HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٠١

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بن محمد ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ. كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو. سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (من لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ (نَعَمْ) قَالَ: ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ. قَالَ (قُلْ). فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا. وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً. وَقَدْ عَنَّانَا. فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضًا. وَاللَّهِ! لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الْآنَ. وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا. قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِي؟ قَالَ: مَا تُرِيدُ. قَالَ: تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ. قال: أنت أجمل العرب. أنرهنك نِسَاءَنَا؟ قَالَ لَهُ: تَرْهَنُونِي أَوْلَادَكُمْ. قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا. فَيُقَالُ: رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ. وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ (يَعْنِي السِّلَاحَ). قَالَ: فَنَعَمْ. وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ وَأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ. قَالَ: فَجَاءُوا فَدَعَوْهُ لَيْلًا. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ. قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ. إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لَأَجَابَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ. فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ. قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ، نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ. فَقَالُوا: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ. قَالَ: نَعَمْ. تَحْتِي فُلَانَةُ. هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ. قَالَ: فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ. قَالَ: نَعَمْ. فَشُمَّ. فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ. ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ؟ قَالَ: فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ. ثُمَّ قَالَ: دونكم. قال: فقتلوه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص184
ج ٣ ص ١٤٢٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, صحيح البخاري
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١٩
[٤٣٢] قوله: (ائذَن لِي، فَلأَقُل) أو قال: (فَأَقُل)؛ فيه دليل على أن الرجل إذا أراد قضاء حاجة في رضى الله؛ جاز أن يُعَرِّض بكلام على خلاف ما في قلبه؛ ليصل إلى الحاجة. في الحديث دليل أن أخوة الإسلام ناسخة لكل أخوة ومودّة، وفيه: أن العطر للنساء محمود، وفيه: أنه يجوز أن تخدع العدوّ، و(الوَسَقُ): حِمل البعير، وقوله: (إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ - يعني ابن مسلمة - وَرَضِيعُهُ، وَأَبُو نَائِلَةَ)؛ كذا في الكتاب بالواو، والصواب: (وَرَضِيعُه أَبُو نَائِلَة) بغير واو، واسم أبي نائلة: سَلكان بنُ سلمة، والأمر من شممت: (شَمَّ) بفتح الشين، و(اسْتَمْكَن) أي: تمكن، و(دُونَكُم) أي خذوه، ورهنته أفصح من أرهنته، (وَقَدْ عَنَّانَا) أي: أتعبنا، (قَالَ: وَأَيْضًا، وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ) أي: تزيدون ملالة منه في المستقبل، ظن أن محمد بن مسلمة يقول ما يقول ملالة من الإسلام. ومن باب غزوة خيبر
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٣٩٨
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٥] (١٨٠١) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ»، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ الله، أَتُحِبُّ أَنْ أقتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: ائْذَنْ لِي، فَلأَقُلْ، قَالَ: «قُلْ»، فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ، وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً، وَقَدْ عَنَّانَا، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضًا وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الآنَ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ، حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَني سَلَفًا، قَالَ: فَمَا تَرْهَننِي؟ قَالَ: مَا تُرِيدُ، قَالَ: تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ؟، قَالَ: أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَب، أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ لَهُ: تَرْهَنُونِي أَوْلَادَكُمْ؟ قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا، فَيُقَالُ: رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللْأمَةَ - يَعْنِي: السِّلَاحَ - قَالَ: فَنَعَمْ، وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِث، وَأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، قَالَ: فَجَاءُوا، فَدَعَوْهُ لَيْلًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : إِني لأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ، قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيعُهُ أبو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لأَجَابَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِه، فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، فَدُونَكُمْ، قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ، نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ، فَقَالُوا: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيب، قَالَ: نَعَمْ، تَحْتِي فُلَانَةُ، هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَب، قَالَ: فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشُمَّ، فَتَنَاوَلَ، فَشَمَّ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ؟ قَالَ: فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأسِه، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ، قَالَ: فَقَتَلُوهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ - بن مَخْرَمَة - الزُّهْرِيُّ) البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٦) (م ٤) تقدم في «الحيض» ٢٦/ ٨١٥. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة، تقدّم قبل بابين. ٤ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم، تقدّم قريبًا. ٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀؛ كالأسانيد الثلاثة الماضية، وكالسند اللاحق، وفيه جابر بن عبد الله - ﵄ - الصحابيّ ابن الصحابيّ، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ)؛ يعني: متن الحديث لعبد الله بن محمد الزهريّ، شيخه الثاني، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرِو) بن دينار، وعند أبي نعيم، من طريق الحميديّ، عن سفيان: «حدّثنا عمرٌو»، قال: (سَمِعْتُ جَابِرًا)؛ أي: ابن عبد الله - ﵄ -، (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟)؛ أي: من الذي ينتدب إلى قتله؟ (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل؛ أي: لأنه (قَدْ آذَى اللهَ) ﷾ (وَرَسُولَهُ») - ﷺ - بشِعْره الوَقِحِ البذيّ، وفي رواية محمد بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن جابر، عند الحاكم، في «الإكليل»: «فقد آذانا بشِعْره، وقَوَّى المشركين»، وأخرج ابن عائذ، من طريق الكلبيّ: «أن كعب بن الأشرف قَدِمَ على مشركي قريش، فحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين»، ومن طريق أبي الأسود، عن عروة: «أنه كان يهجو النبيّ - ﷺ - والمسلمين، ويُحَرِّض قريشًا عليهم، وأنه لَمّا قَدِم على قريش، قالوا له: أديننا أهدى، أم دين محمد؟ قال: دينكم، فقال النبيّ - ﷺ -: من لنا بابن الأشرف؟