HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٩٧

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [٩٣ /الضحى و٢ و٣].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص182
ج ٣ ص ١٤٢١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١٧
[٤٢٩] فيه أنهم كانوا لا يألُون في تنقُّص النبي ﷺ، والقولِ السيءِ فيه، والنبيُّ ﷺ يحتمل ذلك. ومن باب صبره على أذى المنافقين
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٣٥٠
نَكْبة، دَمِيت لأجلها، وفي الرواية الأخرى: أنه كان في بعض المشاهد، وفي البخاريّ: «بينا النبيّ - ﷺ - يمشي إذْ أصابه حجر»، فقال البيت المذكور، ظاهر هاتين الروايتين مختلف، وأنهما قضيتان، ولكن العلماء حملوا الروايتين على أنهما قضية واحد، فقال القاضي أبو الوليد: لعل قوله: «في غار» مصحّف من غزو، وقال القاضي عياض: قد يراد بالغار هنا: الجيش والجمع، لا واحد غِيران التي هي الكهوف، فيوافق قوله: «في بعض المشاهد»، وقوله: «يمشي»، ولا يُعَدّ ذلك وهمًا. قال القرطبيّ: وهذا ليس بشيء؛ إذ الغار ليس من أسماء الجيش. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ليس من أسماء الجيش» فيه نظر لا يخفى، بل إطلاق الغار على الجمع والجيش ذكره أهل اللغة، فقال الجوهريّ: والغارُ: الجيش، يقال: التقى الغاران؛ أي: الجيشان ، وذكر المجد أيضًا من معاني الغار: الجمع الكثير من الناس، والجيش . والحاصل أن ما أوَّل به القاضي عياض تأويل صحيح، وعليه فلا حاجة لدعوى تعدّد القصّة، بل هي قصّة واحدة، فتأمل بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن الأسود بن قيس ساقها أبو بكر بن أبي شيبة - ﵀ - في «مصنّفه»، فقال: (٢٦٠٧١) - حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان، أن النبيّ - ﷺ - كان في غار، فنكِبت إصبعه، فقال: «هَلْ أنتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ» وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٤٧] (١٧٩٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، أنهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّد، فَأنزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحي: ١ - ٣]). رجال هذا الإسناد: أربعة: وهم المذكورون قبله، و«سفيان» هو: ابن عيينة، والسند من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣١٧) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ - ﵀ - في «تقييده» بعد إيراد الإسناد المذكور ما نصّه: هكذا إسناده عند الجلوديّ، والكسائيّ: إسحاق بن إبراهيم وحده، عن ابن عيينة، وكذلك خرّجه أبو مسعود الدمشقيّ من حديث مسلم، وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن جندب، زاد في الإسناد رجلًا، وهو أبو بكر بن أبي شيبة، قال أبو عليّ: ورواية الجماعة أولى. انتهى . شرح الحديث: (عَنِ الأَسوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العَبْديّ، أو العجليّ (أنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا)؛ أي: ابن عبد الله بن سفيان - ﵁ - (يَقُولُ: أَبْطَأَ)؟ أي: تأخّر (جِبْرِيلُ) - ﵇ - (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)؛ يعني: أنه تأخّر مجيؤه إليه، قيل: إن اشتكاء النبيّ - ﷺ - كما يأتي في الرواية التالية - كان سببه استبطاء الوحي، وبه يُجمع بين الروايتين. (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ) وفي رواية للبخاريّ: «قال: احتَبَسَ جبريل عن النبيّ - ﷺ -، فقالت امرأة من قريش: أبطأ عليه شيطانه …» الحديث، وفي رواية الطبريّ: «فقالت امرأة من أهله». قال في «الفتح»: ولا مخالفة بينها؛ لأنهم قد يُطلقون لفظ الجمع، ويكون القائل، أو الفاعل واحدًا، بمعنى أن الباقين راضون بما وقع من ذلك الواحد. انتهى . وتلك المرأة هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب، كما يأتي بيان ذلك، وجاء في بعض الروايات أنها خديجة، فقد وقع في رواية عند الحاكم: «فقالت خديجة»، وأخرجه الطبريّ من طريق عبد الله بن شدّاد: «فقالت خديجة: ولا أرى ربّك»، ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه: «فقالت خديجة لِمَا ترى من جَزَعه»، قال في «الفتح»: وهذان طريقان مرسلان، ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كُلًّا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل عَبَّرت؛ لكونها كافرة بلفظ: «شيطانك»، وخديجة