HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٩٥

وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سرح، وحرملة ابن يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شهاب. حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبي ﷺ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ (لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ. وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ. إِذْ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ. فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ. فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي. فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي. فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ. فَنَادَانِي. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ. وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ. وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ. وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ. فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ). فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لا يشرك به شيئا).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص181
ج ٣ ص ١٤٢٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد صحيح البخاري
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١٦
[٤٢٧] حديث عائشة ﵂ (ابن عَبدِ يَالِيلَ بن عَبْدِ كُلَالٍ) من الطائف؛ ثقفي، و(قَرْن الثَّعَالِبِ): موضع، و(الأَخْشَبَان): ثنية الأخشَب، والأخشَب: الجبل، ومنه قوله ﷺ في مكة: (لَا تَزُولُ حَتَّى تَزُولَ أَخْشَبَاهَا) أي: جبلاها، وفي الحديث من الآيات: اشتغال النبي ﷺ بالسجود، وإعراضه عن الكفار، وفيه: أن امتناع الكفار عن الإجابة إلى الإسلام كان أشد عليه مما آذوه به من طرح السلا عليه، ومنها: أن المَلَك سُخّر للنبي ﷺ ليأمره بما أحب؛ ولو أمره أن يقلب مكة عليهم لفعل. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٣٣٤
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، نُسب لجدّه، أبو عليّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ … إلخ) تقدّم أنهم سبعة، وسادسهم: عمارة بن الوليد، وسابعهم: أمية بن خلف. وقوله: (فَأُقْسِمُ بِاللهِ) إنما حلف ابن مسعود - ﵁ - على ذلك للمبالغة في تأكيد خبره. وقوله: (لَقَدْ رَأَيتُهُمْ صَرْعَى)؛ كقتلى وزنًا ومعنًى. وقوله: (عَلَى بَدْرٍ) متعلّق بـ «رأيتهم»، أو «على» بمعنى «في»؛ أي: مَرْميين في بئر بدر. وقوله: (قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ)، وفي بعض النسخ: «وقد غيّرتهم الشمس»؛ أي: غيّرت ألوانهم إلى السواد، أو غيّرت أجسادهم بالانتفاخ، وقد بيَّن سبب ذلك بقوله: «وكان يومًا حارًّا». وقوله: (وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا)؛ أي: كان اليومُ يومًا شديد الحرارة، و«الحَرُّ» بالفتح: خلاف البرد، يقال: حَرّ اليومُ، والطعام يَحَرُّ، من باب تَعِبَ، وحَرَّ حَرًّا، وحُرُورًا، من بابي ضَرَبَ، وقَعَدَ لغةٌ، والاسم: الحَرَارَةُ، فهو حَارّ، وحَرَّتِ النارُ تَحَرُّ، من باب تَعِبَ: تَوَقَّدت، واسْتَعَرَتْ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديثين، ولله الحمد والمنة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٤٤] (١٧٩٥) - (وَحَدَّثَنِي أبو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ - وَألفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ الله، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِك، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ، وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِب، فَرَفَعْتُ رَأسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ؛ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَال، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجبَال، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ؟ لِتَأمُرَنِي بِأْمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ»، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في«المقدمة»٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في«المقدمة»٣/ ١٤. ٣ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) أبو محمد المصريّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةُ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في«المقدمة»٣/ ١٤. ٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور، من رؤوس [٤] (ت ١٢) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»ج ١ ص ٣٤٨. ٧ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٠٧. ٨ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق - ﵄ - (ت ٥٧) (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣١٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ويونس، وإن كان أيليًّا، إلا أنه نزل مصر، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة المجموعين في قول الحافظ العراقيّ ﵀ في «ألفيّة الحديث»: وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ … سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ إِمَّا أبو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة المجموعين في قولي: الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّْ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام (أَن) خالته (عَائِشَةَ) - ﵂ - (زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - حَدَّثَتْهُ أنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ الله، هَلْ أتى)؛ أي: مضى، (عَلَيْكَ يَوْمْ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟)؛ تعني: يوم غزوة أحد التي كانت في سنة ثلاث من الهجرة؛ كأن عائشة - ﵂ - تظنّ أن ما لقيه النبيّ - ﷺ - يوم أُحد أشدّ ما لقيه. (فَقَالَ) - ﷺ - («لَقَدْ لَقِيتُ) بكسر القاف، (مِنْ قَوْمِكِ) - بكسر الكاف - خطابًا لعائشة - ﵂ -، والمراد بقومها: كفّار قريش، ومفعول»لقِيت«محذوف: لقيتُ الأذى منهم، ولفظ البخاريّ:»لقد لقِيتُ من قومك ما لقيتُ«، (وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ) ضُبط»أشدّ«في مطبوع البخاريّ على النسخة اليونينيّة بالرفع والنصب، كما أشار إليه القسطلّانيّ، واقتصر ابن الملك على النصب، على أنه خبر«كان»، واسمها ضمير عائد على مقدّر، وهو المفعول المحذوف، فيكون المعنى: كان ما لقيتُ من قومك يوم العقبة أشدَّ ما لقيتُ منهم، و«يوم العقبة»هو اليوم الذي وقف فيه النبيّ - ﷺ - عند العقبة التي بمنى، وهي التي تُنْسَب إليها جمرة العقبة، داعيًا الناس إلى الإسلام، فما أجابوه، بل آذوه، وذلك اليوم صار معروفًا. وقال القرطبيّ ﵀:«يوم العقبة»: هو اليوم الذي لَقِي فيه ابنَ عبد ياليل بن عبد كُلال في آخرين، فكَذَّبوه، وسبُّوه، واستهزؤوا به، فرجع عنهم، فلقيه سُفهاء قريش، فرَمَوه بالحجارة، حتى أدموا رجليه، وآذوه أذًى كثيرًا. انتهى . (إِذْ) ظرف لـ«لقِيتُ»، (عَرَضْتُ نَفْسِي)؛ أي: حين عَرَضت نفسي، و«عَرَضتُ»بفتح الراء، مبنيًّا للفاعل، يقال: عَرَضتُ المتاع للبيع، من باب ضرب: إذا أظهرته لذوي الرغبة؛ ليشتروه ، والمعنى هنا: أنه - ﷺ - أظهر نفسه لهم؛ ليقبلوا دعوته. (عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ) متعلّق بـ«عَرَضتُ»، و«ياليل»- بتحتانية، وبعد الألف لام مكسورة، ثم تحتانية ساكنة، ثم لام - (ابْنِ عَبْدِ كُلَالٍ) - بضم الكاف، وتخفيف اللام، وآخره لام - واسمه كِنَانة، والذي في«المغازي»أن الذي كلّمه هو عبد ياليل نفسه، وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه، لا أبوه، وأنه عبد ياليل بن عمرو بن عُمير بن عوف، ويقال: اسم ابن عبد ياليل: مسعود، وله أخ أعمى، له ذِكْر في«السيرة»في قذف النجوم عند المبعث النبويّ، وكان ابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف، من ثقيف. وقد روى عبد بن حميد في«تفسيره» من طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] قال: نزلت في عُتبة بن ربيعة، وابن عبد ياليل الثقفيّ، ومن طريق قتادة قال: هما الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود، ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن مجاهد، وقال فيه: يعني: كنانة. وروى الطبريّ من طريق السُّدّيّ قال: هما الوليد بن المغيرة، وكنانة بن عبد بن عَمرو بن عُمير عظيم أهل الطائف. وقد ذكر موسى بن عقبة، وابن إسحاق أن كنانة بن عبد ياليل وَفَدَ مع وفد الطائف سنة عشر، فأسلموا. وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة لذلك، لكن ذكر المدينيّ أن الوفد أسلموا إلا كنانة، فخرج إلى الروم، ومات بها بعد ذلك، والله أعلم. وذكر موسى بن عقبة في «المغازي»، عن ابن شهاب أنه - ﷺ - لما مات أبو طالب، توجه إلى الطائف؛ رَجَاءَ أن يُؤووه، فعمد إلى ثلاثة نفر، من ثقيف، وهم سادتهم، وهم إخوةٌ: عبد ياليل، وحبيب، ومسعود، بنو عمرو، فعَرَض عليهم نفسه، وشَكَى إليهم ما انتَهَك منه قومه، فرَدُّوا عليه أقبح ردّ، وكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد مُطَوَّلًا، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر من المبعث، وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة. (فَلَمْ يُجِبْني) بضمّ أوله، من الإجابة، يقال: أجابه إجابةً، وأجاب قوله، واستجاب له: إذا دعاه إلى شيء، فأطاع ، والمعنى: أن ابن عبد ياليل لم يُطِعني (إِلَى) تحقيق (مَا أَرَدْتُ) بحذف العائد؛ أي: طلبته منه. (فَانْطَلَقْتُ)؛ أي: ذهبت من عنده (وَأَنَا مَهْمُومٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، (عَلَى وَجْهِي) متعلّق بـ «انطلقتُ»؛ أي: ذهبت هائمًا على الجهة المواجهة لي، لا أدري أين أتوجّه، من شدّة ما استتبعه عدم إجابته، من أقبح الردود من غيره إلى أن اجترؤوا على الرضخ بالحجارة، (فَلَمْ أَسْتَفِقْ)؛ أي: لم أرجع مما أنا فيه من الهمّ، والغمّ. والإفاقة، والاستفاقة: رجوع الفهم إلى الإنسان بعدما شُغل عنه، وقال المجد ﵀: أفاق من مرضه: رجعت الصحّة إليه، أو رجع إلى الصحّة، كاستفاق. انتهى . وقال النوويّ: «لم أستفق»؛ أي: لم أُوَطِّن لنفسي، وأتنبّه لحالي، وللموضع الذي أنا ذاهب إليه، وفيه، إلا وأنا عند قرن الثعالب؛ لكثرة همّي الذي كنت فيه . وقال الأبيّ: «لم أستفق»؛ أي: لم أنتبه، وقال السنوسيّ: لم أفطن لنفسي. انتهى . وحاصل المعنى: أنه - ﷺ - لم يرجع إليه ما غاب من حسّه بسبب تحيّره، واغتمامه بردّ هذا الرجل عَرْض نفسه عليه إلا وهو بالمكان المسمّى بقرن الثعالب. (إلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ)؛ أي: إلا بالمكان المسمّى به، وهو بفتح القاف، وسكون الراء، و«الثعالب»: جمع الثعلب الحيوان المشهور، وهو موضع بقرب مكة. وقال النوويّ: هو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل - بفتح الميم - ويقال: هو على مرحلتين من مكة، وأصل القرن: كلُّ جبل صغير منقطع من جبل كبير. وقال القاضي عياض: يقال فيه: قرنٌ غير مضاف، على يوم وليلة من مكة، قال: ورواه بعضهم بفتح الراء، وهو غلط. وقال القابسيّ: مَن سَكَّن الراءَ أراد الجبل الْمُشرِف على الموضع، ومن فتحها أراد الطريق الذي يتفرق منه، فإنه موضع فيه طُرُق متفرقة. انتهى . وفي «أخبار مكة» للفاكهيّ: أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى، بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له: قرن الثعالب؛ لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب. وأفاد ابن سعد أن مدة إقامته - ﷺ - بالطائف كانت عشرة أيام . (فَرَفَعْتُ رَأسِي) إلى السماء (فَإِذَا أَنَا بسَحَابَةٍ) «إذا» هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود سحابة، وقوله: (قَدْ أَظَلَّتْنِي) جملة في محلّ جرّ صفة لـ «سحابة»، (فَنَظَرْتُ) إلى تلك السحابة (فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ) ﵇ (فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ) فيه إثبات صفة السمع لله ﷿، وقد أورد الحديث البخاريّ ﵀ في «كتاب التوحيد» من «صحيحه» استدلالًا على إثبات هذه الصفة. (وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ)؛ أي: أجابوك به، ويَحْتَمِل أن يكون أراد: ردّهم ما دعاهم إليه من التوحيد بعدم قبولهم له . (وَقَدْ بَعَثَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أرسل الله تعالى (إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ)؛ أي: الملك الموكّل بالتصرّف في الجبال، (لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ)؛ أي: من