، فإنه قد استعلن بعداوتنا». وذَكَر في «فوائد عبد الله بن إسحاق الخرسانيّ»، من مرسل عكرمة، بسند ضعيف إليه لقتل كعب سببًا آخر، وهو أنه صنع طعامًا، وواطأ جماعة من اليهود أنه يدعو النبيّ - ﷺ - إلى الوليمة، فإذا حَضَر فَتَكُوا به، ثم دعاه، فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه جبريل بما أضمروه، بعد أن جالسه، فقام، فستره جبريل بجناحه، فخرج، فلمّا فَقَدوه تفرقوا، فقال حينئذ: من ينتدب لقتل كعب؟ ويمكن الجمع بتعدد الأسباب، قاله في «الفتح» . (فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) - بفتح الميم، واللام - ابن سلمة بن خالد بن عديّ بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس، حليف لبني عبد الأشهل، شَهِد بدرًا، والمشاهد كلَّها مع رسول الله - ﷺ -، ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين، وقيل: ستّ وأربعين، وقيل: سنة سبع وأربعين، وهو ابن سبع وسبعين سنةً، وصَلَّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذ أمير المدينة، وكان من فضلاء الصحابة، واستخلفه النبيّ - ﷺ - على المدينة في بعض غزواته، وقيل: إنه استخلفه في غزوة قرقرة الكدر، وقيل: إنه استخلفه عام تبوك، واعتَزَلَ الفتنة، واتّخذ سيفًا من خشب، وجعله في جَفْن، وذَكَرَ أن النبيّ - ﷺ - أمره بذلك، ولم يشهد الْجَمَلَ، ولا صفّين، وأقام بالرَّبَذَة ، وهو أكبر مَنْ اسمه محمد من الصحابة - ﵃ -، تقدّمت ترجمته في «القسامة» ١١/ ٤٣٨٩. (يَا رَسُولَ الله، أَتُحِبُّ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، (أَنْ أَقْتُلَهُ؟)، وفي مرسل عكرمة: «فقال محمد بن مسلمة: هو خالي». (قَالَ) - ﷺ - («نَعَمْ»)؛ أي: أحبّ أن تقتله، وفي رواية محمد بن محمود: «فقال: أنت له»، وفي رواية ابن إسحاق: «قال: فافعل إن قدرت على ذلك»، وفي رواية عروة: «فسكت رسول الله - ﷺ -، فقال محمد بن مسلمة: أقرّ صامت»، ومثله عند سَمُّوْيَه في «فوائده»، فإن ثبت احْتَمَل أن يكون سكت أوّلًا، ثم أَذِنَ له، فإن في رواية عروة أيضًا أنه قال له: «إن كنت فاعلًا، فلا تَعْجَلْ حتى تُشاور سعد بن معاذ»، قال: «فشاوره، فقال له: تَوَجَّهْ إليه، واشْكُ إليه الحاجة، وسله أن يُسلفكم طعامًا». (قَالَ) ابن مسلمة (ائْذَنْ لِي، فَلأَقُلْ) اللام فيه لام الأمر، ولذا جُزم بها الفعل؛ أي: أتكلّم بشيء مما يسُرّ كعبًا، ولفظ البخاريّ: «فأْذَنْ لي أن أقول شيئًا». وقال النوويّ ﵀: قوله: «ائذن لي، فلأقل»: معناه: ائذن لي أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحةً، من التعريض وغيره، ففيه دليل على جواز التعريض، وهو أن يأتي بكلام باطنه صحيح، ويَفْهَم منه المخاطَب غير ذلك، فهذا جائز في الحرب وغيرها، ما لم يَمنع به حقًّا شرعيًّا. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - («قُلْ»)؛ أي: تكلّم بما تراه مصلحة مؤدّية إلى قتله، قال في «الفتح»: كأنه استأذنه أن يفتعل شيئًا يحتال به، ومن ثَمَّ بوَّب عليه البخاريّ في «الصحيح»، فقال: «باب الكذب في الحرب»، وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصّة أنهم استأذنوا أن يَشْكُوا منه، ويعيبوا رأيه، ولفظه: «فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، وَرَمَتْنا عن قوس واحدة»، وعند ابن إسحاق بإسناد حسن، عن ابن عباس - ﵄ -: «أن النبيّ - ﷺ - مَشَى معهم إلى بقيع الغرقد، ثم وَجَّههم، فقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم». (فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: كلّم ابن مسلمة كعبًا بكلام يستحسنه، وقوله: (وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن ابن مسلمة ذكر الذي بينه وبين كعب من المودّة، والصداقة القديمة حتى يطمئنّ إليه، ولا يرتاب في كونه يريد قتله، (وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ)؛ يعني: النبيّ - ﷺ - (قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً)، ولفظ البخاريّ: «قد سألنا صدقةً»، وفي رواية الواقديّ: «سألنا الصدقة، ونحن لا نَجِد ما نأكل»، وفي مرسل عكرمة: «فقالوا: يا أبا سعيد إن نبيّنا أراد منا الصدقة، وليس لنا مالٌ نصدقه»، (وَقَدْ عَنَّانَا) - بالعين المهملة، وتشديد النون الأولى -، من العَناء، وهو التعب. وقال في «العمدة»: قوله: «وقد عَنّانا» - بفتح النون المشدّدة -؛ أي: أتعبنا، وهذا من التعريض الجائز، بل من المستحبّ؛ لأن معناه في الباطن: أَدَّبنا بآداب الشريعة التي فيها تَعَبٌ، لكنه تَعَبٌ في مرضاة الله تعالى، فهو محبوب لنا، والذي فَهِم المخاطَب منه هو العناء الذي ليس بمحبوب. انتهى . (فَلَمَّا سَمِعَهُ)؛ أي: سمع كعب هذا الكلام من ابن مسلمة (قَالَ: وَأَيْضًا)؛ أي: وزيادةً على ذلك، وقد فَسَّره بعد ذلك قوله: (وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ) - بفتح المثناة، والميم، وتشديد اللام، والنون - من الْمَلال؛ أي: تتضجّرون منه أكثر من هذا الضجر . وقال في «العمدة»: قوله: «وأيضًا والله لتملّنه»؛ أي: والله بعد ذلك تزيد ملالتكم عنه، وتتضجّرون عنه أكثر، وأزيد من ذلك. [فإن قلت]: هذا غَدْرٌ، فكيف جاز؟. [قلت]: حاشا؛ لأنه نَقَضَ العهد بإيذائه رسول الله - ﷺ -، وقال المازريّ: نَقَض عهد رسول الله - ﷺ -، وهجاه، وأعان المشركين على حربه. [فإن قلت]: آمنه محمد بن مسلمة؟. [قلت]: لم يصرح له بأمان في كلامه، وإنما كلّمه في أمر البيع والشراء، والشكاية إليه، والاستيناس به، حتى تمكّن من قتله. وقيل: في قتل محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف دلالةٌ أن الدعوة ساقطة ممن قَرُب من دار الإسلام. وكانت قضية محمد بن مسلمة في رمضان، وقيل: في ربيع الأول، والأول أشهر، في السنة الثالثة من الهجرة. انتهى . وعند الواقديّ: «أن كعبًا قال لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خِذلانه، والتخلِّي عنه، قال: سَرَرْتني». (قَالَ) ابن مسلمة (إِنَّا) معشر الأنصار (قَدِ اتَّبَعْنَاهُ)؛ أي: النبيّ - ﷺ -، (الآنَ)؛ أي: في الوقت الحاضر، والمراد أن اتّباعهم له ما طال عهده، (وَنَكْرَهُ) بفتح الراء، من باب تَعِبَ، (أَنْ نَدَعَهُ) - بفتح النون والدال -؛ أي: نتركه، (حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ)؛ أي: هل يتمّ أم لا؟، وقد أتمّ الله دينه، وأعلى كلمته، وكَبَت أعداءه، ولله الحمد والمنّة. (قَالَ) ابن مسلمة (وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا) زاد في رواية البخاريّ: «وحدّثنا عمرو غير مرّة، فلم يذكر: وَسْقًا، أو وسقين»، قال الكرماني: قائل ذلك سفيان، ووقع في رواية عُروة: «وأُحِبّ أن تسلفنا طعامًا، قال: أين طعامكم؟ قالوا: أنفقناه على هذا الرجل، وعلى أصحابه، قال: ألم يَأْنِ لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل؟». [تنبيه]: وقع في هذه الرواية الصحيحة أن الذي خاطب كعبًا بذلك هو محمد بن مسلمة، والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنه أبو نائلة، وأومأ الدمياطيّ إلى ترجيحه، ويَحْتَمِل أن يكون كلٌّ منهما كَلّمه في ذلك؛ لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته، وفي مرسل عكرمة في الكل بصيغة الجمع: «قالوا»، وفي مرسل عكرمة: «وائذن لنا أن نُصيب منك، فيطمئنّ إلينا، قال: قولوا ما شئتم»، وعنده: «أَمّا مالي فليس عندي اليوم، ولكن عندي التمر»، وذكر ابن عائذ: «أن سعد بن معاذ بعث محمدًا ابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ». انتهى . (قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِي؟)؛ أي: فأيَّ شيء تُعطوني رَهْنًا على التمر الذي تريدونه؟ والرهن لغةً: الثبوت والاستقرار، وشرعًا: جَعْلُ عينٍ ماليّةٍ وثيقةً بِدَيْن لازم، أو آيل إلى اللزوم . (قَالَ) ابن مسلمة (مَا تُريدُ) «ما» موصولة مفعول لفعل مقدّر، دلّ عليه السابق؛ أي: نرهنك الشيءَ الذي تريده، ويُحْتَمِل أن تكون استفهاميّةً؛ أي: أي شيء تريد أن نرهنك إياه؟. (قَالَ) كعب (تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أترهنوني نساءكم؟ ويَحْتَمِل أن يكون خبرًا بمعنى الأمر؛ أي: ارهنوني نساءكم. (قَالَ) ابن مسلمة (أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ)؛ أي: صورةً، والنساء يَمِلْن إلى الصُّوَر الحِسَان. وقال في «الفتح»: لعلهم قالوا له ذلك تَهَكُّمًا، وإن كان هو في نفسه كان جميلًا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة لحمله على التهكّم، كما يظهر من مجموع الروايات، فليُتنبّه. (أنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟) استفهام إنكاريّ، وفي رواية ابن سعد من مرسل عكرمة: «ولا نأمَنُك، وأيُّ امرأة تمتنع منك لجمالك؟»، وفي مرسل آخر: «وأنت رجل حُسَّان، تُعْجِب النساء»، و«حُسّان» بضم الحاء، وتشديد السين. (قَالَ) كعب (لَهُ)؛ أي: لمحمد بن مسلمة، (تَرْهَنُونِي أَوْلَادَكُمْ؟ قَالَ) ابن مسلمة (يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يُشتم. وقال النوويّ ﵀: قوله: «يُسَبّ ابن أحدنا … إلخ»: هكذا هو في الروايات المعروفة في مسلم وغيره: «يُسَبّ» - بضم الياء، وفتح السين المهملة - من السّبّ، وحَكَى القاضي عياض عن رواية بعض رواة كتاب مسلم : «يَشِبّ» - بفتح الياء، وكسر الشين المعجمة - من الشباب، والصواب الأول. انتهى . (فَيُقَالُ: رُهِنَ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: جُعل رهنًا، (فِي وَسْقَيْنِ) - بفتح الواو، وكسرها: ستون صاعًا، أو حِمْلُ بعير، قال الفيّوميّ ﵀: الْوَسْقُ: حِمْلُ بعير، يقال: عنده وَسْقٌ من تمرٍ، والجمع: وُسُوقٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوسٍ، وأوسقتُ البعير بالألف، ووَسَقته أَسِقُهُ، من باب وَعَدَ لغة أيضًا: إذا حَمَّلته الوَسْقَ، قال الأزهريّ: الوَسْقُ ستّون صاعًا بصاع النبيّ - ﷺ -، والصاع خمسة أرطال وثُلُثٌ، والوَسْقُ على هذا الحساب مائة وستّون مَنًا، والْوَسْقُ ثلاثة أقفِزةٍ، وحَكَى بعضهم الكسر لغةً، وجمعه أوساقٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمال. انتهى . وقوله: (مِنْ تَمْرٍ) بيان لـ «وسق»، (وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللْأمَةَ) - بتشديد اللام، وسكون الهمزة - وقوله: (وَيعْنِي: السِّلَاحَ) بيّن في رواية البخاريّ أن العناية من ابن عيينة، ولفظه: «قال سفيان: يعني: السلاح»، قال في «الفتح»: كذا قال، وقال غيره، من أهل اللغة: اللأمة: الدِّرْعُ، فعلى هذا إطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكلّ على البعض. انتهى . وقال الفيّوميّ: اللأمة: بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها: الدِّرْعُ، والجمع: لَأمٌ، مثلُ تَمْرة وتَمْر، ولُؤَمٌ، مثلُ غُرَفٍ، لكنّه غير قياسٍ، واستألم: لَبِس لَأمته. انتهى . وفي مرسل عكرمة: «ولكنا نَرْهَنُك سلاحنا، مع علمك بحاجتنا إليه، قال: نعم»، وفي رواية الواقديّ: «وإنما قالوا ذلك؛ لئلا يُنكر مجيئهم إليه بالسلاح». (قَالَ) كعبٌ (فَنَعَمْ) ارهنوني لَأمتكم، (وَوَاعَدَهُ)؛ أي: واعد ابن مسلمة كعبًا (أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ) بن أوس بن معاذ (وَأَبِي عَبْسِ) - بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة - (ابْنِ جَبْرٍ) - بفتح الجيم، وسكون الموحّدة - (وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ) - بكسر الموحّدة، وسكون السين المعجمة -. وقال النوويّ ﵀: أما الحارث: فهو الحارث بن أوس ابن أخي سعد بن عُبادة، وأما أبو عَبْس: فاسمه عبد الرحمن، وقيل: عبد الله، والصحيح الأول، وهو ابن جَبْر - بفتح الجيم، وإسكان الباء - كما ذكره في الكتاب، ويقال: ابن جابر، وهو أنصاريٌّ، من كبار الصحابة - ﵃ -، شَهِد بدرًا، وسائر المشاهد، وكان اسمه في الجاهلية عبد العزى، وهو وقع في معظم النسخ: «وأبو عَبْس» بالواو، وفي بعضها: «وأبي عَيْس» بالياء، وهذا ظاهر، والأول صحيح أيضًا، ويكون معطوفًا على الضمير في: «يأتيه». انتهى . وفي رواية البخاريّ: «فجاء ليلًا، ومعه أبو نائلة» - بنون، وبعد الألف تحتانية، وقيل: بالهمزة بعد الألف، واسمه: سلكان بن سلامة - «وكان أخاه من الرضاعة»؛ يعني: كان أبو نائلة أخَا كعب، وذكروا أنه كان نديمه في الجاهلية، فكان يركن إليه، وقد ذكر الواقديّ أن محمد بن مسلمة أيضًا كان أخاه، زاد الحميدي في روايته: «وكانوا أربعةً سَمَّى عمرو منهم اثنين». ووقع في رواية الحميديّ: «قال: فأتاه، ومعه أبو نائلة، وعباد بن بشر، وأبو عَبْس بن جَبْر، والحارث بن معاذ إن شاء الله»، قال الحافظ: كذا أدرجه، ورواية عليّ بن المدينيّ مفصّلة، ونسب الحارث بن معاذ إلى جدّه، ووقعت تسميتهم كذلك في رواية ابن سعد، فعلى هذا فكانوا خمسة، ويؤيده قول عباد بن بشر، من قصيدة في هذه القصّة [من الوافر]: فَشَدَّ بِسَيْفِهِ صَلْتًا عَلَيْهِ … فَقَطَّعَهُ أبو عَبْسِ بْنُ جَبْرِ وَكَانَ اللهُ سَادِسَنَا فَأُبْنَا … بِأَنْعَمِ نِعْمَةٍ وَأَعَزِّ نَصْرِ وهو أَولى مما وقع في رواية محمد بن محمود: «كان مع محمد بن مسلمة أبو عَبْس بن جَبْر، وأبو عَتِيك»، ولم يذكر غيرهما، وكذا في مرسل عكرمة: «ومعه رجلان، من الأنصار». ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرّةً ثلاثةً، وفي الأخرى خمسةً. انتهى . (قَالَ: فَجَاءُوا، فَدَعَوْهُ لَيْلًا)، ووقع عند الخراساني في مرسل عكرمة: «فلما كان في القائلة أتوه، ومعهم السلاح، فقالوا: يا أبا سعيد، فقال: سامعًا دعوتَ»، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: قوله في «القائلة» مخالف لِمَا في «الصحيح» من أنهم أتوه ليلًا، وما في «الصحيح» أصحّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَنَزَلَ) كعب (إِلَيْهِمْ) إلى هؤلاء النفر الذي دعوه ليلًا، (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (قَالَ غَيْرُ عَمْرِو) بن دينار: (قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ)، وفي بعض النسخ: «قالت امرأته»، قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمها. (إِنِّي لأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ)؛ أي: صوت طالب دم، أو صوت سافك دم، هكذا فسّروه، قاله النوويّ . وفي رواية البخاريّ: «قالت: أسمع صوتًا يقطر منه الدم»، وفي رواية الكلبيّ: «فتعلَّقت به امرأته، وقالت: مكانك، فوالله إني لأرى حُمرة الدم مع الصوت»، وبيّن الحميديّ في روايته، عن سفيان أن الغير الذي أبهمه سفيان في هذه القصّة هو العبسيّ، وأنه حدّثه بذلك عن عكرمة مرسلًا، وعند ابن إسحاق: «فَهَتَفَ به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعُرْس، فوثب في مِلْحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت له: أنت امرؤ مُحَارَبٌ، لا تنزل في هذه الساعة، فقال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائمًا ما أيقظني، فقالت: والله إني لأعرف من صوته الشرّ»، وفي مرسل عكرمة: «أخذت بثوبه، فقالت: أُذَكِّرك اللهَ أن لا تنزل إليهم، فوالله إني لأسمع صوتًا يقطر منه الدم». (قَالَ) كعب (إِنَّمَا هَذَا) الذي دعاني، (مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ)؛ أي: وهو ابن أخته، وصديقه لا يخاف منه شيئًا، (وَرَضِيعُهُ)؛ أي: رضيع محمد بن مسلمة، وقوله: (أَبُو نَائِلَةَ) بدل من «رضِيعُهُ»، واسمه سِلْكان - بكسر السين المهملة، وسكون اللام - ابن سلامة بن وقش الأنصاريّ الأشهليّ، ويقال: سِلْكان لقبٌ، واسمه سَعْد، شَهِد أُحُدًا، وكان من الرُّماة المذكورين من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وكان شاعرًا . [تنبيه]: قوله: «أبو نائلة» بلا واو، هكذا وقع في النسخة الهنديّة، وكذا في النسخة التي عليها شرح الأبيّ، وهو الصواب، وهو بدل من «رضيعه»، كما أسلفته آنفًا، فهو رضيع محمد بن مسلمة، ووقع في معظم النسخ: «وأبو نائلة» بالواو، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ، قال القاضي عياض ﵀: قال لنا شيخنا القاضي الشهيد: صوابه أن يقال: «إنما هو محمد، ورضيعه أبو نائلة»، وكذا ذكر أهلُ السِّيَر، أن أبا نائلة كان رضيعًا لمحمد بن مسلمة، ووقع في «صحيح البخاريّ»: «ورَضِيعي أبو نائلة»، قال: وهذا عندي له وجه إن صَحّ أنه كان رضيعًا لكعب، فله وجهٌ، والمعروف ما ذكرنا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول عياض ﵀: «إن صحّ» فيه نظر لا يخفى، فإن صحّته مما لا ارتياب فيه، فقد ذكره البخاريّ في «صحيحه» به مرّتين، فقال: «فجاءه ليلًا، ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة»، وقال أيضًا: «إنما هو محمد بن مسلمة، وأخي أبو نائلة»، وفي لفظ: «ورضيعي أبو نائلة». والحاصل أن أبا نائلة كان أخًا من الرضاعة لكلّ من