HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٨٧

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ ابن جُمَيْعٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ. حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ اليمان. قال: ما معنى أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي، حُسَيْلٌ. قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ. قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ. مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ. فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ. فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فأخبرناه الخبر. فقال (انصرفا. نفي بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص176
ج ٣ ص ١٤١٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٢٥٨
ذلك، والرب تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته، ما لم تعلموه، فقدّم بين يدي ذلك فتحًا قريبًا توطئة له وتمهيدًا. ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى، ودين الحقّ؛ ليظهره على الدين كله، فقد تكفل الله لهذا الأمر بالتمام، والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ففي هذا تقوية لقلوبهم، وبشارة لهم، وتثبيت، وأن يكونوا على ثقةٌ من هذا الوعد الذي لا بدّ أن يُنجزه، فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية نصرة لعدوه، ولا تخليًا عن رسوله - ﷺ - ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحقّ، ووعده أن يظهره على كل دين سواه. ثم ذَكَّر - سبحانه - رسوله وحزبه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظم البراهين على صدق من جاء بالتوراة، والإنجيل، والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة، بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلبون، طالبو ملك ودنيا، ولهذا لما رآهم نصارى الشام، وشاهدوا هديهم، وسيرتهم، وعَدْلهم، وعِلمهم، ورحمتهم، وزهدهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة، قالوا: ما الذين صَحِبُوا المسيح بافضل من هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة، وفضلهم، من الرافضة أعدائهم، والرافضة تصفهم بضدّ ما وصفهم الله به في هذه الآية، وغيرها، و: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. انتهى ما كتبه ابن القيّم - ﵀ -، بطوله، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٣) - (بَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٣٠] (١٧٨٧) - (وَحَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أبو الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَة بْنُ الْيَمَان، قَالَ: مَا مَنَعَني أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا، إِلَّا أنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ، لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَة، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتيْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل حديثين. ٣ - (الْوَليدُ بْنُ جُمَيْعٍ) هو: الوليد بن عبد الله بن جُميع - بالتصغير - نُسب هنا إلى جدّه، الزهريّ المكيّ، نزيل الكوفة، صدوق يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٥]. رَوَى عن أبي الطُّفيل، وعكرمة، ومجاهد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن خلاد، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه ثابت، وحفص بن غياث، ووكيع، ويحيى القطان، وأبو أحمد الزبيريّ، وابن فضيل، وأبو أسامة، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال أحمد، وأبو داود: ليس به بأسٌ، وقال ابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى بن سعيد لا يُحدّثنا عنه، فلما كان قبل موته بقليل حدّثنا عنه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وذكره أيضًا في «الضعفاء»، وقال: ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فَحُش ذلك منه بطل الاحتجاج به، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ، له أحاديث، وقال البزار: احتَملوا حديثه، وكان فيه تشيع، وقال العقيليّ: في حديثه اضطراب، وقال الحاكم: لو لم يُخرج له مسلم لكان أولى. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٧٨٧)، وحديث آخر سيأتي في «كتاب صفات المنافقين» (٢٧٧٩): «إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد …» الحديث. ٤ - (أَبُو الطُّفَيْلِ) عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثيّ، وُلد عام أُحُد، ورأى النبيّ - ﷺ -، وروى عن أبي بكر - ﵁ -، ومن بعده، وعُمّر إلى أن مات سنة (١١٠ هـ)، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ -، قاله مسلم وغيره (ع) تقدّم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٧/ ١٦٣١. ٥ - (حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) اسم اليمان حُسيل - مصغّرًا - أو حِسْل - بكسر، فسكون - الْعَبْسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - في خلافة عليّ - ﵁ - سنة (٣٦ هـ) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٥٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالتحديث إلا في موضع واحد، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وأن أبا الطُّفيل من صغار الصحابة - ﵃ -، وُلد عام أُحُد، ورأى النبيّ - ﷺ -، وروى عن أبي بكر - ﵁ -، ومَنْ بعده، وعُمّر إلى أن مات سنة (١١٠ هـ)، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ -، قاله مسلم وغيره، وأن حذيفة، من مشاهير الصحابة - ﵃ -، من السابقين الأولين، وصحّ في «صحيح مسلم» أنه - ﷺ - أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابى أيضًا، استُشهِد بأُحد - ﵁ -. شرح الحديث: (عَنِ الْوَليدِ بْنِ جُمَيْعٍ) بالتصغير، تقدّم أنه الوليد بن عبد الله بن جُميع، أنه قال: (حَدَّثَنَا أبو الطُّفَيْلِ) مصغّرًا، هو عامر بن واثلة الليثيّ - ﵁ -، قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) - ﵄ -، أنه (قَالَ: مَا) نافيةٌ، (مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا)؛ أي: غزوتها، (إِلَّا أَنِّي) بفتح همزة «أنّ»، والاستثناء مفرّغ؛ لتفرّغ ما قبل «إلا» للعمل فيما بعدها، ولذلك تُفتح «أنّ»؛ لأنها مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل «يمنعني»، وقوله: «أن أشهد بدرًا» في تأويل المصدر مفعول ثانٍ لـ «يمنعني»، أو مجرورب «من» مقدّرةً؛ لأنه يقال: منعته الأمرَ، ومن الأمر مَنْعًا، فهو ممنوع منه؛ أي: مَحْرُوم . والمعنى هنا: لم يمنعني شهودي غزوة بدر غيرُ خروجي … إلخ. (خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي)؛ أي: من المدينة إلى بدر، وقوله: (حُسَيْلٌ) بالرفع على بدل، أو عطف بيان لـ «أبي»، قال النوويّ - ﵀ -: وهو: حُسَيل - بحاء مضمومة، ثم سين مفتوحة مهملتين، ثم ياء، ثم لام - ويقال له أيضًا: حِسْل - بكسر الحاء، وإسكان السين - وهو والدُ حُذَيفة، واليمان لقب له، والمشهور في استعمال المحدثين أنه اليمان، بالنون، من غير ياء بعدها، وهي لغة قليلة، والصحيح اليماني، بالياء، وكذا عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وشدّاد بن الهادي، والمشهور للمحدثين حذف الياء، والصحيح إثباتها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أشار ابن مالك - ﵀ - إلى هذه القاعدة في «الخلاصة» حيث قال: وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ «مُرٍ» لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: «وأبي حُسيلٌ» كذا صوابه مرفوعًا على البدليّة، وهو اسم اليمان، والد حُذيفة - ﵄ -، وهو رواية ابن أبي جعفر، ورواه الصدفيّ، عن العذريّ: «حسرًا»، ورواه أبو بحر: «حسيرًا» بالراء مكان «حُسل»، وكلاهما وَهَمٌ، وإنما سُمّي اليمان؛ لأنه أصاب دمًا في قومه، ففرّ إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسمّاه قومه اليمان؛ لحِلْفه اليمانية، وقيل: بل سُمّي بذلك، لأنه اسم جدّه الأعلى، وهو حُذيفة بن حُسيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن اليمان الْعَبْسيّ. انتهى . وكتب الأبيّ - ﵀ - بعد نقله كلام عياض هذا ما نصّه: يعني باليمانية: الأنصار؛ لأنهم ليسوا من مَعَدّ، وتقدّم أن العرب عربان: يمنيّة، ومعَدّيّةٌ، والمعديّة ما كان من ذرّيّة إسماعيل - ﵇ -، واليمنيّة غيرهم. انتهى . (قَالَ) حذيفة - ﵁ - (فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُوَيْشٍ)، وفي رواية الحاكم في «المستدرك»: «أخذ حذيفةَ وأباه المشركون قبل بدر، فأرادوا أن يقتلوهما، فأخذوا عليهما عهد الله، وميثاقه، أن لا يعينان عليهم، فحلفا لهم، فأرسلوهما، فأتيا النبيّ - ﷺ -، فأخبرا، فقالا: إنا قد حلفنا لهم، فإن شئت قاتلنا معك، فقال:»نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم«». وفي رواية أبي عوانة: «عن حذيفة قال: ما منعنا أن نشهد بدرًا إلا أنّا أقبلنا أنا وأبي؛ يعني: اليمان، نريد رسول الله - ﷺ - ببدر، فعارضنا كفار قريش، فأخذونا، فقا لوا: إنكم تريدون محمدًا، قال: قلنا: ما نريده، قالوا: فأعطونا عهد الله وميثاقه لتنصرفن إلى المدينة، ولا تقاتلونا، فأعطيناهم عهد الله وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة، قال: فأتينا النبيّ - ﷺ -، فأخبرناه بذلك، فقال: نستعين الله عليهم، ونفي لهم بعهدهم، ارجعا إلى المدينة، فذلك الذي منعنا» . (قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَدًا) - ﷺ -؛ أي: نَصْره والقتال معه في بدر، (فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ) فيه جواز الكذب، والتعريض للخائف؛ للضرورة، (فَأَخَذُوا مِنَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ) - بكسر الميم -: العهد المؤكّد باليمين، (لَنَنْصَرِفَنَّ)؛ أي: لنرجعن (إِلَى الْمَدِينَة، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ) في بدر، (فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ)؛ أي: قصّة ما جرى بيننا وبين كفّار قريش، من العهد والميثاق على أن نرجع إلى المدينة، ولا نقاتل معه - ﷺ -، (فَقَالَ) - ﷺ - («انْصَرِفَا) إلى المدينة، ولا تقاتلا معنا، ثمّ علّل ذلك بقوله: (نَفِي) مضارع وفي، من باب رمى وفاءً، وفي بعض النسخ:»فَفِيا«بالتثنية لحُذيفة وأبيه - ﵄ - (»لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ)؛ أي: نؤدّي ما التزمتماه لهم بعدم مقاتلكتما معنا، (وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ»)؛ أي: نطلب من الله - ﷿ - أن يُعيننا على قتالهم، فإنه وعدنا بالنصر، حيث قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة بن اليمان - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ - . (المسألة الثانية): فىِ تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٤٦٣٠] (١٧٨٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٤٥١ و٧/ ٣٦٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣١٧ - ٣١٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ٢١٤)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٤٢٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الكذب في الحرب، وإذا أمكن التعريض في الحرب، فهو أَولى، ومع هذا يجوز الكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وكَذِب الزوج لامرأته، كما صرح به الحديث الصحيح. أخرج مسلم في «صحيحه» من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط، أخبرته أنها سمعت رسول الله - ﷺ -، وهو يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرًا، وينمي خيرًا». قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس: كذب، إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. وفي رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: «قالت: ولم أسمعه يرخّص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث». وأخرج ابن عديّ، عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: الرجل يُرضي امرأته، وفي الحرب، وفي صلح بين الناس». وأخرج البيهقيّ، عن النوّاس بن سَمْعان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الكذب لا يصلح إلا في ثلاث: الحرب، فإنها خدعة، والرجل يُرضِي امرأته، والرجل يصلح بين اثنين». وأخرج البيهقيّ، عن أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: الرجل يكذب لامرأته؛ لترضى عنه، أو إصلاح بين الناس، أو يكذب في الحرب» . ٢ - (ومنها): مشروعيّة الوفاء بالعهد، قال النوويّ - ﵀ -: وقد اختَلَف العلماء في الأسير يعاهد الكفار، أن لا يَهْرُب منهم، فقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والكوفيون: لا يلزمه ذلك، بل متى أمكنه الهرب هرب، وقال مالك: يلزمه. واتفقوا على أنه لو أكرهوه، فحلف لا يهرب لا يمين عليه؛ لأنه مُكرَه. وأما قضية حذيفة، وأبيه، فإن الكفار امشحلفوهما لا يقاتلان مع النبيّ - ﷺ - في غزوة بدر، فأمرهما النبيّ - ﷺ - بالوفاء، وهذا ليس للإيجاب، فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام، ونائبه، ولكن أراد النبيّ - ﷺ - أن لا يَشيع عن أصحابه نقض العهد، وإن كان لا يلزمهم ذلك؛ لأن المُشِيع عليهم لا يذكر تأويلًا. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٤) - (بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ) قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف - ﵀ - أن يجمع حديث حذيفة - ﵁ - هذا إلى حديث البراء بن عازب، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك - ﵃ - الآتية بعد أبواب؛ لأنها كلّها في غزوة الأحزاب فجمعها في محلّ واحد هو الأنسب، والله تعالى أعلم. و«الأحزاب»: بفتح الهمزة: جمع حِزْب بكسر الحاء المهملة، وسكون الزاي، وهي الطائفة من الناس، وتُسمّى الخندق، فلها اسمان، قال في «الفتح»: فأما تسميتها الخندق، فلأجل الخندق الذي حُفِر حول المدينة بأمر النبيّ - ﷺ -، وكان الذي أشار بذلك سلمان - ﵁ -، فيما ذكر أصحاب المغازي، منهم أبو معشر، قال: قال سلمان للنبيّ - ﷺ -: إنا كنا بفارس إذا حُوصرنا خَندقنا علينا، فأمر النبيّ - ﷺ - بحفر الخندق حول المدينة، وعَمِلَ فيه بنفسه؛ ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله، حتى فرغوا منه، وجاء المشركون، فحاصروهم. وأما تسميتها الأحزابَ؛ فلاجتماع طوائفَ من المشركين على حرب المسلمين، وهم: قريش، وغَطَفان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصّة صدر «سورة الأحزاب». وذكر موسى بن عقبة في «المغازي» قال: خرج حُييّ بن أخطب بعد قتل بني النضير إلى مكة يُحَرِّض قريشًا على حرب رسول الله - ﷺ - كليب، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الْحُقَيق يسعى في بني غطفان، وَيحُضّهم على قتال رسول الله - ﷺ - على أن لهم نصفَ ثمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن بن حُذيفة بن بدر الفزاريّ إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خُويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش، فنزلوا بِمَرّ الظَّهْران، فجاءهم من أجابهم من بني سُليم مددًا لهم، فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب. وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عِدّتهم عشرة آلاف، قال: وكان المسلمون ثلاثة آلاف، وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف. وذكر موسى بن عقبة أن مُدّة الحصار كانت عشرين يومًا، ولم يكن بينهم قتال إلا مُراماة بالنبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم، فكان سبب موته، كما سيأتي. وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأن نعيم بن مسعود الأشجعيّ ألقى بينهم الفتنة، فاختلفوا، وذلك بأمر النبيّ - ﷺ - له بذلك، ثم أرسل الله عليهم الريح، فتفرقوا، وكفى الله المؤمنين القتال. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: «الأحزاب»: جمع حزب، وهو الجماعة من الناس، والجملة من الشيء. وتحزّب الناس: اجتمعوا، والحزب من القرآن جملة مجتمعة منه، ويوم الأحزاب: عبارة عن غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال، وكان سببها: أن نفرًا من رؤساء اليهود انطلقوا إلى مكة مؤلبين على رسول الله - ﷺ -، ومشجعين عليه، فجمعوا الجموع، وحزّبوا الأحزاب، فاجتمعت قريش وقادتها، وغطفان وقادتها، وفزارة وقادتها، وغيرهم من أخلاط الناس، وخرجوا بحدّهم وجدّهم في عشرة آلاف حتى نزلوا المدينة، ولمّا سمع رسول الله - ﷺ - بهم شاور أصحابه، فأشار سلمان - ﵁ - بالخندق، فحفروا الخندق، وتحصنوا به، ثم إن رسول الله - ﷺ - خرج من المدينة بمن معه من المسلمين في ثلاثة آلاف، فبرز، وأقام على الخندق، وجاءت الأحزاب، ونزلت من الجانب الآخر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل، غير أن فوارس من قريش اقتحموا الخندق، فخرج عليُّ بن أبي طالب - ﵁ - في فرسانٍ من المسلمين، فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، فقتل عليٌّ عمرو بن وَدّ مبارزةً، واقتحم الآخرون بخيلهم الخندق منهزمين إلى قومهم، ونقضت قريظة ما كان بينها وبين رسول الله - ﷺ -، وعاونوا الأحزاب عليه، واشتد البلاء على أصحاب النبيّ - ﷺ -؛ إذ جاء عدوّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، فأقام المسلمون على تلك الحال قريبًا من شهر إلى أن خذل الله بين قريش وبين بني قريظة على يدي نعيم بن مسعود الأشجعيّ، فاختلفوا، وأرسل الله عليهم ريحًا عاصفةً في ليالي شديدة البرد، فجعلت تقلب أبنيتهم، وتطفئ نيرانهم، وتكفأ قدورهم، حتى أشرفوا على الهلاك، فارتحلوا متفرقين في كل وجه، لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، وكفى الله المؤمنين القتال. ثم إن رسول الله - ﷺ - خرج إلى بني قريظة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، كما تقدم. انتهى . [تنبيه]: اختُلف في أي سنة كانت الأحزاب؟ فقال موسى بن عقبة: كانت في شوّال سنة أربع، قال في «الفتح»: وتابع موسى على ذلك: مالكٌ، وأخرجه أحمد عن موسى بن داود، عنه، وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة
مصادر المؤلف (١١)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٨٠.

٢. »شرح النوويّ«١٢/ ١٤٤.

٣. »إكمال المعلم«٦/ ١٥٨.

٤. »شرح الأبيّ«٥/ ١٢٩.

٥. «المستدرك على الصحيحين» ٣/ ٤٢٧.

٦. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٣١٨.

٧. بل لم يُخرجه من أصحاب الكتب الستّة غيره.

٨. الأحاديث صحاح، راجع: «السلسلة الصحيحة» ٢/ ٨٣، و«صحيح الترمذيّ» ٤/ ٣٣١.

٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤٤ - ١٤٥.

١٠. «الفتح» ٩/ ١٨٢ - ١٨٣، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٩٨).

١١. «المفهم» ٣/ ٦٤٣ - ٦٤٤.