عَبَّرت؛ لكونها مؤمنة بلفظ «ربك»، أو «صاحبك»، وقالت أم جميل شماتةً، وخديجة توجعًا. انتهى . (قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّد) ببناء الفعل للمفعول، من التوديع؛ أي: تُرك، يعنون أن المَلَك الذي كان يجيؤه ودّعه، وترك المجيء إليه، (فَأنزَلَ اللهُ - ﷿ -) ردًّا على مزاعمهم (﴿وَالضُّحَى (١)﴾) قَسَمٌ من الله - ﷾ - بوقت الضحى، وما جعل فيه من الضياء، قال الفرّاء: الضحى: النهار، (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾)؛ أي: سكن، فأظلم، وادْلَهَمَّ، وقال الفرّاء: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾: إذا أظلم، وركد في طوله، تقول: بحر ساجٍ، وليلٌ ساج: إذا سكن، وروى الطبريّ عن قتادة: ﴿إِذَا سَجَى﴾: إذا سكن بالخلق، كذا في «الفتح» ، وجواب القسم قوله: (﴿مَا وَدَّعَكَ﴾) بتشديد الدال؛ أي: تركك، وعن ابن عبّاس - ﵄ -: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾؛ أي: ما قطعك منذ أرسلك، (﴿وَمَا قَلَى﴾)؛ أي: وما أبغضك. [تنبيه]: قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ هو بتشديد الدّال، على القراءات الصحيحة المشهورة التي قرأ بها القُرّاء السبعة، وقُرئ في الشاذّ بتخفيفها، قال أبو عبيد: هو من وَدَعَه يَدَعه، معناه: ما تركك، قال القاضي عياض: النحويون ينكرون أن يأتي منه ماض، أو مصدرٌ، قالوا: وإنما جاء منه المستقبل، والأمر، لا غيرُ، وكذلك يَذَرُ، قال القاضي: وقد جاء الماضي، والمستقبل منهما جميعًا، وفي «صحيح مسلم»: «لَيَنتهِيَنَّ قوم عن وَدْعِهِم الجمعة»، وفيه أيضًا: «إن شرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة من وَدَعه الناس، أو تركه الناس اتّقاء فُحْشهِ»، وقال الشاعر: وَكَانَ مَا قَدَّمُوا لأنفُسِهِمْ … أَكْثَرُ نَفْعًا مِنَ الَّذِي وَدُعوا وقال الآخر: لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذِي … غَالَهُ فِي الْحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ «غاله» بِالْغَين المعجمة؛ أي: أخذه . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعًا: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمّ حُذفت الواو، ثم فُتِح؛ لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعمت النّحاة أن العرب أماتت ماضي يَدَعُ، ومصدره، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلة، ويزيد النَّحويُّ: (مَا وَدَعَك رَبُّكَ) بالتّخفيف، وفي الحديث: «لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ»؛ أي: عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقِلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إمانةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الفيّوميّ - ﵀ - تحقيق نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن وَدَعَ ماضيًا ثابت فصيح، غير أنه قليل الاستعمال، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾؛ أي: ولَلدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله - ﷺ - أزهد الناس في الدنيا، وأعظمهم لها اطِّراحًا كما هو معلوم بالضرورة من سيرته - ﷺ -، ولمّا خُيِّر - ﷺ - في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها، ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله - ﷿ - اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية. أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: اضطجع رسول الله - ﷺ - على حصير، فأَثَّر في جنبه، فلما استيقظ جعلتُ أمسح جنبه، وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا، كراكب ظَلّ تحت شجرة، ثم راح، وتركها»، وقال الترمذيّ: حسن صحيح. وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾؛ أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعدّه له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافّتاه قباب اللؤلؤ المجوَّف، وطينه مسكٌ أذفر. وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر المخزوميّ، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عُرِض على رسول الله - ﷺ - ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزًا كنزًا، فَسُرّ بذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾، فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. رواه ابن جرير، من طريقه. قال الحافظ ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثلُ هذا ما يقال إلا عن توقيف. وقال السديّ، عن ابن عباس: من رضاء محمد - ﷺ - ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقال الحسن: يعني بذلك: الشفاعة. وهكذا قال أبو جعفر الباقر. ثم قال تعالى يعدد نعَمه على عبده ورسوله محمد - ﷺ -: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾، وذلك أن أباه تُوفّي وهو حَمْلٌ في بطن أمه، وقيل: بعد أن وُلد - ﷺ -، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين. ثم كان في كفالة جدّه عبد المطلب، إلى أن تُوُفّي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره وَيرفع من قَدره وُيوقّره، ويكفّ عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقَدَر الله وحُسن تدبيره، إلى أن تُوفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجُهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سُنَّته على الوجه الأتم والأكمل، فلما وصل إليهم آوَوه ونَصَرُوه وحاطوه وقاتلوا بين يديه، ﵃ أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به. وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾؛ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢]، ومنهم من قال: [إن] المراد بهذا أنه - ﵇ -، ضلّ في شعاب مكة وهو صغير، ثم رجع، وقيل: إنه ضلّ وهو مع عمه في طريق الشام، وكان راكبًا ناقة في الليل، فجاء إبليس يعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق، حكاهما البغوي. وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ أي: كنت فقيرًا ذا عيال، فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي: الفقير الصابر والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه. وقال أبو عبيدة: ﴿عَائِلًا﴾: ذا عيال، وقال الفرّاء: معناه فقيرًا، وقد وجدتها في مصحف عبد الله: (عَدِيمًا)، والمراد: أنه أغناه بما أرضاه، لا بكثرة المال . وقال قتادة في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ قال: كانت هذه منازل الرسول - ﷺ - قبل أن يبعثه الله - ﷿ -. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وفي الصحيحين - من طريق عبد الرزاق - عن مَعْمَر، عن همام بن مُنَبّه قال: هذا ما حَدّثنا أبو هُرَيرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس». وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه». ثم قال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾؛ أي: كما كنت يتيمًا، فآواك الله فلا تقهر اليتيم؛ أي: لا تُذِلَّه، وتنهره، وتُهِنْه، ولكن أحسِنْ إليه، وتلّطف به. قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾؛ أي: وكما كنت ضالًّا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد. قال ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾؛ أي: فلا تكن جبارًا، ولا متكبرًا، ولا فَحَّاشًا، ولا فَظًّا على الضعفاء من عباد الله. وقال قتادة: يعني: رُدَّ المسكين برحمة ولين. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾؛ أي: وكما كنت عائلًا فقيرًا فأغناك الله، فحدِّث بنعمة الله عليك، كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: «واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابليها، وأتمّها علينا». وأخرج ابن جرير عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن مِنْ شكر النِّعم أن يحدّث بها. وأخرج الترمذيّ عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، وقال الترمذيّ: حديث صحيح ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله - ﵁ - هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٧/ ٤٦٤٧ و٤٦٤٨ و٤٦٤٩] (١٧٩٧)، و(البخاريّ) في «التهجّد» (١١٢٤ و١١٢٥) و«التفسير» (٤٩٥١) و«فضائل القرآن» (٤٩٨٣)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٥/ ٤٤٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٥١٧)، و(الصنعانيّ) في «تفسيره» (٣/ ٣٧٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٣٤٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٢١ و٣١٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢/ ١٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٤٢ و٣٤٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٤)، والله تعالى أعلم (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول هذه السورة الكريمة، وأنه إبطاء جبريل - ﵇ - على النبيّ - ﷺ -، ويأتي في الرواية التالية: «أنه - ﷺ - اشتكى، فلم يقم ليلتين، أو ثلاثًا، فجاءته امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك …» الحديث، قال الحافظ - ﵀ - في «الفتح»: لم تُرِد الشكوى المذكورة بعينها، وأن من فَسَّرها بإصبعه التي دَمِيت لم يُصِب، ووجدت الآن في الطبرانيّ بإسناد فيه مَن لا يُعْرَف أن سبب نزولها وجود جِرْوِ كلبٍ تحت سريره - ﷺ - لم يشعر به، فابطأ عنه جبريل لذلك، وقصّة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، بل شاذ مردود بما في «الصحيح»، والله أعلم. وورد لذلك سبب ثالث، وهو ما أخرجه الطبريّ من طريق الْعَوْفيّ، عن ابن عباس - ﵁ - قال: «لمّا نزل على رسول الله - ﷺ - القرآن أبطأ عنه جبريل أيامًا، فتغيّر بذلك، فقالوا: وَدَّعَهُ ربه، وقلاه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾، ومن طريق إسماعيل مولى آل الزبير قال:»فَتَرَ الوحي حتى شَقَّ ذلك على النبيّ - ﷺ -، وأحزنه، فقال: لقد خَشيت أن يكون صاحبي قلاني، فجاء جبريل بسورة: والضحى«، وذكر سليمان التيميّ في»السيرة«التي جمعها، ورواها محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال:»وفَتَر الوحي، فقالوا: لو كان من عند الله لَتَتابَع، ولكن الله قلاه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما«. وكل هذه الروايات لا تثبت، والحقّ أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا، فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك ما بيّنته، وقد أوضحت ذلك في التعبير، ولله الحمد. ووقع في«سيرة ابن إسحاق» في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ شيء آخر، فإنه ذكر أن المشركين لمّا سألوا النبيّ - ﷺ - عن ذي القرنين، والروح، وغير ذلك، ووعدهم بالجواب، ولم يستثن، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة، أو أكثر، فضاق صدره، وتكلم المشركون، فنزل جبريل بسورة: والضحى، وبجواب ما سألوا، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] انتهى، وذِكْر سورة الضحى هنا بعيد، لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا، فضمّ بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البعث، وإنما كان بعد ذلك بمدّة، والله أعلم. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان عناية الله تعالى بنبيّه - ﷺ -، حيث أنزل عليه هذه السورة العظيمة لَمّا قال المشركون: ودَّعه ربه. ٣ - (ومنها): ما كان عليه المشركون من التربّص برسول الله - ﷺ -، وبأصحابه؛ كي يطعنوا فيهم، ويلمزوهم، ويغمزوهم، وفيهم أنزل الله - ﷿ -: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ إلى آخر السورة. ٤ - (ومنها): أن من حكمة تأخر جبريل - ﵇ - عن النبيّ - ﷺ -؛ ليشتاق إليه أشدّ اشتياق، ويُقبل عليه أتمّ إقبال، وأيضًا فإنه لا ينزل إلا بأمر الله - سبحانه تعالى -، فقد أخرج البخاريّ عن ابن عباس - ﵄ - أن النبيّ - ﷺ - قال: «يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟»، فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ إلى آخر الآية [مريم: ٦٤]. وقال في «الفتح» ما حاصله: إن تأخير نزول الوحي أحيانًا إنما كان يقع لحكمة تقتضي ذلك، لا لِقَصْد تركه أصلًا، فكان نزوله على أنحاء شتى، تارةً يتتابع، وتارة يتراخى، وفي إنزاله مفرَّقًا وجوه من الحكمة: [منها]: تسهيل حفظه؛ لأنه لو نزل جملة واحدة على أمة أمية، لا يقرأ غالبهم، ولا يكتب لشقّ عليهم حفظه، وأشار ﷾ إلى ذلك بقوله ردًّا على الكفار: وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ - أي: أنزلناه مفرقًا - ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]، وبقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]. [ومنها]: ما يستلزمه من الشرف له، والعناية به؛ لكثرة تردّد رسول ربه إليه، يُعْلِمه بأحكام ما يقع له، وأجوبة ما يُسأل عنه، من الأحكام، والحوادث. [ومنها]: اْنه أُنزل على سبعة أحرف، فناسب أن ينزل مفرّقًا؛ إذ لو نزل دَفْعَة واحدةً لشقّ بيانها عادةً. [ومنها]: أن الله قدَّر أن يَنسَخ من أحكامه ما شاء، فكان إنزاله مفرَّقًا لينفصل الناسخ من المنسوخ أَولى من إنزالهما معًا. وقد ضَبَط النَّقَلة ترتيب نزول السور، ولم يَضبطوا من ترتيب نزول الآيات إلا قليلًا، وقد تقدّم في «تفسير اقرأ باسم ربك» أنها أول سورة نزلت، ومع ذلك فنزل من أولها أولًا خمس آيات، ثم نزل باقيها بعد ذلك، وكذلك سورة المدّثر التي نزلت بعدها، نزل أولها أولًا، ثم نزل سائرها بعدُ، وأوضحُ من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن الثلاثة، وصححه الحاكم وغيره، من حديث ابن عباس عن عثمان - ﵃ - قال: كان النبيّ - ﷺ - تنزل عليه الآيات، فيقول: «ضعوها في السورة التي يُذكَر فيها كذا». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٤٨] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آَدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ: اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْن، أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْهُ امْرَأةٌ، فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْن، أَوْ ثَلَاثٍ، قَالَ: فَأنزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكرياء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. والباقون ذُكروا في الباب، و«زُهير» هو: ابن معاوية بن حُديج. شرح الحديث: (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ) هو جندب بن عبد الله بن سفيان، نُسب لجدّه، كما أسلفته في الحديث الماضي، وقبله. (يَقولُ: اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: مَرِضَ، قال المجد - ﵀ -: الشَّكْوُ، والشَّكْوَى، والشَّكْوَاءُ، والشَّكَاةُ، والشَّكَاءُ: الْمَرَضُ . ووقع في رواية قيس بن الربيع بلفظ: «مَرِضَ»، قال الحافظ - ﵀ -: ولم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تفسير هذه الشكاية، لكن وقع في الترمذيّ من طريق ابن عيينة، عن الأسود، في أول هذا الحديث، عن جندب، قال: «كنت مع النبيّ - ﷺ - في غار، فَدَمِيَت إصبعه، فقال: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ قال: وأبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد وُدِّع محمد، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾. انتهى، فظَنَّ بعض الشراح أن هذا بيان للشكاية المجملة في«الصحيح»، وليس كما ظَنّ، فإن في طريق عبد الله بن شداد أن نزول هذه السورة كان في أوائل البعثة، وجندب لم يصحب النبيّ - ﷺ - إلا متأخرًا، كما حكاه البغويّ في«معجم الصحابة»، عن الإمام أحمد، فعلى هذا هما قضيتان، حكاهما جندب: إحداهما: مرسلة، والأخرى موصولة؛ لأن الأُولى لم يحضرها، فروايته لها مرسلة، من مراسيل الصحابة، والثانية: شهدها، كما ذكر أنه كان مع النبيّ - ﷺ -، ولا يلزم من عطف إحداهما على الأخرى في رواية سفيان اتحادهما، والله أعلم. انتهى . (فَلَمْ يَقُمْ)؛ أي: لصلاة التهجّد، فلم يقرأ القرآن في الليل، (لَيْلَتَيْن، أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْهُ امْرَأةٌ) هي أم جميل بنت حرب العوراء امرأة أبي لهب، وأخت أبي سفيان، (فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ) تريد - قبّحها الله تعالى - بذلك جبريل - ﵇ -. (قَدْ تَرَكَكَ)؛ أي: لا يأتيك بالوحي، وفي رواية للبخاريّ في «فضائل القرآن»: «فأتته امرأة، فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك»، وله في «التفسير»: «قال: قالت امرأة: يا رسول الله، ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك»، وزاد النسائيّ في أوله: «أبطأ جبريل على النبيّ - ﷺ -، فقالت امرأة …» الحديث. قال الحافظ - ﵀ -: وهذه المرأة فيما ظهر لي غير المرأة السابقة؛ لأن هذه المرأة عَبّرت بقولها: «صاحبك»، وتلك عبّرت بقولها: «شيطانك»، وهذه عبّرت بقولها: «يا رسول الله»، وتلك عبّرت بقولها: «يا محمد»، وسياق الأُولى يُشعر بأنها قالته تأسّفًا، وتوجُّعًا، وسياق الثانية يُشعر بأنها قالته تَهَكُّمًا، وشماتةً. وقد حَكَى ابن بطال عن «تفسير بَقِيّ بن مَخْلَد»، قال: قالت خديجة للنبيّ - ﷺ - حين أبطأ عنه الوحي: «إن ربك قد قلاك»، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾. وقد تعقّبه ابن المنير، ومن تَبِعَه بالإنكار؛ لأن خديجة قوية الإيمان، لا يليق نسبة هذا القول إليها، لكن إسناد ذلك قويّ، أخرجه إسماعيل القاضي في «أحكامه»، والطبريّ في «تفسيره»، وأبو داود في «أعلام النبوة» له، كلهم من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد، وهو من صغار الصحابة، والإسناد إليه صحيح، وأخرجه أبو داود أيضًا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، لكن