كعب، ومحمد بن مسلمة، والله تعالى أعلم. (أنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ) بالبناء للمفعول، (إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لأَجَابَ، قَالَ مُحَمَّدٌ)؛ أي: ابن مسلمة لأصحابه، (إِنِّي إِذَا جَاءَ) كعب (فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ)؛ أي: لأِشمّ منه ريح الطيب، (فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ)؛ أي: تمكّنت من إمساك رأسه بعد شمّ الريح، (فَدُونَكُمْ) اسم فعل، بمعنى خذوه، وأراد به: أن يقتلوه. (قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ، نزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ)؛ أي: والحال انه متوشّح، يقال: توشّح بثوبه، وهو أن يُدخله تحت إبطه الأيمن، ويُلقيَه على منكبه الأيسر، كما يفعله المُحْرِم، قاله الأزهريّ، واتَّشَحَ كذلك، قاله الفيّوميّ . (فَقَالُوا)؛ أي: محمد بن مسلمة، وأصحابه، (نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ) في رواية ابن سعد: «وكان حديثَ عهد بعُرس»، وفي مرسل عكرمة: «فقال: يا أبا سعيد أَدْنِ مني رأسك أشمّه، وأمسح به عيني، ووجهي». (قَالَ) كعب (نَعَمْ) تجدون مني ريح الطيب؛ لأنه (تَحْتِي فُلَانَةُ) لا يُعرف اسمها، (هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ)، وفي رواية البخاريّ: «عندي أعطر نساء العرب، وأكمل العرب»، وعند الأصيليّ: «وأجمل» - بالجيم، بدل الكاف - وهي أشبه، وفي مرسل عكرمة: «فقال: هذا عِطْرُ أمّ فلان»؛ يعني: امرأته، وفي رواية الواقديّ: «وكان كعب يَدَّهِنُ بالمسك الْمُفَتَّت، والعنبر، حتى يتلبّد في صُدْغيه»، وفي رواية أخرى: «وعندي أعطر سيّد العرب»، وكان سيد تصحيف من نساء، فإن كانت محفوظةً، فالمعنى: أعطر نساء سيّد العرب، على الحذف . (قَالَ) ابن مسلمة: (فَتَأْذَنُ لِي) بتقدير الاستفهام؛ أي: أفتأذن لي؟، (أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ؟) وفي رواية البخاريّ: «أتأذن لي أن أشُمّ رأسك؟». (قَالَ) كعب (نَعَمْ، فَشُمَّ) بضمّ أوله، أمْرٌ من الشمّ، (فَتَنَاوَلَ)؛ أي: أخذه رأسه (فَشَمَّ) بالبناء للفاعل؛ أي: شمّ رأسه، زاد في رواية البخاريّ: «ثم أشمَّ أصحابه»، (ثُمَّ قَالَ ابن مسلمة: أتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ؟)؛ أي: أرجع إلى شمّه مرّة أخرى، زاد في رواية البخاريّ: «قال: نعم»؛ أي: قال كعب: نعم عُدْ إليه مرّةً أخرى. (قَالَ) الراوي (فَاسْتَمْكَنَ)؛ أي: تمكّن ابنُ مسلمة (مِنْ رَأْسِهِ)؛ أي: من إمساك رأس كعب حتى يمكّن أصحابه من قتله، (ثُمَّ قَالَ) ابن مسلمة: (دُونَكُمْ)؛ أي: خذوه، وبادروا إلى قتله، و«دونكم» اسم فعل، بمعنى: خُذوا، كما ذكره ابن مالك ﵀ في «الخلاصة»: وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ «عَلَيْكَا» … وَهَكَذَا «دُونَكَ» مَعْ «إلَيْكَا» (قَالَ) الراوي: (فَقَتَلُوهُ) زاد في رواية البخاريّ: «ثم أتوا النبيّ - ﷺ -، فأخبروه». وفي رواية عروة: «وضربه محمد بن مسلمة، فقتله، وأصاب ذُباب السيف الحارثَ بن أوس، وأقبلوا حتى إذا كانوا بِجُرُف بُعَاث تخلّف الحارث، ونَزَف، فلما افتقده أصحابه رجعوا، فاحتملوه، ثم أقبلوا سِرَاعًا، حتى دخلوا المدينة». وفي رواية الواقديّ: «أن النبيّ - ﷺ - تَفَلَ على جرح الحارث بن أوس، فلم يؤذه»، وفي مرسل عكرمة: «فبَزَق فيها، ثم ألصقها، فالتحمت»، وفي رواية ابن الكلبيّ: «فضربوه حتى بَرَد، وصاح عند أول ضربة، واجتمعت اليهود، فأخذوا على غير طريق أصحاب رسول الله - ﷺ -، ففاتوهم». وفي رواية ابن سعد: «أن محمد بن مسلمة لمّا أخذ بقرون شَعْره، قال لأصحابه: اقتلوا عدوّ الله، فضربوه بأسيافهم، فاختَلَفت عليه، فلم تُغن شيئًا، قال محمد: فذكرت مِعْولًا كان في سيفي، فوضعته في سُرّته، ثم تحاملت عليه، فغططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح، وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير، مرتين». وقوله: «فأخبروه»؛ أي: أخبروا النبيّ - ﷺ - بخبر قتله، وفي رواية عروة: «فأخبروا النبيّ - ﷺ -، فَحَمِد الله تعالى»، وفي رواية ابن سعد: «فلما بَلَغُوا بقيع الغرقد كَبَّروا، وقد قام رسول الله - ﷺ - تلك الليلة يصلي، فلما سَمِع تكبيرهم كَبَّر، وعَرَف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه، فقال: أفلحت الوجوه، فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورَمَوا رأسه بين يديه، فحَمِد الله على قتله»، وفي مرسل عكرمة: «فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبيّ - ﷺ -، فقالوا: قُتِل سيدنا غِيلةً، فذَكَّرهم النبيّ - ﷺ - صنيعه، وما كان يُحَرِّض عليه، ويؤذي المسلمين»، زاد ابن سعد: «فخافوا، فلم ينطقوا» . وفي كتاب «شرف المصطفى» أن الذين قتلوا كعبًا حملوا رأسه في الْمِخْلاة، فقيل: إنه أول رأس حُمل في الإسلام، وقيل: بل رأس أبي عزّة الْجُمَحيّ الذي قال له النبيّ - ﷺ -: «لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين»، فقتله، واحتمل رأسه إلى المدينة في رُمْح، وأما أول مسلم حُمل رأسه في الإسلام، فعمرو بن الْحَمِق، وله صحبة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٤٦٥٥] (١٨٠١)، و(البخاريّ) في «الرهن» (٢٥١٠) و«الجهاد» (٣٠٣١ و٣٠٣٢) و«المغازي» (٤٠٣٧)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٣/ ٧٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٩٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٤٦)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٤٩٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٤٠ و٩/ ٨١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قال السهيليّ ﵀: في قصة كعب بن الأشرف جواز قتل المعاهَد، إذا سبّ النبيّ - ﷺ -، خلافًا لأبي حنيفة. وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيه نظرٌ، وصنيع البخاريّ في «الجهاد» يُعطي أن كعبًا كان محارِبًا، حيث ترجم لهذا الحديث: «الفتك بأهل الحرب»، وترجم له أيضًا: «الكذب في الحرب». انتهى . وقال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في سبب مخادعة محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف بالحيلة التي ذكرها، وجوابه، فقال الإمام المازريّ: إنما قتله كذلك؛ لأنه نقض عهد النبيّ - ﷺ -، وهجاه، وسَبَّه، وكان عاهده أن لا يُعِين عليه أحدًا، ثم جاء مع أهل الحرب مُعِينًا عليه، قال: وقد أَشْكَل قَتْلُه على هذا الوجه على بعضهم، ولم يَعرف الجواب الذي ذكرناه. وقال القاضي عياض: قيل هذا الجواب، وقيل: لأن محمد بن مسلمة لم يُصَرِّح له بأمان في شيء من كلامه، وإنما كلَّمه في أمر البيع والشراء، واشتكى إليه، وليس في كلامه عهد، ولا أمان، قال: ولا يحل لأحد أن يقول: إن قَتْله كان غدرًا، وقد قال ذلك إنسان في مجلس عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، فأَمَرَ به عليّ، فضرب عنقه ، وإنما يكون الغدر بعد أمان موجود، وكان كعب قد نقض عهد النبيّ - ﷺ -، ولم يُؤَمِّنه محمد بن مسلمة، ورُفقته، ولكنه استأنس بهم، فتمكنوا منه من غير عهد، ولا أمان، وأما ترجمة البخاريّ على هذا الحديث بـ «بابُ الفتك في الحرب»، فليس معناه الغدر، بل الفتك: هو القتل على غِرّة، وغَفْلة، والْغِيلة نحوه. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «مَنْ لكعب بن الأشرف» كعب هذا: رجل من بني نبهان من طيّء، وأمه من بني النضير، وكان شاعرًا، وكان قد عاهد النبيّ - ﷺ - أن لا يُعِين عليه، ولا يتعرض لأذاه، ولا لأذى المسلمين، فنقض العهد، وانطلق إلى مكة إثر وقعة بدر، فجعل يبكِّي من قُتل من الكفار، ويحرِّض على رسول الله - ﷺ -، وهو الذي أغرى قريشًا وغيرهم حتى اجتمعوا لغزوة أُحد، ثم إنه رجع إلى بلده، فجعل يهجو رسول الله - ﷺ -، ويؤذيه، والمسلمين، فحينئذ قال رسول الله - ﷺ -: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله - ﷺ -»، فأغرى بقتله، ونبّه على علة ذلك، وأنه مستحق للقتل، ولا يَظُنّ أحد أنه قُتِل غدرًا، فمن قال ذلك قُتِل، كما فعله عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، وذلك أن رجلًا قال ذلك في مجلسه، فأمر علي بضرب عنقه، وقال آخر: في مجلس معاوية، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة، وأنكر على معاوية سكوته، وحلف أن لا يُظله وإيَّاه سَقْف أبدًا، ولا يخلو بقائلها إلا قَتَله . قال القرطبيّ: ويظهر لي: أنه يُقتل، ولا يستتاب؛ لأن ذلك زندقة إن نَسَب الغدر للنبيّ - ﷺ -، فأما لو نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول: إنهم أَمَّنوه، ثم غدروه، لكانت هذه النسبة كذبًا محضًا؛ لأنه ليس في كلامهم معه ما يدلّ على أنهم أَمّنوه، ولا صرحوا له بذلك، ولو فعلوا ذلك لَمَا كان أمانًا؛ لأن النبيّ - ﷺ - إنما وجّههم لقتله، لا لتأمينه، ولا يُجار على الله تعالى، ولا على رسوله - ﷺ -، ولو كان ذلك لأدى إلى إسقاط الحدود، وذلك لا يجوز بالإجماع، وعلى هذا فيكون في قتل من نَسَب ذلك لهم نَظَر، وتردد، وسببه: هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبيّ - ﷺ -؛ لأنه قد صوَّب فعلهم، ورَضِيَ به، فيلزم منه أنه قد رضي بالغدر، ومَن صَرَّح بذلك قُتل، أو لا يلزم ذلك؟