونس بن محمد، ثنا شيبان، عن قتادة، قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾، قال: حدّثنا أنس بن مالك أنها أنزلت على رسول الله - ﷺ - مرجعه من الحديبية، وأصحابه مخالطون الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم، ونحروا الهدي بالحديبية، فقال نبيّ الله - ﷺ -: «لقد أُنزلت عليّ آية، هي أحبّ إليَّ من الدنيا جميعًا»، فقرأها على أصحابه، فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبيّ الله، قد بَيَّن الله ماذا يَفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله - ﷿ - في ذلك: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. انتهى ، والله تعالى أعلم. [خاتمة]: فائدتين نختم بهما باب صلح الحديبية: (الفائدة الأولى): في ذكر قصّة الحديبية من «صحيح البخاريّ»، حيث إنه ساقه مطوّلًا جدًّا، قال - ﵀ - في «كتاب الشروط»: (٢٧٣١) - حدّثني عبد الله بن محمد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان، يُصَدِّق كلُّ واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق، قال النبيّ - ﷺ -: «إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش، طَليعةً، فخذوا ذات اليمين»، فوالله ما شَعَر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش ، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبيّ - ﷺ - حتى إذا كان بالثنيّة التي يُهْبَط عليهم منها، بَرَكت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ ، فألَحّت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبيّ - ﷺ -: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خُطّةً يعظّمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها»، ثم زجرها، فوَثَبت، قال: فعَدَل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثَمَد ، قليل الماء، يتبرّضه الناس تبرّضًا ، فلم يُلبثه الناس، حتى نزحوه، وشُكِي إلى رسول الله - ﷺ - العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يَجيش لهم بالرِّيّ حتى صدروا عنه . فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعيّ، في نفر من قومه، من خزاعة، وكانوا عَيْبة نُصْح رسول الله - ﷺ - من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤيّ، وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم الْعُوذُ المطافيل ، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مُدّة، ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمّوا، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي ، ولينفذنّ الله أمره»، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نَعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحَدّثهم بما قال النبيّ - ﷺ -. فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بَلَّحُوا عليّ جئتكم بأهلي، وولدي، ومَنْ أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عَرَض لكم خُطة رُشْد، اقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبيّ - ﷺ -، فقال النبيّ - ﷺ - نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمدُ، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يَفِرُّوا، ويَدَعُوك، فقال له أبو بكر: امْصُصْ ببِظْر اللات، أنحن نفرّ عنه، ونَدَعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يَدٌ كانت لك عندي، لم أَجْزِك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبيّ - ﷺ -، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبيّ - ﷺ -، ومعه السيف، وعليه الْمِغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبيّ - ﷺ - ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أَخِّر يدك عن لحية رسول الله - ﷺ -، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَرُ، ألستُ أسعى في غَدْرتك؛ وكان المغيرة صَحِب قومًا في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء، فأسلم، فقال النبيّ - ﷺ -: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال، فلست منه في شيء»، ثم إن عروة جعل يرمُق أصحاب النبيّ - ﷺ - بعينه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله - ﷺ - نخامة، إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجِلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خَفَضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر؛ تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشيّ، والله إن رأيت مَلِكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد - ﷺ - محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجِلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر؛ تعظيمًا له، وإنه قد عَرَض عليكم خُطّة رُشْد، فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبيّ - ﷺ - وأصحابه، قال رسول الله - ﷺ -: «هذا فلان، وهو من قوم يُعَظِّمون البُدْن، فابعثوها له»، فبُعثت له، واستقبله الناس يُلَبّون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت قد قُلِّدت، وأُشعرت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مِكْرَز بن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبيّ - ﷺ -: «هذا مِكْرز، وهو رجل فاجر»، فجعل يكلم النبيّ - ﷺ -، فبينما هو يكلمه؛ إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة، أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبيّ - ﷺ -: «لقد سهل لكم من أمركم»، قال معمر: قال الزهري في - حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هاتِ اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبيّ - ﷺ - الكاتب، فقال النبيّ - ﷺ -: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؛ ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها، إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال النبيّ - ﷺ -: «اكتب باسمك اللهم»، ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الئه، ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبيّ - ﷺ -: «والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله»، قال الزهريّ: وذلك لقوله: «لا يسألونني خُطّةً، يُعظّمون بها حُرُمات الله، إلا أعطيتهم إياها»، فقال له النبيّ - ﷺ -: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به»، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضُغْطةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرَدّ إلى المشركين، وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك؛ إذ دخل أبو جَنْدَل بن سهيل بن عمرو يَرْسُفُ في قيوده ، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رَمَى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أوّلُ ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال النبيّ - ﷺ -: «إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ»، قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا، قال النبيّ - ﷺ -، «فأَجِزْه لي»، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: «بلى، فافعل»، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكْرَز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جَنْدَل: أي معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين، وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبيّ الله - ﷺ -، فقلت: ألست نبيّ الله حقًّا؟ قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحق وعدؤنا على الباطل؟ قال: «بلى»، قلت: فلم نُعطي الدَّنِيَّة في ديننا إذًا؟ قال: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أوَ ليس كنت تحدّثنا أنا سنأتي البيت، فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟»، قال: قلت: لا، قال: «فإنك آتيه، ومُطَّوِّف به»، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيّ الله حقًّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدؤنا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نُعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله - ﷺ -، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستَمْسِك بغرزه ، فوالله إنه على الحقّ، قلت: أليس كان يحدّثنا أنا سنأتي البيت، ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبَرَك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه، ومُطّوِّف به. قال الزهريّ: قال عمر: فَعَمِلت لذلك أعمالًا، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: «قوموا، فانحروا، ثم احلقوا»، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلمّا لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبيّ الله، أتحبّ ذلك؟ اخْرُج، لا تكلم أحدًا منهم كلمةً، حتى تنحر بُدُنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، فخرج، فلم يكلم أحدًا منهم، حتى فَعَل ذلك، نحر بُدُنه، ودعا حالقه، فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطلّق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبيّ - ﷺ - إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجلٌ من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيّدًا، فاستلّه الآخرُ، فقال: أجل، والله إنه لجيّد، لقد جَرّبت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمْكَنه منه، فضربه، حتى بَرَد ، وفَرَّ الآخر، حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يَعْدُو، فقال رسول الله - ﷺ - حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعْرًا»، فلما انتهى إلى النبيّ - ﷺ - قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبيّ الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم نجاني الله منهم، قال النبيّ - ﷺ -: «ويل أمه، مِسْعَرُ حرب، لو كان له أحد»، فلما سَمِع ذلك عَرَف أنه سيردّه إليهم، فخرج، حتى أتى سِيفَ البحر قال: وينفلت منهم أبو جَنْدل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم، إلا لَحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم، إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبيّ - ﷺ - تناشده بالله والرحم لَمّا أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبيّ - ﷺ - إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، وكانت حميّتهم أنهم لم يُقِرّوا أنه نبيّ الله، ولم يقرّوا ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالوا بينهم وبين البيت. انتهى. (الفائدة الثانية): قد تكلّم الإمام ابن القيّم - ﵀ - على الفوائد، والحكم التي تضمّنها صلح الحديبية، فقال - ﵀ -: فصل: في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية: ١ - (فمنها): اعتمار النبيّ - ﷺ - في أشهر الحجّ، فإنه خرج إليها في ذي القعدة. ٢ - (ومنها): أن الإحرام بالعمرة من الميقات أفضل، كما أن الإحرام بالحج كذلك، فإنه أحرم بهما من ذي الحليفة، وبينها وبين المدينة ميل أو نحوه، وأما حديث: «من أحرم بعمرة من بيت المقدس غُفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر»، وفي لفظ: «كانت كفارةً لِمَا قبلها من الذنوب» ، فحديث لا يثبت، وقد اضطُرب فيه إسنادًا ومتنًا اضطرابًا شديدًا. ٣ - (ومنها): أن سوق الهدي مسنون في العمرة المفردة، كما هو مسنون في القران. ٤ - (ومنها): أن إشعار الهدي سُنَّةٌ، لا مُثلةٌ منهيّ عنها. ٥ - (ومنها): استحباب مغايظة أعداء الله، فإن النبيّ - ﷺ - أهدى في جملة هديه جملًا لأبي جهل في أنفه بُرَةٌ من فضة، يُغيظ به المشركين، وقد قال تعالى في صفة النبيّ - ﷺ -، وأصحابه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال - ﷿ -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. ٦ - (ومنها): أن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدوّ. ٧ - (ومنها): أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن عَيْنَه - ﷺ - الخزاعيُّ كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدوّ، وأخْذه أخبارهم. ٨ - (ومنها): استحباب مشورة الإمام رعيّته، وجيشه؛ استخراجًا لوجه الرأي، واستطابةً لنفوسهم، وأمنًا لِعَتَبِهم، وتعرّفًا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، وامتثالًا لأمر الرب في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد مدح - ﷾ - عباده بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. ٩ - (ومنها): جواز سبي ذراريّ المشركين إذا انفردوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال. ١٠ - (ومنها): ردّ الكلام الباطل، ولو نُسب إلى غير مكلَّف، فإنهم لمّا قالوا - حين بركت ناقته - ﷺ -: خلأت القصواء؛ يعني: حَرَنت، وألحت، فلم تسر، والْخِلاء في الإبل - بكسر الخاء، والمدّ - نظير الْحِران في الخيل، فلما نسبوا إلى الناقة ما ليس من خُلُقها وطبعها، رَدّه - ﷺ - عليهم، وقال: «ما خلأت، وما ذاك لها بخُلُق»، ثم أخبر - ﷺ - عن سبب بروكها، وأن الذي حبس الفيل عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها، وما جرى بعده. ١١ - (ومنها): أن تسمية ما يلابسه الرجل من مراكبه ونحوها سُنَّة. ١٢ - (ومنها): جواز الحلف، بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حُفِظ عن النبيّ - ﷺ - الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا، وأمره الله تعالى بالحلف على تصديق ما أخبر به في ثلاثة مواضع في «سورة يونس »، و«سبأ »، و«التغابن ». ١٣ - (ومنها): إذا طلب المشركون، وأهل البدع، والفجور، والبغاة، والظَّلَمة أمرًا يعظِّمون فيه حرمة من حرمات الله أجيبوا إليه، وأُعطوه، وأُعينوا عليه، وإن مَنعوا غيره، فيعاوَنون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم، وبَغْيهم، ويُمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مُرْضٍ له، أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدقّ المواضع، وأصعبها، وأشقّها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق، وقال عمر ما قال، حتى عَمِل له أعمالًا بعده، والصدّيق تلقاه بالرضى والتسليم، حتى كان قلبه فيه على قلب رسول الله - ﷺ -، وأجاب عمر عما سأل عنه من ذلك بعين جواب رسول الله - ﷺ -، وذلك يدل على أن الصدّيق - ﵁ - أفضل الصحابة، وأكملهم، وأعرفهم بالله تعالى، ورسوله - ﷺ -، وأعلمهم بدينه، وأقْوَمهم بمحابّه، وأشدّهم موافقة له، ولذلك لم يسأل عمرُ عما عَرَض له إلا رسولَ الله - ﷺ -، وصِدِّيقه خاصّةً، دون سائر أصحابه. ١٤ - (ومنها): أن النبيّ - ﷺ - عدل ذات اليمين إلى الحديبية، قال الشافعيّ: بعضها من الحِلّ وبعضها من الحرم. وروى الإمام أحمد في هذه القصّة أن النبيّ - ﷺ - كان يصلي في الحرم، وهو مضطرب في الحِلّ، وفي هذا كالدلالة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم، لا يخصّ بها المسجد الذي هو مكان الطواف، وأن قوله - ﷺ -: «صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي»؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وكان الإسراء من بيت أم هانئ. ١٥ - (ومنها): أن من نزل قريبًا من مكة، فإنه ينبغي له أن ينزل في الحِلّ، ويصلي في الحَرَم، وكذلك كان ابن عمر يصنع. ١٦ - (ومنها): جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدوّ إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداءُ الطلب منهم. ١٧ - (ومنها): أن في قيام المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله - ﷺ - بالسيف، ولم يكن عادته أن يقام على رأسه، وهو قاعد سُنَّة يُقتَدى بها عند قدوم رُسُل العدوّ من إظهار العزّ، والفخر، وتعظيم الإمام، وطاعته، ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من هذا النوع الذي ذمّه النبيّ - ﷺ - بقوله: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار» ، كما أن الفخر والخيلاء في الحرب ليسا من هذا النوع المذموم في غيره. ١٨ - (ومنها): أن في بعث البُدُن في وجه الرسول الآخر دليلٌ على استحباب إظهار شعائر الإسلام لرسل الكفّار. ١٩ - (ومنها): أن في قول النبيّ - ﷺ - للمغيرة: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء» دليلًا على أن مال المشرك المعاهد معصوم، وأنه لا يُملك، بل يُرَدّ عليه، فإن المغيرة كان قد صَحِبهم على الأمان، ثم غَدَر بهم، وأخَذَ أموالهم، فلم يتعرض النبيّ - ﷺ - لأموالهم، ولا ذَبّ عنها، ولا ضَمِنها لهم؛ لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة. ٢٠ - (ومنها): أن في قول الصدّيق - ﵁ - لعروة: «امْصُص ببظْر اللات» دليلًا على جواز التصريح باسم العورة، إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أَذِن النبيّ - ﷺ - أن يصرِّح لمن ادَّعَى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه، ويقال له: اعْضَض أَيْرَ أبيك، ولا يُكنَى له، فلكل مقام مقال. ٢١١ - (ومنها): احتمال قلة أدب رسول الكفار، وجهله، وجفوته، ولا يقابل على ذلك؛ لِمَا فيه من المصلحة العامة، ولم يقابل النبيّ - ﷺ - عروة على أخْذه بلحيته وقت خطابه، وإن كانت تلك عادة العرب، لكن الوقار والتعظيم خلاف ذلك، وكذلك لم يقابل رسول الله - ﷺ - رسولَيْ مسيلمة الكذّاب، حين قالا: نشهد أنه رسول الله - ﷺ -، وقال: «لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكما» . ٢٢ - (ومنها): طهارة النخامة، سواء كانت من رأس أو صدر. ٢٣ - (ومنها): طهارة الماء المستعمَل. ٢٤ - (ومنها): استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطِّيَرة المكروهة؛ لقوله لَمّا جاء سهيل: «سَهُل أمركم». ٢٥ - (ومنها): أن المشهود عليه إذا عُرف باسمه، واسم أبيه، أغنى ذلك عن ذكر الجَدّ؛ لأن النبيّ - ﷺ - لم يزد على محمد بن عبد الله، وقَنِع من سهيل بذكر اسمه، واسم أبيه خاصّةَ، واشتراط ذِكر الجدّ لا أصل له، ولَمّا اشترى العَدّاء بن خالد منه - ﷺ - الغلام، فكَتَب له: «هذا ما اشترى العَدّاء بن خالد بن هَوْذة» ، فذكر جدّه، فهو زيادة بيان، تدلّ على أنه جائز، لا بأس به، ولا تدلّ على اشتراطه، ولفا لم يكن في الشهرة بحيث يكتفى باسمه، واسم أبيه، ذَكَر جدّه فيشترط ذِكْر الجدّ عند الاشتراك في الاسم، واسم الأب، وعند عدم الاشتراك اكتُفِي بذكر الاسم، واسم الأب، والله أعلم. ٢٦ - (ومنها): أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضَيْم على المسلمين جائزة؛ للمصلحة الراجحة، ودَفْع ما هو شرّ منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. ٢٧ - (ومنها): أن مَن حَلَف على فعل شيء، أو نَذَره، أو وعد غيره به، ولم يعيّن وقتًا، لا بلفظه، ولا بنيّته، لم يكن على الفور، بل على التراخي. ٢٨ - (ومنها): أن الْحلق نسكٌ، وأنه أفضل من التقصير، وأنه نُسك في العمرة، كما هو نُسك في الحج، وأنه نُسك في عمرة المحصور، كما هو نُسك في عمرة غيره. ٢٩ - (ومنها): أن المحصَر ينحر هديه حيث أُحصر من الحِلّ، أو الحرم، وأنه لا يجب عليه أن يواعد مَن ينحره في الحرم، إذا لم يصل إليه، وأنه لا يتحلل حتى يصل إلى محلّه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. ٣٠ - (ومنها): أن الموضع الذي نُحر فيه الهدي كان من الحلّ، لا من الحرم؛ لأن الحرم كله محل الهدي. ٣١ - (ومنها): أن المحصر لا يجب عليه القضاء؛ لأنه - ﷺ - أمرهم بالحلق والنحر، ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء، والعمرة