ليس عند أحد منهم أنها عبّرت بقولها: «شيطانك»، وهذه هي اللفظة المستنكَرة في الخبر. وفي رواية إسماعيل وغيره: «ما أرى صاحبك» بدل «ربك»، والظاهر أنها عَنَت بذلك جبريل. وأغرب سُنيد بن داود فيما حكاه ابن بشكوال، فرَوَى في تفسيره، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة - ﵂ - قالت للنبيّ - ﷺ - ذلك، وغَلِطَ سُنيد في ذلك، فقد رواه الطبريّ، عن أبي كُريب، عن وكيع، فقال فيه: قالت خديجة، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق أبي معاوية، عن هشام. قال: وأما المرأة المذكورة في حديث سفيان التي عَبّرت بقولها: «شيطانك» فهي أم جميل العوراء بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وامرأة أبي لهب، كما رَوَى الحاكم من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال: قالت امرأة أبي لهب - لَمّا مَكَثَ النبيّ - ﷺ - أيامًا لم يَنزل عليه الوحي -: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد قلاك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ ورجاله ثقات. وفي «تفسير الطبريّ» من طريق المفضل بن صالح، عن الأسود، في حديث الباب: «فقالت امرأة من أهله، ومن قومه»، ولا شك أن أم جميل من قومه؛ لأنها من بني عبد مناف. وعند ابن عساكر: أنها إحدى عماته، ومُستنده في ذلك هو ما أخرجه قيس بن الربيع، في «مسنده» عن الأسود بن قيس راويه، وأخرجه الفريابيّ شيخ البخاريّ في «تفسيره» عنه، ولفظه: «فأتته إحدى عماته، أو بنات عمه، فقالت: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد وَدَّعَك». انتهى . (لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ) - بكسر الراء - يقال: قَرِبه يَقْرَبه - بفتح الراء - متعديًا، ومنه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣]، وأما قَرُب - بالضم - فهو لازم، تقول: قَرُب الشيءُ؛ أي: دنا، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «بكسر الراء» يوهم أنه لا يجوز غير الكسر، وفيه نظر، فقد نصّ الفيّومي - ﵀ - على أن فتح الراء لغةٌ، وعبارته: قَرُبَ الشيءُ منّا قُربًا، وقَرَابةً، وقُربةً، وقُرْبَى، ويقال: الْقُرْب في المكان، والقربة في المنزلة، والْقُربى، والقَرَابة في الرحم، قال: وقَرِبتُ الأمرَ أَقْربه، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قَتَلَ قِرْبانًا - بالكسر - فعلته، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن الثاني قولهم: «لا تَقْرَب الْحِمَى»؛ أي: لا تدنو منه. انتهى . وكذا نصّ على الفتح محمد مرتضى الزبيديّ - ﵀ - في «تاج العروس» عند قول المجد: «قَرِب؛ كسَمِع»، فزاد مرتضى: «وقرُبَ؛ كنصَرَ»، فنصّ على جواز الفتح أيضًا. فقوله: «وفي لغة من باب قَتَلَ»، وكذا قول مرتضى: «كنصر» يدلان على أن قولها: «قَرِبك» يجوز فيه الوجهان: كسر الراء، وفتحها، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (مُنْدُ لَيْلتين، أَوْ ثَلَاثٍ، قَالَ: فَأَنزَلَ اللهُ - ﷿ - ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾) تقدّم شرح الآيات قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٤٩] (…) - (وَحَدّثنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَمُحَمّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدّثنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِهِمَا). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (الْمُلَائِيُّ) هو: الفضل بن دُكين، واسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول، أبو نُعيم الْمُلائيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [٩] (ت ١٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩١. [تنبيه]: قوله: «الملائيّ» بضمّ الميم، وبعد اللام ألف: نسبة إلى الْمُلاءة التي تستتر بها النساء، قال السمعانيّ: وظنّي أنها نسبة إلى بيعها، واشتهر بهذه النسبة أبو بكر عبد السلام بن حرب الملائيّ الكوفيّ، والفضل بن دُكين الأحول الملائيّ، كان شريك عبد السلام بن حرب الملائيّ في دُكّان يبيعان الملاءة. انتهى . [تنبيه آخر]: كون الملائيّ في هذا السند هو أبا نعيم الفضل بن دكين هو الصواب، كما نصّ عليه الحافظ المزّيّ - ﵀ - في «تحفة الأشراف» (٢/ ٤٣٩)، وقد أخطأ بعض الشرّاح ، فترجم هنا لعبد السلام بن حرب، وهو غلط، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «المفهم» ٣/ ٦٥٥ - ٦٥٦.