؛ لأنه لم يصرح به؛ وإنما هو لازم على قوله، ولعله لو تنبه لذلك الإلزام لم يصرح بنسبة الغدر إليهم، ويكون هذا من باب التكفير بالمآل، وقد اختُلِف فيه، والصحيح: أنه لا يُكَفَّر بالمآل، ولا بما يلزم على المذاهب، إلا إذا صرح بالقول اللازم، وإذا قلنا: إنه لا يُقتل، فإنه لا بد من تنكيل ذلك القائل، وعقوبته بالسجن، والضرب الشديد، والإهانة العظيمة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): جواز اغتيال من بلغته الدعوة من الكفّار، وتبييته من غير دعاء إلى الإسلام. ٣ - (ومنها): أن فيه جواز الكلام الذي يُحتاج إليه في الحرب، ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته. قال القرطبيّ ﵀: قول محمد بن مسلمة - ﵁ -: «إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عَنّانا»: ليس فيه تصريح بأمان، بل هو كلام ظَهَر لكعب منه أن محمد بن مسلمة ليس مُحَقّقًا، ولا مخلصًا في اتباع النبيّ - ﷺ -، ولا في الكون معه، ولذلك أجابه بقوله: وأيضًا والله لتمَلُّنَّه، وكلام محمد من باب المعاريض، وليس فيه من الكذب، ولا من باب الباطل شيء، بل هو كلام حقّ، فإن محمدًا - ﷺ - مرجل، لكن أيُّ رجل؟ وقد أراد صدقةً من أمته، وأوجبها عليهم، وقد عنَّاهم بالتكاليف؛ أي: أتعبهم، لكن تعبًا حصل لهم به خير الدنيا والآخرة، وإذا تأملت كلام محمد هذا؛ علمت أن محمد بن مسلمة من أقدر الناس على البلاغة، واستعمال المعاريض، وعلى إعمال الحيلة، وأنه من أكمل الناس عقلًا ورأيًا. انتهى . ٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً على قوّة فطنة امرأة كعب بن الأشرف، وصحة حديثها وبلاغتها في إطلاقها أن الصوت يقطر منه الدم، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ ﵀: قول امرأة كعب: «إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم»؛ أي: صوت طالب دم، كانت هذه المرأة من شياطين الإنس، أو تكلم على لسانها شيطان، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]، وإلا فمن أين أدركت هذا؟ بل هذا من نوع ما وقع للزَّباء في قصتها مع قَصِير حين جاءها بالصَّناديق فيها الرِّجال، فأوهمها أن فيها تجارةً، فلما رأتها أنشدت [من الرجز]: مَا لِلجِمالِ مَشيُهَا وَئيدا؟ … أجَنْدَلًا يَحْمِلنَ أم حَدِيدَا؟ أم صَرَفَانًا بَارِدًا شَدِيدا؟ … أمِ الرِّجَالَ جُثَّمًا قُعُودا؟ وكذلك كان. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤١) - (بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ) قال السيّد محمد مرتضى الزبيديّ ﵀: «خَيْبَرُ»: كصَيْقَلٍ حِصْنٌ معروفٍ، قُرب المدينة المشرّفة، على ثمانية بُرُد منها إلى الشام، سُمّي باسم رجل من العماليق، نزل بها، وهو: خيبر بن قانية بن عَبِيل بن مهلان بن إِرَم بن عَبيل، وهو أخو عاد، وقال قوم: الخيبر بلسان اليهود: الْحِصْن، ولذا سُمِّيت خبائر أيضًا، وخيبر: اسمٌ للولاية، وكانت به سبعة حصون، حولها مَزارع، ونخل، وهذه الحصون السبعة أسماؤها: شِقٌّ، ووَطِيحٌ، ونَطَاةُ، وقُوصٌ، وسُلالِمُ، وكَتِيبةُ، وناعِمٌ. انتهى . وقال في «الفتح»: «خَيْبَرُ» - بمعجمة، وتحتانية، وموحّدة - بوزن جَعْفَر، وهي مدينة كبيرة، ذات حُصون ومزارع، على ثمانية بُرُد من المدينة إلى جهة الشام، وذكر أبو عبيد البكريّ أنها سُمِّيت باسم رجل من العماليق، نزلها. قال ابن إسحاق: خرج النبيّ - ﷺ - في بقية المحرم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة، إلى أن فتحها في صفر. ورَوَى يونس بن بُكير في «المغازي» عن ابن إسحاق في حديث الْمِسْوَر ومروان قالا: انصرف رسول الله - ﷺ - من الحديبية، فنزلت عليه «سورة الفتح» فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠]- يعني: خيبر -، فقَدِم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرّم. وذكر موسى بن عقبة في «المغازي» عن ابن شهاب: أنه - ﷺ - أقام بالمدينة عشرين ليلةً، أو نحوها، ثم خرج إلى خيبر. وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس - ﵄ -: «أقام بعد الرجوع من الحديبية عشر ليال»، وفي مغازي سليمان التيميّ: «أقام خمسة عشر يومًا»، وحَكَى ابن التين عن ابن الحصار: أنها كانت في آخر سنة ستّ، وهذا منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم. قال الحافظ ﵀: وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بأن مَن أَطلق سنة ستّ بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقيّ، وهو ربيع الأول. وأما ما ذكره الحاكم عن الواقديّ، وكذا ذكره ابن سعد: أنها كانت في جمادى الأولى، فالذي رأيته في «مغازي الواقدي»: أنها كانت في صفر، وقيل: في ربيع الأول، وأغرَبُ من ذلك ما أخرجه ابن سعد، وابن أبي شيبة، من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: «خرجنا مع النبيّ - ﷺ - إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان …» الحديث، وإسناده حسنٌ، إلا أنه خطأ، ولعلها كانت إلى حُنَين، فتصحَّفت، وتوجيهه بأن غزوة حُنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج النبيّ - ﷺ - فيها في رمضان جزمًا، والله أعلم. وذكر الشيخ أبو حامد في «التعليقة»: أنها كانت سنة خمس، وهو وَهَمٌ، ولعله انتقال من الخندق إلى خيبر. وذكر ابن هشام أنه - ﷺ - استَعْمَل على المدينة نُميلة - بنون، مصغّرًا - ابن عبد الله الليثيّ، وعند أحمد، والحاكم، من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه سِبَاع بن عُرْفُطة، وهو أصح. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٦] (١٣٦٥) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّة - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَزَا خَيْبَرَ، قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -، وَرَكِبَ أبو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، وَإِنِّي لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»، قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدُ - قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالْخَمِيسَ -. قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبِ) البُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٤ - (أَنَسُ) بن مالك - ﵁ -، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀؛ كالأسانيد الأربعة الماضية، وهو (٣٢٢)، وهو مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثمّ بغداديّ، وفيه أنس - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد تقدّم قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أنَسٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَزَا خَيْبَرَ) تقدّم الخلاف في تاريخ غزوها قريبًا. (قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا)؛ أي: خارجًا منها (صَلَاةَ الْغَدَاةِ) فيه جواز إطلاق ذلك على صلاة الصبح، خلافًا لمن كرهه. (بِغَلَسٍ) - بفتحتين -: ظلام آخر الليل، (فَرَكِبَ) - بكسر الكاف -، من باب تَعِبَ، (نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: ركب مركوبه، وعن أنس - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يوم قريظة والنضير على حُمُر، ويوم خيبر على حمار مخطوم بَرَسَن لِيفٍ، وتحته إَكَاف من ليف، رواه البيهقيّ، والترمذيّ، وقال: وهو ضعيف، وقال ابن كثير: والذي ثبت في «صحيح البخاريّ»، عن أنس: «أن رسول الله - ﷺ - أجري في