من العام القابل لم تكن واجبةً، ولا قضاءً عن عمرة الإحصار، فإنهم كانوا في عمرة الإحصار ألفًا وأربعمائة، وكانوا في عمرة القَضِيَّة دون ذلك، وإنما سُمِّيت عمرة القضية، والقضاء؛ لأنها العمرة التي قاضاهم عليها، فأضيفت العمرة إلى مصدر فعله. ٣٢ - (ومنها): أن الأمر المطلق على الفور، وإلا لم يغضب لتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر، وقد اعتذر عن تأخيرهم الامتثال بأنهم كانوا يرجون النسخ، فأخَّروا متأوّلين لذلك، وهذا الاعتذار أولى أن يُعتذر عنه، وهو باطل؛ فإنه - ﷺ - لو فَهِم منهم ذلك، لم يشتدّ غضبه لتأخير أمره، ويقول: ما لي لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أُتَّبَعُ؟ وإنما كان تأخيرهم من السعي المغفور، لا المشكور، وقد ﵃، وغَفَر لهم، وأوجب لهم الجنة. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال ابن القيّم - ﵀ -، والذي يظهر لي أن التأويل الأول هو الأَولى، المناسب لحال الصحابة - ﵃ -، ولا وجه لردّه، بل هو أولى، ثم أولى مما أوّله هو به، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. ٣٣ - (ومنها): أن الأصل مشاركة أمته له - ﷺ - في الأحكام، إلا ما خصه الدليل، ولذلك قالت أم سلمة - ﵂ -: اخرُج، ولا تُكَلِّم أحدًا حتى تحلق رأسك، وتنحر هديك، وعَلِمَت أن الناس سيتابعونه. [فإن قيل]: فكيف فعلوا ذلك اقتداء بفعله، ولم يمتثلوه حين أمرهم به؟. [قيل]: هذا هو السبب الذي لأجله ظَنّ من ظَنّ أنهم أخَّروا الامتثال طمعًا في النَّسخ، فلما فَعَل النبيّ - ﷺ - ذلك علموا حينئذ أنه حكم مستقرّ، غير منسوخ، وقد تقدم فساد هذا الظنّ، ولكن لمّا تغيّظ عليهم، وخرج، ولم يكلمهم، وأراهم أنه بادر إلى امتثال ما أَمَر به، وأنه لم يؤخر كتأخيرهم، وأن اتباعهم له، وطاعتهم توجب اقتداءهم به، بادروا حينئذ إلى الاقتداء به، وامتثال أمره. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أنّه لا يخفى كون هذا الظنّ الذي شنّ الغارة عليه ابن القيّم، من أقوى ما يُستدل به على صحة التأويل الماضي، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٣٤ - (ومنها): جواز صلح الكفار على ردّ من جاء منهم إلى المسلمين، وأن لا يُرَدّ من ذهب من المسلمين إليهم، هذا في غير النساء، وأما النساء فلا يجوز اشتراط ردهنّ إلى الكفار، وهذا موضع النسخ خاصّة في هذا العقد، بنصّ القرآن، ولا سبيل إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب. ٣٥ - (ومنها): أن خروج البُضْع من ملك الزوج متقوَّم، ولذلك أوجب الله - ﷾ - ردّ المهر على من هاجرت امرأته، وحيل بينه وبينها، وعلى من ارتدت امرأته من المسلمين، إذا استحقّ الكفار عليهم ردّ مهور من هاجر إليهم من أزواجهم، وأخبر أن ذلك حكمه الذي حكم به بينهم، ثم لم ينسخه شيء، وفي إيجابه ردّ ما أعطى الأزواج من ذلك دليل على تقوّمه بالمسمى، لا بمهر المثل. ٣٦ - (ومنها): أن ردّ من جاء من الكفار إلى الإمام، لا يتناول من خرج منهم مسلمًا إلى غير بلد الإمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه ردّه بدون الطلب، فإن النبيّ - ﷺ - لم يردّ أبا بصير حين جاءه، ولا أكرهه على الرجوع، ولكن لمّا جاءوا في طلبه مَكَنهم من أخذه، ولم يُكرهه على الرجوع. ٣٧ - (ومنها): أن المعاهَدين إذا تسلموه، وتمكنوا منه، فقَتَل أحدًا منهم لم يضمنه بِدِيَة، ولا قَوَد، ولم يضمنه الإمام، بل يكون حكمه في ذلك حكم قَتْله لهم في ديارهم، حيث لا حكم للإمام عليهم، فإن أبا بصير قَتَل أحد الرجلين المعاهَدين بذي الحليفة، وهي من حُكم المدينة، ولكن كان قد تسلّموه، وفُصِل عن يد الإمام، وحكمه. ٣٨ - (ومنها): أن المعاهَدين إذا عاهدوا الإمام، فخرجت منهم طائفة فحاربتهم، وغَنِمت أموالهم، ولم يتحيزوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعهم عنهم، ومنعهم منهم، وسواء دخلوا في عقد الإمام، وعهده، ودينه، أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبيّ - ﷺ - وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين، وبعض أهل الذمة من النصارى، وغيرهم، عَهْدٌ جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم، ويغنم أموالهم، إذا لم يكن بينه وبينهم عهدٌ، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى مَلَطْيَةَ، وسبيهم مستدلًّا بقصة أبي بصير مع المشركين . قال - ﵀ -: [فصل]: في الإشارة إلى بعض الْحِكَم التي تضمنتها هذه الهدنة، وهي أكبر وأجلّ من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته، وحمده. ١ - (فمنها): أنها كانت مقدمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزّ الله به رسوله - ﷺ -، وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له، ومفتاحًا، ومُؤْذِنًا بين يديه، وهذه عادة الله - ﷾ - في الأمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا أن يوطئ لها بين يديها مقدمات، وتوطئات، تُؤْذِن بها، وتدلّ عليها. ٢ - (ومنها): أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أَمِن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادءوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرةً، آمنين، وظهر من كان مختفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سَمّاه الله فتحًا مبينًا، قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاءً عظيمًا، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية، وحقيقة الأمر أن الفتح - في اللغة - فتح المغلَق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودًا مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صدّ رسول الله - ﷺ - وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا، وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًا وفتحًا ونصرًا، وكان رسول الله - ﷺ - ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم، والعز، والنصر، من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كلّ ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه، ورؤوسهم، وهو - ﷺ - يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وَرُبَّمَا كَانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إِلَى … مَحْبُوبِهَا سَبَبًا مَا مِثْلُهُ سَبَبُ فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله له، وتأييده، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروط، واحتمالها هو عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون، ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلُّوا من حيث طلبوا العزّ، وقُهِروا من حيث أظهروا القدرة، والفخر، والغلبة، وعَزَّ رسولُ الله - ﷺ - وعساكر الإسلام، من حيث انكسروا لله، واحتملوا الضيم له، وفيه، فدار الدَّوْر، وانعكس الأمر، وانقلب العزّ بالباطل ذلًّا بحقّ، وانقلبت الكسرة لله عزًّا بالله، وظهرت حكمة الله، وآياته، وتصديق وعده، ونصرة رسوله - ﷺ - على أتم الوجوه، وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها. ٣ - (ومنها): ما سَبَّبَهُ - ﷾ - للمؤمنين من زيادة الإيمان، والإذعان، والانقياد، على ما أحبوا، وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله، وتصديق موعوده، وانتظار ما وُعِدوا به، وشهود منة الله، ونعمته عليهم بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم، أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تزعزع لها الجبال، فأنزل الله عليهم من سكينته، ما اطمأنت به قلوبهم، وقَوِيت به نفوسهم، وازدادوا به إيمانًا. ٤ - (ومنها): أنه - ﷾ - جعل هذا الحكم الذي حكم به لرسوله - ﷺ - وللمؤمنين سببًا لِمَا ذكره من المغفرة لرسوله - ﷺ - ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولإتمام نعمته عليه، ولهدايته الصراط المستقيم، ونَصْره النصر العزيز، ورضاه به، ودخوله تحته، وانشراح صدره به، مع ما فيه من الضيم، وإعطاء ما سألوه كان من الأسباب التي نال بها الرسول - ﷺ - وأصحابه ذلك، ولهذا ذكره الله - ﷾ - جزاء وغاية، وإنما يكون ذلك على فعل قام بالرسول - ﷺ - والمؤمنين عند حكمه تعالى وفتحه. وتأمل كيف وصف - ﷾ - النصر بأنه عزيز في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب، وقَلِقَت أشد القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانًا إلى إيمانهم. ثم ذكر بيعتهم لرسوله - ﷺ -، وأكّدها بكونها بيعة له - ﷾ -، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم؛ إذ كانت يد رسول الله - ﷺ - كذلك، وهو رسوله، ونبيّه، فالعقد معه عقد مع مرسِله، وبيعته بيعته، فمن بايعه فكأنما بايع الله، ويد الله فوق يده، وإذا كان الحجر الأسود يمين الله في الأرض ، فمن صافحه، وقَبَّله فكأنما صافح الله، وقبّل يمينه، فيدُ رسول الله - ﷺ - أولى بهذا من الحجر الأسود. ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة، إنما يعود نكثه على نفسه، وأن للموفي بها أجرًا عظيمًا، فكل مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بيعة على الإسلام، وحقوقه، فناكثٌ، ومُوفٍ. ثم ذكر حال من تخلف عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظن بالله، أنه يخذل رسوله، وأولياءه، وجنده، ويُظفر بهم عدوهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم، وذلك من جهلهم بالله - ﷾ -، وأسمائه، وصفاته، وما يليق به، وجهلهم برسوله - ﷺ -، وما هو أهلٌ أن يعامله به ربه ومولاه. ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله - ﷺ -، وأنه - ﷾ - عَلم ما في قلوبهم حينئذ من الصدق والوفاء، وكمال الانقياد، والطاعة، وإيثار الله ورسوله - ﷺ - على ما سواه، فأنزل الله السكينة، والطمأنينة، والرضى في قلوبهم، وأثابهم على الرضى بحكمه، والصبر لأمره فتحًا قريبًا، ومغانم كثيرةً، يأخذونها، وكان أول الفتح والمغانم فتح خيبر، ومغانمها، ثم استمرت الفتوح، والمغانم إلى انقضاء الدهر. ووعدهم سبحانه مغانم كثيرة يأخذونها، وأخبرهم أنه عَجَّل لهم هذه الغنيمة، وفيها قولان: أحدهما: أنه الصلح الذي جرى بينهم وبين عدوهم. والثاني: أنها فتح خيبر وغنائمها، ثم قال: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠]، فقيل: أيدي أهل مكة أن يقاتلوهم. وقيل: أيدي اليهود حين هموا بأن يغتالوا مَن بالمدينة بعد خروج رسول الله - ﷺ - بمن معه من الصحابة منها. وقيل: هم أهل خيبر، وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرهم من أسد، وغطفان. والصحيح تناول الآية للجميع. وقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠] قيل: هذه الفعلة التي فعلها بكم، وهي كفّ أيدي أعدائكم عنكم، مع كثرتهم، فإنهم حينئذ كان أهل مكة ومن حولها، وأهل خيبر ومن حولها، وأسد، وغطفان، وجمهور قبائل العرب أعداء لهم، وهم بينهم كالشامة، فلم يصلوا إليهم بسوء، فمن آيات الله سبحانه كفّ أيدي أعدائهم عنهم، فلم يصلوا إليهم بسوء، مع كثرتهم، وشدة عداوتهم، وتولي حراستهم، وحِفْظِهم في مشهدهم ومَغِيبهم. وقيل: هي فتح خيبر، جعلها آية لعباده المؤمنين، وعلامة على ما بعدها من الفتوح، فإن الله سبحانه وعدهم مغانم كثيرة، وفتوحًا عظيمة، فعَجّل لهم فتح خيبر، وجعلها آية لِمَا بعدها، وجزاءً لصبرهم ورضاهم يوم الحديبية، وشكرانًا، ولهذا خُصّ بها وبغنائمها من شهد الحديبية. ثم قال: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠] فجمع لهم إلى النصر والظفر والغنائم الهداية، فجعلهم مهديين، منصورين، غانمين، ثم وعدهم مغانم كثيرة، وفتوحًا أخرى، لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها، فقيل: هي مكة، وقيل: هي فارس والروم، وقيل: الفتوح التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها. ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءه لولى الكفار الأدبار، غير منصورين، وأن هذه سُنَّته في عباده قبلهم، ولا تبديل لسُنَّته. [فإن قيل]: فقد قاتلوهم يوم أُحد، وانتصروا عليهم، ولم يولوا الأدبار؟. [قيل]: هذا وعد معلَّق بشرط مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى، وفات هذا الشرط يوم أحد بفشلهم المنافي للصبر، وتنازعهم وعصيانهم المنافي للتقوى، فصرفهم عن عدوهم، ولم يحصل الوعد؛ لانتفاء شرطه. ثم ذكر - سبحانه - أنه هو الذي كفّ أيدي بعضهم عن بعض من بعد أن أظفر المؤمنين بهم لِمَا له في ذلك من الحكم البالغة التي منها: أنه كان فيهم رجال ونساء قد آمنوا، وهم يكتمون إيمانهم، لم يعلم بهم المسلمون، فلو سلطكم عليهم لأصبتم أولئك بمعرّة الجيش، وكان يصيبكم منهم معرّة العدوان، والإيقاع بمن لا يستحق الإيقاع به. وذكر سبحانه حصول المعرّة بهم من هؤلاء المستضعفين المستخفين بهم؛ لأنها موجب المعرّة الواقعة منهم بهم. وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم، وتميزوا منهم لعذّب أعداءه عذابًا أليمًا في الدنيا، إما بالقتل والأسر، وإما بغيره، ولكن دَفَع عنهم هذا العذاب؛ لوجود هؤلاء المؤمنين بين أظهرهم، كما كان يدفع عنهم عذاب الاستئصال، ورسوله - ﷺ - أظهرهم. ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفار في قلوبهم من حمية الجاهلية التي مصدرها الجهل والظلم التي لأجلها صدّوا رسوله وعباده عن بيته، ولم يقرّوا بـ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، ولم يقروا لمحمد بأنه رسول الله - ﷺ - مع تحققهم صدقه، وتيقنهم صحة رسالته بالبراهين التي شاهدوها، وسمعوا بها في مدة عشرين سنة، وأضاف هذا الجعل إليهم، وإن كان بقضائه وقدره، كما يضاف إليهم سائر أفعالهم التي هي بقدرتهم وإرادتهم. ثم أخبر - سبحانه - أنه أنزل في قلب رسوله - ﷺ - وأوليائه من السكينة ما هو مقابل لِمَا في قلوب أعدائه من حمية الجاهلية، فكانت السكينة حظّ رسوله - ﷺ - وحزبه، وحمية الجاهلية حظ المشركين وجندهم، ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى، وهي جنس يعمّ كل كلمة يتقى الله بها، وأعلى نوعها كلمة الإخلاص، وقد فُسّرت بـ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها، فألزمها الله أولياءه وحزبه، وإنما حَرَمها أعداءه؛ صيانةً لها عن غير كفئها، وألزمها من هو أحقّ بها وأهلها، فوضعها في موضعها، ولم يضيّعها بوضعها في غير أهلها، وهو العليم بمحالّ تخصيصه ومواضعه. ثم أخبر سبحانه أنه صَدَقَ رسوله رؤياه في دخولهم المسجد آمنين، وأنه سيكون ولا بدّ، ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العام، والله سبحانه علم من مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتم استعجال
مصادر المؤلف (٤٢)