٢. «الصحاح» ص ٧٨٨.

٣. راجع: «القاموس المحيط» ص ٩٦٥.

٤. «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ٢٨٠.

٥. «تقييد المهمل» ٣/ ٨٨٠.

٦. «الفتح» ١١/ ٩٥ - ٩٦، كتاب «التفسير» رقم (٤٩٥٠).

٧. «الفتح»١١/ ٩٦، كتاب«التفسير»رقم (٤٩٥١).

٨. «الفتح»١١/ ٩٤، كتاب«التفسير».

٩. «إكمال المعلم» ٦/ ١٧٠ - ١٧١ و«شرح النوويّ» ١٢/ ١٥٧.

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٣.

١١. «الفتح» ١١/ ٩٤، كتاب «التفسير».

١٢. راجع:«تفسير ابن كثير»- ﵀ - ٨/ ٤٢٣ - ٤٢٨.

١٣. «الفتح» ٩٤ - ٩٦، كتاب «التفسير» رقم (٤٩٥٠).

١٤. «الفتح» ١١/ ١٦٢، كتاب «فضائل القرآن» رقم (٤٩٨٣).

١٥. «القاموس المحيط» ص ٧٠٢.

١٦. «الفتح» ٣/ ٥١٢ - ٥١٣، كتاب «التهجّد» رقم (١١٢٥).

١٧. «الفتح» ٣/ ٥١٣ - ٥١٤، كتاب «التهجّد» رقم (١١٢٥).

١٨. «الفتح» ١١/ ٩٦، كتاب «التفسير» رقم (٤٩٥٠).

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٦.

٢٠. راجع: «التاج» ١/ ٤٢٢.

٢١. راجع: «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨.

٢٢. هو الشيخ محمد أمين الهرريّ في شرحه لهذا الكتاب، راجع: شرحه ١٩/ ٣٣٢ - ٣٣٣.