زُقاق خيبر، حتى انحسر الإزار عن فخذه»، فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس، لا على حمار، ولعل هذا الحديث إن كان صحيحًا، فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام، وهو محاصِرها. انتهى . (وَرَكِبَ أبو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النّجّار، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شَهِدَ بدرًا وما بعدها، مات - ﵁ - سنة (٣٤)، تقدّمت ترجمته في «الحيض» ٧/ ٧٢٠. وقوله: (وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) جملة في محلّ نصب على الحال، و«الرديف»: هو الذي تحمله خلفك على ظهر دابّتك. (فَأَجْرَى نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: مركوبه، فمفعول «أجرى» محذوف، (فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ) - بضمّ الزاي، وتخفيف القاف؛ كغُراب -: السّكّةُ، ويؤنّث، جمعه زُقّانٌ، وأزِقّةٌ، قاله المجد ، وقال الفيّوميّ: الزُّقَاقُ: دون السِّكّة، نافذةً كانت، أو غير نافذة، قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنّثون الزُّقاق، والطريق، والسبيل، والسوق، والصراط، وتميم تُذكّر، والجمع: أَزِقَةٌ، مثلُ غُراب وأغرِبَةٍ. انتهى . (وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، وَانْحَسَرَ)؛ أي: انكشف (الإِزَارُ)؛ أي: إزاره - ﷺ -، وهو - بكسر الهمزة -: ما يَستُر أسافل البدن ، وقال الفيّوميّ: الإزار معروف، والجمع في القلّة: آزرةٌ، وفي الكثرة: أُزُرٌ، بضمّتين، مثلُ حمار وأحمرة، وحُمُرٍ، ويذكّر، ويؤنّث . (عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ الله - ﷺ -) فيه حجة لمن يقول: إن الفخذ ليست بعورة، وسيأتي تمام البحث قريبًا. (وَإِنِّي لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا دَخَلَ) النبيّ - ﷺ - (الْقَرْيَةَ)؛ أي: خيبر، وهذا مُشعر بأن ذلك الزقاق كان خراج القرية، (قَالَ) - ﷺ - («اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ) من باب تَعِبَ، يقال: خَرِبَ المنزلُ، فهو خَرَاب، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أخْرَبْتُهُ، وخَرَّبته، وهو ضد العُمْرَان، وأما خَرَبَ، يَخْرُبُ، كقَتَلَ، يَقْتُل، خِرَابَةً، بالكسر، إذا سَرَق، كما في»المصباح«، فلا يناسب هنا. (خَيْبَرُ)؛ أي: صارت خرابًا، وهل ذلك على سبيل الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب، أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل لَمّا رآهم خرجوا بمساحيهم، ومَكاتِلهم؟ وذلك من آلات الهدم، ويجوز أن يكون أَخذه من اسمها، وقيل: إن الله تعالى أعلمه بذلك . (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْم) قال الجوهريّ: ساحة الدار: ناحيتها، والجمع: ساحاتٌ، وسُوحٌ، وسًاحٌ أيضًا، مثلُ بَدَنة وبُدْن، وخَشَبة وخَشَب، فأصل ساحة: سَوَحَةٌ، قُلبت الواو ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، وأصل الساحة: الفضاء بين المنازل، ويُطْلَق على الناحية، والجهة والبناء . (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»)؛ أي: بئس وقت القوم المنذَرين، و«صباحُ»فاعل«ساء»، والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: صباحهم، ويَحْتَمِل أن يكون«صباحُ»مخصوصًا بالذّمّ، والفاعل ضمير يعود إليه، والتمييز مقدرٌ؛ أي: ساء هو؛ أي: صباحُهُم صباحًا، وقال البيضاوي في«تفسيره»؛ أي: فبئس صباحُ المنذرين صباحهم، واللام للجنس، والصباح مستعار من صباح الجيش المُبَيّتِ لوقت نزول العذاب، ولمّا كثر الهجوم، والغارة في الصباح سَمّوا الغارة: صباحًا، وإن كان في وقت آخر. انتهى. وإنما قال: اللام للجنس؛ لأن ما بعد«بئس»، و«نعم»يُشترط أن يكون شائعًا، ليكون فيه التفسير بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال، فلو كان«ساء»، بمعنى: قَبُحَ جاز كونها للعهد، أفاده الشهاب الخفاجيّ في«حاشيته». وفيه إقامة الظاهر مقام المُضْمَر؛ إذ الظاهر أن يقول: صباحهم؛ إيذانًا بكونهم مُنذَرِين، من قبلُ؛ أي: بَلَغَتْهم دعوته، فعاندوا، فاستحقوا الإغارة عليهم، أفاده سليمان الجمل في«حاشيته على الجلالين». (قَالَهَا)؛ أي: قال هذه الْجُمَل (ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ)؛ أي: اليهود (إِلَى أَعْمَالِهِمْ)؛ أي: مواضع أعمالهم، أو خرجوا لأعمالهم التي كانوا يعملونها، فـ«إلى» بمعنى: اللام. (فَقَالُوا: مُحَمَّد) مرفوعٌ على أنه فاعل لفعل محذوف؛ أي: جاء محمد، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا محمد (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب الراوي عن أنس - ﵁ -: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أشار به إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة؛ يعني قوله: (وَالْخَمِيسَ) من أنس، وإنما سمعه من بعض أصحابه عنه، وهذه رواية عن مجهول؛ إذ لم يُعَيَّن هذا البعض من هو؟ قاله العينيّ. وقال الحافظ: يَحْتَمِل أن يكون بعض أصحاب عبد العزيز محمدَ بنَ سيرين؛ لأن البخاريّ أخرج من طريقه أيضًا، أو يكون ثابتًا البنانيّ؛ لأن مسلمًا أخرجه من طريقه أيضًا. وتعقّبه العينيّ بأنه يَحْتَمِل أن يكون غيرهما، فعلى كل حال لا يخرج عن الجهالة. والحاصل أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس قالوا: جاء محمد فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا: محمدٌ، والخميس. وارتفاع «الخميس» لكونه معطوفًا على «محمدٌ»، ويجوز أن تكون الواو فيه بمعنى«مع»، على معنى: جاء محمدٌ مع الْخَمِيس؛ أي: الجيش. وزاد في رواية البخاريّ تفسير الخميسِ بقوله: «يَعْنِي: الْجَيْشَ»، وهو مُدْرَجٌ من تفسير عبد العزيز، أو ممن دونه. وسُمِّي الجيش خميسًا؛ لأنه خمسة أقسام: مقدّمة، وساقة، وقَلْب، وجناحان، ويقال: ميمنةٌ، ومَيسرةٌ، وقَلْبٌ، وجناحان، وقال ابن سِيدَه: لأنه يُخَمِّس ما وَجَده، وقال الأزهريّ: الْخُمُس إنما ثبت بالشرع، وكانت الجاهلية يسمّونه بذلك، ولم يكونوا يعرفون الْخُمُس، فبان أن القول الأول هو الأَولى . (قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً) - بفتح العين المهملة، وإسكان النون -: هو القهر، يقال: أخذته عَنْوَةً؛ أي: قهرًا، وقيل: أخذته عنوة؛ أي: عن غير طاعة، وقال ثعلب: أخذت الشيء عنوةً؛ أي: قهرًا في عُنْفٍ، وأخذته عنوة؛ أي: صُلْحًا في رِفْقٍ. وقال ابن التين: ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها، وطاعة، بلا قتال، ونقله عن القَزّاز في «جامعه»، فيكون هذا اللفظ من الأضداد. وقال أبو عُمر: الصحيح أن أرض خيبر كلها أُخذت عَنوةً، وقال المنذريّ: اختلفوا في فتح خيبر، هل كانت عنوةً، أو صلحًا، أو جَلا أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها أُخذت صلحًا، وبعضها عنوةً، وبعضها جلا أهلُها عنها؟ قال: وهذا هو الصحيح، وبهذا أيضًا يندفع التضادّ بين الآثار. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٤٦٥٦ و٤٦٥٧ و٤٦٥٨] (١٣٦٥)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٧١) و«الأذان» (٦١٠) و«صلاة الخوف» (٩٤٧) و«الجهاد» (٢٩٤٣ - ٢٩٤٤) و«المغازي» (٤٢٠٠)، و(الترمذيّ) في «السير» (٤/ ١٢١)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (١/ ٢٧١ - ٢٧٢) و«النكاح» (٦/ ١٣١) و«الكبرى» (١/ ٤٩٨ و٣/ ١٦١ و٣٣٥ و٥/ ١٧٧ - ١٧٨ و٢٠٠)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٤٦٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٨٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مسنده» (١٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨ و١٤/ ٤٦١)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠١ - ١٠٢ و١٦٤ و١٨٦ و٢٠٦ و٢٦٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٤٥ و٤٧٤٦)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ١٠٨ - ١٠٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٩٠٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٥٦ و٤/ ٣٥٢ - ٣٥٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٩٣ - ٩٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٥/ ٩٧) و«الأوسط» (٣/ ٩٨ و٨/ ٣٥٢) و«الصغير» (١/ ٣٢٥)، و(الطحاويّ) في شرح معاني الآثار«(٣/ ٢٠٨)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٩/ ٨٠ و١٠٨)، و(البغويّ) في»شرح السُّنَّة«(٢٧٠٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب التغليس بصلاة الصبح في السفر. ٢ - (ومنها): استحباب التبكير بالصلاة أوّل الوقت. ٣ - (ومنها): أنه لا يُكره تسمية صلاة الصبح غداةً، فيكون ردًّا على من قال: إنه مكروه. ٤ - (ومنها): جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة. ٥ - (ومنها): أن إجراء الفرس، والإغارة، ليس بنقص، ولا هادمٍ للمروءة، بل هو سُنَّةٌ، وفضيلة؛ إذ هو من مقاصد القتال. ٦ - (ومنها): جواز الإغارة على العدوّ، ولكن هذا فيمن بلغتهم الدعوة، وأما قبلها فلا يجوز. ٧ - (ومنها): استحباب التكبير عند ملاقاة العدوّ؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥]. وقال النوويّ ﵀: فيه استحباب التكبير عند اللقاء، قال القاضي عياضٌ: قيل: تفاءل بخرابها بما رآه في أيديهم من آلات الخراب، من الفؤوس، والمساحي، وغيرها، وقيل: أخذه من اسمها، والأصح أنه أعلمه الله تعالى بذلك. انتهى . ٨ - (ومنها): أنه استدلّ بهذا الحديث أصحاب مالك، ومن وافقهم على أن الفخذ ليست بعورة من الرجل، قال النوويّ ﵀: ومذهبنا، ومذهب آخرين: أنها عورةٌ، وقد جاءت بكونها عورة أحاديث كثيرةٌ، مشهورةٌ، وتأوّل أصحابنا حديث أنس - ﵁ - هذا على أنه انحسر بغير اختياره؛ لضرورة الإغارة، والإجراء، وليس فيه أنه استدام كشف الفخذ مع إمكان الستر، وأما قول أنس: فإني لأرى بياض فخذه - ﷺ -، فمحمول على أنه وقع بصره عليه فَجْأةً، لا أنه تعمّده، وأما رواية البخاريّ عن أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - حَسَر الإزار، فمحمولة على أنه انحسر، كما في رواية مسلم. وأجاب بعض أصحاب مالك عن هذا، فقال: هو - ﷺ - أكرم على الله تعالى من أن يبتليه بانكشاف عورته، وأصحابنا يجيبون عن هذا بأنه إذا كان بغير اختيار الإنسان فلا نقص عليه فيه، ولا يمتنع مثله. انتهى كلام النوويّ . وقال في «الفتح»: قال النوويّ: ذهب أكثر العلماء إلى أن الفخذ عورة، وعن أحمد، ومالك في رواية: العورة: القُبُل والدُّبُر فقط، وبه قال أهل الظاهر، وابن جرير، والإصطخريّ. قال الحافظ: في ثبوت ذلك عن ابن جرير نظرٌ؛ فقد ذكر المسألة في «تهذيبه»، ورَدّ على من زعم أن الفخذ ليست بعورة. ومما احتجوا به قولُ أنس - ﵁ - في هذا الحديث: «وإن ركبتي لَتَمَسّ فخذ نبيّ الله - ﷺ -»؛ إذ ظاهره أن المس كان بدون الحائل، ومس العورة بدون حائل لا يجوز، وعلى رواية مسلم، ومن تابعه في أن الإزار لم ينكشف بقصد منه - ﷺ - يمكن الاستدلال على أن الفخذ ليست بعورة من جهة استمراره على ذلك؛ لأنه وإن جاز وقوعه من غير قصد، لكن لو كانت عورة لم يُقَرّ على ذلك؛ لمكان عصمته - ﷺ -، ولو فُرِض أن ذلك وقع لبيان التشريع لغير المختار، لكان ممكنًا. لكن فيه نظر من جهة أنه كان يتعين حينئذ البيان عقبه، كما في قضية السهو في الصلاة، وسياقه عند أبي عوانة، والجوزقيّ، من طريق عبد الوارث، عن عبد العزيز ظاهر في استمرار ذلك، ولفظه: «فأجرى رسول الله - ﷺ - في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبيّ الله - ﷺ -، وإني لأرى بياض فخذيه». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن استدلال القائلين بعدم كون الفخذ عورةً بحديث أنس - ﵁ - المذكور في الباب قويّ، إلا أن القول بأنها عورةٌ أحوط، كما قال البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: «وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يُخرج من اختلافهم». انتهى. وحديث جرهد هو ما أخرجه مالك في «الموطّأ»، وأبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وابن حبّان، وصححه، وضعّفه البخاريّ في «التاريخ»؛ للاضطراب في إسناده، عن زُرْعة بن عبد الرحمن بن جَرْهد، عن أبيه، قال: كان جرهد هذا من أصحاب الصفة، قال: جلس رسول الله - ﷺ - عندنا، وفخذي منكشفة، فقال: «أما علمت أن الفخذ عورة؟». والحاصل أن كون الفخذ من العورة هو الأحوط؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): جواز الاستشهاد في مثل هذا السياق بالقرآن في الأمور المحققة، فقد قال - ﷺ -: «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»، وقد جاء لهذا نظائر كثيرة كما سبق قريبًا في فتح مكة أنه - ﷺ - جَعَل يطعن في الأصنام، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، قال العلماء: يُكره من ذلك ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات، والمزاح، ولغو الحديث، فيُكره في كل ذلك؛ تعظيمًا لكتاب الله تعالى، قاله النوويّ . ١٠ - (ومنها): (أن قوله: «وأصبناها عَنْوة») ظاهره أنها كلَّها فُتحت عنوة، وقد رَوى مالك، عن ابن شهاب: أن بعضها فتح عَنوةً، وبعضها صلحًا، قال المازريّ: وقد يُشكل ما رُوي في «سنن أبي داود»: أنه - ﷺ - قسمها نصفين: نصفًا لنوائبه، وحاجته، ونصفًا للمسلمين. قال: وجوابه ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضَيَاع، وقُرًى أُجلي عنها أهلها، فكانت خالصةً للنبيّ - ﷺ -، وما سواها للغانمين، فكان قَدْر الذي أُجلي عنه أهله النصف، فلهذا قُسم فصفين. انتهى . ١١ - (ومنها): ما قال القاضي عياض ﵀: في هذا الحديث أن الإغارة على العدوّ يُستحب كونها أول النهار عند الصبح؛ لأنه وقت غِرّتهم، وغفلة أكثرهم، ثم يضيء لهم النهار لما يحتاج إليه، بخلاف مُلاقاة الجيوش، ومصاففتهم، ومناصبة الحصون، فإن هذا يُستحب كونه بعد الزوال؛ ليدوم النشاط ببرد الوقت، بخلاف ضده. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٧] (…) - (حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَدَمِي تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمسُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ، وَخَرَجُوا بِفُئُوسِهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ، وَمُرُورِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»، قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللهُ ﷿). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار، تقدّم قريبًا. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. و«أَنَسٌ» - ﵁ - ذُكر قبله. وقوله: (حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: طلعت، يقال: بزغت الشمس بَزْغًا، وبُزوغًا، كنصر، وقعد: طلعت، أو البزوغ ابتداء الطلوع. وقوله: (مَوَاشِيَهُمْ) جمع ماشية: المال، من الإبل، والغنم، قاله ابن السِّكِّيت، وجماعة، وبعضهم يَجعل البقر من الماشية، قاله الفيّوميّ . وقوله: (بِفُئُوسِهِمْ) بالهمزة جمع: فأس بالهمزة، كرأس ورؤوس، وهي آلة يُشقّ بها الحطبُ، ونحوه، وللبخاريّ: «بمساحيهم» - بمهملتين: جمع مِسْحاة، وهي من آلات الحرث. وقوله: (وَمَكَاتِلِهِمْ) جمع: مِكْتَلٍ - بكسر الميم - وهو الْقُفّة، يقال له: مِكْتَل، وقُفّة، وزَبِيلٌ، وزِنْبِلٌ، وزِنْبيل، وعَرَقٌ، وسَفِيفة - بالسين المهملة، وبفاءين . وقال في «الفتح»: الْمَكاتل: جمع مِكْتَل، وهو القُفّة الكبيرة التي يُحَوَّل فيها التراب وغيره، وعند أحمد، من حديث أبي طلحة في نحو هذه القصّة: «حتى إذا كان عند السحر، وذهب ذو الزرع إلى زرعه، وذو الضرع إلى ضرعه، أغار عليهم» . وقوله: (وَمُرُورِهِمْ) جمعُ: مَرّ - بفتح الميم - وهي المساحي؛ أي: المجارف من الحديد، قال القاضي عياض: قيل: هي حِبَالهم التي يَصعدون بها إلى النخل. انتهى . وقوله: (خَرِبَتْ خَيْبَرُ)، وفي رواية للبخاريّ في «الجهاد»: «فرفع يديه، وقال: الله أكبر، خربت خيبر»، وزيادة التكبير في معظم الطرق عن أنس، وعن حميد. قال السهيليّ: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل؛ لأنه - ﷺ - لَمّا رأى آلات الهدم - مع أن لفظ المسحاة من سَحَوْت: إذا قَشَرت - أخذ منه أن مدينتهم ستخرب. انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون قال: «خربت خيبر» بطريق الوحي، ويؤيده قوله بعد ذلك: «إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذَرين». انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى ما يتعلّق به من المسائل في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٨] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْبَرَ، قَالَ: «إنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
مصادر المؤلف (٥٩)