١. «إكمال المعلم» ٦/ ١٥٦ - ١٥٧.

٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٣.

٣. «الفتح» ١٠/ ٥٩٩ - ٦٠٠، كتاب «التفسير» رقم (٤٨٣٣).

٤. «القاموس المحيط» (٢٨٦).

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٣٤.

٦. «النهاية» ٤/ ١٣٧.

٧. «القاموس المحيط» (١١٠٩).

٨. «شرح الأبيّ» ٥/ ١٢٨.

٩. «تكملة فتح الملهم» ٣/ ١٨٧.

١٠. «الفتح» ١٠/ ٦٠٠ - ٦٠١، كتاب «التفسير» رقم (٤٨٣٣).

١١. «صحيح البخاريّ» ٤/ ١٥٣٠.

١٢. «الدر المنثور» ٧/ ٥١٥.

١٣. «الفتح» ١٠/ ٦٠١.

١٤. في سنده يعقوب بن مجمّع بن جارية، قال في «التقريب»: مقبول من الرابعة.

١٥. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٤٢٠.

١٦. «مستخرج أبي عوانة» ٨/ ١٨.

١٧. «مصنف ابن أبي شيبة» ٧/ ٤٠٨.

١٨. «السنن الكبرى» للبيهقيّ - ﵀ - ٥/ ٢١٧.

١٩. «القترة»: الغبار الأسود.

٢٠. كلمة تقال للناقة إذا تركت السير.

٢١. بفتحتين: حفيرة فيها ماء مثمود؛ أي: قليل.

٢٢. التبرّض: هو الأخذ قليلًا قليلًا.

٢٣. أي: يفور.

٢٤. الرّي: بكسر الراء، وتُفتح، وصدروا؛ أي: رجعوا رِواء.

٢٥. «الْعُوذ» بالضمّ: جمع عائذ، الناقة ذات اللبن، والمطافيل: اللاتي معها أطفالها.

٢٦. السالفة: صفحة العنق.

٢٧. أي: امتنعوا.

٢٨. أي: يمشي مشيًا بطيئًا بسبب القيد.

٢٩. أي: تمسّك بأمره، واترك المخالفة له.

٣٠. أي: مات.

٣١. «سيف البحر» بكسر السين: ساحله.

٣٢. رواه أبو داود (١٧٤١)، وابن ماجه (٣٠٠١ - ٣٠٠٢)، وابن حبّان (١٠٢١)، وفي سنده مجهولان.

٣٣. هو في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣].

٣٤. هو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ …﴾ [سبأ: ٣].

٣٥. هو قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧].

٣٦. أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٣٢٦، ورجاله ثقات.

٣٧. أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ بإسناد صحيح.

٣٨. «الأير»: الذَّكر.

٣٩. أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح.

٤٠. حديث حسنٌ، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه بسند قويّ.

٤١. «زاد المعاد» ٣/ ٣٠٠ - ٣٠٩.

٤٢. «الحجر الأسود يمين الله في الأرض …» حديث منكر لا يصحّ ذكره للاحتجاج به كما فعل ابن القيّم، فتنبّه.