إهلاكهم بإطباقها عليهم. (قَالَ) - ﷺ - (فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ)؛ أي: قول قريش لك، حيث ردّت الدعوى، وآذت رسول الله - ﷺ -، ومنعت أن يؤدّي رسالة ربّه ﷾، ولذا توجّه إلى الطائف؛ ليبحث عمن يؤويه، وينصره حتى يؤدّي الرسالة، ويواصل الدعوة، غير أن أهل الطائف أيضًا لم يُحسنوا، بل أساءوا، فردّوا عليه، فرجع مهمومًا أشدّ الهمّ، حتى نسي المكان الذي هو فيه، فما أفاق إلا وهو بقرن الثعالب. (وَأنا مَلَكُ الْجِبَال، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ؛ لِتَأَمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟) «ما» استفهاميّة مفعول مقدّم لـ«شئت»؛ أي: أي شيء شئتَ؟، حتى أفعَلَهُ، ويَحْتَمِل أن تكون موصولة مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: فالذي شئته فعلته. وفي رواية البخاريّ: «فقال: ذلك فيما شئت إن شئت». قال في «الفتح»: كذا لأبي ذرٍّ، عن شيخيه، وله عن الكشميهنيّ مثله، إلا أنه قال: «فما شئت»، وقد رواه الطبرانيّ عن مِقْدام بن داود، عن عبد الله بن يوسف، شيخ البخاريّ: «فقال: يا محمد، إن الله بعثني إليك، وأنا ملك الجبال؛ لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت». وقوله: «ذلك» مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: كما عَلِمتَ، أو كما قال جبريل، وقوله: «ما شئت؟» استفهام، وجزاء الشرط مقدر؛ أي: إن شئت فعلتُ . (إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإطباق؛ أي: أجعلهما عليهم كالطَّبَق، وجواب «إن» محذوف؛ أي: فعلتُ، والمعنى: إن شئت أن أضُمَّ الجبلين، وأجعلهما كالطبَق عليهم حتى يهلكوا فعلتُ، ووقع في بعض النسخ: «أن أَطْبقتُ» بصيغة الماضي، والأولى أوضح. (عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ) - بفتح الهمزة، وبالخاء، والشين المعجمتين -: هما جبلا مكة: أبو قُبيس، والذي يقابله، وكأنه قُعيقعان، وقال الصغانيّ: بل هو الجبل الأحمر الذي يُشرف على قُعيقعان. قال الحافظ ﵀: ووَهِمَ من قال: هو ثور؛ كالكرمانيّ، وسُمِّيا بذلك؛ لصلابتهما، وغِلَظ حجارتهما، والمراد بإطباقهما: أن يَلتقيا على مَن بمكة، ويَحْتَمِل أن يريد أنهما يصيران طَبَقًا واحدًا. انتهى . (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لمَلَك الجبال ﵇، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) لا أريد هذا، (بَلْ أَرْجُو) كذا هو عند البخاريّ للأكثرين، وللكشميهني: «أنا أرجو»، (أَنْ يُخْرِجَ اللهُ) بضم الياء، من الإخراج، (مِنْ أَصْلَابِهِمْ) - بفتح الهمزة: جمع صُلْب؛ أي: ظهورهم، قال المجد ﵀: «الصُّلْب» بالضمّ، وبالتحريك: عظمٌ من لدن الكاهل إلى الْعَجْب؛ كالصَّالب، جمعه: أَصْلُبٌ، وأَصلابٌ، وصِلَبَةٌ. انتهى . (مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ) منصوب على الحال، وإن كان معرفةً؛ لتأويله بالنكرة؛ أي: منفردًا، كما قال ابن مالك ﵀ في «الخلاصة»: وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كـ «وحْدَكَ اجْتَهِدْ» وقوله: (لَا يُشْرِكُ بهِ شَيْئًا») تفسير لـ«وحْدَهُ»، وقد حقّق الله ﷾ رجاءه، فأخرج الله تعالى من أصلابهم رجالًا كانوا يعبدونه حقّ عبادته، قاموا بالتوحيد، ونَشْر الدعوة إلى الله ﷿ في أصقاع الأرض، ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] وهم: مِن الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم. وقال القرطبي ﵀: وإذا تأمّلتَ هذا الحديث انكشف لك من حاله - ﷺ - معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
مصادر المؤلف (١٦)

١. «المصباح المنير» ١/ ١٢٩.

٢. «وفي نسخة: »أن أطبقتُ«.

٣. بتشديد الواو.

٤. «المفهم» ٣/ ٦٥٤.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٣.

٦. «المصباح المنير» ١/ ١١٣.

٧. «القاموس المحيط» ص ١٠١٨.

٨. شرح النوويّ«١٢/ ١٥٥.

٩. «شرح الأبّي» ٥/ ١٣٥.

١٠. «عمدة القاري» ١٥/ ١٤٢.

١١. راجع: «الفتح» ٧/ ٥٣٠، كتاب «بدء الخلق» رقم (٣٢٢٤).

١٢. «الفتح» بتصرّف يسير ١٧/ ٣٣٠، كتاب «التوحيد» رقم (٧٣٨٩).

١٣. «الفتح» ٧/ ٥٣٠، كتاب «بدء الخلق» رقم (٣٢٢٤).

١٤. «الفتح»٧/ ٥٣٠، كتاب «بدء الخلق» رقم (٣٢٢٤).

١٥. «القاموس المحيط» ص ٧٤٧.

١٦. «المفهم» ٣/ ٦٥٤.