١. وفي نسخة: «أترهنوني».

٢. هو قول سفيان الراوي، كما عند البخاريّ في «الرهن».

٣. وفي نسخة: «قالت امرأته».

٤. «الفتح»٩/ ٩٦ - ٩٧، كتاب«المغازي»رقم (٤٠٣٧).

٥. «عمدة القاري»١٧/ ١٧٧، كتاب«المغازي»رقم (٤٠٣٧).

٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦١.

٧. «عمدة القاري» ٢٢/ ٩٥، و«شرح النوويّ» ١٢/ ١٦١.

٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦١ - ١٦٢.

٩. «عمدة القاري» ٢٢/ ٩٥.

١٠. «الفتح» ٩/ ٩٧ - ٩٨.

١١. «التوقيف على مهمّات التعريف» للمناويّ (ص ٣٧٦).

١٢. وفي نسخة: «أترهنوني».

١٣. وعبارة «إكمال المعلم» ٦/ ١٧٧): وقوله: «يُسَبّ … إلخ» كذا لكافّتهم بالسين المهملة، من السبّ، وعند الطبريّ: «يَشِبُّ» بالشين المعجمة، من الشباب، والوجه الأول. انتهى.

١٤. «إكمال المعلم» ٦/ ١٧٧، و«شرح النووي» ١٢/ ١٦٢.

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦٠.

١٦. «الفتح»٩/ ٩٧ - ٩٨.

١٧. «المصباح المنير»٢/ ٥٦٠.

١٨. «شرح النوويّ»١٢/ ١٦٢.

١٩. «الفتح» ٩/ ٩٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٣٧).

٢٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٢.

٢١. راجع: «عمدة القاري» ٢٥/ ٣٢٩.

٢٢. «إكمال المعلم» ٦/ ١٧٧ - ١٧٨، و«شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٢.

٢٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦١.

٢٤. «الفتح» ٩/ ٩٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٣٧).

٢٥. «الفتح» ٩/ ٩٩ - ١٠٠، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٣٧).

٢٦. «عمدة القاري» ٢٢/ ٩٥.

٢٧. «الفتح» ٩/ ١٠٠، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٣٧).

٢٨. هذا يحتاج إلى صحّة ثبوته، ولم يذكر عياض سنده، حتى ننظر فيه، والله تعالى أعلم بصحّته.

٢٩. راجع: «إكمال المعلم» ٦/ ١٧٦ - ١٧٧، و«شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٠ - ١٦١.

٣٠. يُحتاج إلى ثبوت سند القصّتين، فليُتنبّه.

٣١. «المفهم» ٣/ ٦٥٩ - ٦٦٠.

٣٢. «المفهم» ٣/ ٦٦١.

٣٣. «الفتح» ٩/ ١٠٠، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٣٧).

٣٤. «الجندل»: الحجارة والصخر.

٣٥. «الصرَفان»: ضرب من أجود أنواع التمر، وهو أيضًا الرصاص، والموت.

٣٦. «المفهم» ٣/ ٦٦١ - ٦٦٢.

٣٧. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٣/ ١٦٨.

٣٨. «الفتح» ٩/ ٢٩٥، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٥).

٣٩. راجع:«عمدة القاري»٤/ ٨٤.

٤٠. «القاموس المحيط»ص ٥٦٥.

٤١. «المصباح المنير»١/ ٢٥٤.

٤٢. «التوقيف على مهمّات التعريف»ص ٥٢.

٤٣. «المصباح المنير» ١/ ١٣.

٤٤. راجع:«عمدة القاري»٤/ ٨٥.

٤٥. راجع:«عمدة القاري»٤/ ٨٥.

٤٦. راجع:«حاشية الشهاب الخفاجيّ على البيضاويّ»٧/ ٢٩٢.

٤٧. راجع:«حاشية الجمل على الجلالين»٣/ ٥٥٩.

٤٨. راجع: «الفتح» ٢/ ٨٧، كتاب «الصلاة» رقم (٣٧١).

٤٩. راجع:«عمدة القاري» ٤/ ٨٥.

٥٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٤.

٥١. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٣ - ١٦٤.

٥٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٤.

٥٣. «إكمال المعلم» ٦/ ١٨٠.

٥٤. «إكمال المعلم» ٦/ ١٧٩.

٥٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٤.

٥٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٥.

٥٧. «الفتح» ٩/ ٣٠١، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٧).

٥٨. «إكمال العلم» ٦/ ١٧٩.

٥٩. «الفتح» ٩/ ٣٠٢، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٧).